تجارة عنوانها الموت، السلاح حاضر فيها بقوته وإغوائه، وسهولة وصوله إلى من يرغب في اقتنائه، سواء لاستخدامه في أعمال البلطجة والاعتداء أو بهدف الحماية والدفاع عن النفس.

هذه التجارة غير الشرعية كما يصنفها القانون تعبر البلاد عبر طرق عديدة، لكن في مقدمتها المساحات الشاسعة من الصحارى، من السودان جنوبا، وليبيا غربا.

بيد أن الحقيقة ذات زوايا متعددة، ففي بلد واسع مثل مصر لا يبدو السلاح غير الشرعي الملقى القبض عليه إلا نقطة في بحر، لا يكف المهربون والتجار عن العمل، وحين تعد خارطة الزبائن نتفاجأ بأن الجهاز الأمني هو واحد منهم.

المغامرة الخطرة
الفيلم الاستقصائي "تجارة السلاح" الذي بث الخميس (7/1/2016) ضمن سلسلة "الصندوق الأسود" دخل المغامرة الخطرة، وتتبع بما تيسر من أدوات خفيفة إلى أبعد مناطق بيع السلاح غير الشرعي.

وكان السؤال مدار البحث هو كيف تدخل وتتحرك هذه الأسلحة فتصل إلى أيدي المواطنين، وماذا عن دور الأمن المصري وتورطه في هذا الملف، وكيف يسمح لـ400 ألف بلطجي بحمل السلاح والمتاجرة به.

تقول البيانات إن مصر شهدت في السنوات الثلاث ما بعد ثورة يناير أكبر رواج لتجارة السلاح غير الشرعي في تاريخها، فحسب التقديرات الرسمية في تلك الفترة ضبطت 61 ألف قطعة سلاح و11 ألف ورشة تصنيع و12 ألفا من المتاجرين فيه، وأكثر من ألف عصابة تقوم بعمليات تهريب الأسلحة داخل البلاد.

من الحدود تبدأ رحلة السلاح غير الشرعي داخل الأراضي المصرية، مرورا بالصعيد والمحافظات الداخلية وصولا إلى بيوت تحول بعضها إلى ورش للتصنيع والبيع.

تورط الأمن
تسللت كاميرا فريق الفيلم إلى عدد من ورش تصنيع السلاح، ورصدت عمليات التصنيع اليدوية بأساليبها البدائية، وتتبع فريق العمل أساليب الحصول على "خرطوش" وذخائر لأنواع متعددة من البنادق ليظهر تورط عدد من أفراد الشرطة والقوى الأمنية في بيع وشراء ذخائر بطرق غير مشروعة.

يؤكد أحد التجار أن رجال شرطة يشترون منه الرصاص الحي من عيار 9 مليمترات و8.5 مليمترات.

الخبير في إدارة المخاطر الأمنية إيهاب يوسف يشير إلى أن أي مجتمع وظيفي يوجد بها ملائكة وشياطين، ومن الطبيعي أن يوجد في الجهاز الأمني من يتاجر بالسلاح.

أما الخرطوش فيكلف ما بين مئتين وثلاثمئة جنيه، ويباع بثمانمئة جنيه، بحسب صاحب ورشة حدادة، علما أن الخرطوش برز كأحد أسلحة البلطجية في التصدي للمظاهرات.

وصل الفريق إلى الصعيد، أرض السلاح والثأر، وإلى أسيوط تحديدا عاصمة هذه التجارة، إذ ينبغي ذكر الأسلحة مع 11 ألف روح أزهقت في عمليات ثأر خلال عشرين عاما.

تمكن فريق العمل من التواصل مع سماسرة يقومون بدور الوسيط في عمليات بيع الأسلحة، واستطاع من خلالهم مقابلة مهربين وتصويرهم أثناء المشاركة مع عصابتهم بنقل كميات أسلحة من المناطق الحدودية عبر طرق صحراوية وجبلية وعرة.

ضعف الدولة
يقول الخبير الأمني عبد الرحيم السيد إن ضعف وجود الدولة هو ما سمح برواج السلاح، مضيفا أن أسلحة تدفقت أثناء الثورة الليبية ومن أماكن أخرى جعلت منها تجارة مربحة.

حول هذه الأسلحة العابرة للحدود يقول الخبير إيهاب يوسف إن الحدود الطويلة غير مؤمنة تكنولوجيا، والصحراء لها دروبها الخاصة التي يعرفها الأدلاء العارفون بجغرافيتها.

لكن ما ينكشف من القصة أكثر مما يبقى غامضا، فإذا كانت هذه التجارة تعمل بمئات الملايين من الدولارات، وطوابير الراغبين في الشراء لا تتوقف يبقى السؤال حاضرا: كيف استطاع فريق الفيلم أن يصل إلى واحدة من مناطق تهريب السلاح وتصنيعه وبيعه بينما تعجز الدولة؟ هل يد الدولة مغلولة أم هي راضية؟