مقدم الحلقة:

محمد كريشان

ضيوف الحلقة:

تيسير علوني: مراسل الجزيرة- بغداد
د.عزام التميمي: مدير معهد الفكر الإسلامي-لندن
د. أحمد القديدي: محلل سياسي

تاريخ الحلقة:

24/04/2003

- موقف العراقيين من المتطوعين العرب وطريقة معاملتهم لهم
- حقيقة الغدر والخيانة ضد المتطوعين العرب في العراق

- دور الإعلام ومسؤوليته في ذهاب المتطوعين إلى العراق

- تعامل الدول العربية مع المتطوعين العائدين من العراق

محمد كريشان: مشاهدينا الكرام، السلام عليكم ورحمة الله.

أهلاً بكم في هذه الحلقة الجديدة من (ما وراء الأخبار [الأحداث])، ونتناول فيها تجربة المتطوعين العرب في الحرب الأخيرة في العراق خاصة وأن قصصاً كثيرة -أغلبها درامي- تُنشر الآن تباعاً في عدد من الصحف.

الهدف من هذه الحلقة هو تسليط الضوء على هذه التجربة، ومحاولة البحث عن بعض جوانب الحقيقة، استخلاصاً للعبر، بعيداً عن أي تضخيم بطولي أو تحامل تشويهي.

ضيوفنا في هذه الحلقة هم: هنا في الأستوديو (المحلل السياسي) الدكتور أحمد القديدي، ومعنا من العاصمة البريطانية لندن الدكتور عزام التميمي (مدير معهد الفكر الإسلامي)، ومن بغداد معنا مراسلنا تيسير علوني.

في البداية نريد أن أوضح بأن وصلتنا الكثير من الشهادات سنستعرض بعضها، بالطبع أغلبهم تحدثوا بأسماء مستعارة، كانت هناك إمكانية لأن يظهر بعض المتطوعين العرب معنا سواء عبر الأقمار الاصطناعية أو هنا حتى في الأستوديو، ولكن كلهم بعد أن وافقوا يبدو أنهم راجعوا موقفهم، ونحن نتفهم هذا لاعتبارات أمنية تخصهم بطبيعة الحال، واعتذروا عن الحضور أو عن الظهور بالوجه الكامل، البعض أعرب عن الاستعداد ولكن بأسماء مستعارة، وهذا أيضاً من.. من حقهم، ولكن يعني حتى نكون دقيقين تماماً، اخترنا فقط الاكتفاء بما وصلنا من فاكسات، وسنحاول أن نستعرض بعضها، كان هناك من يشيد، كان هناك من يستهجن، كانت هناك أيضاً تساؤلات من بعض العائلات سنحيلها ربما إلى برنامج (منبر الجزيرة) الذي قد يخصص حلقة مفتوحة للناس حول هذا الموضوع.

نبدأ من العاصمة العراقية بغداد، ونسأل تيسير عن هذا الموضوع كيف يجري تداوله في العراق أين الحقيقة؟ أين الخيال؟ ماذا يتحدث الناس هناك عن المتطوعين العرب؟

موقف العراقيين من المتطوعين العرب وطريقة معاملتهم لهم

تيسير علوني: نعم محمد، هنا بدأ الأمر بتوارد المتطوعين العرب في وقت مبكر من قبل بدء الحملة العسكرية على العراق لا بأس من البدء -على ما أعتقد- بمعلومات إحصائية، وردتنا أرقام كثيرة الحقيقة، آخر من تحدث عن هذا الموضوع -على ما أذكر- هو وزير الخارجية العراقي وأيضاً طه ياسين رمضان (نائب الرئيس العراقي الأسبق) قال: إن العدد.. قال أحدهما: إن العدد وصل إلى خمسة آلاف ثم أتبعه الثاني بتصريح يقول: أن العدد وصل إلى ستة آلاف، مصادر المتطوعين العرب الذين التقت بهم (الجزيرة)، ونشرنا بعض تصريحاتهم، سألناهم عن أحوالهم، وعن أوضاعهم، وعن يعني أعدادهم، والأماكن التي قدموا منها، الأماكن التي قدموا منها كانت طبعاً أماكن مختلفة في مختلف أرجاء العالم العربي والإسلامي، قالوا.. بعضهم قال: إن العدد وصل إلى عشرات الألوف، لكن الرقم الذي استخلصناه، وقد يعني يمكن اعتماده كقاسم مشترك بين كل الأرقام التي حصلنا عليها هو حوالي 8 آلاف متطوع عربي وصلوا من مختلف الأقطار العربية والإسلامية.

بالنسبة للناس في بغداد توصلوا على ما يبدو إلى قناعة مفادها: أن قوات الحرس الجمهوري، قوات الحرس الخاص، وما يسمى بفدائيي صدام انسحبت من أهم المعارك التي جرت على أطراف العاصمة العراقية، وهي معركة الاستيلاء على المطار، طبعاً القناعة مفادها أيضاً: أن الذي ثبت وخاض هذه المعركة هم المتطوعون العرب، البعض يتحدث عن.. الحقيقة عن خيانة وقعت في صفوف الحرس الجمهوري، البعض الآخر يتحدث عن قناعة توصل إليها قادة الحرس الجمهوري بعدم المشاركة في المعركة، هناك إفادات وصلتنا تقول: إن هناك تناقضات لدى القيادة العراقية أدت إلى هذا الموقف من قادة الحرس الجمهوري وبقية القوات التي كانت تدافع عن المطار، البعض الآخر يقول: إن القيادة العراقية حاولت إجبارهم على الدخول في معركة صعبة جداً بدون غطاء جوي، ووسط قصف مكثف، أنا شخصياً سمعت هذا القصف من منطقة قريبة من المطار -الحقيقة- لم أسمع بمثل هذا القصف في حياتي، كان قصفاً كثيفاً جداً، استُخدمت فيه بكثرة القنابل العنقودية، مثلاً كانت هناك -على ما يبدو - أسلحة كثيرة تقصف في وقت واحد، فكان الموقف من قبل القوات العراقية هو الانسحاب، والذين بقوا والذين ثبتوا -على ما يبدو- هم المتطوعون العرب، الذين استمر ثباتهم -رأيناهم طبعاً رأي العين- استمر ثباتهم في العاصمة العراقية بعد دخول القوات الأميركية بحوالي أسبوع، كانت هناك نقاط في بغداد يسيطرون عليها مثل ساحة اللقاء، ونفق الشرطة، الحقيقة معركة نفق الشرطة كانت آخر معركة خاضها هؤلاء المتطوعون العرب، وأنا ذهبت بنفسي إلى المكان، وأخذت شهادات وإفادات من السكان في الجوار، الذين كانوا يمدونهم بالطعام والشراب، ويحاولون -في الوقت نفسه- إقناعهم بالانسحاب، يقولون لهم: إن بغداد سقطت، إن القوات الأميركية موزعة في جميع أنحاء العاصمة العراقية، لكن هؤلاء يردون بالرفض، يقولون جئنا إما.. لننال إحدى الحسنيين -حسب قولهم -إما النصر وإما الشهادة، وكانت هذه المعركة -الحقيقة- آخر معركة خاضها هؤلاء المتطوعون العرب ضد القوات الأميركية، استمرت المعركة مدة حوالي ساعة، شارك فيه 11 متطوعاً كانوا آخر المتطوعين -على ما يبدو- الذين شاركوا في معارك ضد القوات الأميركية، انتهت بالقضاء عليهم جميعاً، ودُفنوا في أحد المساجد القريبة من منطقة نفق الشرطة، شارك جميع الأهالي في دفنهم، كما قد يذكر مشاهدو (الجزيرة) في أحد التقارير التي أرسلناها من هنا من بغداد حول هذه المعركة.

لكن عموماً الذي يتردد في بغداد هو.. يعني وصل الناس إلى قناعة مشتركة هو أن هؤلاء الناس لم يأتوا للدفاع عن نظام الحكم القائم في العراق، وإنما أتوا للدفاع عن أرض عربية إسلامية، يدوسها الغزاة الأميركيون بأنفسهم، حسب -يعني- ما قال هؤلاء المتطوعون، والناس يبدو أنهم اقتنعوا بهذا الكلام، أصبحت لهم هنا.. يعني نستطيع القول أنهم أصبحت لهم صورة مشرقة بين سكان العاصمة العراقية.

محمد كريشان: تيسير، رغم ذلك هناك بعض الروايات التي نُشرت في بعض الصحف العربية تشير ليس فقط إلى الخيانة التي أشرت إليها -حسب تعبيرهم- ولكن أيضاً إلى ما وصفوه بسوء معاملة من قبل الأهالي، أشرت إلى موضوع الدفاع عن نظام الرئيس صدام حسين، البعض فعلاً اعتبرهم كذلك، واعتبر أنهم جاءوا دفاعاً عن نظام الرئيس صدام حسين، وأن لهذا السبب أُهينوا، وعُذِّبوا، وأُسيئت معاملتهم، وسُلِّموا حتى للقوات الأميركية مقابل مبالغ مالية، هذه -على كل- روايات لا نجزم بصحتها- بطبيعة الحال- هي مجرد روايات لا نعلم مدى دقتها، هل هناك بعض الحديث من هذا القبيل في بغداد؟

تيسير علوني: نعم حصلت هناك بعض الاعتداءات عليهم، تعرضوا لسوء المعاملة في بعض المناطق البغدادية، على ما يبدو نتيجة سوء فهم، كان.. كانوا يخلطون بين المتطوعين العرب أحياناً وفدائيي صدام، قيل في بعض أحياء بغداد مثل مدينة الثورة التي أصبح اسمها مدينة الصدر، قيل إن هؤلاء المتطوعين كانوا يتقاضون مبالغ طائلة من.. من النظام العراقي من أجل قتل الشيعة، هذه.. هذه الروايات سمعناها، لكن فيما يبدو يعني هذه الصورة صُححت في النهاية، هناك روايات وردتني وروايات مؤكدة، ونحن نشرنا تقريراً عن بعض الجرحى العرب الذين عولجوا مثلاً في مستشفى القادسية، كان هؤلاء الجرحى -عفواً- الجرحى العراقيين يشتكون بأن الأطباء العراقيين يعاملون الجرحى العرب معاملة أفضل من معاملتهم لبقية الجرحى، هذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن تلك الصورة صُححت، قيل لنا: أنه في نفس هذا الحي -وهو مدينة الصدر- سُلِّم بعض المتطوعين العرب إلى القوات الأميركية، لكن تلقينا يعني إجماعاً على رفض هذا الكلام، على إنكاره تماماً، أنه لم يتم تسليم أي من المتطوعين العرب، وإنما الذين سُلِّموا هم من فدائيي صدام، بينما عومل المتطوعين العرب معاملة حسنة، وأُخرجوا في النهاية من ذلك الحي.

سألنا أيضاً طلبة الحوزة العلمية، فكان جوابهم: أنه ليس لدينا معتقلين من المتطوعين العرب، ولكن لو وُجد هؤلاء المعتقلين ، فسوف نعاملهم وفق الشريعة الإسلامية التي لا تبيح -حسب قولهم- تسليم مسلم لكافر، وإن وُجدوا أيضاً، فنسهِّل لهم أمورهم ونعيدهم بسلام إلى بلادهم، هذا ما وردنا عن قضايا سوء المعاملة التي تركزت فيما يبدو -وبشكل عام- حول يعني.. أو بالأحرى نجمت عن سوء فهم لمهمة هؤلاء المتطوعين العرب، ويبدو أن هذه الصورة صُححت لدى كثير من سكان بغداد، أنا أتكلم عن أغلبية الناس الذين قابلتهم في معظم أحياء العاصمة العراقية، لكن تجاوزات وقعت نعم، وقعت تجاوزات بحقهم، نعم أُطلقت عليهم النيران، نعم قد يكون بعضهم سُلِّم، يعني أنا لم تردني أية حالة عن تسليم سوى حالة واحدة في مدينة الثورة، قال لي أحدهم أنه سلَّم ثلاثة من المتطوعين العرب إلى القوات الأميركية، لكن جميع سكان الحي وسكان المنطقة نفوا ذلك، وقيل لي أنا أن.. أن الذين سُلموا هم من فدائيي صدام الذين شاركوا في الاعتداء على أبناء الحي، حين أحسوا بضغط الناس عليهم بعد سقوط العاصمة العراقية بغداد، لكن على العموم الصورة يبدو أنها يعني استقرت في أذهان المواطنين العراقيين على احترام هؤلاء المتطوعين العرب، واحترام أيضاً المهمة التي جاءوا من أجلها، وهي الدفاع عن أرض عربية إسلامية -كما يقولون- بغض النظر عن نظام الحكم وممارسات نظام الحكم، لم يأتوا على الإطلاق -كما قالوا -للدفاع عن نظام صدام حسين، لم يتقاضوا أية مبالغ مالية، سُحبت جوازات سفرهم وأُودعت في مكان، حين عادوا من المعارك أو عادوا من أماكن تواجدهم أصبحوا يجهلون هذا المكان، ويبحثون عن جوازات سفرهم، يبحثون عن ما تركوه من أمانات، من أموال، من حتى ملابس على ما يبدو، يعني كانوا هائمين على وجوههم في فترة من الفترات في شوارع بغداد، كما قال لنا معظم سكان بغداد، الحقيقة يعني هذه الصورة التي استخلصناها من إفادات وشهادات عديدة وكثيرة، وفي مناطق مختلفة من العاصمة العراقية، محمد.

محمد كريشان: نعم، سؤال أخير تيسير قبل أن نطلق سراحك، لأن هناك حظر التجول في العاصمة العراقية بغداد، ولابد أن تعود مبكراً، سؤال أخير: من بقي من هؤلاء الآن في العراق، وكيف يتدبرون أمرهم؟ وهل مازالوا مصرِّين على القتال، أم يحاولون بشتى السبل العودة إلى بلادهم؟

تيسير علوني: نعم، أنا سألت بعض المصادر عن مصير هؤلاء المتطوعين العرب الذين يبدو أنهم نجوا من المعارك، الحقيقة يعني كانت معركة المطار تكبدوا فيها -على ما يبدو- خسائر فادحة، قيل لي أيضاً أنه في بعض المناطق التي شهدت معركة المطار لم يخرج منهم أحد على الإطلاق، بالنسبة للبقية الباقية التي بقيت، يبدو أنهم تدبروا أمورهم وعاد قسم كبير منهم إلى.. إلى بلادهم الأصلية، حسب الشهادات التي وردت إلي، ولا أعرف كيف تدبروا أمورهم وبأية آلية، ربما بقي البعض منهم هنا في العراق، لكن في مناطق مختلفة، قيل لنا أيضاً أن بعض المساجد آوت بعضاً من هؤلاء المتطوعين العرب، نحن ذهبنا إلى هذه المساجد، للتحقق من الأمر، فلم نجد أياً منهم في تلك المساجد يبدو أنهم بالفعل تدبروا أمرهم للخروج من العراق بطرق شتى، وغادروا العراق، لكن فيما يتعلق بالإحصائيات أيضاً قيل لي: أن من.. يعني معظمهم.. الروايات أجمعت على أن معظم هؤلاء المتطوعين العرب قُتلوا في المعارك نتيجة ثباتهم، ورفضهم الانسحاب من أرض المعركة كما فعل البقية لسبب أو لآخر، بدافع أو بآخر، لكن هؤلاء ثبتوا في أماكنهم، وأنا -كما قلت لك- رأيت بعيني موقعين من مواقعهم في العاصمة العراقية في ساحة تسمى ساحة اللقاء وهي امتداد لشارع 14 رمضان، وأيضاً في منطقة نفق الشرطة أيضاً رأيناهم، ورأينا آثار المعركة التي خاضوها، الحقيقة يبدو أنها كانت معركة عنيفة جداً، قال لي أحد أئمة المساجد: أنه وُجدت جثة أحد هؤلاء المتطوعين العرب مربوطة إلى أحد أعمدة الكهرباء، يعني يبدو أن إصرارهم على عدم الانسحاب من المعركة كان إصراراً عجيباً كما يقول السكان.

محمد كريشان: تيسير علوني من بغداد شكراً جزيلاً لك، إذن كان معنا تيسير ووضعنا في صورة هذا الموضوع الذي سنبحثه.

[فاصل إعلاني]

محمد كريشان: دكتور القديدي، انطباعاتك الأولية عما سمعته.

د.أحمد القديدي: بسم الله الرحمن الرحيم، أنا والله أستاذ محمد قبل ما أدخل معاك في الأستوديو كنت بالتليفون مع اللجنة العربية لحقوق الإنسان في باريس وأكدوا لي بالوثائق، ويبعثوها لي بالفاكس أن.. عن 70 حالة، ما يقوله تيسير علوني صحيح تماماً، وحرام نظلم الشعب العراقي، ونقول أنه سلَّم أو قتل أو اضطهد، مش صحيح. الشعب العراقي كان بطل، وكان فيه مروءة وشهامة، وعرف أن هؤلاء قادمون لمقاومة الاستعمار، لأن فيه استعمار واحتلال، ولا يهم المتطوع العربي والمسلم ديكتاتورية صدام حسين اللي هي ديكتاتورية واقعية الحقيقة.

الناحية الثانية اللي حبيت أؤكدها هو أن ها الظاهرة مش جديدة مع حرب العراق، هي من زمن الحروب الصليبية، حملة (نابليون) على مصر قُتل قائدها (كليبر) من طرف سليمان الحلبي اللي جاء من الشام، أيضاً الأمير عبد القادر كان يجاهد في الجزائر بجيش عربي، فيه التوانسة والمغاربة والليبيين، وحتى إخوان من المشرق، عز الدين القسام جاء من الشام للمساهمة في تحرير فلسطين، حرب 48 المتطوعين العرب كانوا كثار، جاءوا من تونس، عندنا.. عندنا شهداء، الحاج إبراهيم المرزوقي ذهب من الجنوب التونسي إلى فلسطين ومات في القدس، يعني ها الأشياء مش جديدة، وستتواصل، لأن الشيوخ والأئمة ومنهم من هم معتدلين جداً مثل الشيخ الطنطاوي أو الشيخ (كفتارو) مفتي سوريا أفتوا بأن الجهاد والمقاومة للمحتل واجبة، وهي فرض عين، مثلما يقول الجهاد في الإسلام، هذا اللي حبيت أفتتح به.

محمد كريشان: نعم، على ذكر هؤلاء الشيوخ من بين الفاكسات التي وصلتنا، وتنتقد هذه الظاهرة، دكتور فادي كردواني يعتبر -على ذكر الشيوخ تحديداً- يعتبر أن هؤلاء الشباب وقعوا ضحية لأخباركم -يقصد (الجزيرة) والقنوات الفضائية- ولفتاوى دينية من أشخاص أمثال الشيخ الطنطاوي وشيخ الأزهر والإخوان المسلمين، وينتقدهم بلغة عنيفة، يقول: امتلأت جيوبهم بالمال، وتاجروا حتى شبعوا بالمبادئ، ودفعوا بهؤلاء الشباب العربي إلى الموت، وتركوهم هكذا سُدىً يعني.

د.أحمد القديدي: هذا.. هذا تلاعب إعلامي أميركي وبريطاني في الحقيقة، وإذا إحنا نسقط ضحاياه، اللي إحنا دولنا محتلة، وشعوبنا مضطهدة، وخيراتنا ربما تكون منهوبة ومسلوبة، مش لأن فيه ديكتاتور في مكان مثل ما قال إيليا أبو ماضي يقول:

نرجو الخلاص بغاشم من غاشم

لا يُنقِذ النخاس من نخاس

نحن إذا أردنا أن نأخذ أمورنا بأيدينا نصنع حريات، ونقول عكس ما كنا نقول من 50 سنة، نقول: بالروح والدم نفديك يا حرية ويا ديمقراطية، هذا هو الحل، فهؤلاء كثير من الضحايا، والمتطوعين مش ضحايا، المتطوعين كانوا واثقين من أن لهم مبادئ ويدافعون عنها، ودافعوا عنها قبل، وسيدافعون عنها في فلسطين أو في العراق أو في أي وطن يُحتل.

محمد كريشان: دكتور عزام التميمي في لندن، هناك نقطة أشار إليها تيسير، ويبدو أنها كانت نقطة لبس بصراحة، هو أن ربما البعض رأى في قدوم هؤلاء محاولة للدفاع عن نظام صدام حسين، الذي قد تكون الأغلبية الساحقة من الشعب العراقي أرادت التخلص منه، حتى أن متطوِّعاً مغربياً نُشرت شهادته في إحدى الصحف اللندنية قال: ما كنا نعرف أنه مكروه بهذا الشكل في البلد، هل تعتقد بأن في موضوع المتطوعين العرب من الصعب الحديث عن الدفاع ضد الاستعمار -مثلما قال الدكتور- والدفاع عن نظام لم تكن ممارساته تحظى بشعبية وقبول؟

د.عزام التميمي: بسم الله الرحمن الرحيم. الحقيقة وإن كان بعض المتطوعين لم يكن على علم بحقيقة النظام في العراق، والعلاقة بين الشعب العراقي وهذا النظام، إلا أن قدومهم لم يكن للدفاع عن النظام بعينه، وإنما نداءً لواجب، نحن الجهاد في سبيل الله في ديننا أساسٌ من أساسيات هذا الدين، وهؤلاء المتطوعون الذين جاءوا من كل بقاع الأرض هم بعض هذا الخير الذي بشَّر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال: "الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم الدين"، بل إن موقفهم بغض النظر عمَّا يقوله البعض من لمزٍ فيهم، إنما يذكرني بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي يقول فيه: "إن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة"، وذكر من بين الثلاثة ذلك الرجل الذي يأتي على جبهة قتال فينهزم جماعته، فيكاد ينهزم معهم، إلا أنه يصر على البقاء إلى أن يستشهد أو ينتصر فيلقى حتفه في سبيل الله، هؤلاء المتطوعون جاءوا ليستشهدوا، جاءوا لينالوا رضا الله، ولذلك لا يهم إطلاقاً ما يقوله الناس عنهم، (فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ) وأظن بإذن الله أنهم لن يبدلوا تبديلا.

محمد كريشان: ولكن دكتور، يعني في حديث مع إحدى المثقفات العراقيات كانت تنتقد هذه الظاهرة، تقول: هؤلاء أتوا من بلدانهم، كان أولى بهم أن يبقوا فيها ويكافحوا ويجاهدوا الظلم في.. في.. في بلادهم، كان بإمكانهم أن يقفوا أمام حكومة ظالمة في.. في بلدانهم العربية وما أكثرها، كان بإمكانهم الوقوف أمام وزير مرتشي أو موظف فاسد، وصفت هذه الظاهرة بأنها نوع من تصدير الغضب إلى مكان آخر، ثم معاقبة هذا الغضب عندما يعود، لأن تصدِّره للعراق، ثم يصبح منبوذاً إذا ما عاد، ومحل شبهة أمنية، وبالتالي هؤلاء الذين ذهبوا قد يكونون ذهبوا بكل اندفاع وحماسة دينية، ولكنهم في النهاية قد يكونون ضحية أيضاً.

د.عزام التميمي: لأ، كلمة ضحية لا يجوز استخدامها هنا، لأن هؤلاء جاءوا عاقدي.. عاقدي العزم على الاستشهاد في سبيل الله أو دحر العدوان، مثل.. مثل هذه المثقفة التي تسميها مثقفة وكل أولئك الذين رحبوا بجحافل الأميركان لتخليصهم من نظام الديكتاتور، لماذا لم يقوموا هم بالجهاد ضد الديكتاتورية، بدل أن يتسولوا أميركا أن تأتي لتخليصهم؟

الشبهة هي في قتال الأنظمة، أنا أعتبر.. أنا أنتمي إلى مدرسة فكرية ترى أن هذا النظام مهما كان فاسداً رفْعُ السلاح في وجهه يؤدي إلى فتن طاحنة، أما الأميركي الغازي المعتدي فلا شبهة إطلاقاً في قتاله، لأنه كافرٌ معتدٍ، داس أرض المسلمين، لا يجوز له بأي حق أن يوجد فيها.

حقيقة الغدر والخيانة ضد المتطوعين العرب في العراق

محمد كريشان: نعم، دكتور، أريد أن أستعرض بعجالة بعض الفاكسات التي وصلتنا كشهادات حتى نكون على.. على.. على الأقل بيِّنة من بعض الأمور، يعني مثلاً أبو عبد العزيز، وهو (المشرف العام على منتدى السقيفة الحواري على الإنترنت) ينتقد تسمية الحلقة أصلاً بمأساة المتطوعين العرب، لأنه يعتبر هذه التسمية فيها نَفَس تنفيري، على كل هذه مجرد ملاحظة.

لكن بالنسبة للشهادات مثلاً قصة بعثت بها مشاهدة تقول بأن أخاها المجاهد العربي الأردني محمد محصاوي أو محماوي أرجو ألا يكون.. يقول: تم تزويد كل واحد منا بحزام متفجرات ناسف.. مع.. فحماوي عفواً فحماوي، تم تزويد كل واحد منا بحزام متفجرات ناسف، وتم نقلنا بباصات على دفعات إلى منطقة المطار، وأنا كنت في الدفعة الثانية، ولو كنت في الدفعة الأولى لما كنت الآن على قيد الحياة، هذا محمد فحماوي يقول، يقول: عندما كنا في الطريق إلى منطقة المطار وقفنا، أوقفنا أحد الشرفاء، وقال لنا: ارجعوا.. ارجعوا، لأن الأحزمة التي ترتدونها غير قابلة للانفجار، وبها خلل فني، وبعدها رجعنا، ووجدنا بأن المعسكر الذي كنا فيه، والمعسكر الذي بجانبنا قد دُمِّر، هذا مثلاً.

أبي ولد ألدية من موريتانيا، يقول: أنا كنت في بغداد من أول يوم من الحرب حتى آخر طلقة وسقوط بغداد، استقبلونا بالترحيب والورود والزغاريد، وودعونا بالذبح والبيع والتهديد.

عبد الجبار الطلفاح، من سوريا- دير الزور- مدينة البوكمال، يذكر حالتين لشهيدين، الشهيد أكرم محمد جرجو من محافظة إدلب يقول: قام العملاء -على حد تعبيره- في مدينة الكوت بتسليم الشهيد بعد معركة ضارية مع المارينز، وبعدها ارتكب المارينز جريمة حرب بذبح الشهيد، وفصل رأسه على.. عن جسده أمام المواطنين، الشهيد منير أحمد كويفاتي، من ريف دمشق-كفر.. كفر باطنة، تم تعذيب الشهيد من قبل عدد من المؤيدين للعدوان بتهمة أنه مُخرِّب.

إبراهيم الحسين من سوريا من حلب، يقول: شاهدنا بعض الدبابات قادمة نحونا، فقلنا جميعاً: جاءنا الصيد، فقال الضابط: لا، إنها دبابات عراقية، أكدوا إنها دبابات أميركية، قال: لا، إنها دبابات عراقية، ولكن نحن قمنا بتمويهها، وبالتالي اكتشفوا بأن هذا الضابط لم يكن يريد لهؤلاء أن يطلقوا النار على الدبابات الأميركية.

شهادة أخرى في نفس الاتجاه أنه الأسلحة التي تلقوها غير صالحة.

شهادة أخرى من أخت شهيد كما بعثت إلينا تقول بأن أخوها استُشهد، أخوها علي علي الثقلي استُشهد في كربلاء هو وألف من الفدائيين العرب -بالطبع نحن نذكر هذه المعطيات كشهادات وصلتنا، نحن لا نجزم بحقيقتها، ولا بأصالة المعلومات التي فيها، على كل هذه الشهادات التي وصلت إلينا- قال: اتصل بها من زودهم باسم طبيب في مستشفى الحسيني قام بالإشراف على وضع الشهداء في ذلك المستشفى، ويُدعى الدكتور إحسان، وهو طبيب أنف وحنجرة، قالت أيضاً إن شيخاً يُدعى الشيخ صَّبار الكربلائي أخذ على عاتقه أن يتم دفن جميع الشهداء في مقبرة جماعية في كربلاء، وقال إنه سيسميها: مقبرة الفدائيين العرب.

شهادات أخرى أيضاً تنحو في نفس الاتجاه دكتور القديدي، وتشير إلى أن هؤلاء تعرضوا إلى الغدر، يعني إلى الغدر والخيانة، ويقولون بأنهم مثلاً في معركة المطار، وهذا أشار إليها تيسير كانوا هم من يتقدمون الصفوف، وبعضهم أُطلق عليه النار من القوات الأميركية ومن الخلف، يعني هذه شهادات تتلاقى حول هذه المعلومات، ولكن لا يمكن الجزم بصحتها في النهاية.

د.أحمد القديدي: ولكن أيضاً لا يلزم التصديق بالتلاعب الإعلامي الأميركي اللي هو خصم هؤلاء وخصم الأمة العربية إلى حين، إنما المهم أنا أعتقد أن جمهور المشاهدين لهذا البرنامج ينتظرون منا كشف بعض الأسرار، لأن في الحقيقة لم يفهم الرأي العام العربي كيف أم القصر تشد مع الأميركان والبريطانيين أسبوعين، وكيف بغداد المنتظر فيها، وهي ذات الخمس ملايين، وفيها مليون أو مليونين مسلح تسقط في لحظات، يعني نحن حينما نسلِّط الأضواء على المتطوعين العرب لعل ننير بعض هذه الأسرار، هؤلاء ليس مغرر بهم، هؤلاء ذهبوا إلى هناك عن مبدأ، مثلما ذهبوا إلى أفغانستان، وكان يمكن يكون مصيرهم مثل ما كان في أفغانستان، ربما النصر، لأن الاستعمار السوفيتي ساعتها مش أقل عتو وأقل ظلم من الاستعمار الأميركي اليوم، ولكن الذي وقع هو هذه ما يُسمى الصفقة التي وقعت، والتي ربما لن نعلم عنها شيء إلا بعد 10 أو 15 أو 20 سنة، بين الأميركان الذين اشتغلوا مخابراتياً ودبلوماسياً واقتصادياً على تهيئة الجو للحرب لمدة 12 سنة، مش صحيح أن الحرب أُعلنت بعد 11 سبتمبر 2001، مش صحيح، اشتغلوا عليها مخابراتياً واتصلوا بالضباط، واتصلوا بفدائيي صدام، واتصلوا بهياكل الجيش والإدارة، واشتغلوا معاهم مدة 12 سنة، والنتيجة كانت أن هذه الثمرة أو الفاكهة كانت قابلة للسقوط في هذه اللحظة، فهذا كان غائباً عن 6 آلاف متطوع عربي ومسلم، ولكن الحقيقة أن الأنظمة الاستبدادية العربية، وفي مقدمتها طبعاً وفي طليعتها النظام العراقي والعياذ بالله، وهذا قلته عام 90 مش هنقول فيه اليوم، لأن النظام مهزوم، وتحملت في ذلك مصائب، هو السبب في.. في أن اللعبة مثل الشطرنج قطعها كلها اختلطت، لم تفهم.. لا تفهم، أنت ذاهب إلى بغداد لتحريرها من مِنْ؟ وضرب مَنْ؟ وانتظار رصاصة تأتيك في الظهر، طعنة في الظهر مِنْ مَنْ؟ الديكتاتوريات هي السبب، يجب أن نستخلص العبرة، ونغيِّر ما بنا، نغيِّر القوم يُغيِّر ما بهم حتى يُغيِّر الله ما بنا، فهذا هو المطلوب الآن.

محمد كريشان: بعض الروايات أيضاً التي نشرت في الصحف العربية تقول: بأن الظهور الذي كان للرئيس صدام حسين في الأعظمية، البعض قال بأنه كان دامي العينين، وبأنه تحدث مع بعض هؤلاء المتطوعين العرب، وقال لهم: لقد خانوني، وأنا لا أعرف ماذا أقول لكم، على كل هذه أيضاً من بعض السيناريوهات التي تذكر صحيحة، غير صحيحة، الروايات تحتاج دائماً إلى تأكيد.

دور الإعلام ومسؤوليته في ذهاب المتطوعين إلى العراق

دكتور عزام التميمي، البعض ممن كتب عن هذا الموضوع حمَّل الإعلام والفضائيات العربية دوراً في تأجيج هؤلاء حتى أتوا إلى العراق، بعضهم كان حتى في أوروبا، وكان يعيش في حياة اجتماعية وأسرية وعاطفية مريحة، ترك هذا وذهب متطوعاً، وبعضهم قُتل حتى وهو في سيارته في طريقه إلى العراق، يعني حتى لم يتمكن من رفع السلاح، هل الإعلام لعب دوراً تعبوياً تضليلياً يتحمل فيه المسؤولية عن ذهاب هؤلاء؟

د.عزام التميمي: إطلاقاً.. إطلاقاً هذا كلام غير صحيح، الذي يقول هذا الكلام لا يفهم حقيقة مفهوم الجهاد في الإسلام، الجهاد في الإسلام نوع من التعبُّد، يتقرب به الإنسان إلى الله، بغض النظر عن النتيجة، يعني أنت لا تحسب مسبقاً أنني لن أخرج مجاهداً إلا إذا ضمنت الفوز، لأنه إحنا بنتكلم عن إحدى الحسنيين إما الشهادة وإما النصر، ثم الذين يقولون هذا الكلام لا يفهمون علاقة الإنسان في هذه الحياة الدنيا بعلاقته بما هو بعد الموت، نحن نؤمن كمسلمين بأن هذه الحياة مؤقتة، وأننا لا نسير.. لا.. لا.. لا شك سائرون إلى حياة أخرى، وهنا يختار المرء منا أيريد أن يقضي حياته في التنعُّم في الاستزادة.. الاستزادة من المال والبنين والجاه، أم يريد أن يضمن الجنة؟ والجهاد هو أقصر السبل إلى الجنة، هؤلاء الناس خرجوا حسب نيَّاتهم، وهنا نطبِّق عليهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته لله ورسوله فهجرته لله ورسوله، ومن كانت هجرته لتجارة يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته لما هاجر إليه".

الذين هاجروا من.. الذين جاهدوا منهم يريدون وجه الله والدفاع عن الأمة هؤلاء مأجورون، ولا يجوز في حقهم إلا أن نعلن أنهم شهداء وكرماء، وهم أفضل الأمة على الإطلاق.

محمد كريشان: ولكن دكتور، هناك من ذهب بدون أن يكون بالضرورة ملتزماً دينياً، وهنا النقطة ربما.

د.عزام التميمي: نعم، الإنسان يمكن أن يكون مُقصِّراً في أداء واجباته الدينية، لكن إذا كانت نيته في قلبه أنه خارج في سبيل الله، فهو يعلم أنه إذا استُشهد في سبيل الله، فإن ذلك يَجُبُّ كل ما عليه إلا إن كان عليه دين للبشر، يعني لو كان مقصراً في صلاته، لو كان مقصراً في صومه، لو كان مقصِّراً في زكاته، في حجه، هذا كله يُغفر له إن سقط شهيداً، وارتفع إلى الملأ الأعلى، بل ويُشفَّع في سبعين من أهله، هذه.. هذا ترغيب إسلامي إلهي، الذين لا يقرءون القرآن، الذين لا يقرءون السنة النبوية، ولا يقرءون التاريخ الإسلامي، لا يفهمون هذه المعاني، الذين يتكلمون من وحي فلسفة علمانية دنيوية قاصرة عن رؤية الآخرة وما في الآخرة لا يفهمون مثل هذه المعاني.

محمد كريشان: على كل هناك شهادات أخرى دكتور عزام التميمي ودكتور القديدي سنستعرضها، ونحاول أيضاً أن نفكِّك بعض جوانب الموضوع.

[فاصل إعلاني]

محمد كريشان: أهلاً بكم مشاهدينا الكرام، مازلنا معكم في هذه الحلقة التي نخصصها لتجربة المتطوعين العرب.. لا نريد أن نستعمل كلمة مأساة، طالما البعض يتحفظ على هذه التسمية، التجربة تعني الجوانب الإيجابية والجوانب السلبية، ونحاول أن نفكِّك هذا الموضوع.

من بين المسائل والفاكسات التي وصلتنا مثلاً حسن محمد السلوم من سوريا من إدلب، يقول: تم استقبالنا من قبل القوات العراقية أجمل استقبال، وتم توزيعنا على جبهات القتال حسب رغبتنا، ولم ينقطع عنا الغذاء حتى بعد سقوط بغداد، حيث كان.. حيث كان موقعنا في مدينة الحلة، وإن كان السكان جميعاً من المذهب الشيعي، وكانوا متعاونين معنا بشكل جيد حتى بعد سقوط صدام، هذا أشار إلى تعاون الشيعة.

هناك بعض فاكسات وصلتنا تندِّد بهؤلاء الشيعة، وتصفهم بنعوت أخرى غير لائقة، وتعتبر أنهم غدروا بهم، ويعطون للموضوع بعداً مذهبياً وطائفياً لا نريد أن ندخل فيه.

من بين الشهادات التي نشرت مثلا في صحيفة "الحياة" ليمنيين، بتاريخ 18 أبريل، يقول أحد هؤلاء، يقول: العاصمة العراقية جرى تسليمها للقوات الغازية في عملية مذهلة، وروى أنه بينما كنا -أي المتطوعون العرب- نقاتل كمجموعات في أحياء بغداد، طلب منَّا العراقيون ترك الخنادق الدفاعية، ورمي السلاح، والعودة من حيث أتينا، وتحولت مهمتنا البقاء على قيد الحياة ليس أكثر.

أيضاً يتحدث بعض هؤلاء أن بعض الأهالي طلبوا منا عدم إطلاق النار، حتى لا يرد الغزاة بضرب بيوتهم، واضح أنهم كانوا يطلقون النار من أحياء سكنية، كنا نعيش أجواء من الدمار والقصف حولنا، وعبثاً حاولنا رد الغزاة بأسلحتنا العادية.

متطوع أردني في موقع البوابة الإلكتروني يقول: أن الجيش العراقي أخلى مواقعه دون إخطار المتطوعين، وأن هؤلاء كانوا من سوريا ومصر والأردن ولبنان.

شهادة أخرى بعجالة من اسم من اليمن للأسف غير واضح في الفاكس، يقول: لحظة الحسم في الساعة الواحدة صباحاً تقريباً من صباح الأربعاء، التاسع من أبريل جاءنا جنود عراقيون، وأخذوا أسلحتنا التي كنا نقاتل بها العدو، وقالوا لنا: لقد انتهت الحرب، عودوا إلى بلادكم، وكنا مذهولين.

على ذكر عودوا إلى بلادكم دكتور، العودة إلى البلاد يعني تبدو غير.. غير مأمونة العواقب، وهناك تجربة سابقة مع الأفغان العرب، هل الموضوع متشابه، أم في هذه الحالة يمكن للدول العربية أن تتعامل مع هذه الحالات، وقد سمحت لها بالذهاب، وهي تعرف أنهم ذاهبون إلى العراق بعقلية غير أمنية غير انتقامية هذه المرة؟

تعامل الدول العربية مع المتطوعين العائدين من العراق

د.أحمد القديدي: هذا هو المأمول للحقيقة، لأنه إذا ما استخلصناش العبرة، مما نسميه زلزال بغداد، إذن متى نستخلص العبرة، نحن العرب لا نقرأ حساب للعواقب، يجب أن نستخلص العبرة، والعلامة عبد الرحمن بن خلدون، عندما كتب كتابه سماه "كتاب العِبر"، يجب أن نعتبر، ويجب أن يعتبر صاحب الأمر منا في هذه الدول، يعني أن لا نكرر التجربة المرة في أفغانستان.

أولاً: مجتمعاتنا اللي نسب الديكتاتورية فيها كبيرة، والمجتمعات المدنية فيها قليلة، ومتفاوتة الوجود والغياب، هي مجتمعات طاردة للشباب، إما طاردة لهم للعمل الشباب اللي يروح بالبواخر، ويذهب إلى أوروبا ولأميركا ولأستراليا ولكندا يشتغل، أو إلى الذين يذهبون طلبا للشهادة وطلباً للكفاح يجب أن مجتمعاتنا عوض أن تكون طاردة تصبح جاذبة، لهؤلاء الشباب، فلنكرمهم لأن فعلاً نحن في موقف أن نترحم على الشهداء منهم، وندافع على الأحياء منهم، أن يندمجوا في مجتمعاتهم بدون أن تتعامل معهم الأنظمة العربية تعامل أمني وفج، هذا آه بنخاف منه، وهذا راح للعراق، وربما راح لأفغانستان، إذن ما هو موقفه من نظام دولته؟ ودولته ليش ما تسمعه وتحاوره، وتعتبر الخلاف بينها وبينه خلاف فكري، تجيب عنه في صحفها وفي إذاعتها وفي تليفزيونها، مش تجيب عنه جواب مثل الأميركان يأخذونهم إلى جوانتانامو، لأن جوانتانامو مستعدة لاستقبال هؤلاء، يلبسونهم البرتقالي، و.. ويعذبونهم عذاب غريب، يعني يعطلون فيهم حتى الحواس، لا يلمسون، لا يرون، لا يسمعون، لا يتكلمون، أشياء عجيبة.

فأنظمتنا مطالبة باستقبال هؤلاء وإدماجهم، وأنا أطالب بهذه المناسبة، بإنشاء لجنة إسلامية حقوقية لمتابعة اندماج هؤلاء في دولهم، يكون مقرها في دولة عربية، أحسن من أن يكون في أوروبا، لأن أوروبا دايما مستعدة لاستقبالنا، والجمعيات الخيرية والجمعيات الحقوقية والنضالية الموجودة في أوروبا، وحتى في أميركا كثيرة جداً، فلتكن الدول العربية تأوي هذه اللجنة لمتابعة كل حالة بحالها، متابعتها، كيف رجع هذا الشخص؟ كيف اندمج في أسرته؟ كيف عاد إلى شغله؟ هذا هو عمل ميداني وعمل مطلوب وعمل أخلاقي.. أخلاقي، لكي لا نفرط في هذه النخبة، وهي نخبة فعلاً التي ذهبت إلى هناك وعندها مبادئ، والحمد لله أن ما بين العرب ما عنده مبادئ، حتى ولو خالفناه، لنصرتها بالعمل الصالح وبالحكم الصالح.

محمد كريشان: شهادة لأحد المتطوعين الجزائريين اسمه غير واضح، أو بالأحرى الأخ صاد رشيد، وقال لن أذكر الاسم العائلي لأسباب أمنية، إذن هذا منذ البداية يعرف بأن مجرد طرح الاسم بشكل واضح قد يعرضه لملاحقات، على كل هذا ليست وضعية الجزائر فقط، يقول في نقاط سريعة: أولاً: خذلنا الحرس الجمهوري، ولم يقاتل معنا في معركة المطار، قرابة الألفين من العرب الذين شاركوا في المعركة، إذن هذا العدد..، في اليوم التالي أُمرنا بالانسحاب من المعركة، ففهمت أنها.. أن هناك صفقة ما، لا أستطيع أن أصف لكم غير هذا الموقف، ولو كتبت لكم لا.. الأمر يحتاج إلى صفحات وصفحات، ويقول: إني متحفظ على كل الجزائريين، الذين يخشى أن تعتقلهم السلطة لأن كل من شارك في حرب العراق يجري اعتقاله، إذن هذه شهادة لأحد الجزائريين، وبالطبع هذه شهادة يعني ليست.. ليست فريدة بطبيعة الحال.

دكتور عزام التميمي هذا.. هذه المقاربة التي أشار إليها الدكتور القديدي، هل تعتقد بأن الدول العربية قادرة على التعامل وفقها بكل هذه الأريحية التي ربما تكون يعني شبه مستحيلة تقريباً؟

د.عزام التميمي: والله هذه فرصة قد تكون أتاحت لهم أن يعيدوا النظر في طريقة تعاملهم مع شعوبهم، يعني ما فيه نظام في المنطقة العربية يحترم شعبه، سواء مؤسسات مدنية أو أفراد، الحريات الأساسية معدومة بنسب متفاوتة، والنظام في العراق الذي كان نظاماً باطشاً ونظاماً ديكتاتورياً ليس منقطع النظير، هناك أمثال له في المنطقة فلعلهم يرون أن أميركا التي جاءت بحزب البعث ليحكم في العراق، والتي سلَّحته لينقض على إيران، والتي أرادت منه أن ينضم إلى قائمة الشرطة الإقليميين الذين يحرسون مصالحها، قررت أن تتخلص منه، وأنها يمكن أن تتخلص من الآخرين أيضاً، لكن بودي -أخي محمد- لو سمحت لي أن أشير إلى هذه الشهادات التي تقرأها وهي قيِّمة، بغض النظر عن مدى صحتها، لأننا لا نعرف يعني، لكن الذي أريد أن أقوله هنا أن هذه الشهادات تعكس تبايناً في التجربة، ولعلها تعكس أيضاً تبايناً في النفسية، هناك من يتكلم عن تجربة مريرة، ولربما خاض هذه التجربة المريرة لأنه كان مع فئة غير محترمة، أو مَرَّ في ظروف غير اعتيادية، أو ربما لأن نفسيته لم تتحمل الصدمة، فكان هذا رد فعله، بينما آخرون ربما تكون.. يكون واقع التجربة عليهم وقعاً مختلفاً، وهنا لابد أن أقول: علينا أن نستفيد من هذه التجربة، الآن العراقيون يحاولون أن يعيدوا ترتيب أوضاعهم، لا ندري هل يطول مقام الأميركيين في العراق أم لا؟ أنا أتصور أن الوضع الصحيح الآن أنه ما لم يعلِن الشعب العراقي الجهاد لإخراج الأميركان، ليس من المصلحة وليس من المنطق والحكمة أن يأتي متطوعون من أي مكان من العالم الإسلامي، ما لم يُعلَن الجهاد من داخل العراق، ويكون هذا خيار الشعب العراقي، إذا رفض الأميركان الخروج سلماً، ويطلب العراقيون من المسلمين والعرب بجوارهم ومن بعد الجوار أن يناصروهم، فمن الأفضل ألا يتدفق أحد في مثل هذه الظروف على العراق.

محمد كريشان: نعم.. رغم أننا عندما أعلنَّا عن الحلقة أعلنا رقم فاكس للإرسال بعض التجارب، مع ذلك البعض أرسل لتقييمات معينة، يعني مثلاً من بين التقييمات استعرض بسرعة بعض التقييمات السلبية ثم بعض التقييمات الإيجابية.

من بعض التقييمات السلبية يقول من معارض عراقي يقول: أود أن أذكر بأن من ذهب إلى العراق باسم المتطوعين العرب بأنهم ليسوا سوى مرتزقة، ذهبوا للدفاع عن الطاغية صدام ومصيرهم هو الموت بعينه بأيدي العراقيين الشرفاء الأحرار، هذا من هولندا عمر أحمد سعيد.

عراقي كردي مغترب لم يذكر اسمه بالكامل يقول كان الأولى أن يقوم المجاهدون السوريون بتحرير الجولان من أيدي الصهاينة بدلاً من العراق، وكان الأجدى بالفلسطينيين الذي.. الذين أتوا إلى بغداد وقتلوا في مطار صدام أن يذهبوا إلى القدس للجهاد ضد الإسرائيليين، واستعرض أيضاً مواقف بالنسبة المتعلقة بالأردنيين واليمنيين بعبارات يعني لا نريد أن نرددها.

بالنسبة للإشارات الإيجابية حتى نأخذ الجانبين، الدكتور وليد القيسي، عراقي الجنسية أستاذ جامعي في جامعة بغداد ويقيم حالياً في النرويج، يقول: الذين جاءوا لم يكن لهم علاقة بتأييد أو حماية صدام ونظامه، هؤلاء أدوا.. هؤلاء.. لأ.. كل من قال أن العراقيين سلَّموا أو آذوا المتطوعين العرب فهو كاذب، إن العراقيين بشهادة مصوري بعض الفضائيات، رأينا الشباب العراقي يُقَبِّلون الشهداء العرب قبل دفنهم، يقول: حتى بالنسبة لأولئك الذين يقولون أو يزعمون بأن تمّ ضربهم من الخلف يقول قد يكون هذا حدث ولكن من باب الخطأ وهذا ممكن في أي عملية لإطلاق نار وتبادل يكون هذا الأمر.

أيضاً فاكس آخر من أبو ياسر يقول: أن ظاهرة المتطوعين العرب هي من أنبل الظواهر فلا تلطخوها ببعض الأخطاء والحوادث من هذه الجهة أو تلك، ما يهم المشاهد هو أن يعرف عن بطولاتهم وتضحياتهم، وليس ما تعرضوا له.

قبل أن أواصل النقاش، البعض بعث باستفسارات، باستفسارات نستعرضها بسرعة، محمود أبو دية يسأل عن أخيه خالد أحمد محمد عبد اللطيف أبو دية، أردني الجنسية عمره 25 سنة ويعطي حتى طوله متر سبعة وستين، أشقر البشرة، غادر الأردن ولم يعد، ربما استُشهد، ولكن دون خبر يقين قاطع، الرجاء ممن يعرف عنه أن يتصل، وتارك بعض الأرقام، وعلى كلٍ أنا سأسلم هذه الفاكسات إلى برنامج (منبر الجزيرة) عساه يتابع هذا الموضوع.

أيضاً بعث أحد المشاهدين يستفسر عن أخيه عبد الله علي مصطفى القشاش، الذي خرج مع المتطوعين العرب، يبلغ من العمر 22 سنة ولا نعرف عنه أي شيء، هل هو مستشهد أم مأسور أم مصاب، وأيضاً يترك أرقام تليفونات، وأيضاً هناك من يسأل عن أخ، لا نعرف أحواله اسمه وسيم حمد أبو رشيد من الأردن، نرجو أن تطمئنونا عليه، كان بودنا أن نطمئن كل هؤلاء، ولكن للأسف لا نملك المعلومات، وقد لا يملكها حتى من هم في العراق.

دكتور قديدي في نهاية الحلقة، موضوع الاندماج الذي أشرت إليه في المجتمع، أشرت إلى هذا المقترح للجنة، ولكن..

د.أحمد القديدي[مقاطعاً]: لجنة إسلامية حقوقية لمتابعة الوضع...

محمد كريشان[مستأنفاً]: ولكن ممكن.. ممكن منظمات حقوق الإنسان في الدول العربية كلٍّ على حدة، قادرة إن هي تدخلت لدى السلطات أن تجد لهم مخرجاً جيداً.

د.أحمد القديدي: هذا صحيح، إذا هي.. هذه اللجان، وهذه الرابطات مستقلة، لكن في أغلب الدول العربية مع الأسف ليست لها استقلال، إما هي منظمة حكومية، أو منظمة تتعامل مع السلطة تعامل يعني دبلوماسي الحقيقة، فهي أنا أردت أن أختم كلامي -أستاذ محمد لو تسمح- بأن هذه القضية، قضية المتطوعين العرب، سوف تتكرر في المستقبل مثلما تكررت منذ ألف سنة على مدى التاريخ الإسلامي، من الحروب الصليبية إلى حرب العراق وإلى ساحة الفردوس، فأحسن إلغاء لها وقفل هذا الباب، هو أن نستخلص العبرة كعرب حكام ومحكومين، ونتعامل مع شعوبنا معاملة أخرى، عندما اكتشفنا أن في العراق، المستشفى باسم صدام والمطار باسم صدام والمدرسة باسم صدام، والشارع باسم صدام، والبيت باسم صدام، فيه في دول عربية أخرى نفس الشيء، الرجل الملهَم الذي لا يخطئ، والحزب المهيمن على الحياة السياسية في البلاد، والجماهير مهمشة، ولهذا جاءت قضية المتطوعين وستأتي قضايا متطوعين، المهم أن نرسي قواعد المجتمعات المدنية العربية على الديمقراطية، وعلى الحريات وعلى المجتمعات المدنية، وهذا أمر سهل، يكفينا من 99.99% و100% كما أعلن صدام حسين، حينها سوف تنتفي كل هذه المشاكل ويصبح هذا الموضوع غير ذي بال.

محمد كريشان: دكتور عزام التميمي في لندن، كلمة أخيرة في دقيقة لو سمحت.

د.عزام التميمي: والله أود أن أوجه إلى هؤلاء الذين يقولون: لماذا لا يذهب الفلسطيني فيقاتل في فلسطين والسوري في الجولان فأقول لهم: الله يهديكم ويصلح حالكم، أَوَ ليس قدوم الأميركان إلى العراق هو استعدادٌ للانقضاض على سوريا والانقضاض على المنطقة كلها؟

كفى هذا التفكير التجزيئي (السايكس بيكو)، نحن أمة واحدة، حريٌّ بنا أن يشعر الواحد بألم الآخر، وأن ندافع جميعاً عن حياض هذه الأمة أي طرف فيها غُزي، نقوم ونهب لندافع عنه.

محمد كريشان: دكتور عزام التميمي من لندن شكراً جزيلاً لك، أيضاً نشكر ضيفنا هنا في الأستوديو (المحلل السياسي) الدكتور أحمد القديدي، نشكر أيضاً زميلنا تيسير علوني تحدث في بداية البرنامج، ووَضَعَنا في صورة ما يجري في العراق فيما يتعلق بهؤلاء المتطوعين العرب، إلى أن نلتقي في حلقة قادمة، تحية طيبة، وفي أمان الله.