مقدم الحلقة:

ماهر عبد الله

ضيوف الحلقة:

أمير الحلو: عضو المؤتمر القومي العربي
جاسم محمد: الحزب الشيوعي العراقي

تاريخ الحلقة:

01/05/2003

- أهم التيارات السياسية في العراق وانعكاسها على الأحزاب الموجودة
- مستقبل الأحزاب العراقية التاريخية في ظل الوضع الحالي

- مستقبل التيار الإسلامي وحجم قوته على الساحة العراقية

- الموقف من عودة الملكية إلى العراق

- تأثير التشرذم الحزبي على الحياة الحزبية في العراق

ماهر عبد الله: مرحباً بكم في هذه الحلقة من برنامج (ما وراء الأحداث) والتي تأتيكم لهذا اليوم من العاصمة العراقية بغداد.

بغداد تعج بالحركة الحزبية هذه الأيام آخر إحصاء للأحزاب زادها على السبعين حزباً، بعضها ذو تاريخ وذو عراقة، وعنده ما يقدمه للعراق وللعراقيين، أو هذا ما نظنه، والبعض الآخر يبدو أنه لن يزيد على كونه فقاعة ستنتهي حالما تنتهي حالة الغليان التي تمر بها البلد.

من أين تستمد هذه الأحزاب شرعيتها؟ من أي قانون، على أي قانون تستند في وجودها؟ بعض الأحيان هناك جوانب قانونية صرفة تتعلق بهذا الموضوع، بأن البعض منها استولى على مباني عامة، وبعضها حتى مبان خاصة وحولها إلى مقرات، من ابتدأ حياته السياسية في بغداد بهذه الطريقة كيف سيؤتمن على مستقبل العراق وأهل العراق، خصوصاً وأن كل هذه الحرب كانت لتخليص البلد من نظام عمد إلى مثل هذه الأساليب، مما اضطر العالم أجمع إلى الوقوف ضده.

لمناقشة التيارات السياسية التي ستساهم في صناعة العراق يسعدني أن يكون معي في هذه الليلة كلاً من الأستاذ أمير الحلو، أمير الحلو (كاتب ومحلل سياسي عراقي، كما أنه عضو قيادي سابق في حركة القوميين العرب من جناحها الماركسي، وكما أنه عضو في المؤتمر القومي العربي، وما يزال عضو في المؤتمر القومي العربي)، على يساره الأستاذ جاسم محمد، والأستاذ جاسم (عضو قيادي في الحزب الشيوعي العراقي، عضو لجنة العلاقات المركزية) كما تسمونها، أهلاً وسهلاً بكم في (الجزيرة).

أستاذ أمير، ما هي التيارات الرئيسية اللاعبة في الساحة العراقية اليوم، وكيف تنعكس على الأحزاب الموجودة؟

أهم التيارات السياسية في العراق وانعكاسها على الأحزاب الموجودة

أمير الحلو: حتى نفهم ما يقع حالياً في العراق من أحداث لها علاقة بموضوع هذه الحلقة، أحزاب نراها مكتوبة على جدران الحيطان، نراها مكتوبة على واجهات المنازل والمؤسسات الحكومية نراها على المطبوعات المنتشرة في الشوارع، بعض هذه المؤسسات والتنظيمات جاءت من التاريخ، بعضها جاءت على ظهر الدبابات الأميركية، من جاء عبر التاريخ أعطي نبذة مختصرة جداً، ويمكن الرجوع إلى كتب المرحوم الأديب المعروف الاجتماعي الدكتور علي الوردي "لمحات من تاريخ العراق المعاصر"، تحدث عن بدايات الحركات الوطنية في العراق عبر استعراضه لتاريخ العراق الحديث، كما أن الشيوعي المعروف وهو زكي خيري، والسيدة سعاد خيري أرخا لتاريخ الحركة الشيوعية والاشتراكية في العراق، بالإمكان القول أن بدايات الاحتلال البريطاني الذي يشابه الاحتلال الأميركي الحالي، بداياته بالمناسبة أم قصر والفاو، واستمر وصولاً إلى بغداد، ودخل (مود) إلى بغداد عام 1917، وذكر نفس العبارة جئنا..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: يعني قرن من الزمان ولُدغتم من نفس الحجر بنفس..

أمير الحلو[مستأنفاً]: جئنا محررين وليس محتلين هكذا قال (مود) عندما جاء، وبدأ من أم قصر، من.. من الفاو، أول مقاومة عراقية بدأت كانت ذات طابع ديني، وطابع وطني وعروبي ضد الجيش الإنجليزي وظهرت تيارات سياسية آنذاك أستطيع أن أحصرها بتيار إسلامي بالمناسبة بشقيه أيضاً الشيعي اللي كان ممثل بالسيد كاظم اليزدي وشيخ الشريعة، والسيد محمد سعيد الحبوبي، وغيره من هذا الأسماء وأسماء من سُنَّة بغداد الذين التقوا في مؤتمر في كربلاء، وقرروا تكوين الدولة العراقية، واستدعي الملك فيصل الأول بناءً على اتفاق بين الشيعة والسنة، متفقين علماء الدين على استدعاء الملك فيصل الأول، وذهب وفد واستدعاه بعد أن رخَّص له والده الملك حسين.

التيار الآخر الذي ظهر بعد ثورة أكتوبر عام 17 هو بدايات خجولة -إذا صح التعبير- بالفكر الماركسي في العراق، حتى تبلور هذا الفكر على يد فهد المعروف كمؤسس إلى الحزب الشيوعي العراقي.

هناك تيار آخر، هو التيار الكردي المعروف كان الشيخ محمود الحفيد قبل الملا مصطفى البرزاني، وبعدين الملا مصطفى البرزاني عام 45 وتكوين جمهورية (مهابات) ومن ثم استمراراً لثورات متلاحقة إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى واستلم القيادة بدله الأستاذ مسعود البرزاني، هذا التيار واضح المعالم تيار كردي.

هناك تيار قومي عربي بدأ مع الضباط ومع بعض الشخصيات القومية التي جاءت مع الملك فيصل الأول، وتبلور حقيقة مع بداية حزب الاستقلال العراقي الذي كان يرأسه الشيخ محمد مهدي كبة وصديق شنشل، وفائق السامرائي وسلمان الصفواني وغيره من النخبة القومية اللي كانت موجودة على الساحة.

الحزب المهم الآخر اللي كان موجود حزب وطني ديمقراطي يضم أهم النخب الوطنية في العراق، يرأسه الدكتور.. الأستاذ المرحوم (كامل الجاركجي)، معه محمد حديد وحسين جميل، اللي كانوا يصدروا جريدة "الأهالي" هذه تقريباً.. وهناك شخصيات طبعاً مستقلة تنتمي إلى مختلف هذه التيارات بشكل أو بآخر، ولكن التيارات التي كانت موجودة إلى حد عام 58، قيام ثورة 58، التي ألغت الأحزاب في بداياتها الموجودة على الساحة هو هذه الأحزاب شرعية أو غير شرعية، الوجود الجماهيري فقط هو اللي هذه الأحزاب حقيقة موجودة.

على استحياء عبد الكريم قاسم في 61 زَيَّف إعطاء نوع من الديمقراطية، بحيث قلب كل كيان الحزب الشيوعي إلى دكان، فتح دكان إلى شخص الصايغ، أعطاه جريدة، وفتح دكان إلى محمد حديد، جعل انشقاق من الحزب الوطني الديمقراطي اللي هو رئيسه كامل الجاركجي، وأحدث انشقاقات في كل الأحزاب وعمل دكاكين، حتى نجح على الدكاكين، عمل لعبة الدكاكين، وسقطت الحزبية هذه المزيفة مع سقوط عبد الكريم قاسم ومجيء البعث في 63، الذي استفرد بالسلطة، والذي ألقى القبض وصفَّى جميع التيارات الشيوعية بدأ بها، وبدأ بنا بالأخير التيارات القومية، أنا البعث حكم تسعة أشهر أنا ستة شهور في قصر النهاية في.. وفي سجن رقم واحد، وأطلق سراحي بعد انقلاب عبد السلام عارف يوم 18 تشرين 63، بمعنى صفى كل الأحزاب، وبدت هذه التيارات موجودة حقيقة على الأرض العراقية ولكن بعد مجيء البعث 68، وقمعه لجميع الأحزاب في العراق، بعد غزل خفيف مع الحزب الشيوعي وبعض الأحزاب الأخرى، سافرت.. هاجرت إلى الخارج، ومثل ما تفضلت حضرتك أنا اطلعت على نشرة تصدر في لندن اسمها "الملف العراقي" يصدرها معارض مستقل دكتور غسان عطية، عديت -إذن- 73 حزب، ومنظمة عراقية بمسميات مختلفة، هذه جاءت حالياً إلى العراق -كما ذكرت في بداية حديثي- بعضها حملها التاريخ، وبعضها حملتها الدبابات الأميركية..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: حدثني.. يعني حدثتنا عن التي حملها التاريخ، يعني.. يعني وأرجو أن يكون ليس في هذا غمز أيضاً لأنه برضو ما يحمله التاريخ يكون ديناصوراً.

أمير الحلو: أكيد.. أكيد.

ماهر عبد الله: عفا عليه الزمن يعني، لكن حدثني قبل ذلك، سنعود لديناصورات سياسية، على من جاء على الدبابات الأميركية، وجودهم في الخريطة السياسية اليوم، مستقبلهم بعد زوال.

أمير الحلو: أنا ابن هذا الوطن، أعتقد لما حكيت من عام 15 بدأت ثورة في العراق في الناصرية قادها محمد سعيد الحبوبي، والسيد محسن الحكيم، والشيخ علي الشرقي وقاتلوا الإنجليز، ويمكن طلعتوا (بالجزيرة) مظاهرة، يوجد شارع الحبوبي، وتمثال الحبوبي، هذا سببها إنه قام بثورة في الناصرية 15، هو نفس هذا الشعب الآن موجود يرفض الاحتلال، تسألني كسياسي أنا سياسي محترف، تسألني: هل كان هناك بديل لإسقاط النظام عن الأميركان، قد أجيب: في ظل الظروف اللي عشناها قد يكون هذا بديل حقيقي وأساسي، وغصباً علي أن أقول هذا الشيء وأنا مغصوب ومتألم من داخلي، ولكن أنا آتي حتى يبقى الاحتلال، وحتى أبني كياني السياسي ووضعي السياسي في ظل الاحتلال هذا مرفوض، والشعب العراقي أنا أقولها من الآن فيما لو بقي الاحتلال ولم تتكون المنظمات الحكومية والديمقراطية سيكون من الصعب على الأميركان الاستمرار.

ماهر عبد الله: أخ جاسم، قبل أسألك عن معنى أن يكون الإنسان شيوعي عام 2003، هل تتفق مع هذا التوصيف السريع للخريطة السياسية للتيارات قبل الأحزاب الموجودة على الساحة العراقية؟

جاسم محمد: نعم، أنا أتفق إلى حد كثير ويا.. مع الأستاذ فيما يتعلق بتصنيفه للتيارات السياسية وبداية نشأتها في القرن العشرين، يعني سواء كان التيار الوطني العام اللي بدا أو (التِّمَّن) اللي كان باسم الحزب الوطني العراقي، وتيارات ذات صبغة دينية إسلامية أيضاً بشقها، من ثم التيار الشيوعي اللي بدأ.. رحلته الحقيقية، رحلته الحقيقية عام 1934 عندما أسس الحزب الشيوعي العراقي كان باسم عصبة مكافحة الاستثمار والاستعمار ومن ثم حول الاسم إلى الحزب الشيوعي العراقي، وهكذا ظهرت تيارات أخرى قومية، خصوصاً في الأربعينات والخمسينيات أيضاً، ظهر حزب البعث العربي الاشتراكي في بداية تأسيسه أيضاً في العراق تأثراً بما حدث في سوريا وفي لبنان، ولكن بودي أن أضيف إلى أنه الفترة.. هناك أيضاً تيارات لعبت دور كبير أو دور مؤثر، دور واضح في الحياة السياسية العراقية المعاصرة وظهرت أيضاً إلها بدايات كانت تمتد إلى أواسط القرن الماضي، مثل حركة الإخوان المسلمين، وحزب الدعوة الإسلامي، ومن ثم بعد انتصار الثورة الإيرانية، هذا كان عامل مشجع كبير جداً لظهور تيارات ذات صبغة دينية أو بشكل خاص شيعية في العراق، وأعتقد الأسماء متداولة ومعروفة لدى الجميع، هذه التيارات مازالت إلها الدور وإلها قاعدة جماهيرية في العراق.

الواقع الحالي إذا أردت أن أوصفه فيمكن الحديث عن أربع تيارات أو خمس تيارات مؤثرة إلها جمهور، يمكن أن أطلق على التيار اللي يتضمن الحزب الشيوعي العراقي، التيار الديمقراطي، أو هكذا إحنا نتمنى أو نحاول أو نسعى لوصفه التيار الديمقراطي يضم جمهرة عريضة من الناس اللي ناضلوا من أجل الديمقراطية، سواء كانوا منضمين إلى أحزاب سياسية أو تنظيمات سياسية أو جمهرة المستقلين الديمقراطيين، خصوصاً في داخل الوطن وهنالك التيار الإسلامي المعروف أيضاً، هناك التيار القومي الكردي اللي يُمثل بالحزبين الرئيسيين، الحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني أيضاً عندنا إحنا الحزب الشيوعي الكردستاني العراق، وأحزاب أخرى القومية الكردية، ورابعاً يمكن الحديث عن التيار القومي الناصريين، أو خلينا نقول بقايا الناصريين، اللي نتمنى أيضاً أن يكون لهم دور وحضور في الساحة العراقية، وهناك حركة القوميين، هناك الحزب الاشتراكي إلى آخره من المسميات.

مستقبل الأحزاب العراقية التاريخية في ظل الوضع الحالي

ماهر عبد الله: طب يعني نعود إلى قصة الشيوعي قادم من التاريخ، يعني ألم يعلو الغبار كثيراً يعني على الشيوعية؟ كيف.. كيف ستقنع الشارع العراقي، هذا تيار تاريخي لن نشكك في تاريخيته، المسألة لم تعد مسألة تاريخ مسألة مستقبل.

جاسم محمد: نعم.. نعم، صحيح.

ماهر عبد الله: كيف ستقنع الشعب العراقي بمستقبل فكرة ماتت في مهدها في بلدها والعكس يعني كثير من الأحزاب الشيوعية العربية غيرت أسماءها.

جاسم محمد: نعم ربما حول هذه النقطة بالذات يطول الحديث وهناك اجتهادات وآراء مختلفة، ولكن أحاول أن أختصر بشكل شديد جداً، أقول: يعني انهيار التجربة الاشتراكية لا يعني بأي حال من الأحوال انهيار الفكر الاشتراكي، انهيار الفكر الشيوعي، وإحنا عندنا بالعراق الحزب الشيوعي العراقي ارتبط منذ ولادته بالأيام الأولى بالقضية القومية.. بالقضية الوطنية العراقية، بقضية الديمقراطية، بقضية الاستقلال الوطني، بـ.. يعني إحنا عندنا مؤسس الحزب الشيوعي اللي هو الرفيق الخالد يوسف سلمان فهد، استشهد.. أُعدم في عام 1949 دفاعاً عن الاستقلال، وفي المحكمة قال قولته الشهيرة: "لقد كنت وطنياً قبل أن أكون شيوعياً".

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: لأ، بس يعني حتى أكون أكثر تحديداً..

جاسم محمد: يعني الحزب الشيوعي العراقي قصدي ارتبط بالقضية الوطنية العراقية...

ماهر عبد الله: ما عندي مشكلة في ذلك، ما عندي مشكلة في ذلك، ولا عندي مشكلة على إسهامات الحركة الماركسية في العراق أو في غير العراق. أنا أتحدث الآن عن فكرة بعض جوانبها الجوهرية يعني الآن تتحدث عن الديمقراطية، الديمقراطية والشيوعية صعب أن تلتصق في العقل اليوم، يعني أول من نظَّر للحزب الواحد هي الماركسية، أول من نظَّر للقمع إذا جاز التعبير، ديكتاتورية (البروليتاريا) كلمة ديكتاتورية استخدمت في معرض الفخر، وأعتقد لم تستخدم في معرض المديح إلا في الفكر الماركسي، عندما تقول لا للاستثمار، عصبة اللا استثمار ونحن الآن نتحدث عن عصر العولمة الأميركي القائم على الاستثمار بل الاستثمار الأجنبي، وسيبنى العراق على الاستثمار الأجنبي شئنا أم أبينا في ذلك، قال الأستاذ الأمير أنه بمرارة رأي أن هذا الآلية الوحيدة بمرارة نقول: أنه لن يقف العراق على رجليه إلا أن يشاء الله أمراً آخر إلا باستثمار غربي، لا نريد أن نحصره أميركي وإن كان سيكون أميركي، في هذه الأجواء هذه كلها أجواء تتناقض مع الفكرة الماركسية على الأقل كما أراها أنا، فكيف ستجمع بين هذه الفكرة وبين هذا الواقع الجديد؟

جاسم محمد: نعم، أولاً فيما يتعلق بالموقف من الديمقراطية وقضية القمع والشمولية فأنت تتحدث ربما بشكل يعني واضح عن التجربة، أو ما سميت بتجربة الاشتراكية الفعلية سواء كان في الاتحاد السوفيتي أو في ما أطلق عليه بالمنظومة الاشتراكية، إحنا الآن نتناول التجربة من موقع الناقد من موقع الرافض لكل الممارسات اللي حاولت أن ترفع راية الحزب الواحد وأن تقمع الحريات، وتكبل الناس، تكبل الشعب، وبالتالي الممارسات اللي.. اللي مورست في الاتحاد السوفيتي أو في المنظومة الاشتراكية هي في موضع نقد كامل وشامل ومستمر من قبلنا، إحنا عندنا وثيقة الآن ستطرح للنقاش لمناقشة التجربة الاشتراكية وعيوبها، يعني والفكرة فكرة الاشتراكية هي فكرة ترتبط بالحرية أصلاً، ولكن ربما التطبيقات شوَّهت من هذه الفكرة وسيادة يعني بعض القيادات التاريخية في الاتحاد السوفيتي، سواء كان (ستالين) أو غيره للأسف شوَّهوا الفكرة الاشتراكية، وشوَّهوا البناء الاشتراكي، وهذه إحنا الآن ربما ندفع جزء من ثمن أخطاء الآخرين.

[فاصل إعلاني]

ماهر عبد الله: أستاذ أمير، هذه شرعية تاريخية، ولنتفق على أنها أعطت هذه التيارات من حيث هي تيارات الشرعية، نحن الآن نتحدث عن أحزاب قد تمثل يعني تفضلت ببضعة وسبعين حزب ستتوزع على هذه التيارات الأربعة اللي ذكرها الأستاذ جاسم، التاريخ انتهى، من أين تستمد الأحزاب الحديثة هذه -سواء مثلت هذه التيارات- أو غيرها، شرعيتها، كيف ستكون الحالة الحزبية في العراق بعد خمس سنوات من اليوم؟

أمير الحلو: أنا نفس السؤال اللي سألته للأخ حول الحزب الشيوعي أستطيع أطبقه على التيار القومي، بالنسبة للحزب الشيوعي وتاريخه تاريخ عريق في العراق وكل النضال الوطني في العراق ساهم فيه الحزب الشيوعي، لو جاء بنفس المسلمات التي جاء بها وهو حزب جماهيري واسع لا يجد من ينتمي إليه حالياً أو يتفاعل معه بحكم التجربة اللي حضرتك تحدثت عنها، إذن يجب على الحزب الشيوعي العراقي أن يطرح فكراً متلائماً مع معطيات العصر ومع تطوره.

أنا حضرتك قدمتني قلت التيار القومي العربي الماركسي، إحنا كتيار يساري نفهم في الماركسية، وأنا كاتب في كل الصحافة الماركسية اللي كانت في العراق فأفهم بهذا الشيء، الشيوعية إذا استخدمت أو الماركسية اللينينية كوسيلة للتحليل العلمي للظواهر بإمكانك أن تستمر، إذا اعتبرتها نهايات مغلقة وحتمية تاريخية -كما جاء فيها- تنتهي كما انتهت في الجمهوريات الشيوعية السابقة، التيار القومي الناصري أو حتى البعثي.. ليس البعثي الصدامي، في الواقع هناك بعث يسبق مرحلة السبعينات كان.. وموجودين جماعة في المعارضة في الخارج موجودين من عنده، اللي هم امتداد للبعث الأصلي والتيار القومي، لو جاءوا إلى العراق وبعضهم موجودين وطرحوا نفسهم بنفس المسميات والأفكار اللي كانت موجودة ما هي تجربة عبد الناصر -وأنا ناصري- مدانة، مدانة بشموليتها بديكتاتوريتها باضطهادها، بحكم الحزب الواحد، بالـ 99.9، تجارب أيضاً مرينا فيها، فلما الآن نيجي نريد نروج نفسنا بنفس البضاعة سنجد صدود ونجد هزء من الجماهير أن تعود أنت بثوبك المهلهل اللي ثبت أنه مهلهل، إذن يجب أن تأتي أنت بتحليل يقول أن الأمة العربية أمة واحدة، أنا فلسطيني في أي (...) عربية أن العدالة الاجتماعية مطلوبة، وهذا الشيء الذي جمع الفكر القومي ككل، إذن يجب أن نضع مبادئ وأن نتطور مع الزمن حول هذه المبادئ.

ماهر عبد الله: فيما لمست مِن مَن عادوا من الأحزاب التي عادت إلى الوجود سواء من بقي منها تحت الأرض في العراق أو من كان مسموحاً له، هل ترى خروج من هذا الثوب المهلهل، أم أنك ترى نفس الشخوص ونفس الرايات ونفس الشعارات.

أمير الحلو: نعم، أنا أجد..

ماهر عبد الله: التيارات الأربعة الكبرى التي تحدثت عنها.

أمير الحلو: نعم، أنا أجد هناك تغيير، يعني أجد والتقيت بالعديد من العناصر التي تمثل هذه التيارات، هناك تجديد في الفكر الشيوعي وطُرح سواء من قبل الشيوعيين في الخارج أو من.. على ماركس يعني الماركسيين..

ماهر عبد الله: الماركسيين.

أمير الحلو: العرب أيضاً صارت طروحات كيفية الثوب الجديد الذي يظهر فيه، القوميين العرب بمختلف تياراتهم الموجودة أيضاً استوعبوا سلبيات المرحلة الماضية والطرح الآن أيضاً طرح جديد، أنا باعتقادي أن الذي سيبقى سيمكث على الأرض في هذا الوطن هو ما يلي:

هو الحزب الشيوعي المتجدد حتى لو سمى.. سماه باسم آخر لأنه الكثير من البلدان الاشتراكية غيرت من اسم تعبير الحزب الشيوعي وسمت أسماء أخرى.

التيار الإسلامي بشقيه أيضاً يجب عليه التجديد ألا يبقى بالمسلمات التي أيضاً من خلال تجارب الحكم أو خارج الحكم أثبتت أنها بحاجة إلى تطوير.

التيار الكردي لا أستطيع أن أتدخل لأنه قيادتين واعيتين وبالأكيد سيعملان وفق المصالح التي تقتضيها مصلحة شعبنا الكردي.

أما بالنسبة للتيار القومي العربي فبحاجة بنفس الحاجة التي يأتي بها الحزب الشيوعي يجب أن يأتي التيار القومي بثبوت جديد لديه شعارات تتلاءم مع الواقع، الاشتراكية بالشكل السابق -يا أخي- لم تعد موجودة، الاستثمار يجب أن يكون استثمار حقيقي، نحن خضنا تجارب السبعينات والثمانينات يسمى بالتجارة (تارنكي) يعني الآن كل المؤسسات محروقة بالدولة، إحنا وزارة الإعلام على التجارة، إذاعة وتليفزيون، سينما ومسرح هذا الممر كله محروق، المجاور إلكم موجود، إحنا كنا نعمل بالسابق أنه تأتي إلى شركة (س) من الشركات مهما كانت جنسياتها يسموه تارنكي بالتجارة تقول: أنا أريد وزارة بهذه المواصفات يقول لك المبلغ 100 مليون دينار، المدة سنتين، تأتي تستلم مفتاح، الفنادق، الشيراتون بنتها شركة (تاكي) الإيطالية أو الأميركية، أعتقد، إجت الشيراتون استلمتها كإدارة ولم يتدخل العراق أعطاها حصتها وسمي عشتار شيراتون، العراق الآن.. أنا كقومي عربي ولدي مساس بالفكر الماركسي أقول: يجب أن نبدأ التنمية بهذا الشكل، أما الفكر اللي كنا نؤمن به يعني ماضٍ تولَّى.

ماهر عبد الله: الشرعية سؤال الشرعية ممَّن ومن أي مصدر ستستلهم الأحزاب هذه شرعيتها لتبقى ولتحكم العراق ولتساهم في بناء المستقبل؟

جاسم محمد: أنا أعتقد كثير من الأحزاب العراقية الآن أو على الأقل الرئيسية منها تاريخ، وشهداء وتضحيات جسام بالحقيقة قدمت.. قدمتها سواء كان في العهود السابقة أو في العهد السيئ الأخير عهد صدام حسين، أنا أعتقد هذا جزء من الشرعية، والجزء الآخر.. وهناك أجزاء أخرى منها جدية برامجها التصاق برامجها وتعبيرها عن إرادات مختلف الشرائح الاجتماعية اللي تضررت من الحكومات المستبدة الأخرى، هناك مهام كثيرة تواجه الحركة الوطنية العراقية، أنا أعتقد هي بحاجة ماسة يعني إلى أحزاب وإلى قيادات وإلى تيارات، وربما إلى جبهات وطنية للتصدي إلى المهام الجسام اللي راح تواجه شعبنا بوجه عام وقواه الوطنية المختلفة بشكل.. بشكل خاص، أعتقد من هنا تستمد شرعية وجود هذه الأحزاب.

ماهر عبد الله: هل أنت واثق من قوة هذه الأحزاب الداخلية أم أنها مجرد فقاعة سياسية ستنتهي؟ يعني من هذه الأحزاب السبعين ونيِّف كم حزب قوي متين يمكن أن ينافس مثلاً حزب الاتحاد الوطني الكردستاني في تنظيمه في حركيته في عدد أتباعه؟

جاسم محمد: نعم، ربما من الصعب الآن أن أقول لك بالضبط ما هي هذه الأحزاب حتى إذا قلت لك الحزب الشيوعي العراقي قد يكون هذا ادعاء، لأن هاي القضية ستحسم أو على الأقل راح تكون واضحة ملموسة بصناديق الاقتراع بجماهيرية هاي الأحزاب، مدى التفاف الناس حولها، فمن السابق لأوانه على الأقل بالنسبة إلي أنا شخصياً أنا أتحدث عن أي القوى راح تكون هي المؤثرة في الساحة الوطنية العراقية، ولكن بودي أن أشير إلى مسألة جوهرية، إنه صدام أو النظام السابق شوَّه الحياة السياسية العراقية تشويه فظيع، وهذا التشويه شمل أيضاً تشويه المواطن نفسياً اجتماعياً أخلاقياً أيضاً، لم يسمح للقوى والتيارات الوطنية أن تشتغل على ساحتها الحقيقية، هذا انعكس وسينعكس أكيد آثاره ستبقى تستمر لفترات طويلة، الآن القوى أو بعض التجمعات اللي هي تعبير عن حالة من الرغبة في الانخراط بالعمل السياسي، وبالتالي تشكل هذا الحزب أو ذاك الحزب، هذا التيار أو ذاك التيار، وهي نتيجة لأجواء الديمقراطية أو على الأقل مو الديمقراطية، يعني أجواء الانفتاح، الحرية البادئة الآن، أما مستقبل هذه القوى راح يعتمد بالتأكيد على برامجها، يعتمد بالتأكيد على قدرتها على إقناع الشارع العراقي بما تطرح من برامج سياسية وتنموية واقتصادية إلى آخره، وبالنتيجة يبقى الحكم مثل ما قلت: صندوق الاقتراع القادم اللي يفترض أو نأمل أو نعمل من أجل.. من أجله بعد أن يسن دستور دائم ديمقراطي في العراق.

مستقبل التيار الإسلامي وحجم قوته على الساحة العراقية

ماهر عبد الله: أستاذ أمير، ذكرت الإسلاميين أكثر من مرة، الإسلاميين هم الحاضر الغائب في الحياة السياسية العربية في كل.. في كل بلد الآن، العراق بحكم الفترة السابقة لم يتح للإسلاميين أن.. أن يبرزوا من القوة ما أتيح لهم في أقطار أخرى، أولاً: لماذا كنت تصر دائماً على القول بتياريه أو بشقيه؟ ثم كيف تقدر حجمهم؟ يعني كان يجب أن يوصل هذا السؤال لإسلامي لكن لم نتمكن هذا من وجود إسلامي، لماذا الإصرار على شقين للتيار الإسلامي؟ ما المقصود بذلك؟ تقديرك لحجم قوتهم على اعتبار على أنهم المعارضة الأقوى في كل الساحات العربية الأخرى؟

أمير الحلو: إذا كنا نعتبر التيار الإسلامي كتيار إسلامي عبادي -إذا صح التعبير- كعبادات وانتماء للإسلام، وشعاره الإسلام فهو من أقوى التيارات، لأنه حتى ضمن التيارات الأخرى، من لديه علاقة بالإسلام بشكل أو بآخر كانتماء وطقوس يعني قد تستغرب أنه إحدى اللافتات طلعت في إحدى الفضائيات، الحزب الشيوعي العراقي يعزي المسلمين بوفاة الإمام الحسين، شفتها.. موجودة..

ماهر عبد الله: رأيتها أنا بنفسي، في المقر اللي يقيم فيه الأستاذ جاسم.

أمير الحلو: موجودة يعني هناك انتماء أنا من النجف فإحنا في عام 59 كنا ضد عبد الكريم قاسم، كان تياره القومي، كنا نخرج مظاهرة نستخدم شعارات قومية ما لها علاقة بذلك.. بالحسين..

ماهر عبد الله: لأ، خلينا نتحدث خلينا نتحدث عن الإسلام السياسي.

أمير الحلو: إذن التيار الإسلامي غير المسيس تيار قوي جداً في العراق بشقيه الشيعي والسني، ولكن التيار المؤدلج الذي لديه تجربة سياسية، وخاض مخاض سياسي قمعي في.. كل الحكومات السابقة.. من الحكومات السابقة..

ماهر عبد الله: قمعي بمعنى مورس عليه القمع، نعم.

أمير الحلو: كونت له قدرة على التنظيم الخيطي والسري وتحت الأرض والإعدامات هو الشيعي في الواقع، يعني واجه هذا، لذلك منظم كتنظيم سياسي وخصوصاً بعد الثورة الإسلامية في إيران. وبعد الفكر الوضح اللي أظهره الشهيد الصدر في كتبه، والثقافة اللي..

ماهر عبد الله: فيه.. فيه شهيدين الصدر محمد باقر..

أمير الحلو: لأ، الشهيد الأول محمد باقر الصدر في كتابه "اقتصادنا ونظام الحكم في الإسلام"، وكتاب اجتماعي آخر، أكمله السيد الصدر الآخر في بعض الكتب الأخرى، أصبح التيار الشيعي تيار مؤدلج ومنظم سياسياً أكثر من التيار السني، يعني في كل الأقطار العربية والمسلمة، الإخوان المسلمين هم التنظيم السياسي الحقيقي، وكل جبروت عبد الناصر وما حصل في سوريا وغيرها وغيرها وغيرها، بقي، وفي الأردن وغيرها من الدول بقي التيار -الإخوان المسلمين- يختفي ويظهر ويُعدم ويُقتل ولكن هو موجود على السطح، في العراق هذه الآية قد بسبب يعني نسبة للأغلبية والقرب من إيران وغير، نفس الصورة عكسها التيار الشيعي أكثر من التيار السني في العراق إنه هو الذي كان يطفو على السطح، هو الذي كان يُضرب، هو الذي كان يُعدم، هو الذي ينزل إلى السراديب ثم يخرج على الأرض، لذلك باعتقادي إنه التيار الإسلامي لما أتحدث عنه، التيار الشيعي هو الآن التيار الأكثر أدلجةً.

ماهر عبد الله: هل نتحدث عندما نقول التيار الشيعي هل نتحدث عن تيار حوزتي أو نتحدث عن تيارات حركية مثل حزب الدعوة؟

أمير الحلو: أنا يعني تسألني رأيي الشخصي بالتيار الإسلامي، أنا لا غير ميال لتسيس التيار الإسلامي، حزب الدعوة حزب عريق في العراق.

ماهر عبد الله: في.. في توصيفك هذا عندما قلت يتصدى، يُقمع، ينزل إلى السرداب ثم يعود..

أمير الحلو: نعم، كان.. كان حزب الدعوة.

ماهر عبد الله: حزب الدعوة.. وليس.. وليس..

أمير الحلو: نعم، هو اللي كان.. هو الذي بدأ بداية النضال السلبي -إذا صح هذا التعبير- ضد النظام السابق كان حزب الدعوة هو الذي قام بكل هذه الحركات على الشارع يعني، وهو الذي تعرَّض، وقد يكون هو الواجهة ولكن الجماهير العريضة كانت تعرف إنه حزب الدعوة، أما الحوزة العلمية فهناك في الشيعة -كما تعلم أخ ماهر، رجل أنت إسلامي تعرف- هناك ما يسمى بمبدأ "التقية"، هناك الكثير من رجالات الحوزة العلمية، يخفون ويبطنون ما لا يرتضونه، بمعنى بإمكانه أن يصدر فتوى أو يقول رأياً، ولكنه هو في الداخل مو لأ.. ليس لا يعتقد بصحة هذا الشيء وإنما في عباراته يكون دقيق ومتلاعب -إذا صح التعبير- مع احترامي الشديد للعبارة بحيث تقبل التأويل، يقول نحن ضد الأميركان، والآن إحنا كلنا ضد الأميركان، ولكن هل هو دعا إلى إنه لا تأتي القوات الأميركية، لذلك لاحظت الإزدواجية بين استخدام فتوى الإمام السستاني لجهتي طرفي العلاقة في الحوزة العلمية اللي موجودة، الحوزة العلمية لا أريد أن أدخل في تاريخها، تاريخها السياسي عريق، ولكن باعتقادي إنه حزب الدعوة والثورة الإسلامية هما أقوى شيء..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: طب هذا التيار الشيعي، هذا الشق الشيعي، هذا الشق الشيعي، الشق السني من المعادلة الإسلامية.

أمير الحلو: الشق السني من أكان بدايات عندنا الله يرحمه يمكن محمد الصواف كان في السعودية توفى أو لازال حي، كان الشيخ البدري والعديد من العناصر التي كانت تقود التيار الإسلامي وكان حزب التحرير وقُمع في قوة.. بقوة هنا في العراق من قبل الأنظمة السابقة وليس فقط النظام السابق، بقوا الإسلاميين السُّنَّة يعملون في العلن كطقوس مسموح لهم، يعني عكس التيار الشيعي كانت الممارسات السنية الطقسية مسموح فيها، لكن العمل السياسي غير مسموح فيه، لذلك أنا كسياسي عراقي لم أكن أشعر بتيار سني مسيَّس في داخل العراق لا أذكر، الأسماء المطروحة الآن كإسلامية، أنا أقول هو في ذمة التاريخ، هي من تعاونت مع الأنظمة السابقة، يعني بعض الأسماء اللي موجودة لم تكن معادية قصدي، يعني لم تكن معادية، وكانت تظهر على المنابر وتتحدث وكان بعض قادة النظام السابق يتحدثون بلغة الإسلام، وكانوا أيضاً خطب الجمعة مؤدلجة وموضوعة من قبل وزارة الأوقاف مسبقاً، يعني تحدد -أنا أعرف- تحدد المحاور التي تلقى فيها خطبة الجمعة اللي هي كلها تعرف الشيعة، لم يكونوا يمارسون خطبة.. صلاة الجمعة، الإمام الصدر.. محمد صادق الصدر -الذي قتل- أفتى بعودتها، وهذا موضوع طويل إذا حبيت في مرة قادمة أشرح لك أسبابه، أعرف تفاصيل هذا الموضوع.

لكني أخلص إلى القول أن التيار الإسلامي السني لم يظهر على السطح كتيار سياسي معارض قوي.. معارض قوي وهو موجود، لكن قُمع منذ البداية ولم يظهر على السطح، التيار الشيعي لا، صعد ونزل وهبط، لذلك أول ما فُسح إله المجال ظهر على السطح بقوة.

ماهر عبد الله: أخ جاسم، يعني هذا.. هذا الكلام في التوصيف للتيار الإسلامي بشقيه -باستخدام تعبير الأخ أمير- أنت كشيوعي من آخر الطيف المقابل تماماً، إلى أي درجة أنت مستعد للتعايش مع أنصار حزب الدعوة، ومع هذا التيار السُّني المقموع إذا كنا نتحدث عن عراق ديمقراطي؟ هل جزء من أدبيات الحزب الآن التعايش مع مثل هذه التيارات؟

جاسم محمد: نعم، أولاً أعتقد يفترض من كل القوى السياسية العراقية أن تعي خلاصة التجربة السابقة، وهذه الخلاصة تتحدد -إذا ما أريد أطيل الحديث- تتحدد بإنه القمع وتصفية الرأي الآخر لا يؤدي إلا إلى المهالك وإلى الأزمات وبالتالي إلى دمار لشعبنا ولاقتصادنا وإلى آخره من المسميات، فيفترض بالقوة السياسية على اختلاف أطيافها الفكرية والأيديولوجية إلى آخره، أن تنطلق من يعني احترام الرأي الآخر والقوى الأخرى واستخدام ما نطلق عليه لغة الحوار، لغة النقاش بدلاً من لغة السجون والبنادق ويعني وإلى آخره من الأمور التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه الآن من وضع حقيقة مأساوي، رغم ما موجود به من...

ماهر عبد الله: من قناعتك هذا.. هذه الفكرة التي تتحدث عنها كم هي متجذرة في الشارع العراقي وعند النخب السياسية التي شاركت في تأسيس هذه الأحزاب؟

جاسم محمد: ربما في الشارع العراقي لأن الشارع العراقي أيضاً عاش 35 سنة من سلطة الحزب الواحد والقمع وإلى آخره، للأمور اللي.. اللي ما أريد أحكي.. أحكي بيها، قد لا يكون من السهولة أن يستوعب فكرة الديمقراطية بمفهومه الحضاري الجديد المتطور والمتجدد، ولكن على ما أعتقد أنه مستعد هنالك أكو بوادر وبذور حقيقية لفهم التجربة الديمقراطية ولفهم الحرية وفهم معنى احترام الآخر واحترام الرأي المخالف والتعايش معه، أردت.. أردت أن أقول أكمل ملاحظتي الأولى أو فكرتي الأولى إنه هذه القوى يفترض أن تعي هذه.. هذه حصيلة.. حصيلة التجربة، وبالتالي عليها أن تتعاون، عليها أن تجد القواسم المشتركة فيما بيناتها، على مستوى علاقتنا مع القوى الإسلامية، بالحقيقة إحنا عندنا علاقات جيدة مع المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، ولقاءات أجريت على مستوى القيادة، وكذلك عندنا لقاءات مع حزب الدعوة الإسلامية، مع منظمة العمل الإسلامي، مع بعض الكوادر من ما يسمى من مجموعة الصدر أيضاً عندنا علاقات وتعاون فيما بيناتهم، ولكن هذه العلاقات لم ترتقِ إلى مستوى الذي نطمح إله كشيوعيين، ربما لأسباب مختلفة من ضمنها يعني بعض التأثيرات ذات الطابع الأيديولوجي الصرف وعدم الاستعداد للتخلي عنها، تضعف أو على الأقل تخلي خطواتنا باتجاه التعاون باتجاه التقارب أكثر بطيئة، أنا أعتقد إحنا كحزب مستعدين وعندنا كامل الاستعداد ونحترم التاريخ النضالي لكل القوى السياسية، وهناك قوى سياسية في التيار الإسلامي قدمت ضحايا مشهودة الآن، إذا تمشي في شوارع بغداد تشوف قوائم الشهداء أو قوائم ضحايا الديكتاتورية، يجي حزب الدعوة والحزب الشيوعي من الأحزاب.. أبرز الأحزاب اللي عندها ضحايا ومعدومين وقوائم موجودة تقدر أن تطلع.. أن تطلع عليهم، وبالتالي فإحنا أولى أن تتقارب بأن نجد قواسم مشتركة، لأن نبني عراق جديد عراق حرية بعيد عن الاحتراب والسجون وإلى آخره.

ماهر عبد الله: أستاذ أمير، يعني هأسألك سؤال بس جاوبني عليه بعض الفاصل، كيف تنظر في تعدادك للتيارات تاريخية في العراق، التيار الملكي، الهاشميين.. أتباعهم، يعني شاهدت العديد من الناس تتمنى عودة الملكية.

[فاصل إعلاني]

الموقف من عودة الملكية إلى العراق

ماهر عبد الله: سيدي، كنت قبل الفاصل سألتك عن تيار أغفلته لا أدري إن كنت قصدت ذلك، أم أنك تعتبر أنه ليس ذو شأن، رغم إنه التقينا بالعديدين في.. في بغداد الذين يريدون عودة الملكية، قد لا يشكلون تياراً فكرياً بالمعنى، لكنه تيار يعبر عن.. عن قطاع لا بأس به.

أمير الحلو: أستاذ ماهر، مادام تحدثنا عن التاريخ بشكل موجز وسريع أقول لك أن الانقسامات التي كانت موجودة على الساحة العراقية بعد الاحتلال البريطاني سواء كان طابع سياسي أو عشائري أو ديني، أو مذهبي موجودة وجدت وبتحريض من الإنجليز (....) ودوره، وممكن الرجوع إلى الكتب، وأن لا يمكن تحقيق الوحدة الوطنية إلا بوجود رجل أعلى مصون غير مسؤول، ملك مصون غير مسؤول، بمعنى أن يمارس الديمقراطية من خلال التنظيمات السياسية والحزبية، ولكن الجميع يرجعون له، هو الذي يقيل الوزارة، هو الذي يوافق على تشكيل الوزارة، يعني الكثير من الأمور، يوقع الأراضي الملكية بهذا الشكل اللي موجود عليها، فذهبت العشائر ورجال الدين إلى الشريف حسين، وطلبت منه عبد الله، ومن ثم تحولت هاي القضية التاريخية إلى الملك فيصل الأول، وجاء الملك فيصل الأول، الرجل كان فاعلاً، وبنى الدولة العراقية، الدولة العراقية الحديثة بناها فيصل الأول، عكس اللي الفكرة اللي كانت عند الأميركان إنه يعتمدوا وزراء أميركان ومستشارين عراقيين، اللي عمله فيصل الأول هم وزراء عراقيين بمستشارين بريطانيين، ولكن فاعلين، بحيث الشاعر الرصافي عنده بيت شعر ظريف يقول:

المستشار هو الذي شرب الطلا [يعني الخمر]

فعلامَ يا هذا الوزير تعربد

هذا اللي شرب مش أنت شو.. شو دخلك؟ إذن الجذور الملكية في العراق الغرض منها هو وجود نظام ديمقراطي، ولكن هناك رأس يحتكم له عند الضرورة، وهذا الرأس غير مسؤول عن تصرفات رئيس الوزراء والوزراء والسلطة التنفيذية، هل بعد 58 إلى الآن الساحة العراقية الآن مهيأة كما كانت في عام 22 أو 21 إلى مجيء رجل متوَّج يجد الساحة ملائمة لأن يكون ملك مصوناً غير مسؤولاً، وهناك رئيس وزراء ووزراء وبرلمان جاهزون كما كان موجود هناك التقسيم العشائري والطائفي في عام 21، 22، ويتولى القيادة؟ أنا أقول: لأ، لا يوجد هناك تيار ملكي حقيقي الآن على الأرض، ولكن البعض كما يلجأ إلى الدعاء إنه الله خلصنا من فلان يأتينا فلان، خلصنا من فلان، عام 59 كان الناس يقولون: كان الملك أحسن، 63 قالوا: لو باقي عبد الكريم قاسم، وهكذا.. وهكذا يعني الناس هذا الشيء، إذن مرات عندما تسمع موضوعة الملكية هو ليس حباً بنظام ملكي، لأنه ما.. أنا.. أنا باعتقادي لا يوجد شيء لديهم على الساحة، وإنما حنين لحالة من الاستقرار النسبي -إذا صح التعبير- بوجود ملك..

ماهر عبد الله: أخ جاسم، هل تتفق مع.. مع هذا التحليل في الموقف من الملكية؟

جاسم محمد: والله أنا بالنسبة إلى الموقف من الملكية يعني أنا أستطيع أن أقول يعني بأنه لا شعبية للملكية في العراق، ولكن هذا رأيي الشخصي، قد يكون خطأ، ولكن إحنا كحزب على الأقل بالنسبة لإلنا و بعض القوى السياسية الأخرى متفقين على إنه هاي القضية قد تخضع أيضاً لاستفتاء شعبي عام، والناس تبدي رأيها اللي تريد الملكية أم تريد الجمهورية، فهاي الإشكالية يمكن أيضاً طرحها على التصويت الشعبي الجماهيري المباشر لغرض تقرير مصير شكل الحكم في المستقبل.

تأثير التشرذم الحزبي على الحياة الحزبية في العراق

ماهر عبد الله: أخ أمير، الأخ جاسم ذكر في جزئية سابقة تشويه الحياة السياسية، تشويه الحياة السياسية لا.. لا.. لم يكن يعني فقط انفراد الحزب الواحد بالحكم، انعكس بتقدير القمع على الأحزاب تفتتاً وشرذمة، أغلب الأحزاب التي نراها هي شرذمات وشظايا لفكرة واحدة لحزب.. لحزب واحد، إلى أي درجة يمكن القول أن جزء كبير من هذه الأحزاب ما هي إلا ثارات شخصية من زعامات حزبية معينة داست على أطراف أحزاب قيادات حزبية أصغر منها، تحاول هذه الآن العودة إلى الساحة كزعامات أخرى، وبالتالي لابد ما إما أن تلتئم هذه التيارات في.. في حزب واحد، أو أن يتلاشى الجميع.

أمير الحلو: لو تجد قائمة الأحزاب التي تربو على السبعين في لندن كانت يعني منشورة، وجاءت الآن حاملة معها أثقال العراق تجد جذور الأشخاص، وأنا أزعم أني أعرف 90، 95% منهم شخصياً تاريخياً وأسماء وعلاقات شخصية معهم يعني أعرفهم، هم جاءوا من رحم أحزاب كانت موجودة، بعضهم بعثيين، بعضهم شيوعيين، بعضهم قوميين، بعضهم إسلاميين، بعضهم وطنيين ديمقراطيين مستقلين، لما وصلوا إلى الغرب، ودول الغرب استوعبتهم بدت عملية انشطار فيما بينهم لأسباب، بعضها من خلال قراءاتي لكل الملفات السابقة كانت تصلني بطريقة أو بأخرى الملف العراقي، وكل نشرات المعارضة سابقاً الموجودة، مؤتمر يجتمع فيشتم أحدهما الآخر بذمته المالية، يشتمه بصفته الشخصية، يشتمه لارتباطه بالنظام الموجود حالياً سابقاً يعني اللي موجود، أنت عملت كذا وكذا، وأنت غير مؤهل أن تكون في حزبنا، فينشطر حزب (س)، يعني أعرف الأسماء، ولكن لا أريد أقول، (س) ينشطر إلى حزبين، عندما يجتمع "أ" من.. من السين ينشطر الألف إلى "ب" و"جـ"، وهكذا تكونت الـ 73 أو 74 حزب من التيارات الأساسية، والآن بالأسماء أستطيع أن أحدد..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: بس هل هذه ظاهرة صحية؟

أمير الحلو: لا غير صحية، هذا الانشطار اللي سميته بالانشطار الأميبي، اللي كان سببه الغربة في الخارج، وكل مبرراتها متوفرة في الخارج سواء بالارتباط بالدولة المقيمين فيها أو للجهة التي تمول أو بالفقر، بعضهم فقراء لأسباب عديدة تكونت هذه التيارات، أنا أدعو مخلصاً وأنا مستقل حالياً، لا أرتبط بجهة أن تعود هذه الأميبيا للتشكل كيميائي.. شو يسموها بالبيولوجي أن ترجع إلى النواة، إلى الوحدة، وتعود إلى التيارات اللي ذكرناها في بداية لقائنا أستاذ ماهر، وهو التيار الإسلامي بشقيه، التيار الشيوعي الاشتراكي بمهما يكون اسمه، التيار القومي بمهما تكون جذوره، التيار الوطني الديمقراطي مع إخواننا الأكراد بحريتهم بتكوين الأحزاب، هذا هو الأصل، أما هذه الانشطارات الأميبية يجب أن لما ترجع إلى الوطن وهي رجعت أن تتلاقى هذه الوجوه مع بعضها، وأن تقول: كفى.

ماهر عبد الله: طب أخ.. أخ جاسم، لو أخذنا الحزب الشيوعي كعينة على هذا التشظِّي، يعني سمعنا عن شخصيات حاولت أن تؤسس حزب شيوعي بديل، حتى عقدت مؤتمر صحفي، ولا أدري يعني عما أسفر، سمعنا عن شخصيات شيوعية الآن تعمل في مؤسسات حزبية أخرى، المؤتمر الوطني العراقي، حركة الوفاق، لا نريد أن نذكر أسماء، لكن أنا أظن أنك تعرف الأسماء.

جاسم محمد: معروفة.. معروفة أسماؤهم.

ماهر عبد الله: التي تتحدث عنها، هذا ينسجم مع تحليل الأستاذ أمير في إنه فيه تشظِّي في... قد يكون لأسباب شخصية في بعض الأحيان، لكن لن نخوض في الأسباب، كيف ستعالج هذا الحزب، أي حزب شيوعي سنتحدث عنه بعد سنة من الآن إذا استمر هذا التسرب من الحزب إلى أحزاب وحركات أخرى؟

جاسم محمد: أنا إذا بتسمح لي ملاحظة واحدة فقط واحدة بسيطة عن الأسباب، يعني القول مكرر إنه غياب الحياة الديمقراطية بالعراق قابلهم، ولكن أكو غياب للديمقراطية داخل التكوينات السياسية العراقية بصراحة، إحنا نحن كحزب تصدينا لبعض مظاهر اللي شو تسميها، سيادة الرأي الواحد، رأي القائد، رأي المكتب السياسي، إلى آخره من المسميات اللي اعتدنا عليها، فغياب الديمقراطية الحزبية الداخلية في كل التشكيلة العراقية، السياسية العراقية وإن بشكل متفاوت هو سبب جوهري أو أحد الأسباب الجوهرية اللي أدت إلى هذا التفتت و إلى هذا التشرذم اللي طال كل القوى دون استثناء تقريباً يعني، نحن في الحزب الشيوعي العراقي ربما خلال العقدين الأخيرين لم نتعرض إلى انشقاقات نوعية من المؤثرة، أكو هنالك تجمعات يعني معروفة أسماؤها، هناك من ترك العمل السياسي نتيجة لكون آرائه لا تجد إلها صدى في داخل الحزب، ولأسباب أخرى تكاد تكون معروفة لدى الجميع، أنا أعتقد الآن على الحزب أن ينفتح على كل الشيوعيين، على كل الشخصيات التي تؤمن بالاشتراكية، تؤمن بالفكر الماركسي، لأن يكون باب الحزب مفتوح إلها لإعادة بناء الحزب بشكل أقوى وأمتن وأكثر وحدة، وأكثر.. وأكثر تماسك، وأعتقد مجال.. هذا المجال موجود، ونحن عُدنا لدينا أجواء من الديمقراطية، وهذا مو ادعاء بالحقيقة مناسبة لعودة الجميع، وباب الحزب مفتوح، وأتمنى أن هذه تكون هي السمة القادمة للعمل السياسي في كل التيارات السياسية العراقية على اختلافها.

ماهر عبد الله: يعني شكراً.. شكراً جزيلاً لكما، أنا كنت فقط الملاحظة الختامية أتمنى أن نتمكن من أن يكون بإمكاننا أن نجري مثل هذا الحوار بعد 5 سنوات في العراق بغض النظر عن الحزب الذي يحكم العراق.

أستاذ أمير الحلو، شكراً جزيلاً لك.

أمير الحلو: شكراً أستاذ ماهر.

ماهر عبد الله: أستاذ جاسم محمد من (الحزب الشيوعي)، شكراً جزيلاً لك.

جاسم محمد: شكراً إلك.

ماهر عبد الله: إلى أن نلقاكم في حلقة قادمة، تحية مني، والسلام عليكم ورحمة الله -تعالى- وبركاته.