تأتي الهجمات التي نفذها تنظيم الدولة الإسلامية في مدينة هيت الواقعة غربي الرمادي كمحاولة -فيما يبدو- من التنظيم لإيصال رسالة إلى القوات العراقية والمليشيات التابعة لها التي تحاصر الفلوجة، مفادها "نستطيع التحرك بانسيابية ولن نُهزم بسهولة".

حلقة الأحد (29/5/2016) من برنامج "ما وراء الخبر" ناقشت هذه الهجمات، وتساءلت: لماذا يتكرر إخفاق القوات العراقية والمليشيات المتحالفة معها حتى في حماية نفسها داخل مناطقَ استردتها من تنظيم الدولة؟ وكيف ستؤثر عمليات الانتقام والإعدامات الطائفية التي بدأت في بلدة الكرمة على تحالف القوى المشاركة في اقتحام الفلوجة؟

وكانت مصادر أمنية في هيت قالت إن أربعين من أفراد القوات العراقية ومقاتلي الحشد العشائري المساند لها، قتلوا عندما دهَمَ عشرات من مقاتلي تنظيم الدولة مواقعَ تلك القوات في المدينة.

وفي مدينة الكرمة الواقعة في الشمال الشرقي قتل 17 شخصا على الأقل في عملية إعدام جماعية وُصفت بالطائفية، فالضحايا من السنة، وجرت تصفيتهم على أسس طائفية واضحة، بينما اقتيد عشرات آخرون إلى وجهة مجهولة، كالمصير الذي ينتظر مدينة الفلوجة.

إذن فالوضع الميداني الآن يقول إن تنظيم الدولة الذي يُحاصر في الفلوجة، يفاجئ مُحاصِريه في هيت ليلاً، ويعبُر مسلحوه نهرَ الفرات ويقتحمون هيت من شرقها, ويسيطرون على عدة أحياء فيها, وأثناء ذلك يشتبكون مع القوات الحكومية ومليشيا الحشد المناصر لها، ويكبّدونها خسائر ثقيلة في الأرواح.

من يعرف هذه المنطقة وتاريخ التنظيم فيها، يدرك أن ما حدث ليس بالأمر اليسير، فقد انسحب التنظيم منها قبل أكثر من شهر تحت ضربات عنيفة تساندها طائرات التحالف الدولي، مما يعني قدرته على التحرك بانسيابية تخالف ما هو متوقع, وتباغت من تَبادَرَ إلى ذهنه أنه انتصر عليه.

إثبات وجود
حول هذه التطورات يرى المحلل السياسي جاسم الموسوي أن التنظيم لم يتمكن في أي معركة من مواجهة القوات العراقية والحشد الشعبي إلا من خلال السيارات المفخخة، وهي عملية لا يستطيع أي جيش في العالم السيطرة عليها، على حد قوله.

ويضيف أن التنظيم لا يحقق انتصارات على الأرض، ويحاول من خلال هجماته في هيت أن يبحث عن إثبات وجود في مناطق أخرى بعد محاصرته في الفلوجة.

ويفسر الموسوي قدرة التنظيم على التحرك والهجوم رغم الحصار بأن هذه المنطقة شاسعة وكبيرة وسقطت بيد التنظيم منذ العام 2014، وهي مناطق مفتوحة على حدود كل من سوريا والسعودية وغيرهما، ولذلك فالتنظيم لديه حاضنة وبيئات تساعده على النجاح، ولديه تحالف مع الذين تضرروا من سقوط النظام، وفق رأيه.

واعتبر المحلل السياسي أن فلسفة الجيش العراقي اختلفت بعد سقوط الموصل، مؤكدا أن فتح عدد من الجبهات في نفس الوقت أربكت التنظيم ولم تربك القوات العراقية.

محاولة للإرباك
من جهته، يفسر الخبير الإستراتيجي عبد الحكيم خسرو أي هجمات لتنظيم الدولة على القوات العراقية بأنها تهدف إلى إرباك الجبهات الأخرى، مستبعدا القضاء على تنظيم الدولة عسكريا في المرحلة الحالية.

ويرى خسرو أن طبيعة تشكيل الجيش العراقي بعد انهياره في الموصل والمحافظات السنية، خلقت نوعا من الإرباك في تشكيلاته وفي الاتصال والتجهيز وكيفية التواصل وإعداد الخطط.

ويضيف أن الحشد الشعبي يتكون من أكثر من 21 فصيلا، إضافة إلى جماعات أخرى تنضوي تحت لوائه، والبعض منها غير منضبط، وبالتالي فإن سلوكاتها وتصرفاتها في المستقبل غير متوقعة، وهذا يؤثر بالسلب على رد الفعل من قبل السنة وخاصة العشائر التي تقاتل مع الحكومة.

غياب رؤية
لكن الكاتب والمحلل السياسي مؤيد جبير -وهو أحد أبناء الفلوجة- يؤكد أنه لا توجد حاضنة سنية للتنظيم في العراق، وهناك فقط من انضم إليه لأسباب كثيرة منها السياسة الطائفية القمعية التي مورست على أبناء هذه المناطق لسنوات طويلة.

ويرى جبير أن ما حدث في هيت يؤكد غياب رؤية إستراتيجية حقيقية لإدارة المناطق التي تدخلها القوات العراقية والتي تسميها المناطق المحررة.

ويضيف أن الحشد العسكري الكبير الذي جُهز لمعركة الفلوجة جعل قوات مكافحة الإرهاب في هيت تترك أماكنها، مما سمح للتنظيم بالعودة إليها.