حين تذكر الصحافة والتعبير في العراق اليوم يغلب الحديث عن الانتهاك والاعتداء، لا عن المراعاة والاحترام.

الجديد في هذا الصدد قرار هيئة الإعلام والاتصالات سحب الترخيص الذي كانت تعمل به شبكة الجزيرة الإعلامية في بغداد، ومنع العاملين فيها من مزاولة مهامهم.

أما الجهة التي اتخذت القرار فينسب إليها كثير من الشطط الذي اكتوت بناره قناة "البغدادية" وبرنامج "البشير شو"، قبل أن يأتي الدور على الجزيرة.

تشير الأصابع بشكل واضح وصريح إلى رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي يحتفظ برجال على رأس مؤسسات كبرى تعجز أجهزة الدولة عن مقارعتهم.

هيئة الإعلام -التي يحتدم الجدل حول نهجها الطائفي- ليست طائفية، حسب ما يراه الكاتب والمحلل السياسي أحمد الأبيض، بل هي ذات نهج حزبي، ولطالما اتخذت قرارات -ومنها الإغلاق- ضد قنوات، وكان دورها فقط تجميليا.

ولم يوافق المتحدث من بغداد في حديثه لحلقة الخميس (28/4/2016) من برنامج "ما وراء الخبر" على أن جناح المالكي هو من يقف بالضبط وراء القرار، فبرأيه الرجل منزو، لكن أوساطا من حزب الدعوة موجودة حتى في مكتب رئيس الوزراء حيدر العبادي هي التي تقف وراء جعل هيئة الإعلام ذات طابع تضييقي لا تنظيمي.

لكن الناشط الحقوقي محمد الشيخلي -متحدثا من لندن- اختلف مع الأبيض وأكد أن هيئة الإعلام حزبية وطائفية بامتياز، وأنها لا تستطيع توجيه ولو مجرد تنبيه لعشرات القنوات الطائفية التي تبث سمومها يوميا ضد العراقيين والعرب.

وعليه، فإن هيئة الإعلام -كما يضيف- تابعة لحزب الدعوة، وتعمل على تكييف الإجراءات وفق مرئيات الحزب، ولم تتردد في وقف برنامج فقط لأنه عرض فيه أن بعض "العمائم يعتبرون الأرنب نوعا من الحشرات".

أما لماذا الجزيرة؟ فبرأي الشيخلي لأن خطابها الواقعي يؤرق مضجع الحكومة، وهي ليست الحادثة الأولى فقد أغلقت في عهد رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي بعدما غطت ما جرى في معركتي الفلوجة وعرضته للرأي العام العالمي.

وخلص إلى أن ثمة حقائق مرة مرتقبة مع وقوف معركة الموصل على الأبواب، وينبغي للجزيرة أن تبقى بعيدة مع احتمال وقوع جرائم ضد الإنسانية، وفق قوله.

ومن عمّان قال الكاتب والباحث السياسي لقاء مكي إن الجزيرة أغلقت في مصر لكنها واكبت ثورة 25 يناير، وفي سوريا وليبيا والعراق تكرر الأمر نفسه.

وأضاف مكي أن السياق العراقي في المجمل لم يعد يحتمل ذكر الحقيقة، ويتصف بحساسية من النقد.

ورأى أن العملية السياسية وصلت إلى حائط مسدود بعدما قادها سياسيون ذوو نظر قصير ومستوى متدن من الفهم لا يجدون سوى الحل الأمني للتعامل مع الإعلام، مؤكدا أن غلق المكاتب سيجعل الجزيرة أكثر تحررا.

أحمد الأبيض ذهب إلى قراءة أخرى، معتبرا أن الهيئة لم تغلق، بل تريد ليّ الأذرع وفتح باب المساومة. أما قرب مكتب الجزيرة من المنطقة الخضراء حيث الاعتصامات على بعد أمتار، فقد جعل وجود الجزيرة غير مريح.

الأبيض خلص إلى أن ما يثير حساسية الحكومة هي المظاهرات وليس المعارك في الجبهات، حيث يتوقع أن ترتفع وتيرة المظاهرات في شهري يونيو/حزيران ويوليو/تموز المقبلين.