تدمر، المدينة التي ارتبطت في أذهان السوريين بسجنها الشهير بسوء سمعته، يسوّق النظام السوري استعادتها من تنظيم الدولة الإسلامية كمهمة إنقاذ مقدسة لأيقونة تراث إنساني انتزعت من براثن الإرهاب المتوحش.

لم يذكر الإعلام الرسمي السوري -الذي احتفى باستعادة تدمر- أن تنظيم الدولة دمّر أول ما دمر سجنها السيئ الصيت، وطمس بذلك أكبر الشواهد على وحشية النظام. لكنه مضى -عوضا عن ذلك- في استغلال الغضب الدولي الحالي من تنظيم الدولة، ليختزل كل ما تشهده سوريا بوصفه حربا بين نظام متحضّر يهتم بالحضارة والتراث، وإرهاب متوحش يهدد نظام الأسد كما يهدد العالم أجمع.

وقال الرئيس السوري بشار الأسد أمام وفد فرنسي زائر يضم برلمانيين، إن استعادة قواته مدينة تدمر التاريخية من تنظيم الدولة، نجاح لإستراتيجية الجيش الحكومي وحلفائه في الحرب ضد الإرهاب، على حد قوله.

حلقة (27/3/2016) من برنامج "ما وراء الخبر" تناولت فرص نجاح النظام السوري في تسويق نفسه كجزء من الحرب الدولية المعلنة على تنظيم الدولة، في ضوء استعادته مدينة تدمر من قبضة التنظيم.

في البداية، قال أستاذ الأخلاق السياسية في "جامعة حمد بن خليفة" محمد المختار الشنقيطي، إن إستراتيجية النظام السوري منذ بداية الثورة هي السعي لتحويلها إلى استقطاب بين النظام وتنظيم الدولة، ولذلك أرخى العنان للتنظيم ليتوسع ويتمدد حتى يقنع العالم بأن هناك خياران فقط في سوريا: إما النظام أو التنظيم، متجاهلا الخيار الثالث الذي ثار السوريون من أجله وهو الخيار الديمقراطي.

وأضاف الشنقيطي أن توقيت العملية محاولة لربط الأمور بالتفجيرات التي وقعت في بروكسل، ومحاولة للتماهي مع أوروبا في هذه اللحظة، مشيرا إلى أن تدمر هي أكثر المدن السورية التي يعرفها العالم الغربي لقيمتها التاريخية.

واستغرب الشنقيطي عدم استعادة النظام السوري أيا من المدن الكبرى التي خسرها سابقا رغم المساعدة العسكرية الروسية، باستثناء تدمر رغم توقف القصف الروسي.

video

تورط النظام
واتفق سفير الائتلاف السوري المعارض في باريس منذر ماخوس مع القول إن توقيت العملية محاولة من النظام للتماهي مع ما تعيشه أوروبا، ولم يستبعد "تورط النظام السوري وحلفاءه في تفجيرات أوروبا".

ولفت إلى أن اللقاء الأخير بين وزيري الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف تمخض عن تأجيل بحث مسألة بقاء الأسد في الحكم، وذكّر أيضا بلقاء منسقة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي مع مندوب النظام السوري بشار الجعفري رغم مقاطعة الاتحاد النظام.

وخلص ماخوس إلى أن هذه المؤشرات تُوحي بأن "شيئا ما يتم تجهيزه في الكواليس"، وشدد على أن الهيئة العليا للتفاوض التابعة للمعارضة لن تقبل بأقل من رحيل الأسد وأركان نظامه.

وعن دور المعارضة السورية، قال ماخوس إنها لم تدخر جهدا في مواجهة تنظيم الدولة، مضيفا أن التنظيم سيطر على تدمر بعد أن قطع نحو ثلاثمئة كيلومتر في الصحراء دون أن يتعرض له النظام السوري أو التحالف الدولي، وهو ما يتكرر الآن مع انسحاب عناصر التنظيم من المدينة باتجاه الرقة.

من جهته، يرى الشنقيطي أن اللوم يعود إلى القوى الدولية المؤيدة للثورة السورية في تقاعسها عن مساعدة المعارضة، في مقابل القوى التي تقدم العون العسكري والبشري للنظام السوري.

وتوقع الشنقيطي عدم مواصلة النظام السوري معاركه ضد تنظيم الدولة، مُرجعا ذلك إلى تركيزه على مواجهة قوى المعارضة السورية، إضافة إلى أن النظام لا يملك زمام الأمور في سوريا.