في مؤشر جديد على الوجهة التي أخذت مصر تميل نحوها شيئا فشيئا، وقعت القاهرة مع بغداد مذكرات تفاهم للعمل المشترك في مجالات النفط والغاز. تفاهم ستحصل بموجبه مصر على إمدادات نفط تؤمن احتياجاتها الملحة منه مع تسهيلات في الدفع.

خطوة وضعها متابعون ضمن سياق أوسع أظهرت فيه القاهرة تقاربا متزايدا مع المحور الذي يجمع كلا من العراق وإيران وروسيا وسوريا.

هذا التعاون النفطي بين مصر والعراق ليس جديدا، كما يبين مستشار المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية يحيى الكبيسي، بل يعود إلى 2008 مع زيارة وزير الخارجية المصري وقتذاك إلى بغداد وتوقيع العديد من التفاهمات آخرها في مارس/آذار الماضي.

وعليه، يرى في برنامج "ما وراء الخبر" حلقة (2016/10/31) أن ما جرى الآن هو تنفيذ للتفاهم الذي وقع قبل أشهر، وأن الأمر لا يتعلق بطبيعة التعاون بين الطرفين بل بالتوقيت الذي يورد السؤال: لماذا وافقت بغداد على توقيع اتفاق امتنعت عنه سنوات طويلة؟

الاستثمار المباشر
يربط الكبيسي ذلك بالتحولات السياسية الإقليمية، ولكن أكثر من ذلك باعتماد مصر ما سماه الاستثمار المباشر غير المؤسس على موقف أيديولوجي أو سياسي، بل الساعي خلف أي طرف يساعد على تجاوز المأزق الاقتصادي، ومن ذلك المسارعة للذهاب إلى بغداد عند الحديث عن غياب حصة النفط السعودية.

خلاصة ما يذهب إليه الكبيسي أنه لا توجد سياسة حقيقية لمصر، مرجحا أن الحاجة الاقتصادية تدفعها للتلاعب بالمواقف السياسية، معتقدة أن التقارب مع العراق سيدفع الخليجيين لزيادة دعمهم المالي.

عن إكراهات الاقتصاد ودورها السياسي نفى رئيس تحرير صحيفة المشهد الأسبوعية المصرية مجدي شندي أن يكون ذلك منطبقا على مصر، إذ إن النفط السعودي لم يكن هبة بل ضمن اتفاق تجاري، وكذلك هو الحال في الاتفاق مع العراق.


أما السياسة الخارجية المصرية -وفقا لشندي- فهي ثابتة وغير خاضعة للابتزاز، ويضيف أن القاهرة لا تسمح بأي إملاءات في الشأنين الخارجي والداخلي، لافتا إلى أنها "قوة توحيدية بين العرب وعلاقتها مع العراق متينة وتعود لعقود منذ ثورة 1958 العراقية".

من زاويته قال الكاتب والمحلل السياسي السعودي سليمان العقيلي إن علاقة مصر والعراق من حيث المبدأ هي من شؤون السيادة المصرية، غير أن الأمر سياسيا لا يقتصر على ذلك، لأن المنطقة تشتعل بحروب بين محورين في ظل سعي إيراني للهيمنة.

وأضاف أنه مع هذه الحال، كان المتوقع أن تكون مصر في الصف الأول مع السعودية، أما وقد اختارت أن تصطف مع المحور الآخر أو أن تضع رجلا هنا ورجلا هناك فهذا يضفي شكوكا على سياستها.

خيارات خليجية
وأشار العقيلي إلى أن لمصر علاقات جيدة مع الإمارات والكويت وكان بإمكانها الحصول على النفط منهما، لكن الاصطفاف مع العراق ليس مدانا بوصفه بلدا عربيا، بل لأن بغداد تديرها حكومة الظل المالكية (نسبة لنوري المالكي) والحشد الشعبي وجيشها في هذه اللحظة هو جزء من الحملة الإيرانية على المنطقة العربية.

وانتهى إلى القول إن السياسة المصرية متناقضة، وتعطي إشارات مرتبكة يشوبها الغموض، ولهذا فإن الموقف الخليجي ما زال غير متيقن تجاهها، لافتا إلى أن المزاج السياسي العربي -أحيانا- لا يتسم بالانضباط الذي يرتب الأولويات.

أخيرا قال شندي إن الحديث عن مصر ينبغي ألا ينسي أن الدول العربية ضمن مسؤوليتها "وفي كفالتها"، وهي التي قدمت التضحيات الجسام في القضايا العربية، وتسعى لعودة الوطن العربي إلى سابق عافيته، بينما الطرف الآخر هو من خلق الاصطفاف السني الشيعي ويطبق ما تريده المخابرات الغربية.