بعد سيطرتها على مدينة أريحا، هيمنت المعارضة السورية المسلحة على آخر مدينة كانت تحت سيطرة النظام في محافظة إدلب، وباتت على بعد نحو عشرين كيلومترا عن مسقط رأس آل الأسد.
في المقابل واصلت قوات النظام السوري انسحابها من المزيد من القرى في ريف إدلب، منكفئة باتجاه الساحل ومنطقة سهل الغاب بريف حماة. انسحابات تأتي في سياق سلسلة من الهزائم المتتالية تلقتها قوات نظام الأسد في الفترة الأخيرة.
حلقة الجمعة (29/5/2015) من برنامج "ما وراء الخبر" ناقشت دلالة الهزائم المستمرة التي منيت بها قوات النظام السوري في الفترة الأخيرة، والمسارات التي يمكن أن تأخذها الأوضاع في سوريا في ضوء التراجع المطرد لسيطرة النظام.

مدير معهد المشرق للدراسات الإستراتيجية سامي نادر، الذي تحدث من بيروت، عزا المستجدات الميدانية الأخيرة إلى عدة أسباب، بينها اهتراء تحالفات النظام الدولية، ومقاتلة قوى النظام كأقلية في وجه أكثرية، بالإضافة إلى توحيد قوى المعارضة في غرفة عمليات واحدة يدعمها تحالف إقليمي موحد.

قوات منهارة
في السياق نفسه قال الخبير العسكري والإستراتيجي أسعد الزعبي إن النتائج على الميدان تعكس واقعا عسكريا مرا بالنسبة للنظام، وفق تعبيره.

وأضاف أن القوات النظامية منهكة ومنهارة، وهي اليوم لا تجيد سوى الانسحاب والانكفاء باتجاه مناطق الساحل.

وبيّن نادر أن نظام بشار الأسد استخدم منذ بداية الثورة قبل أكثر من أربع سنوات الورقة الطائفية التي ارتدت عليه اليوم، وأوضح أن هناك إمكانية لقيام كيانات طائفية بسبب الطابع المذهبي الذي يتخذه الصراع في سوريا وفي العراق أيضا. 

معركة الساحل
وعن الموقف الروسي رأى مدير معهد المشرق للدراسات الإستراتيجية أنه شهد تحولا ولم يعد متباعدا مع الموقف الأميركي فيما يتعلق بالملف السوري.

واعتبر أن خيارات النظام تتمثل في تحصين المكتسب من ذلك، وهو ما بدأه بعملية تحصين الجهة الغربية والسعي إلى الزج بالجيش اللبناني في معركة عرسال.

وقال أسعد الزعبي إن انخراط إيران الكبير وتورطها في العراق انعكس سلبا على دعمها لنظام السوري، وبالتالي أصبح هناك خلل في القوى البشرية العراقية والإيرانية التي تقاتل مع النظام السوري.

وأشار إلى وجود ضغوط دولية مورست على الثوار من أجل إجبارهم على التراجع إلى الخطوط التي انطلقوا منها باتجاه الساحل، وأضاف أن القوى الغربية ترفض معركة الساحل. 

اسم البرنامج: ما وراء الخبر

عنوان الحلقة: دلالة الهزائم المتتالية للنظام السوري

مقدم الحلقة: الحبيب الغريبي

ضيفا الحلقة:

-   أسعد الزعبي/خبير عسكري واستراتيجي

-   سامي نادر/مدير معهد المشرق للدراسات الإستراتيجية

تاريخ الحلقة: 29/5/2015

المحاور:

-   دلالة الهزائم المستمرة لقوات النظام السوري

-   تحول في الموقف الروسي

-   سيناريو تقسيم سوريا

الحبيب الغريبي: أهلاً بكم، قالت مصادر للجزيرة أنَّ قوات النظام السوريّ انسحبت من المزيد من القرى في ريف إدلب باتجاهِ مناطق في الساحلِ وريفِ حماة، يأتي هذا بعد سيطرةِ جيشِ الفتح التابع لقواتِ المعارضة على مدينة أريحا في سياقِ تراجُعاتٍ مُستمرة لقواتِ النظام.

نتوقف مع هذا الخبر لنُناقشهُ في محورين: ما دلالةُ الهزائم المُستمرة التي مُنيَت بها قوات النظام السوري في الفترة الأخيرة؟ وما هي المسارات التي يُمكِنُ أن تأخذها الأوضاع في سوريا في ضوء التراجُع المُضطرد لسيطرة النظام؟

بسيطرتها على مدينة أريحا هيمنَت المُعارضة السورية المُسلحة على آخر مدينة كانت تحتَ سيطرة النظام في مُحافظةِ إدلب وباتت بُعدِ نحوِ 20 كيلومتراً عن مسقطِ رأسِ آل الأسد، في المُقابل واصلت قواتُ النظام السوريّ انسحابها من المزيد من القرى ريفِ إدلب مُنكفئةً باتجاه الساحل ومنطقةِ سهلِ الغاب بريفِ حماة، انسحاباتٌ تأتي في سياقِ سلسلةٍ من الهزائمِ المُتتالية تلقتها قواتُ نظام الأسد في الفترةِ الأخيرة.

[تقرير مُسجل]

مصطفى أزريد: قواتُ المُعارضةِ السورية في مدينةِ أريحا آخرِ موقعٍ تُطرَدُ منهُ قواتُ النظام السوريّ في مُحافظة إدلب، ليسَ إرغامُ قواتِ الأسد على مُغادرةِ أريحا حدثاً مُنعزلاً فقد تعددت المواقعُ التي طُردَت منها هذهِ القواتُ في الفترةِ الأخيرة، لم تصمُد قواتُ النظامِ في بصرى الشام بدرعا جنوبِ البلاد في أواخر مارس الماضي واندحرَت أمامَ ضرباتِ المُقاومة، بعدَ أيامٍ قليلةٍ من ذلكَ أُرغمَت هذهِ القواتُ على مُغادرةِ معبر نصيب آخرِ معبرٍ ظلّت تُسيطرُ عليهِ على الحدودِ مع الأردن، كانت هاتان الهزيمتان أولَ المؤشراتِ على الوضع القتالي لقوات بشار الأسد، لم يتوقف الأمر عند هزيمتي بصرى الشام والنصيب؛ فقد حققت المُعارضةُ السورية انتصاراتٍ أهم في إدلب، دخلت قواتُ المُعارضة مدينة إدلب الشهرَ الماضي لتُصبَح ثاني عاصمة مُحافظة يفقدها النظام بعد الرقة، قال النظامُ السوريّ إنهُ سيسترجعُ مدينة إدلب بسرعة فانهزمَ في جسرِ الشغور ثاني أهمِ مدينةٍ في المُحافظة التي لا تخفى أهميتُها الإستراتيجية، ثُمَ توالت هزائمُ جيشِ النظام في إدلب التي يكادُ يفقدُها بالكامل، الآن بعدَ سيطرة المُعارضة على أغلبِ مُحافظةِ إدلب أصبحت الطريقُ سالكةً أمامها للوصولِ إلى الساحل السوريّ الذي يصفهُ البعض بمعقلِ أنصار بشار الأسد، السؤالُ الذي يطرحُ نفسهُ هُنا هو كيفَ يخسرُ جيشٌ مناطقَ بهذهِ الأهمية الإستراتيجية بالنسبةِ له؟ مُراقبون عسكريون يقولون إنَّ جيشَ النظام السوريّ الذي يُعاني من حربِ استنزافٍ مُنذُ 4 سنوات لم يعُد قادراً على بذلِ مجهودٍ حربيٍّ حقيقيّ في كُلِ مناطقِ سوريا، آخرُ هذهِ المناطق التي انسحبَ منها جنودهُ أمامَ ضرباتِ تنظيمِ الدولة الإسلامية هذهِ المرة هي تدمُر ثُمَ معبر الوليد على الحدود مع العراق؛ لقد كانَ انسحابُ جيشِ النظام من تدمُر انسحابَ جيشٍ مشلول غيرِ قادرٍ على القيامِ بدورهِ القتاليّ أمّا في القلمون فقد وجدَ هذا الجيشُ مَن يُحاربُ مكانهُ حزبُ الله اللُبنانيّ يخوضُ هناك معاركَ ضِد المُقاومة السورية لكن الحزبَ لا يُمكِنهُ أن يُحاربَ مكانَ جيشِ بشارِ الأسد في سوريا كُلها لأن أعدادَ مقاتليه لن تُسعفهِ، لقد أصبح جيشُ النظامِ السوريّ في موقعٍ دفاعيّ مُنذُ أشهُر حتى إنهُ لم يعُد قادراً على القيام بمُهمةِ الدفاع وهذا ما يطرحُ أسئلةً كثيرةً حولَ وضعهِ الحاليّ وحولَ مصيرِ النظام من وراءِ ذلك.

[نهاية التقرير]

الحبيب الغريبي: موضوعُ حلقتنا اليوم نُناقشهُ مع ضيفينا من عمان العميد أسعد الزعبي الخبير العسكريّ والإستراتيجيّ ومن بيروت الدكتور سامي نادر أستاذ العلوم السياسية ومُدير معهد المشرق للدراسات الإستراتيجية مرحباً بكما، عميد أسعد لو نبدأ بفهم يعني مسار هذهِ الانهيارات الحاصلة ودعنا نبدأ من نُقطة التحوُّل بالنسبةِ لقوات النظام السوريّ.

دلالة الهزائم المستمرة لقوات النظام السوري

أسعد الزعبي: بسمِ الله الرحمن الرحيم مساء الخير، دعني أبدأ من النتيجة التي تحدثتم عنها بتقريركم أنَّ انسحابات كبيرة لقوات النظام بدأت تتسارع تتزايد تتلاحق من كافة المناطق في سوريا؛ مُنذُ 4 أيام بدأَ انسحابهُم من منطقة الشيخ نجار الفئة الثالثة الآن من أطراف أسفيرة، من دير الزور تراجعَ من منطقة البادية، تدمر، خنيفيس، البصيرة، العليانية باتجاه ربما الفرقلس، مطار تيفور مُحاصر، هناك احتمالية الانسحاب من مطار تيفور، اليوم من أريحا والقرى المُحيطة بأريحا، هذهِ النتيجة إذن هذهِ النتيجة تعكِس واقعاً بالنسبةِ للنظام واقعاً عسكرياً مُراً جداً وذلكَ لأنَّ يعني من المعروف تماماً أنَّ النظام على لسان العديد من داعميه أنهُ قد فشِلَ قد انهارَ قد أُنهكَ بشكل كامل، تصريحات لحسن نصر الله مُنذُ عامين أنهُ لولا دخولَهم لدمشق لانهارَ النظام بعدَ ذلكَ بـ 3 شهور تصريحات لقادة الحرس الثوري الإيراني أيضاً لولا دخولهم لانهار حزبُ الله مع النظام أيضاً دخول المليشيات العراقية، كُل هذهِ الدلائل تُشير تماماً إلى أنهُ لم يعُد يوجد نظام وإن وُجِدَ هذا النظام فهو نظام مُنهَك مُنهار لا يقدر على شيء لا يقدر أن يقف في طريق الثوار والثورة، اليوم يعني أو سقوطه في أريحا؛ أريحا تلكَ المعركة التي يعني أحضرَ لها النظام أو أعدَ لها النظام إعداداً كبيراً من حيث القوى البشرية سواءً كان على صعيد المليشيات الشيعية التي تُقاتِل معهُ أو على صعيد قواتها المُتبقية القوات النظامية من النُخبة من: (الحرس الجمهوري، الفرقة الرابعة، القوات الخاصة) انسحبَت بشكل كبير جداً لم تنسحب فقط من مدينة أريحا بل انسحبَت أيضاً من القرى المُجاورة لأنها لم تعُد حتى قادرة على الوقوف ليسَ على الدفاع على الوقوف، إذاً هي ليسَ أمامها إلا حلاً واحداً هو الانسحاب باتجاه المنطقة الساحلية، لم تعُد أيّ خطوط دفاعية يستطيع منها النظام، لم يعُد أسلحة النظام سواءً الكلور أو الطيران أو الصورايخ الإستراتيجية تنفعَ ذلكَ، إذن النظام لا يُجيد فقط الآن إلّا عمل واحد ألا وهو الانسحاب والانكفاء باتجاه مناطق الساحل أو ربما مراكز المُدن الساحلية.

الحبيب الغريبي: وسنعود للحديث عن دلالة ذلك في مفهوم الجغرافيا السياسية المُتحولة الآن في سوريا، دكتور سامي نادر يعني لم نعُد نتحدث عن كر وفر في المعارك يعني هذا المُصطلح تقريباً غابَ مُنذُ فترة أصبحت هناك انسحابات صريحة وواضحة، هزائم مُتتالية، عدم قُدرة لقوات النظام على نجدة المناطق المُحاصرة ونذكُر هنا مثال مشفى جسر الشغور يعني تُترَك هذهِ المناطق لتُواجه مصيرها، هل هو عزوف عن القتال عن المواجهة أم إنَّ القُدرة فعلاً القُدرة القتالية لقوات النظام تآكلَت؟ هل هي ضعف قوات النظام أم قوة المُعارضة؟

سامي نادر: أعتقد أنَّ الاثنين معاً يعني هنالكَ عاملان أساسيان: العامل الأول هو أنَّ قوى النظام قد تُستهَلك وهي تُستنزَف للسنة الرابعة، هي ليسَ يوجد لها سوى حليف أو حليفين دولياً بينما تواجه تحالُفاً واسعاً، ثانياً هي تُقاتل أقلية في وجهِ أكثرية وكأنها تُقاتل الديموغرافيا تواجه الديموغرافيا التي ليسَت لصالحها، والعامل الثاني الذي لا شك شكَّلَ عاملاً أساسياً في المعركَة وفي تشكيلِ هذهِ الموجة المؤاتية لقوى المُعارضة هي توحيد قوى المُعارضة، هذا هو العامل الأساس؛ اليوم قوى المُعارضة مُوحدة في غُرفةِ عملياتٍ واحدة يدعمُها تحالُف إقليمي أيضاً قد وحَّد خُطة عملهِ، أعتقد هذا هو العامل الأساس ولو توافرَ هذا مُنذُ سنة لكانت خُففَت من آلام الشعب السوريّ، إذن هنالكَ عاملان مُتوازيان: استهلاك واستنزاف قوى النظام، فٌقدان هذا النظام لمُقوِّمات الشرعية الدولية، إهتراء تحالُفاتهِ الدولية، أقليّة في وجهِ أكثرية ومن جِهة أُخرى نعم هُنالكَ توحيد لقوى المُعارضة تحتَ عنوان جيش الفتح.

الحبيب الغريبي: طيب عميد أسعد دخول تنظيم الدولة على الخط كمُعطى جديد وأساسي في المشهد الميدانيّ إلى أيّ حد أثَرَ وإلى أيّ حد سيؤثر في هذا المشهد العسكري داخل سوريا؟

أسعد الزعبي: بالتأكيد لهُ تأثير كبير أولاً يعني وإن سلَّمنا حقيقةً أنَّ هُناكَ ربما نوع من التنازل من قِبَل النظام لأراضٍ أو لمناطق لتنظيم الدولة وهذا ما حصلَ كما حصلَ بآبار النفط الـ 4 المُحيطة بتدمر وبئرين الغاز بمنطقة غرب تدمُر يعني النظام سلمهما بدون أي قتال بدون أي مُقاومة، بالتأكيد ما يرمي النظام إليهِ هو إيصال برقية للعالم أنَّ تنظيم الدولة داعش يتقدم باتجاه مراكِز المُدن باتجاه حمص، باتجاه قرى قد تكون موالية علوية شيعية وهذا بحدِ ذاتهِ يعني بالنسبة للنظام إذا استطاعَ إقناع العالم أنهُ يتعرض لهذا الإرهاب وبالتالي ربما تكون لهُ ورقة رابحة أو ورقة ضغط في السماح لهُ بتشكيل كيان علوي مُستقِل وبالتالي الانكفاء بدولة علوية بعيداً عن كُل الاشتباكات أو الصراعات التي مُمكن أن تنتج في المُستقبل في الكيان السُني كما يعني يتصور البعض؛ عندما نتحدث عن تنظيم الدولة يعني لا بُد أننا نتعرف أنَ يعني تنظيم الدولة الذي تركَ مطار دير الزور المُحاصَر مُنذُ أكثر من عامين ثُمَ تقدم إلى تدمر على مسافة 250 كيلومتراً والآن هو يتقدم إلى الخنيفيس، يعني كانَ الخنيفيس يكفي أنهُ كانَ يعتبر منفذاً أو نافذةً اقتصادية مُفيدة جداً للنظام والتي تُقدَّر بـ 250 مليون دولار سنوياً الآن حصلَ عليها داعش، داعش يحصل عليها بدون مُقاومة من قِبَل النظام بدون يعني...

الحبيب الغريبي: هذا هو السؤال.

أسعد الزعبي: دون رد فعل على الأقل يعني لو.

الحبيب الغريبي: هذا هو السؤال حضرة العميد، أسأل الدكتور سامي معليش يعني هُناك قراءات تقديرات ربما مُحاولات فهم لهذهِ الانهيارات ولهذهِ التراجُعات العسكرية السورية خاصةً عندما تنسحب قوات كامِلة أمامَ تنظيم الدولة، يُقال أنَّ هناك رسائل أيضاً سياسية يُريد النظام السوري أن يُبلغها للأطراف الإقليمية والدولية وهي مُشابِهة تقريباً لِما يحصُل في العراق، ما رأيك؟

سامي نادر: يعني لا شك أنَّ النظام مُنذُ بدايةِ الثورة استعملَ القُنبلة الطائفية أو الورقة المذهبية ولكنها اليوم ارتدت عليهِ؛ كانَ يُقدم نفسهُ كبديل عن التنظيمات الإسلامية الراديكالية ولكنَّ هذا لم يعُد هذا السيناريو لم يعُد ينطلي على أحد، لا شك أن حدود سايكس بيكو كما كانت قائِمة قد انهارت، مُصطلح الحدود الدولية ما بين سوريا والعراق حتى مؤخراً ما بين لُبنان وسوريا قد انهارت، هُنالك إمكانية لقيام كيانات طائفية وما يزيدُ إمكانية حدوث أمر من هذا النوع هو الطابع المذهبي الذي يتخذهُ الصِراع، ولكن اليوم السؤال هل ما زالَ بإمكان النظام أن يُقيم دولة علوية؟ لأنَّ هذا هو الخُطة ب التي في إمكانهِ...

الحبيب الغريبي: هذا ما سنأتي عليهِ ربما في الجزء الثاني من هذهِ الـ..، هذا ما سنأتي عليهِ في الجُزء من هذهِ الحلقة ولكن دعني أُركز يعني على الموضوع الميداني يعني ومُحاولة فهم ما يحدُث من انهيارات وتراجُعات وهزائم، ماذا عن الأطراف أو القوى الداعمة للنظام السوري؟ نتحدث هنا خاصةً عن إيران وروسيا وإيران بالذات التي يبدو أنها تُحارِب على جبهتين، هل تعتقد أنَّ إيران ربما قامت بترتيب أولويات جديد خاصةً وأنها يعني مُنخرطة بالكامل في العراق الآن؟ سؤالي إلى العميد أسعد الزعبي.

سامي نادر: ربما إيران..

الحبيب الغريبي: معليش بعدين سأعود إليك.

أسعد الزعبي: أكيد نعم نعم، نعم بالتأكيد لا شك أنَّ يعني انخراط إيران الكبير ويعني تورطها في الملف العراقي يعني بالتأكيد هو أثرَ عليها تأثيراً كبيراً وبالتالي انعكسَ سلباً على دعمها المتزايد والمُتصاعد والمستمر وبشكل مُتدفق للنظام السوري هذا من جهة وكذلكَ أيضاً حتى المليشيات العراقية التي كانت تُقاتل إلى جانب النظام ليست كُلها الآن ما زالت موجودة كما كُنا نسمَع بـ ذو الفقار وأبو الفضل العباس، هذهِ المليشيات أيضاً قِسماً كبيراً منها عادَ باتجاه العراق مُسرعاً هناك وضع عسكري جديد بالعراق يستوجب أن تحضُر هذهِ المليشيات وبالتالي أصبحَ هناك خلل في القِوى البشرية التي تُقاتل مع النظام سواءً كانت هذهِ القوى البشرية عراقية أو إيرانية، يُضاف إلى عملية الدعم أو حجم الدعم الاقتصادي والعسكري الذي كانَ يُقدم من إيران أيضاً الآن خطوط الدعم أو خطوط الإمداد ما بينَ العراق وسوريا قُطعَت بشكل كامل، إذا نسينا أو تناسينا أنَّ هُناك الخطوط كانت مقطوعة ولم يكُن هُناكَ إلا طريق واحد.

الحبيب الغريبي: نعم هذا هذا..

أسعد الزعبي: ألا وهو معبر التنف أو الوليد، هذا قُطع بشكل كامل الآن نعم.

تحول في الموقف الروسي

الحبيب الغريبي: هذا عن إيران، دكتور سامي بالنسبة لروسيا يعني هل تعتقد أنها ستترك النظام السوري يسقُط؟ إلى أيّ حد يُمكِن أن تدخُل على الخط لملئ الفراغ الإيراني بينَ قوسين؟

سامي نادر: هُنالكَ تحوُّل في الموقف الروسي يعني على لسان وزير الخارجية الروسي قالَ البارحة أنَّ الموقف الروسي لم يعُد مُتباعِدا من الموقف الأميركي بالنسبة للمسألة السورية، لا شك أنَّ روسيا اتضحَ لها أنَّ هذا النظام لا يُمكِن أن يستمر هذا من جهة أمّا من جهة ثانية أعتقد أصبحَ هُنالكَ إدراك من قِبَل موسكو أنَّ الورقة السورية حتى وورقة الفيتو الروسي تُستعمَل بشكل مُباشر أو غير مُباشر من قِبَل إيران؛ إيران في مكانٍ مُعيَّن استعملت على طاولة المُفاوضات ورقة موسكو ومصالِح موسكو في سوريا؛ لروسيا مصالِح مُستدامة في منطقة الشرق الأوسط، لديها علاقات يجب إعادة ترتيبها وأصبحَ لديها أعتقد إدراكاً أنَّ هذا النظام لم يعُد بقُدرتهِ الاستمرار.

الحبيب الغريبي: طيب.

سامي نادر: ومن هنا يعني الكلام الصادر البارحة عن لسان وزير الخارجية الروسي.

الحبيب الغريبي: طيب نتوقف عند فاصل قصير سنعود بعدهُ لنُناقش المآلات المُحتملة للأوضاع في سوريا في ضَوء التراجُع المُستمر في سيطرة النظام على الأرض، نرجو أن تبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

سيناريو تقسيم سوريا

الحبيب الغريبي: أهلاً بكم من جديد إذاً في هذهِ الحلقةِ التي نُناقش فيها أبعاد ودلالات التراجُعات العسكرية المُضطردة للنظام السوريّ في الفترة الأخيرة، العميد أسعد تحدثت عن الخُطة ب والحديث عاد عن الخطة ب وهي يعني باختصار انكفاء قوات النظام السوريّ إلى الساحل وربما فتح الباب بشكِل رسمي أو شبه رسمي لمحاذير قديمة وهي التقسيم يعني إمكانية التقسيم في سوريا، وزير الخارجية الفرنسي نفسهُ تحدثَ عن إمكانية تقسيم سوريا، هل سيكون هذا وارد إذا ما استمرَ المشهد على حالهِ؟

أسعد الزعبي: أخي الكريم ما كانَ يعمل عليهِ أو يعزِف عليهِ بشار الأسد من حيث وَضع أو جعل هذا الصراع هو صراع طائفي للوصول إلى هذهِ النتيجة وكانَ ما زالَ يتمسك ويُصِر تماماً على يعني التصدي أو اعتراض الثورة أو يعني قمع الثورة من أجل الوصول إلى هذهِ المرحلة وبالتالي المُجتمع الدولي مع الأسف الشديد قد أعانهُ بذلكَ عندما يعني بذلَ كافة الضغوط على الشعب السوري لإيصالهِ إلى مرحلة القبول بأيِّ حل من الحلول ألا وهو الحل كما ما يتزعمهُ أو يعمل بهِ أو يُعول عليهِ النظام السوري ألا وهو حل التقسيم وقيام كيان علوي، أيضاً يعني شاركهُ في تلكَ الوعود أو المُشاركة مُشاركة حزب الله، أيضاً كانت تعزف على نفس الوتر لربما تكون هاتان الدولتان يعني مُتجاورتان بشمال طرابلس أو بجنوب اللاذقية هذا ما كانَ يسعى إليهِ، هذا أيضاً يخدم المصالح الإيرانية في أن يكونَ لها وضعاً مُستقراً دائماً على البحر المتوسط كما تحلم بشكل دائم، ولكن أنا الحقيقة أقولُ لكَ يعني هذا الكلام يعني مرفوض كانَ من قِبَل الدول العربية سمعنا عديد من تصريحات وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل عندما أعلنَ أكثر من مرة أنهُ لا يُمكِن أن نسمح للتقسيم أن يمُر في سوريا، هذهِ أيضاً رغبة شعبية سورية عارمة؛ يعني العديد من المُنظمات العلوية الآن بدأت تنطق أنها رافضةً التقسيم، التقسيم يعني لا يخدم أحد من السوريين أيضاً الطوائف الأخرى المسيحيين، الدروز يعني أيضاً قسم كبير من الأكراد لا يخدمها هذا التقسيم، إنما يعني مع الأسف أقولها أنهُ ربما يكون واقعاً لا محالة لهُ بالفترات القادمة.

الحبيب الغريبي: واقع ولكن دكتور سامي ما قابلية يعني الأطراف الإقليمية للقَبول بمثل هذا السيناريو أو هذهِ الخطة ب، أتحدث هنا تحديداً عن تركيا؛ تركيا التي طبعاً يعني لا تنظُر أو لا يُفترَض أنها تنظُر بعين الرضا إلى بروز كِيان علوي باعتبار أنَّ هناك على الأقل 7 ملايين علوي في لواء إسكندرون يُمكن أن يكونوا خزان ديموغرافي لهذا الكيان الجديد.

سامي نادر: صحيح يعني تركيا هي تُعارِض مسألة تمزيق أو تفتُت المنطقة إلى كياناتٍ مذهبية وطائفية لأنَّ هذا يُهدد استقرارها وهي البلد التعُددي، ولكن هُنالكَ أمر واقع مع كمية الدماء التي سالت والطابع المذهبيّ التي أخذتهُ الأمور قد يُصبح هذا المُعطى أمراً واقعاً بالإضافة إلى الموضوعين اللذين ذُكِرا من قِبَل العميد هُنالكَ أيضاً عامِل ثالث هو أنَّ إيران توظف في الكيانات الطائفية فهي أقامت تحالُفاتها مع قِوى مذهبية عسكرية في كُلٍّ من اليمن والعراق وسوريا ولُبنان، هي توظف في الحوثيين، هي توظف في الجيش الشعبي لا تدعم الجيش العراقي إنما تدعم مليشيات مذهبية في الداخل العراقي، هي تدعم نظام اتخذَ اليوم طابعاً مذهبياً في سوريا ولديها حليف أساسي في لبنان هو حزبُ الله، إذن هُنالكَ مشروع إيراني أو يُترجَم هذا المشروع الإيراني وسيلتهُ تمُر بقوى عسكرية مذهبية، لا يُمكن اليوم الانتقال من هذا الواقع إلى واقع آخر بعصا سحرية وإنشاء دول مركزية تقومُ على المُواطنة، قد يكون هناكَ ممرٌ إجباري وهو كيانات طائفية لفترةٍ مُعينة أتمنى أن تتحول شيئاً فشيئاً إلى دول مركزية تقوم على المواطنة وتُكرِّس التعددية المذهبية والثقافية.

الحبيب الغريبي: العميد أسعد الزعبي يعني أمام هذا الانحسار- إن صحَ التعبير- للفضاء الحيوي العسكري للنظام السوري لماذا برأيك يعني تتأجل كُل مرة ما كانت تهدد بهِ دائماً المُعارضة بمُختلف تلويناتها بضرورة يعني القيام بمعركة الساحل؟ يعني ما الذي يحول أو ما هي التعقيدات التي تحول دون خوض هذهِ المعركة؟ وهل هناك محاذير إقليمية ودولية من أن تحصل هذهِ المعركة؟

أسعد الزعبي: أخي الكريم يجب أن نعترف يعني أنا على علم تماماً أنَّ هناك ضغوطات دولية حصلت على الثوار خاصةً بعد فتح معركة الأنفال يعني حصل ضغوطا على الثوار وكانت تقدمهم كبير من منطقة كسب إلى نبع المُر إلى أطراف أو يعني مُحيط مدينة اللاذقية وكادت حتى الثوار أن يدخلوا إلى بعض أحياء اللاذقية إلا أنَ الضغوط الدولية يعني هي التي أجبرت الثوار على عودة الثوار وبالتالي تراجُعهم إلى الخلف إلى الخطوط التي انطلقوا منها، إذن يجب أن نعترف أن هناك ضغوط دولية ولكن هناكَ قناعة راسخة لدى جميع الثوار أنهُ لا يمُكن لهذا النظام أن يقبل حتى بمنطق الحل السياسي كما يتوهم لأننا الحقيقة ما يعني ما يُمكِن الحديث عن الحل السياسي أصبح من الماضي؛ لا يُمكن الآن بعد كُل هذهِ الدماء أن يكون هناك حل سياسي ولذا يعني النظام يعني أو الثوار الآن هم يعني يُجيدون هذهِ اللُعبة بشكل كامل وبالتالي أيقنوا أنَّ الواقع الذي يفرضهُ الثوار على الأرض هو مَن يعني سيدفع الدول الغربية الرافضة لمعركة الساحل بالاندفاع إليهم أو التواجُد خلفهم وبالتالي القبول بما يُمكِن أن يُمكن بالتالي الإسراع لتنفيذ حل سياسي مهما كان شكل هذا الحل على الأقل يُنصِف الشعب السوري إلى حدٍ ما، ولذلك أنا لا أقول لكَ حقيقةً أنهُ لا مانعَ الآن من فتح معركة الساحل وهناكَ مؤشرات تُشير على قُرب هذهِ المعركة.

الحبيب الغريبي: دكتور سامي في المقابل الآن ما هي خيارات النظام السوري؟

سامي نادر: أعتقد يعني خيارات النظام السوريّ هي تحصين ما قد حصلَ عليه وقد بدأ في الواقِع تحصين قواتهِ على الجبهة الغربية؛ هو يخسر على الجبهة الجنوبية، هو يخسر على الجبهة الشمالية أمّا ما نراه في لبنان و تحرُك حزب الله بالتحالف مع قوى النظام يُشير أنهُ يُحاول تحصين نفسه على الجبهة الغربية، هو يُحاول أن يزُج الجيش اللُبناني في معركة عِرسال، هل الهدف من وراء هذهِ المعركة تأمين المَمر بين العُمق الشيعي في لبنان والعُمق العلوي؟ أتمنى أن لا يكون هذا الرِهان هو الخطة الحقيقة لأن هذا سوفَ يُترجَم بمجازر وبعملية تطهير عرقي قد تكون آثارها كبيرة وكبيرة جداً.

الحبيب الغريبي: أشكُرك.

سامي نادر: إن كان في الداخل اللبناني أو في الداخل السوري.

الحبيب الغريبي: أشكرك دكتور سامي نادر أستاذ العلوم السياسية ومدير معهد المشرق للدراسات الإستراتيجية من بيروت، نشكُر العميد أسعد الزعبي الخبير العسكري والإستراتيجي من عمّان، بهذا تنتهي هذهِ الحلقة من برنامج ما وراء الخبر، نلتقي بإذنِ الله في قراءة جديدة فيما وراءَ خبرٍ جديد، دُمتم بخير.