تواصل قوات عراقية مدعومة بمليشيا الحشد الشعبي الشيعية ضغطها للتقدم باتجاه مدينة تكريت الواقعة في شمال العراق.

هذه العملية تتم بإشراف القائد البارز بالحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني الذي شوهد، حسب مصادر متعددة، في الجبهة الشرقية وهو يوجه العمليات فيما يبدو، بل إن بعض المواقع بثت صورا لسليماني أثناء وجوده على الجبهة.

حلقة الجمعة (6/3/2015) من برنامج (ما وراء الخبر) ناقشت هذا الموضوع، وتساءلت عن حجم الدور الإيراني في التخطيط والمشاركة الميدانية في المعارك الدائرة في تكريت، وكيف تتعامل واشنطن مع التدخل الإيراني ومع مخاوف إقليمية حيال هذا الدور.

وتعد العمليات في تكريت شمالي بغداد أكبر عملية تنفذها القوات العراقية ضد تنظيم الدولة الإسلامية حتى الآن، وتلعب طهران الدور الرئيسي في الهجوم الحالي، بينما يقود مقاتلو المليشيا المدعومة من إيران معظم المعارك.

الموقف الأميركي
وبقدر المخاوف الإقليمية والمحلية التي يثيرها الدور الإيراني في تكريت، لا يمكن تجاوز تساؤلات حول الموقف الأميركي من هذا الدور، فهل حقا أصبح التعاون الأميركي الإيراني الإستراتيجي في العراق واضحا لهذه الدرجة؟

وكان رئيس أركان الجيوش الأميركية الجنرال مارتن ديمبسي قد وصف دور إيران والمليشيات الشيعية في الهجوم الذي تشنه القوات العراقية لاستعادة تكريت من تنظيم الدولة بالإيجابي، إذا لم يؤد إلى توترات طائفية مع السنة، حسب قوله.

أما وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر فيأمل ألا يؤدي الهجوم على تكريت إلى إيقاظ شبح الفتنة الطائفية "المقيتة" في العراق.

ورغم استمرار الولايات المتحدة في نفي مشاركة قواتها والتحالف الدولي في إسناد هذه القوات، تتحدث التصريحات عن رغبتهم في تحقق النصر فيها.

ويرى مراقبون عسكريون أن تدفق الأسلحة الإيرانية الثقيلة والنوعية المستمرة على المليشيات الشيعية يأتي لتعزيز قدراتها العسكرية، بحيث تصبح قادرة على التحكم بالوضع السياسي والأمني في العراق والضغط على الحكومات المتعاقبة وحماية مصالح إيران في العراق.

خريطة إيرانية
حول هذا الموضوع يقول مستشار المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية نزار السامرائي إنه علينا أن نعرف الهدف الأول من العمليات التي يرى أنها تأتي في إطار معركة لرسم خريطة جديدة للعراق.

وأضاف أن الإيرانيين يعتقدون أن حدود دولة "سومر" الجنوبية تمتد من قرب تكريت جنوبا إلى مدينة الفاو، مشيرا إلى أن إيران تريد الهيمنة على العراق لتحقيق أهداف عديدة، منها طرق أبواب الوطن العربي من خلال دولة شيعية، وكذلك طرق أبواب دول الخليج من خلال الخلايا النائمة التي يمكن أن تتحرك بعد إعلان دولة سومر في الجنوب، حسب قوله.

انعكاسات وخيمة
من جهته، أكد مايكل باربيرو الجنرال السابق في الجيش الأميركي الذي خدم في العراق في فترات مختلفة أن كلفة التغلغل الإيراني بشكله الحالي في العراق ستكون وخيمة على المدى البعيد بالنظر إلى انعكاساتها السلبية على السيادة العراقية وعلى المنطقة عامة.

وفسر الصمت الأميركي بل والترحيب أحيانا بهذا الدور الإيراني بأن هناك من يراه جيدا على المستوى القريب، في ضوء ما يتحقق على أرض المعركة، وحذر من أن ذلك قد يجلب خسارة أكبر التحديات الحقيقية التي تتمثل في تحفيز المكون السني للابتعاد عن تنظيم الدولة ومحاربته.

وشدد باربيرو على أن المصالح الأميركية ستتعرض للخطر، فليس من مصلحة الولايات المتحدة تعزيز الوجود الإيراني في العراق الذي بات بالفعل قويا.

اسم البرنامج:  ما وراء الخبر

عنوان الحلقة:  تغلغل إيران في العراق وأبعاد الصمت الأميركي

مقدم الحلقة: الحبيب الغريبي

ضيفا الحلقة:

- نزار السامرائي /مستشار المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية

- مايكل باربيرو/ جنرال سابق في الجيش الأميركي

تاريخ الحلقة: 6 / 3/ 2015

المحاور:

-   مشاركة إيرانية مضرة على المدى البعيد

-   دولة سومر الشيعية في الجنوب

-   مطبات ومحاذير كثيرة

-   قلق خليجي متزايد من الحضور الإيراني

الحبيب الغريبي: أهلاً بكم، مدعومةً بميليشيا الحشد الشعبي الشيعية تُواصلُ قواتٌ عراقية ضغطها للتقدُم باتجاهِ مدينة تكريت الواقعة في شمالِ العراق، هذهِ العملية تتمُ بإشراف القائد البارز بالحرس الثوري الإيراني قاسم سُليماني الذي شوهدَ حسبَ مصادر مُتعددة في الجبهةِ الشرقية وهو يوجِّهُ العمليات فيما يبدو، إلا أن بعضَ المواقع بثت صوراً لسُليماني خلالَ وجودهِ على الجبهة، نتوقف مع هذا الخبر لنُناقشهُ في محورين: ما هو حجم الدور الإيراني في التخطيطِ والمُشاركةِ الميدانية في المعارك الدائرة في تكريت؟ كيفَ تتعامل واشنطن معَ التدخُل الإيراني في تكريت ومعَ مخاوف إقليمية حيالَ هذا الدور؟

تطوراتٌ مُتسارعة تشهدُها المعارك التي تخوضها قواتٌ عراقية مدعومةً بميليشيات شيعية لاستعادةِ مدينةِ تكريت شمالي بغداد، وهذهِ هي أكبر عملية تُنفذهُا القواتُ العراقية ضدَّ تنظيم الدولة حتى الآن، وتلعب طهران وليسَ واشنطن الدور الرئيسي في الهجومِ الحالي بينما يقودُ  مُقاتلو الميليشيا المدعومة من إيران مُعظمَ المعارك، وبقدرِ المخاوف الإقليمية والمحلية التي يُثيرها الدور الإيراني في تكريت، لا يُمكنُ تجاوزُ تساؤلاتٍ حولَ الموقف الأميركيّ من هذا الدور.

]تقرير مُسجل[

أحمد الشلفي: هل حقاً أصبحَ التعاونُ الأميركيُّ الإيرانيُّ الاستراتيجيُّ في العراقِ واضحاً من خلالِ العمليةِ الأخيرةِ في تكريت؟ التصريحاتُ الأميركيةُ تقولُ ذلك، فرئيسُ أركانِ الجيوش الأميركية الجِنرال مارتن ديمبسي وصفَ دورَ إيران والمليشيات الشيعيةِ في الهجومِ الذي تشُنهُ القواتُ العراقية لاستعادةِ مدينةِ تكريت من تنظيمِ الدولةِ الإسلامية بالإيجابيّ إذا لم يؤدي إلى توتراتٍ طائفية مع السُنة حسبَ ما قال، أما وزيرُ الدفاعُ الأميركيّ فيأملُ ألا يؤديَ الهجومُ على تكريت إلى إيقاظِ شبحِ الفتنةِ الطائفيةِ المقيتة، ويبدو أن آمالَ المسؤولينَ الأميركيين لن تتحقق، فرغمَ استمرارهم في نفي مُشاركةِ قواتهِم والتحالُفِ الدوليّ في إسنادِ هذهِ القوات إلا أن تصريحات تتحدثُ عن رغبتهم في تحقُقِ النصر من خلالِ العمليةِ العسكرية التي بدأت تحتَ غِطاءِ القواتِ العراقية وبمُشاركة 30 ألف مُقاتل من الجيشِ والشُرطةِ الاتحادية ومُكافحةِ الإرهاب والحشدِ الشعبيّ وأبناءِ العشائر، لكنَّ المصادرَ تقول إن ثُلثَ القواتِ المُشاركةِ في عمليةِ تكريت هي من الفِرقةِ الخامسةِ في الجيشِ العراقيّ والثُلثينِ الباقيين من قواتِ الحشدِ الشعبيّ وهي ميليشياتٌ شيعية مدعومةٌ من إيران، ويبدو أنَّ العمليةَ تُنفذُ بعلمِ قادةِ الجيشِ والأمنِ العراقيين ولكن دونَ موافقةِ أو إشرافِ الوزارتينِ رسمياً بل بشكلٍ مُباشر بينَ إيران والميليشياتِ التابعةِ لها، ويرى مُراقبونَ عسكريون أن تدفُقَ الأسلحةِ الإيرانيةِ الثقيلةِ والنوعيةِ المُستمر على هذهِ الميليشيات يأتي لتعزيزِ قُدراتها العسكرية بحيثُ تُصبحُ قادرةً على التحكُمِ بالوضعِ السياسيِّ والأمنيِّ في العراق والضغطِ على الحكوماتِ المُتعاقبة وحمايةِ مصالحِ إيرانَ فيه، أما أكثر الأمور إثارةً لحساسية العراقيين السُنة فهو الحديثُ عن وجودِ قائدِ فيلقِ القُدس في الحرسِ الثوريِّ الإيراني قاسم سُليماني للإشرافِ على العمليةِ العسكريةِ في تكريت وإنشاءِ جسرين جويّ وبريّ لنقلِ الأسلحةِ الإيرانية من صواريخَ وطائرات إلى العراق وهو ما يدلُ على أنَّ إيران لم يعُد لديها ما تخشاه وأنَّ ذلكَ يُخفي كثيراً من علامات الاستفهام تُجاهَ صمتِ دولِ العالم عمّا تفعلهُ.

]نهاية التقرير[

الحبيب الغريبي: وينضمُ إلينا في حلقة اليوم من عمان نزار السامرائي مُستشار المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية، ومن واشنطن مايكل باربيرو الجنرال السابق في الجيشِ الأميركيّ والذي خدمَ في العراق في فتراتٍ مُختلفة، مرحباً بكما، سيد باربيرو في ضَوءِ الحديث عن الدور الإيراني الحالي في عملية تكريت بينَ التضخيم والتنفيذ ما تقديرُك لحجم هذا الدور على مُستوى التخطيط والتنفيذ؟

مايكل باربيرو: لقد اطلعتُ على تقارير تقول أنَّ النصف إلى ثُلثي القوات التي تقومُ بالعمليات العسكرية حولَ تكريت هي أما من المليشيات الشيعية أو من القوات الإيرانية وهذا أمر ينبغي أن يكونَ مُزعجاً جداً للسُلطات الأميركية وغيرهُم، واعتقد على المدى البعيد أن هذا الأمر يبدو جذّاباً وجودَ مثل هذهِ القوات ولتحقيقِ بعض النجاحات القصيرة المدى والتكتيكية، لكن اعتقد أن كُلفتها ستكون كبيرة على المدى البعيد على السيادة العراقية وعلى المصالح الأميركية وعلى الأمنِ والسلامِ والاستقرارِ في المنطقة.

مشاركة إيرانية مضرة على المدى البعيد

الحبيب الغريبي: ولكن واشنطن لا ترى في ذلكَ أيّ إزعاج وليست مُنزعجة مما يجري بل هي تنظُر بإيجابيّة إلى هذا الدور.

مايكل باربيرو: اعتقد أنهُ من المُناسب القول أنَّ هذا أمر جيد على المدى القصير ولكن كما قُلت على المدى البعيد أنهُ مُضر ومؤثر وأعتقد أن التحديات الأساسية كيفَ يُمكن أن نُحفز ونُشجع السُنة لكي يرفضوا ويبتعدوا عن داعش، فإذا ما شاهدوا هذهِ القوات الطائفية الشيعية بقيادة قاسم سُليماني فأعتقد أنَّ ذلكَ سيُعزز ويزيد الانقسامات في العراق وأيضاً وأن هذا التحالُف العالمي بين الدول السلمية أيضاً سيتأثر وأخيراً فإن المصالح الأميركية ستتعرض للخطر، فليسَ من صالِحنا تعزيزُ قوة الحضور والوجود الإيراني في بغداد الذي هو أصلاً قويّ.

دولة سومر الشيعية في الجنوب

الحبيب الغريبي: سيد نزار من أي مُنطلقات يحظى هذا الدور إلى حدِّ الآن بموافقة ومُباركة وتنسيق عراقي رسمي؟

نزار السامرائي: يا سيدي علينا أولاً أن نعرفَ الهدفَ الحقيقيّ من عملياتِ صلاح الدين ومن قبلها عمليات مُحافظة ديالى وحزام بغداد وشمال بابل، أنا في ظني أنَّ هذا الأمر هو معركة رسم خارطة العراق المُقسَّم إلى 3 دويلات، يُريدونَ أن يُدافعوا أمامَ الهدف الاستراتيجي وليسَ فوقهُ وهو مدينة سامراء لأنهُم يعتقدونَ التحالُف الشيعيّ أقصد يعتقدونَ أن حدودَ دولة سومر الجنوبية تمتدُ من شمال سامراء أي من قُرب تكريت جنوباً إلى مدينةِ الفاو في الجنوب، هذهِ المعركة إذا ما قدَّرنا أنها هي التي سترسمُ خارطةَ العراق الثُلاثية المُقسَّمة سنعرف أيَّ دورٍ لإيران فيها وأيَّ موافقةٍ للحكومة التي يرئسُها حيدر العبادي القائد العام للقوات المُسلحة، أنا أظُن أنَّ هذا الأمرَ يتمُ بتوافقٍ دوليٍّ إقليميٍّ ومن قِبَل إيران والتحالُف الشيعيّ الحاكم وخاصةً حزب الدعوة الحاكم، وصلت الآن المعركة إلى نهاياتها وأظُنُ أنَّ مشروعَ تقسيمِ العراق على ما أعتقد بدأَ يأخُذُ شكلاً عمليَّاً وخارطة العراق الآن مرسومة من منطقة الزلاية في شمال سامراء ومنطقة سور شناس جنوب الدور وأنتَ نازلاً حتى تصل إلى مدينةِ بغداد بمعنى أنَّ الخارطةَ الجديدةَ لتقسيم العراق لم تبتلع بغدادَ فقط إنما ابتلعت حتى سامراء بحُكمِ أن لسامراء خصوصية مذهبيّة دينيّة من خلال وجود المراقد فيها، أنا أظُنُ أنَّ هذا هو الهدف الأساسي إذا ما عرفنا الأهمية الإستراتيجية للهدف هذا فينبغي أن نعرف أنَّ إيران هي التي تُريدُ أن تُهمين على هذهِ الدولة حتى تُحققَ ما يلي: أولاً تطرق أبوابَ الوطن العربيّ من خلالِ دولةٍ شيعية هي المُشتمَل أو الحديقة الخلفية لها وتطرق أبواب مجلس التعاون الخليجي في الجنوب من خلالِ الخلايا النائمة التي يُمكن أن تتحرك بعدَ إعلان دولة سومر الشيعية في الجنوب.

الحبيب الغريبي: سيد باربيرو يعني مِن مُنطلقات هذهِ الخصوصية التي تكتسبها المواجهة الحالية، يعني هذا التحشيد الميليشياوي الشعبي العسكري لخوضِ هذهِ المعركة بيافطة طائفية، كيفَ تراهُ واشنطن؟ هل ترى أنَّ ربما هو الصيغة الأنفَع والأجدى والأكثر حظوظا لأن هذهِ المعركة ستُخاض بكثير من العواطف، من المشاعر، من الإيمانيات؟

مايكل باربيرو: أعتقد أن سبب رؤيتنا أن واشنطن تسمح بالنفوذِ والسيطرة للإيرانيين وقِواهم والمليشيات الشيعية هذا إنما يدلُ على أنَّ عدم وجود مُشاركة نشطة من قِبَل الولايات المُتحدة وأيضاً وجود إستراتيجية غير دقيقة وغير صحيحة، الولايات المُتحدة تقول إن إستراتيجيتها هي إلحاق الهزيمة بداعش ومَن معها ولكننا في الحقيقة لم نُخصص قوات لتحقيق ذلكَ، هذا لا يعني أني أدعو إلى قوات أرضية برية أميركية تقوم بالقتال لكنني أدعو إلى زيادة المُدربين وجمع المعلومات الاستخبارية وزيادة الاستشاريين وذلكَ لإعادة تمكين القوات الأمنية العراقية ليتولوا هُم مَهمة القتال ضدَّ داعش، نحنُ لم نفعل ذلكَ، قمنا بالتردُد وعدم اتخاذ القرار وذلكَ أحبطَ بغداد إلى حدٍ كبير كما أنني كُنتُ مُؤخراً في أربيل وجدتُ أن القيادة الكُردية تُرحب بالضربات الأميركية والتحالُف من ناحية تكتيكية لكنهُم كانوا يشكونَ من قِلة الأسلحة الثقيلة لديهم التي من واشنطن، وبالتالي ليُحاربوا بها داعش طبعاً وبالتالي أعتقد أن هذا التطور الجديد أي وجود الميليشيات الشيعية التي يجيء مُعظمها من بدر وعصائب الحق الذين هاجموا الأميركان والآن هذهِ الشراكة معَ القوات الإيرانية بقيادة قاسم سُليماني، فهذا لا اعتقد أنَّ هذا أمر تُرحب بهِ واشنطن بل أن هذا مُجرد مؤشر على أن نفوذنا وتأثيرنا في بغداد قد ضعُفَ وقلَّ لأننا لم نُخصص موارد كافية لهذهِ الإستراتيجية.

مطبات ومحاذير كثيرة

الحبيب الغريبي: سيد سامرائي هذهِ المعركة لا تخلو من مطبات ومِن محاذير كثيرة، فارون من تكريت قالوها صراحةً نحنُ واقعونَ بينَ المطرقة والسندان يعني كأنهُم المُستجيرون من الرمضاء بالنار رغمَ أن هُناك تطمينات رسمية من رئيسِ الوزراء بأن لا يحصُل أي شيء مما يُتخوَّف منهُ على مُستوى ربما الانتقام أو التصفيات الطائفية، إلى أي حد هذهِ المخاوف أصبحت حقيقية؟

نزار السامرائي: هذهِ المخاوف في محلها تماماً لأن الذين خرجوا من مدينةِ تكريت باتجاهِ المنافي الأُخرى في مُختلفِ المُدن العراقية كانوا يُواجَهونَ بعملياتِ تنكيلٍ وعملياتِ اضطهاد وإسماعِ عباراتٍ طائفية بل أحياناً اختطاف وقتل للكثيرينَ منهُم وإيجادِ جُثثهم فيما بعد مرميةً على قوارع الطُرق، أنا أظُنُ أنَّ الحديث على سبيل المثال اليوم كانَ الحديثُ الدولي يتحدث عن تجريف مدينة نمرود التاريخية، نعم هذا أمرٌ مٌحزنٌ جداً أن تُجرَّفَ مدينةٌ عراقيةٌ تاريخية بهذا العُمق وهذهِ الأصالة ولكن يا سيدي هذهِ الأيام تُجرَّفُ مُدنٌ بكاملِ سُكانُها الأحياء ولا أحد يلتفت إليها، هُناكَ مُدنٌ مُرشحةٌ موضوعةٌ على لائحة التجريف مثل تكريت، أنا أظُنُ أن قاسم سُليماني نتيجةِ رمزيةِ مدينةِ تكريت جاءَ من أجلِ أن يقول لهذهِ المدينة التي أنجبت صدام حسين بأنها ستُسوَّى بالأرض وتُصبحُ أثراً بعدَ عين ولا أحد يُحاول أن يوقفَ التدخُلَ الإيرانيّ، التدخُلُ الإيرانيّ وصلَ مرحلةً ليسَ كما تفضلَ ضيفُكَ من واشنطن أنها تُزعج واشنطن، كلا إنها تُرضي واشنطن وقد قالَ آشتون كارتر وزير الدفاع بأنَّ هذا الدور إيجابيّ إلا في حالة إثارتهِ للفتنة الطائفية، متى لم تكُن الفتنةُ الطائفية قائمةً بالعراق؟ ثُمَّ قالَ أيضاً ضيفُكَ بأن على السُنة أن يهزموا داعش، أنا أظُنُ أنَّ الأمرَ يُمكن أن يكون على العكس من ذلك نتيجةَ دخول إيران سيؤدي احتمالاً باحتمالاتٍ كبيرة إلى التفافٍ حولَ تنظيمِ الدولة الإسلامية وهذا على ما أظُن يُعتبرُ سلبيةً تُسجلُ قانونياً وأخلاقياً على عاتقِ الولايات المُتحدة الأميركية.

الحبيب الغريبي: طيب فاصل قصير ضيفيَّ الكريمين نُناقَش بعدهُ الموقف الأميركيّ تفصيلاً من التدخُل الإيراني في تكريت والمخاوف الإقليمية حيالَ هذا التدخُل، نرجو أن تبقوا معنا.

]فاصل إعلاني[

الحبيب الغريبي: أهلاً بكم من جديد في هذهِ الحلقة التي نُناقش فيها الدور الإيراني في المعارك الدائرة في تكريت ضد مُسلحي تنظيم الدولة من قِبَل قوات عراقية مدعومة بميليشيا الحشد الشعبي، سيد باربيرو صحيفة نيويورك تايمز الأميركية كتبت ما يُفيد بأنَّ إستراتيجية الولايات المُتحدة تعتمد على إيران بشكل مُتزايد وأوباما يعتمد على مُقاتلين إيرانيين لهزم تنظيم الدولة، هل نحنُ بإزاء إستراتيجية جديدة أم تكتيك مرحلي زمني فقط؟

مايكل باربيرو: إن هذهِ تُعتبر من التكتيكات قصيرة المدى وقصيرة النظر أيضاً، واشنطن بوست اليوم قالت أنها هذهِ سذاجة من جانب الولايات المُتحدة وأنا أتفق مع هذا الرأي تماماً، وكما قُلتُ سابقاً أنَّ هذا الترتيبِ قد يبدو جذّاباً وجيداً من الناحية التكتيكية ذلك لأن أي قوة يُمكن أن تدفعَ إلى الوراء وتُلحق الهزيمة تكتيكياً بتنظيمِ الدولة أمرٌ جيد، ولكن إذا نظرنا إلى مُلابسات وتأثيرات ذلك على المدى البعيد فهي سيئة، سيئة لأنها سوفَ تزيد من التوترات الطائفية في العراق والتقسيم والتجزئة بينَ الشيعة والسُنة وهُنا أيضاً سيئة للمصالح بعيدة المدى للولايات المُتحدة إذا ما سمحنا وشجعنا النفوذ الإيراني الذي هو حالياً هو النفوذ المُهيمن في بغداد، فإذا سمحنا لهذا النفوذ يزداد فإن أحد أصدقائي الذي التقيتُ بهِ في العراق مُؤخراً قالَ إن قاسم سُليماني هو في الواقع هو وزير الدفاع في العراق، وبالتالي فهذه تُعتبر سياسة قصيرة النظر وأعتقد أنها ستكون ذات تأثيراتٍ كارثية على المدى البعيد.

الحبيب الغريبي: سيد سامرائي يعني ما الذي تُريدهُ تحديداً واشنطن من خلال هذا الموقف؟ أي ثمار تُريدُ أن تجنيها من خلال يعني مُباركة هذهِ المُشاركة الإيرانية الواسعة في العراق؟

نزار السامرائي: في بداية الأزمة العراقية قُلتُ بأنَّ أميركا تُريدُ من السُنةِ العرب أن يتحولوا إلى مُرتزقةٍ يُقاتلوا من أجلِ معركتها الخاصة، ولكن يُمكنُ الآن أن أُعدل وأقول يبدو أن إيران نجحت في تحويلِ أميركا إلى مُرتزقٍ كبير يُقاتلُ من أجلِ تحقيقِ أهدافِ إيران الإقليمية والدولية، للأسفِ الشديد يبدو أنَّ الرئيس أوباما لا يمتلكُ مُستشارينَ بعيدي النظر وإلا هل يُمكنُ أن نُقايضَ الملف النوويَّ الإيرانيَّ الذي لا تحتاجهُ إيران في حالِ توفُرِ سيطرتها وهيمنتها على المنطقةِ العربية، لأنها كانت تُريدُ من هذا البرنامج أن تُهيمن على الوطن العربي وطالما أن الهيمنةَ تحققت بدورٍ أميركيّ وبتنازُلاتٍ أميركية وباعترافٍ أميركيّ لإيران بهذا الدور فليست هي بحاجة إلى قُنبلةٍ ذرية يُمكنُ أن تُسببَ كارثةً اجتماعيةً وسياسيةً داخلَ إيران، لذلكَ أقول الولايات المُتحدة الأميركية تحولت إلى مُرتزقٍ كبير يُنفذُ المصالح الإيرانية في العراق بالدرجةِ الأولى، أنا أظُن أنَّ قياسَ الأمرِ على العراق خطأٌ جسيم ترتكبهُ الولايات المُتحدة الأميركية أيضاً لأن هذا الخيار اختيار إيران الدولة الشيعية الراعية للشيعة في العالم سيؤدي إلى ردودِ فعلٍ من قِبَل المكونات السُنية وهي الغالبية العُظمى من المُسلمينَ في العالم، وستكونُ ردودُ الفعل انحيازاً كاملاً إلى ما تُسميه الولايات المُتحدة الأميركية بالإرهاب وحينَ ذاك على الولايات المُتحدة الأميركية حينما أطفأت ناراً صغيرةً في العراق أن تُفكرَ باشتعال النيران في أكثر من ساحة على امتداد العالم الإسلامي.

قلق خليجي متزايد من الحضور الإيراني

الحبيب الغريبي: سيد باربيرو يعني قد يجوز السؤال عمّا إذا كانَ هذا الموقف الأميركي موقفا مُنفلِتا خارجا مِنَ السياق المنطقي يعني هُناك قلق خليجي مُتزايد، وزير الخارجية السعودي قالها صراحةً إن إيران في طريقها لوضعِ يدها على المنطقة، هل تأخُذُ واشنطن هذهِ المخاوف، هذهِ المحاذير في الاعتبار؟ 

مايكل باربيرو: إن هذا السؤال رائع في الحقيقة حولَ هل أن واشنطن فكرت بشكلٍ جيد حولَ التأثيرات على المدى البعيد من تنفيذها لهذهِ السياسية، إن الذي يضع الظروف والشروط لمثلَ هذا التقدُم لداعش في السنة الماضية هو أنَّ هُناكَ مجموعة من السُنة في العراق يرونَ أن حكومتهم في بغداد هي حكومة طائفية شيعية، كما أنها قد رفضت أيضاً قوات الأمن العراقية لأنها أيضاً تظُل قوات شيعية تُسيطر عليها إيران، وبالتالي إن الوضع الحالي على الأرض حولَ تكريت وفيها يُعزز هذا الرأي والاعتقاد لدى السُكان السُنة، والسُكان السُنة هُم واقع مركز الجاذبية في كُل هذا يجبُ أن نُشاركهم في التخلُص من داعش وبالتالي لا بُد من تواصل بناء التحالُف الإقليمي من دول السُنة للقيام بذلكَ، وبالتالي فهذا ليسَ مُجرد هذه السيطرة الإيرانية والشيعة على الوضع الداخلي في العراق وهذا مُضر للعراق وأيضاً مُضر بالمناطق بالإقليم، بالمنطقة، فهُناكَ دول سُنية تشعُر بقلق شديد من هيمنة ومخاطر إيران في المنطقة، وأن هذا الواقع على الأرض في الواقع يُعزز هذهِ المخاوف لدى جميع شُركائنا السُنة.

الحبيب الغريبي: سيد سامرائي يعني هُناك مَن يقول إن ما يجري هو بداية فقط، يعني معركة تكريت في التفكير العسكري العراقي والإيراني هو مدخل، هو تسخين، هي بروفا إن صحَّ التعبير للمعركة الكُبرى في الموصل، هل بتقديرك سيتم كُل شيء بهذهِ الصيغ؟ بهذا التوجُّه؟ بحجم هذهِ المُشاركة الإيرانية؟ وماذا يُمكن أن يكون لذلك من تداعيات يعني على العراق ككُل؟

نزار السامرائي: علينا أن لا نُغفل زيارةَ وزير الدفاع التُركيّ إلى بغداد قبلَ عدة أيام، وماذا ترمُز إليه، أنا أظُنُّ أن تُركيا تتحسسُ كثيراً من توسيع دائرة النفوذ الإيراني وصولاً إلى مدينةِ الموصل، مدينةِ الموصل يُمكن أن تُشكلَ خطاً تُركياً أحمر هذا من جهة، من جهةٍ أُخرى يا سيدي حتى القوات النظامية حتى هذهِ اللحظة لم تشترك في المعارك، كُل المعارك تخوضها ميليشيا الحشد الشيعيّ من شرقِ تكريت، وهي القواتُ التي دخلت مدعومةً بالباسيج والحرس الثوري من معبرِ المُنذرية بمعنى أنَّ قوات صلاح الدين التي تأخُذُ غربَ دجلة لم تتحرك باعتراف وزير الدفاع يومَ أمس، على ذلك أقول ما يجري حالياً لا يُمكن أن يتوسعَ باتجاهِ الشمال لأن الأمرَ كما قُلتُ في البداية يرتبط أو ربما يرتبط بحدود دولة سومر الشيعية المُمتدة من شمالِ سامراء إلى مدينة الفاو وبالتالي هُم لا يُريدونَ التوسع على حسابِ العُمق السُنيّ لأن ذلكَ يُمكن أن يستدرجهُم إلى حرب استنزاف هُم وإيران في أيِّة معركةٍ مُقبلة.

الحبيب الغريبي: سيد باربيرو أنتَ قُلت في البداية أن هذا الحشد أو هذهِ القوة مؤلفة تقريباً ثُلثها فقط من القوات النظامية العراقية والثُلثان من الحشد الشعبي الشيعي الطائفي، عسكرياً هل بدونِ هذهِ التركيبة كانَ يصعُب أو كانت العملية ستكون ربما مُستحيلة في وجهِ تنظيمِ الدولة؟

مايكل باربيرو: سنرى ذلكَ، إنَّ هذهِ الميليشيات حققت نجاحات ضد تنظيم الدولة في الماضي ومعَ قوات الأمن العراقية التي لم تُثبت لحدِ الآن بأنها قادرة تماماً على القيام بعمليات لوحدها، وسنرى وننتظر لنرى كم مدى نجاحها، علينا أن نتذكر حولَ تكريت ليسَ هُناك ضربات جوية أميركية فهُناك الولايات المُتحدة في حيرة هل تُساعد بضربات جوية لتسهيلَ ومُساعدة هذهِ العملية التكتيكية لاستعادة تكريت؟ إن فعلنا ذلك فإن ذلكَ لمصلحتنا ولكن ذلكَ أيضاً سيكون دعماً للقوات الإيرانية ومصالحها، وبالتالي قررت أميركا أن لا تقوم بأي شيء وبالتالي علينا أن ننتظر مدى نجاح ذلكَ، ستحصل معارك عنيفة قوية حولَ تكريت والأمر كُلهُ سيعتمد على قبائلِ السُنة وسُكان السُنة وهل سيتحركون للتخلُص من تنظيم الدولة؟ هذا أمر ينبغي أن ننتظر لنراهُ.

الحبيب الغريبي: سيد سامرائي في 30 ثانية لو سمحت، يعني كيفَ تعتقد أن تكون نهاية هذهِ المعركة تكريت؟

نزار السامرائي: يا سيدي تنظيم الدولة الإسلامية ليسَ دولةً عُظمى ومنظومة التعويض في السلاحِ والمُقاتلين محدودٌ جداً بسبب ما تُعانيهِ أرتال الإمدادات من ضرباتٍ جوية أميركية وغيرها، لذلك لا أظُنُ أن قدرتها على المُقاومة ستبقى إلى الأبد وإنما يحسُم المعركة مَن تأتيهِ تعويضاتٌ ومَن تأتيهِ عمليات إسناد سلاح وبشر مُقاتلين، وإسناد جوي أميركي.

الحبيب الغريبي: شُكراً جزيلاً لك إذن السيد نزار السامرئي مُستشار المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية من عمان، ومن واشنطن مايكل باربيرو الجنرال السابق في الجيش الأميركي، شُكراً جزيلاً لكُما، بهذا تنتهي هذهِ الحلقة أشكُركم أيضاً على المُتابعة مُشاهدينا الكرام والى اللقاء.