أقرت الحكومة المصرية مشروع قانون يسمح بإلغاء وجوب سماع الشهود في القضايا الجنائية، بما يترك للقاضي حرية طلب الاستماع للشهود، والاكتفاء بالأدلة التي تقدمها النيابة.

حلقة الجمعة (20/2/2015) من برنامج "ما وراء الخبر" ناقشت هذا الموضوع وتساءلت عن مدى دستورية هذه التعديلات القانونية وتأثيرها على سير العدالة في مصر، كما ناقشت الأبعاد السياسية للقانون وإمكانية استغلاله لإصدار أحكام ضد معارضي النظام.

وتحت شعار "عدم إطالة أمد المحاكمات" والوصول إلى ما سمي بـ"العدالة الناجزة"، أقرت الحكومة المصرية مشروع قانون يسمح بإلغاء وجوب الاستماع للشهود، وهو ما يترك الحرية للقاضي الجنائي للبت في مسألة استدعاء الشهود من عدمه، من خلال قناعته ووفق الدليل الذي يراه هو.

قبول ورفض
ولاقى المشروع -الذي يحتاج إلى تصديق رئيس الجمهورية حتى يصبح نافذا- استحسانا ممن اعتبروه لازما لسد ثغرات يستغلها المحامون لإبطاء إجراءات التقاضي، لا سيما أن الدولة المصرية تخوض حربا ضد الإرهاب.

وفي المقابل، أكد قانونيون وحقوقيون أنه يخل بمبدأ أصيل يضع البلاد تحت سطوة عدالة انتقائية أو عمياء في بعض الأحيان.

وانتقدت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان هذه الخطوة بسبب ما اعتبرته المضمون القمعي والبوليسي لهذه التعديلات، وطالبت نقابة المحامين بالتدخل لإلغاء التعديلات لكونها جائرة ومطعونًا على دستوريتها، بحسب الشبكة.

ومنذ انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013، تلاحق في مصر إصدار تشريعات أثارت الكثير من الجدل القانوني والسياسي، ففي غياب أي مجلس تشريعي وعلى مدار أكثر من عام ونصف العام، ناقشت الحكومة المصرية ودون تشاور مجتمعي عدة قوانين، وأحالتها إلى رئاسة الجمهورية التي سرعان ما أقرتها.

غير مبررة
حول هذا الموضوع، أكد مسؤول الملف المصري في المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا مصطفى عزب أن التبريرات التي تسوقها السلطات المصرية لهذه التعديلات لا يمكن أن تدخل العقل، وكل المجتمع الدولي والحقوقي يعلم أن القضاء المصري يعاني من خلل جسيم، خاصة بعد تحوله لأداة في يد النظام لقمع معارضيه.

واعتبر عزب أن التعديلات الجديدة تقطع الطريق أمام بارقة الأمل الوحيدة أمام المتهمين، ولا يوجد ذلك في أكثر الدول قمعية.

من جهته، اعتبر المحامي بول مرقص رئيس منظمة "جوستيسيا" لحقوق الإنسان أن التعديلات أمر يشكل ضرر جسيم بالمتهم، ولا يمكن تحت الذرائع التي تقولها السلطات المساس بالحقوق الأساسية الدنيا المقر بها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وغيره من العهود الدولية.

ورفض مرقص وضع معادلة الأمن في مواجهة الحرية، أو الحقوق في مواجهة الأمن القومي.

ضرورة وطنية
في المقابل، قال المحامي أسعد هيكل الخبير القانوني المصري إن ما تمر به مصر في هذه المرحلة وما تتعرض له البلاد من مخططات أجنبية بمساعدة عناصر داخلية تريد نشر الفوضى والحرب الأهلية، كل هذه وغيرها أسباب تدعو الحكومة لاتخاذ إجراءات أكثر قوة لحماية الأمن والتغلب على بعض الثغرات القانونية التي أدت في الماضي إلى إفلات بعض المجرمين من العقاب.

وحول تعارض هذه التعديلات مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، قال هيكل إنه إذا تعارضت هذه المواثيق والعهود الدولية مع المصلحة الوطنية المصرية "فلتسقط"، مؤكدا أن الدافع هو حفظ وصيانة الدولة المصرية.


اسم البرنامج: ما وراء الخبر

عنوان الحلقة: تأثير التعديلات بإجراءات التقاضي في مصر على العدالة

مقدمة الحلقة: غادة عويس

ضيوف الحلقة:

-   أسعد هيكل/خبير في القانون المصري- القاهرة

-   مصطفى عزب/المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا

-   بول مُرقص/رئيس منظمة " جوستيسيا" الحقوقية

تاريخ الحلقة: 20/2/2015

المحاور:

-   دستورية التعديلات القانونية

-   مدى التزام مصر بحقوق الإنسان

-   الأبعاد السياسية للقانون

غادة عويس: أهلاً بكم، أقرّت الحكومة المصرية مشروع قانونٍ يسمح بإلغاء وجوب سماع شهود في القضايا الجنائية بما يترك للقاضي حرية طلب الاستماع للشهود والاكتفاء بالأدلة التي تقدمها النيابة.

نتوقف مع هذا الخبر لكي نناقشه في محورين: ما مدى دستورية هذه التعديلات القانونية وتأثيرها على سير العدالة في مصر؟ وما هي الأبعاد السياسية للقانون الجديد وإمكانية استغلاله لإصدار أحكامٍ ضد معارضي النظام؟

تحت شعار عدم إطالة أمد المحاكمات والوصول إلى ما سُمّي بالعدالة الناجزة أقرّت الحكومة المصرية مشروع قانون يسمح بإلغاء وجوب الاستماع للشهود بحيث تترك الحرية للقاضي الجنائي للبت في مسألة استدعاء الشهود من عدمه من خلال قناعته بالأدلة، لاقى المشروع استحساناً ممن اعتبروه لازماً لسد ثُغر يستغلها المحامون لإبطاء إجراءات التقاضي لاسيما وأنّ الدولة المصرية تخوض حرباً ضد ما تسميه الإرهاب يقول هؤلاء، بينما أكد قانونيون وحقوقيون أنه يُخلُّ بمبدأ أصيل يضع البلاد تحت سطوة عدالةٍ انتقائية أو عمياء في بعض الأحيان.

[تقرير مسجل]

محمد صالح: ليس مجرد فيلمٍ سينمائيٍ ما نشاهده هنا بل مرافعةٌ قانونيةٌ وُصفت بالفذّة قام خلالها محامي الدفاع باستدعاء شاهدٍ من نوعٍ استثنائي، واحدٌ من كبار جنرالات الجيش الأميركي قلبت شهادته القضية رأساً على عقب ووضعته في قفص المتهم بعد أن كان محصّناً، أن تستدعي شاهداً بعيداً عن السينما لم يعد حقًّا هنا أمام المحاكم المصرية، فقد قضى تعديلٌ أقرته السلطة التنفيذية بأن يُصبح استدعاء الشهود من عدمه في يد المحكمة، ذلك يعني أنّ الشاهد لم يعد ركناً من أركان عملية التقاضي برمّتها بل رهناً لقرار القاضي وتقديره والحال هذه يفقد الدفاع جزءاً من أدواته لنقض حكماً قد يراه مجحفاً ما يُخلُّ بمعادلة القضاء برمتها وتلك تقوم على إجراءاتٍ  توصف غالباً بالمعقدة لأنّ هدفها النهائي إحقاق العدالة وتحريّها بأي أداةٍ أو سببٍ قد يطرأ، مؤيدو التعديل ذهبوا إلى أنه يُسهّل إجراءات التقاضي ويحول دون إطالة أمد النزاعات بين الأطراف المتقاضية بعضهم قال إنه يمنح السلطات الحكومية المرونة المفتقدة لملاحقة بعض القضايا المصنفة تحت بند الإرهاب بيسرٍ أكثر ويسد الثغرات التي قد يستغلها محامو الدفاع لإبطاء إجراءات التقاضي في حالاتٍ قد تستمر أعواماً، كما أنه يتيح الأخذ بأدلة الإدانة الإلكترونية مثل مقاطع الفيديو أو رسائل التهديد وسواها على مواقع التواصل الاجتماعي مع ما قد يحمله هذا الأمر من الاعتماد على أدلةٍ قابلةٍ للشك، لهذه الأسباب قال معارضون إنّ  التعديل مسيّس ويكرّس ما يمكن وصفه بالعدالة الانتقائية إضافةً إلى أنه يُخلُّ بمبدأ العدالة نفسها حيث يعتبر الاستماع لشهادات الإثبات والنفي جزءاً أصيلاً من إجراءات التقاضي، وهو ما يفتح الباب واسعاً في رأيهم لتغوّل السلطة التنفيذية على القضائية في القضايا السياسية تحديداً، هنا تستطيع السلطات أن تدفع بالمئات إلى أحكام إعداماتٍ بالجملة وتضمن تغييب الشهود ذلك يحدث في القاهرة ولم يكن يحتاج إلا لتأطيرٍ قانوني ليُصبح إنفاذه ممكناً.

[نهاية التقرير]

دستورية التعديلات القانونية

غادة عويس: موضوع حلقتنا نناقشه مع ضيوفنا من اسطنبول مصطفى عزب مسؤول الملف المصري في المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا، من بيروت المحامي الدكتور بول مُرقص رئيس منظمة جوستيسيا الحقوقية، ومن القاهرة المحامي أسعد هيكل الخبير في القانون المصري، سيد أسعد هيكل ما الدافع وراء إصدار هكذا قانون قد يوصف بأنه جائر؟ سيد أسعد هيكل معي؟

أسعد هيكل: يا فندم مع سيادتك.

غادة عويس: أُعيد طرح السؤال ما الدافع وراء إصدار هذا القانون؟

أسعد هيكل: لا شك أنّ ما تمر به مصر في هذه المرحلة العصيبة وما تتعرض له البلاد من مخططات أجنبية ومن عناصر داخلية تريد نشر الفوضى وتحويل مصر وجرّها إلى حرب أهلية كما حادث الآن في الكثير من البلاد العربية، كل هذه وأسباب غيرها تدعو الحكومة المصرية إلى اتخاذ إجراءات أكثر قوة لحماية الأمن المصري الداخلي وأيضاً للقضاء على بعض المشكلات القضائية التي تسبّبت في إفلات الكثير من الجناة من قائمة العقاب وأيضاً أدّت إلى إطالة القضايا في أحداث كثيرة وكذلك أيضاً أضرّت بالشهود أنفسهم حتى أنها وصلت المسألة في إحدى القضايا وهي القضية الشهيرة بتخابر قيادات الإخوان المسلمين وهروبهم من سجن وادي النطرون، إذاً أحداث ثورة 25 يناير بالتعاون مع عناصر أجنبية ممثلة في أعضاء من حركة حماس والحرس الثوري الإيراني كان الشاهد الرئيسي في هذه القضية هو الضابط الشهيد عليه رحمة الله الضابط محمد مبروك الذي كشف عن الكثير من الأسرار وتعاون هذه العناصر مع جهات أجنبية ومع المخابرات الأميركية وهذا أدّى في نهاية المطاف إلى استهداف هذا الضابط الذي أدلى بشهادته في هذه القضية وقتله..

غادة عويس: طيب أنطلق من هذا المثل الذي سردته لنا لأسأل السيد مصطفى عزب من اسطنبول عن رأيه بسرد هذه التبريرات.

مصطفى عزب: لا بالطبع هذه التبريرات لا يمكن أصلاً أن تدخل إلى العقل، في مصر يعلم كل المجتمع المحترم الدولي وتعلم كل المنظمات الحقوقية المراقبة للشأن القضائي المصري أنه يعاني من خلل جسيم، بالأساس القضاء المصري المدني والعسكري الآن تحول إلى أداة قمع بيد النظام الحالي لقمع المعارضين، لدينا في مراحل القضاء إذا تحدثنا بشكل فني بحت أننا الآن أمام 3 مراحل قضائية تمر بها الدعوى الجنائية: مرحلة البحث والتحرّي ثم بعد ذلك تليها مرحلة التحقيق ثم تليها مرحلة الفصل في الدعوى، السلطات المصرية عكفت منذ الـ3 من يوليو على تصدير حفنة قوانين تنتهك حقوق الإنسان وتُهدر بشكل كامل الحق في المحاكمة العادلة منذ أن بدأت في مد فترة الحبس الاحتياطي إلى فترة غير محدودة أليس هذا إطالة لأمد التقاضي؟ ثم بعد ذلك مرحلة التحقيق التي ليس لها سقف زمني يمكن للمحكمة ولسلطات التحقيق أن تفتح تحقيقاً لمدة 10 سنوات دون أن يُحدد ذلك بجدول زمني معين ودون أن تُحال القضية أمام المحكمة الجنائية، ثم تأتي أمام الحق الوحيد وأمام بارقة الأمل الوحيدة أمام المتهمين لتقطع الطريق أمامهم حتى أمام محكمة النقض أن يتظلّموا من الإخلال في حقهم في الدفاع، القوانين الجنائية المصرية وأحكام محكمة النقض والدستور المصري ينص على أنّ للمتهم حقه في الدفاع كاملاً وعلى المحكمة أن تُقدّر كل الأدلة وأن تستمع لها وأن تلتزم المحكمة بشكل ملزم وفقاً لنص قانون الإجراءات الجنائية على أن تستمع لشهود النفي الذين يقدمهم المتهم، هذه المبررات الساذجة للأسف الشديد لا تمت للحقيقة بصلة هي فقط تُشرعن ممارسات إجرامية للسلطات القضائية وتحاول أن تقطع الطريق أمامهم حتى في حق التظلُّم القانوني أمام محكمة النقض، هذا كلام لا يمكن أن يصدقه عقل هذا الكلام لا يوجد في أكثر الدول القمعية في العالم.

غادة عويس: دكتور بول مُرقص هلّا فصلت لنا في هذه المسألة، طرف يقول إنّ المسألة أنّ القوانين الحالية بدون تعديلات لم تعد تتوافق مع متطلبات الحرب ضد الإرهاب وهذا التعديل كفيل بسد الثُغر التي يستغلها المحامون لإبطاء إجراءات التقاضي عند الملاحقة القانونية للجماعات الإرهابية والتكفيرية، في المقابل استمعت للضيف من اسطنبول يقول هكذا تعديلات لم تقم بها أكثر الأنظمة قمعيةً في التاريخ.

بول مُرقص: فلنتفق سوياً بدايةً على أنّ إطالة أمد الإجراءات والمحاكمات هو أمر مضر ضرر جسيم بالمتهم أيًّا كان، لكن هل يكون علاج ذلك بأن نحرمه من ضمانة أساسية وحق من حقوق الدفاع وهي إمكانية استدعاء أي شهود لنفي ورد ما هو متهم به؟ هذا ليس تعليلاً كافياً أو منطقياً لسّد هذه الثغرة إن وجدت ونحن نتفهم أنها موجودة إن كان في مصر أو في سواها من الدول..

غادة عويس: إذاً ما الحل؟

بول مُرقص: نعم، الحل يكون بتسريع الإجراءات القضائية لناحية اختصار المُهل تسريع إجراءات التبليغ، كل ما هو يتصل بالإجراءات والعملانيات ولا يمكن تحت هذه الذريعة المساس بالحقوق الأساسية الدنيا هذه ضمانة دنيا مقر بها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 وفي العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1972 الذي أُذكّر أنّ مصر قد نشرته في جريدتها الرسمية عام 1982، أضف إلى مواثيق عالمية أخرى مثل نظام روما الذي وقعته عام 2000 وإن لم تكن قد صدّقته وهو صادر عام 1998 وسواها من المواثيق العالمية التي اليوم أصبحت تشكل حدوداً دنيا لا يمكن للبشرية وللدول أن تجتازها وهي لها الأولوية على القانون الداخلي الوضعي.

مدى التزام مصر بحقوق الإنسان

غادة عويس: إذاً أنقل ما ذكرته دكتور بول مُرقص للمحامي أسعد هيكل معنا من القاهرة، سيد أسعد إذاً باختصار لعدم إطالة المحاكمات يمكن اختصار المُهل تسريع إجراءات التبليغ كما قال بول مُرقص وعدم المساس بالحقوق الأساسية للذي يُحاكم وهذه كما ذكر وكما وصفها الدكتور بول مُرقص هي حقوق دنيا وفقاً للإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفقاً للعهد الدولي الصادر عام 1948 والذي وقّعت عليه الدولة المصرية أصلاً عام 1982 وأيضاً وفقاً لنظام روما عام 2000، هذه هي المبررات التي تنقض ما ذكرته في بداية الحلقة.

أسعد هيكل: لا هي المواثيق والعهود الدولية والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان إذا تعارضت مع المصلحة الوطنية المصرية فلتسقط هذه العهود ولتسقط هذه المواثيق، قلت في البداية أنّ هذه الإجراءات الدافع لها هو حفظ وصيانة الدولة المصرية مما حدث في كثير من البلاد العربية، لكن في إطار ما طرحه الدكتور مُرقص هو أجده يتناقض تناقضا شديدا جداً في الحقيقة في تبريراته، هو يتحدث عن الرقابة القضائية لمحكمة النقض وفي ذات الوقت يُشكّك في القضاء المصري ويدّعي أنّ هذه انتقاصات وتحوله إلى أداة قمع، من أين له أن يدافع..

غادة عويس: عفواً للتوضيح هذا لم يقله الدكتور بول مُرقص بل الضيف من اسطنبول السيد مصطفى عزب عن محكمة النقض.

أسعد هيكل: قد يقول الأستاذ مصطفى أنا رددت على الأستاذ بول..

غادة عويس: لا أنا أردت أن ترد على الدكتور بول مُرقص وأنت رددت، أنت قلت إذاً باختصار إذا كانت شرعة حقوق الإنسان تناقض ما يراه الحكم في مصر فلتسقط شرعة حقوق الإنسان هكذا فهمت منك.

أسعد هيكل: حفظاً للأمن القومي المصري..

غادة عويس: جميل وتريد أن ترد الآن على مصطفى عزب تفضل.

أسعد هيكل: بالنسبة لما أثاره مصطفى عزب هو يتحدث عن أنه يرى أنّ هناك انتقاصا من سلطة القضاء أو أنّ القضاء قد تحول إلى أداة قمع وفي ذات الوقت يتحدث عن أنّ ضمانة قد أُهدرت، هذه الضمانة يراقبها أيضاً القضاء المصري ممثل بمحكمة عليا هي محكمة النقض، وبالتالي لا يجوز قبول هذا التناقض لأنه يشكك في جزء في القضاء وفي ذات الوقت أيضاً يتمسك بضمانة هي جزء من القضاء المصري، والقضاء المصري هو مؤسسة من مؤسسات الدولة لا ينبغي أبداً بأي حال من الأحوال التشكيك فيه، أيضاً المواد القانونية المصرية تكمل بعضها بعضاً في إطار ما أثاره أنّ المحكمة هنا تطرح الدليل أو أنها لا تمنح الشاهد فرصة للاستماع إلى أقواله من غير وجه شرعية للدعوة، المواد القانونية تكمل بعضها في أنّ المادة 290 التالية للمادة 289 المراد تعديلها هذه المادة أجازت حتى إذا حضر الشاهد ولم يتذكر أو أنه حتى رفض الإجابة على السؤال أن تتلو المحكمة أقواله المثبتة بمحاضر جمع الاستدلالات أو محاضر التحقيقات أو أمام القضاة، هنا محكمة الجنايات صحيح أنها تُمنح سلطة أوسع لكن الضمانات ذاتها لا زالت موجودة، فلا زالت المحكمة العليا تراقب عمل هذه المحكمة في الإجراءات الجنائية التي اتُخذت للوصول إلى الحقيقة والاستقرار للدليل سواء كان دليل براءة أو دليل إدانة ضمن عقيدة المحكمة، هذا لا يُعلن في أي حال من الأحوال انتقاص من سلطة ما بل أنّ الفقه الإسلامي ودعيني أضرب مثلاً واضحاً حينما التجأ الإمام علي بن أبي طالب إلى القاضي شُريح في المسألة الشهيرة بالدرع اليهودي ورفض القاضي شُريح أن يستمع إلى شهادة الأمير الحسن وهو سيد شهداء أهل الجنة وقال ليس لنا حاجة في شهادته وقضى بالدرع لليهودي، هذا في الفقه الإسلامي نفسه أن يجوز للقاضي أن يستغني عن سماع الشهود ولا يستمع إلى شاهد يرى أنه يطيل الدعوى ويرى أنّ الحقيقة أمامه بيّنة وواضحة، ومرة أخرى أؤكد أننا لا يجب أن ننازع أو نقلل الثقة في القضاء..

غادة عويس: سيد أسعد هيكل سأناقش هذه الفكرة بعد الفاصل، أنا كما فهمت منك أنت تقول الآن أسعد هيكل فلتسقط شرعة حقوق الإنسان وتعطي مثلاً عن الفقه الإسلامي تريد تطبيق الفقه الإسلامي وليس شرعة حقوق الإنسان، فاصل قصير نناقش بعده هذه الفكرة.

[فاصل إعلاني]

غادة عويس: أهلاً بكم من جديد، إلى ضيفي من اسطنبول مصطفى عزب مباشرةً، سيد مصطفى عزب قبل الفاصل كان يسوق بعض التبريرات السيد أسعد هيكل وكان هنالك رفض لشرعة حقوق الإنسان إن كانت تتناقض مع ما يراه القضاء المصري أو الحكم الحالي في مصر يتناقض كما يراها هو مع مصلحة الدولة المصرية وحتى دخل في جدل فقهي إسلامي في هذا الموضوع، كيف تقيّم هذه الآراء؟

مصطفى عزب: بالتأكيد هذه الآراء هي آراء كافة الأنظمة القمعية التي تسوقها فلتسقط حقوق الإنسان إلى الجحيم إذا تعارضت مع الأمن القومي، فلتذهب حقوق الإنسان إلى الجحيم إذا تعارضت مع حقوق المواطنين، وأين حقوق الإنسان وأين حقوق المواطنين؟ في أساس قيام الدولة وواجب الدولة أن تحقق حقوق الإنسان حق الإنسان في المأكل والمشرب وأن يحاكم محاكمة عادلة وأن لا يتعرض للتعذيب والاختفاء القسري والانتهاكات الجسمية، إن لم تكن الدولة..

الأبعاد السياسية للقانون

غادة عويس: سيد عزب ربما يلفت أنّ الإخوان متهمون بأنهم إرهابيون إسلاميون وثم يقول لك الفقه الإسلامي يقول كذا وكذا، إلى أي حد ترى هنا أنّ هنالك دائماً تذرُّع استخدام للأمور بشكل ملتوٍ؟

مصطفى عزب: لا يجوز أصلاً هذا قياس باطل ولا يمت إلى الحقيقة بصلة، ما علاقة سيدنا علي بن أبي طالب وشُريح القاضي بما نحن فيه ليس قضاة مصر فيهم شُريح وليس السيسي هو علي بن أبي طالب، هذا قياس باطل لا يمت للحقيقة بصلة، أعود إلى الأمر الأساسي كل الأنظمة القمعية تشرعن ممارساتها بأنّ حقوق الإنسان هي حقوق مترفة أو حقوق كمالية ليست أساسية، في أساس قيام الدولة والدول المحترمة كلها في العالم قامت لتحقق حقوق الإنسان لتحفظ الإنسان لتحفظ حقه في المأكل والمشرب وفي الحياة الكريمة ولتحمي حياته ولتحميه من التعرض للانتهاكات الجسيمة في حياته، هذا ما يفعله النظام المصري بشكل مستمر في القمع ويشارك فيه القضاء، ما تحدثت به أنّ القضاء المصري بالفعل ووفقاً للمراقبين القانونيين الدوليين من كافة المنظمات المحترمة في دول العالم رصدوا ورصد العالم حتى النظام المصري نفسه اعترف أنّ هناك أحكاما إلا أنه لم يكن يتدخل في شأن القضاء لغيرها مثل حكم الإعدام الشهير في المنيا وأحكام الجزيرة مثلاً، هذا ما تقوله الأنظمة القمعية أنّ حقوق الإنسان وكأنه حق مُترف هذا حق أساسي، الدول في أساسها إن لم تحقق الدولة حقوق الإنسان فلا قيمة لهذه الدولة، إن لم تحقق الدولة حقوق الإنسان وتحفظ على الإنسان حقوقه فلا قيمة لذلك، نحن نتحدث الآن عن سلطات واسعة أصلاً..

غادة عويس: ما هي الخلفية السياسية قد يستفيد منه مثلاً..

مصطفى عزب: نحن نتحدث عن سلطات..

غادة عويس: تفضل، الاستفادة السياسية، تفضل.

مصطفى عزب:نعم، نحن نتحدث بالأساس عن سلطات مطلقة ممنوحة للقاضي الجنائي، القاضي الجنائي حرٌّ في تكوين عقيدته، يعني للقاضي الجنائي من الأساس أن يستمع لشهادة الشهود ثم بعد ذلك يقرر إن اقتنع بها أم لم يقتنع بها، حتى لو نريد أن نحرم المتهم أن يلزم القاضي أن يستمع لشهادة شهوده هذا إخلال جسيم بحقه في الدفاع وفقاً لعشرات الآلاف من الأحكام التي صدرت من محكمة النقض المصرية قالت أنّ في حالة رفض المحكمة عن الاستماع إلى أحد أدلة المتهم أو إلى شهادة الشهود فإنّ ذلك ينزع عن حكمها المشروعية ويصبح حكماً هو وعدمه سواء، في حين نريد أن نحفظ حقوق الإنسان نحرم المتهم من سماع شهوده كيف يحدد القاضي دون أن يستمع إلى شهادة الشهود إن كانت هذه الشهادة قيّمة أو ليست قيّمة؟

غادة عويس: دكتور بول ما خطورة أن تستمع إلى محامٍ يقول فلتسقط هذه الشرعة فلتسقط حقوق الإنسان بالمعايير الدولية طالما هنالك أمن ينبغي الحفاظ عليه؟

بول مُرقص: بدايةً أُثني على توضيحك من أنني لم أتناول لا من قريب ولا من بعيد القضاء المصري وأنا كمحامٍ لا أسمح لنفسي بتناول أي قضاء عربي أو محلي، لكن نحن نناقش تعديلات قانونية في ضوء المقاييس العالمية والمعايير العالمية اليوم، ثانياً إنّ مسألة مكافحة الإرهاب نعم نحن نتفهم هذه المسألة ونحن نعي خطورة الإرهاب ووجود الإرهاب ولا نتنكر لذلك، لكن لا يمكن وضع معادلة الأمن في مواجهة الحرية أو الحقوق في مواجهة الأمن القومي، لاحظت مواثيق حقوق الإنسان هذه المسألة تماماً وعالجتها وقالت أنه في حال وجود طوارئ في الأمة أو ظروف قاهرة تبرر تعليق بعض الحقوق على أن يستحسن أن لا تكون هذه الحقوق من الحقوق الأساسية للإنسان يمكن ذلك وفق شروط وآلية محددة ومعيارية بمعنى أن تُبلغ الدولة المعنية بهذا التعليق أو التجميد قنوات الأمم المتحدة التي بموجبها ارتبطت والتزمت وأبرمت وتعهدت بالالتزام بميثاق عالمي معين وأن يكون ذلك لمدة محددة وأن يكون معلّلاً، وبالتالي لا يمكن القول أنّ ذلك جائز بصورة مطلقة، الأمر الأخير هو قناعة القاضي نعم القاضي لديه قناعة يجب أن يمارسها ولكن هذه القناعة لا تتجسد باستبعاد لائحة شهود برمّتها أو إقصاء شهود من فريق معين خصوصاً إذا كان هذا الفريق هو المتهم الذي بحاجة إلى إثبات براءته ما دامت قرينة البراءة قائمة، وهذا الإثبات هو لصالح المتهم ولا يساهم بإطالة أمد المحاكمة لأنّ أمد المحاكمة هو أمر أساساً مناهض لحقوق ولمصلحة المتهم فكيف يطيل هذه المحاكمة وليس له مصلحة في ذلك؟ قناعة القاضي لكن هي في أن يهمل بعض ما قد يذهب إليه الشهود أو أن يستبعد الأخذ ببعض ما أدلوا به بسبب عدم استقامة ما قالوه أو انطباقه على الحقيقة أو خدمته للنتيجة أو الفقرة الحكمية التي سيؤول إليها القاضي، لكن لا يمكن للقاضي في المبدأ وفي المطلق أن يستبعد لائحة الشهود أو شهود لفريق معين إذا كان خصوصاً هذا الفريق هو المتهم نفسه.

غادة عويس: دكتور هل هنالك حالات مثيلة؟

بول مُرقص: هذا سؤال مهم على المستوى المقارن يمكن تعداد حالات عديدة، فلنقل اليوم أنّ الأمر مثلاً في أوروبا هو أمر محسوم وفي بلاد أخرى متقدمة محسوم تماماً، الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان تنص في المادة السادسة منها هو ما هو واضح من نص مثال ما هو منصوص عليه من المادة 14 الفقرة الثالثة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي أشرت إليها، لكن من حيث التطبيقات صار هناك حالة مؤخراً في عام 2011 لناحية محاكمة 5 إماراتيين أهانوا الحكام علانيةً وحُرموا من إمكانية استقدام واستجواب شهود لمصلحتهم فقامت الدنيا ولم تقعد ومن ناحيتها قامت مؤسسة هيومن رايتس ووتش العالمية إضافة إلى منظمات حقوقية أخرى بإدانة هذه الواقعة خصوصاً أنها كانت واقعة معزولة ومحددة فكيف بالحرّي إذا كانت هذه الواقعة ستنسحب على مجمل التشريع الوضعي المحلي في أي دولة كانت وأنا لا أخص دولة معينة بالذكر، إنما لا يمكن أن تُستبعد إمكانية جلب واستقدام واستجواب الشهود بصورة ممنهجة في القانون وفي النظام القضائي في أي دولة.

غادة عويس: سيد أسعد هيكل إن كنت استمعت لمطالعة دكتور بول مُرقص، هو فنّد الأسباب التي لا يجب من خلالها إهدار حقوق المواطنين الحقوق الدنيا لهم من أجل الحفاظ على الأمن، لأنّ ذلك لن يأتي بنتيجة أصلاً لصالح الأمن.

أسعد هيكل: نعم محدثك من تركيا هو يتحدث وما زال يتمسك بنفس مبادئه التي تحدث عنها في البداية وهي مواثيق حقوق الإنسان وبعض مناشدات أو مطالبات المنظمات الدولية..

غادة عويس: فقط اسمح لي سيد هيكل لأنّ الوقت ضيّق، زبدة الكلام من الدكتور بول مُرقص وهو طرف محايد أنه عندما أنت قلت فلتسقط حقوق الإنسان في هذا الشكل عندما تقول ذلك أنت لا تصل حكماً إلى نتيجة تحفظ فيها الأمن بل على العكس مزيد من هدر الحقوق يؤدي إلى مزيد ربما من عدم احترام للقوانين أو إضرار بالأمن نفسه، وهو كان الأصل إذا كان هذا المقصود الأمن.

أسعد هيكل: هناك رأيٌ آخر غير هذا الرأي، نحن نرى أنّ الارتكاز على تلك المواثيق المطبوعة..

غادة عويس: ليس مجرد رأي أستاذ هيكل فقط اسمح لي لضيق الوقت، الدكتور بول مُرقص سرد لك أنّ هذا خلاصة وزبدة جيش من المحامين والحقوقيين العالميين ليس مجرد رأي، هو بُني على أمثلة في التاريخ ووصلوا إلى هذه النتيجة بعد دراسة طويلة مطولة ليس مجرد رأي.

أسعد هيكل: لا غير صحيح هذا الأمر هذا ليس مجرد رأي، هذا طبيعة شعوب تعيش حياة أخرى مختلفة عن حياتنا تعمل لمصالحها ولأهدافها الخاصة تؤسس لمنظمات وتضع مواثيق ما يحفظ حقوقها هي هذه الدول التي تكن لنا كل عداء وتحاول تقسيم بلادنا وتحاول..

غادة عويس: هو إعلان عالمي يا سيد هيكل إعلان عالمي الدولة المصرية صدّقت عليه.

أسعد هيكل: إعلان عالمي استرشادي ليس مُلزما، ليس هناك شيءٌ مُلزم، سوى ما أشرت إليه، لو سمحتِ أعطيني فرصة أُكمل..

غادة عويس: طيب لا يمكنك أن تستخدم شرعة حقوق الإنسان وقت تشاء والفقه الإسلامي الذي عليه جدل وقت تشاء.

أسعد هيكل: أعطيني فرصة أُكمل ما أريده لو تكرمتٍ..

غادة عويس: لا أنت ذكرت حقوق الإنسان وذكرت الفقه الإسلامي ولكن يبدو أنّ هناك سوء استخدام إن كان للفقه وإن كان للقوانين بحسب ما يحلو لك.

أسعد هيكل: أنتِ وصفت ما أقول أنه تصرف ملتوٍ، أُعطيكِ قضية أخرى إسلامية هي {وَ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ} قضية أيضاً واضحة..

غادة عويس: شكراً لك كل حال سيد أسعد هيكل الخبير في القانون المصري من القاهرة شكراً جزيلاً على مشاركتك، وأشكر من بيروت المحامي الدكتور بول مُرقص رئيس منظمة جوستيسيا لحقوق الإنسان، وأشكر من اسطنبول مصطفى عزب مسؤول الملف المصري في المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا، إلى اللقاء.