تفقد وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان قاعدة "ماداما" الفرنسية العسكرية في أقصى شمال النيجر قرب حدود ليبيا، والمقرر افتتاحها الربيع القادم، بهدف مواجهة الجماعات المتشددة في شمال أفريقيا كما تقول باريس.

حلقة الجمعة (2/1/2015) من برنامج "ما وراء الخبر" ناقشت هذا الخبر وتساءلت عن المعاني التي يعكسها وجود قاعدة عسكرية غربية على مرمى حجر من ليبيا، وهل هناك أهداف أخرى غير معلنة من الوجود الفرنسي العسكري في المنطقة؟

وتقع قاعدة ماداما على بعد 100 كلم من حدود ليبيا الجنوبية وقرب طريق رئيسي للتهريب إلى النيجر ومالي.

وتضم الحركات الجهادية النشطة في المنطقة كلا من تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، وحركتي التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا، وأنصار الدين المنبثقتين عنه.

قربُ هذه القاعدة من ليبيا وأطماع فرنسا القديمة في المنطقة يثيران العديد من التساؤلات من الغرض منها.

إستراتيجي واقتصادي
حول هذا الموضوع يقول الباحث في معهد العلاقات الدولية عبد القادر عبد الرحيم إن التحليلات التي تربط بين هذه القاعدة وأهداف تدخل فرنسا في ليبيا غير منطقية، لأن باريس لا يمكنها التحرك بمفردها عسكريا في ليبيا.

ولم يستبعد عبد الرحيم وجود أهداف اقتصادية لهذا التحرك الفرنسي، مؤكدا أن كافة الدول تود حماية مصالحها والحفاظ عليها عبر الوسائل والطرق المشروعة، وأشار إلى أن 75% من الطاقة المستهلكة في فرنسا نووية، لذلك فإن اليورانيوم الموجود في النيجر يمثل أهمية حيوية للاقتصاد الفرنسي.

كما لفت إلى وجود بعد إستراتيجي يتمثل في ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في الشرق الأوسط الذي قال إنه جاء نتيجة التدخل الغربي في المنطقة.

أما الباحث في الشأن الليبي صلاح الشلوي فأكد أن فرنسا لها وجود قديم في القارة الأفريقية، ووجودها اليوم هو بمثابة توجه للعودة إلى القارة مدفوعة بتأجيج الروح القومية اليمينية.

لكن الشلوي حذر من أن الشعبين الليبي والجزائري سيواجهان أي أطماع استعمارية فرنسية في المنطقة، مؤكدا أن الشعوب أصبحت مدركة وواعية لهذه التهديدات والمخططات.

من جهته، يرى الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية محمد محمود أبو المعالي أن فرنسا منذ عهد الرئيس السابق نيكولا ساركوزي تحاول إعادة الهيمنة على المنطقة.

وأضاف أن باريس تضع نصب أعينها ليبيا وخاصة الجنوب الليبي لما يشكله من مصادر تهديد على مصالح فرنسا في شمال النيجر ومناجم اليورانيوم والمصالح التقليدية لها هناك.

ويؤكد أبو المعالي أن الهدف الفرنسي هو محاولة بسط سيطرة عسكرية واقصاء أي شراكة دولية في المنطقة، ومواجهة أي تهديد محتمل لمصالحها.

اسم البرنامج: ما وراء الخبر

عنوان الحلقة: الوجود العسكري الفرنسي بأفريقيا.. الأهداف والاحتمالات

مقدم الحلقة: الحبيب الغريبي

ضيوف الحلقة:

- عبد القادر عبد الرحيم/باحث في معهد العلاقات الدولية في باريس

- محمد محمود أبو المعالي/خبير في شؤون الجماعات الإسلامية

- صلاح الشلوي/باحث في الشأن الليبي

تاريخ الحلقة: 2/1/2015

المحاور:

-   مغزى وجود قاعدة فرنسية على حدود ليبيا

-  أهداف فرنسا غير المعلنة

- عودة الاستعمار الفرنسي

الحبيب الغريبي: أهلاً بكم، تفقد وزير الدفاع الفرنسي قاعدة "ماداما" الفرنسية العسكرية في أقصى شمال النيجر قرب الحدود مع ليبيا والمقرر افتتاحها الربيع القادم بهدف مُواجهة الجماعات المتشددة في شمال أفريقيا كما تقول باريس.

نتوقف مع هذا الخبر لنناقشه في محورين: ماذا يعني وجود قاعدة عسكريةٍ غربية على مرمى حجر من ليبيا؟ هل هناك أهداف أخرى غير مُعلنة من الوجود الفرنسي العسكري في المنطقة؟

إذاً تفقد وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان قاعدة ماداما الفرنسية العسكرية الجاري تشييدها في أقصى شمال النيجر قرب الحدود مع ليبيا التي من المُفترض أن تكون جاهزة للعمل الربيع القادم، واستمع لودريان لشرح حول دورها المُتوقع في مواجهة الجماعات المتشددة في شمال أفريقيا، قُرب هذه القاعدة من ليبيا وأطماع فرنسا القديمة في المنطقة يُثيران العديد من التساؤلات عن الغرض منها.

]تقرير مسجل[

أحمد الشلفي: على متن طائرة نقلٍ عسكريةٍ وصل وزير الدفاع الفرنسي إلى شمال النيجر من العاصمة التشادية انجمينا حيث أمضى ليلة رأس السنة مع جنوده هناك، وصل الوزير الفرنسي إلى قاعدةٍ عسكريةٍ فرنسيةٍ قيد الإنشاء في ماداما أقصى شمال النيجر الواقعة على أبواب ليبيا وأثارت الزيارة الكثير من الأسئلة حول الاستعدادات التي تقوم بها فرنسا لمواجهة الجماعات المُتشددة في ليبيا ومالي والنيجر وتشاد والمناطق المجاورة لها، وأكد الوزير أن بداية العام 2015 ستُظهر التصميم على مواجهة من وصفهم بالإرهابيين الذين يريدون تحويل طريق القوافل القديمة إلى طريقٍ للعنف والتهريب، ومن المتوقع أن تُشكل القاعدة العسكرية التي تقع في الصحراء على بُعد نحو 100 كيلو متر جنوب الحدود الليبية مركزاً متقدماً للعمليات التي تشنها فرنسا في مواجهة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وحركتي التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا وأنصار الدين، وقد حذرت فرنسا أكثر من مرة من توغل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب والتنظيمات الأخرى واستغلالها للمناطق الإستراتيجية بالقرب من قلعة ماداما القديمة واتخاذها طريقاً لعبور الجهاديين ومُهربي الأسلحة انطلاقا من ليبيا باتجاه شمالي النيجر ومالي، وتنشر فرنسا منذ أغسطس من العام الماضي 3 آلاف رجل في منطقة الساحل والصحراء في إطار عملية برخان الهادفة للتصدي للجماعات الجهادية عبر الحدود وتُشارك في هذه العملية 5 دول هي موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو، ويتوجس الفرنسيون خاصة والأوروبيون عامةً من أن تجر الأحداث السياسية والأمنية التي تتصاعد في ليبيا الكثير من المشاكل المُباشرة للقارة الأوروبية، كما يُخشى أن تتمدد التنظيمات الإسلامية والجهادية في ليبيا والدول المجاورة لتصبح تهديداً حقيقاً في قلب البحر المتوسط، لذا يقولون إنهم يفضلون مُواجهة المشكلة من المنبع.

]نهاية التقرير[

مغزى وجود قاعدة فرنسية على حدود ليبيا

الحبيب الغريبي: موضوع حلقتنا نناقشه مع ضيوفنا من باريس عبد القادر عبد الرحيم الباحث في معهد العلاقات الدولية، ومن طرابلس صلاح الشلوي الباحث في الشأن الليبي، ومن نواكشوط محمد محمود أبو المعالي الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، مرحبا بكم جميعاً، لفتني عنوان لا يخلو من دلالة في الحقيقة في أحد المواقع الإخبارية اسمه تحديداً نيجر اكسبريس يقول وأخيرا حصلت فرنسا على قاعدتها في النيجر، سيد عبد القادر ما الذي تعنيه وأخيراً هذه، هل هذه القاعدة كانت حلماً فرنسياً قديما لما كل هذه اللهفة والحماسة للحصول على موطئ قدم ثابت في النيجر؟

عبد القادر عبد الرحيم: هذه قصة قديمة وهي تتعلق بالتاريخ الاستعماري لفرنسا ما يُقلقنا حالياً في السياسة التي تقوم بها فرنسا منذ سنوات وهناك عودة لفرنسا تتمثل في حماية أفريقيا، في حين أنه في عهد حكم شيراك وبعده وقبل ذلك ميتران حاول  أن نبنى علاقات ناضجة مع أفريقيا حاليا لدينا شعورٌ بأن هناك تراجع وأننا بشكل تدريجي نقوم بسياسة استعمارية جديدة حيث أننا نخوض حرباً لعلنا نقول بأننا نجلب الديمقراطية في أن الأمور لا تجري على ذلك النحو وبالرغم من ذلك نُعاند، ذلك أن هدف الحرب ليس كما هو مُعلن وليس واضحاً، نرى بأن الحرب التي أُطلقت في ليبيا حالياً تُمثل كارثةً للمنطقة برمتها ولا يقتصر الأمر فقط على النيجر وإنما بالنسبة لتونس ومصر والجزائر وهذه الدول تشعر بالقلق حيال هذا الوضع في حين أن هذه الحرب ستؤدي أيضا إلى فوضى أكبر من الفوضى التي كانت موجودة تحت ديكتاتورية القذافي، إذاً السؤال الذي يطرح نفسه حاليا وهو أننا لا نفهم لماذا فرنسا تُعاند في اقتراف نفس الأخطاء، حالياً نجد أنفسنا في وضع يجعل بأن ما نراه حالياً هو نتيجة مباشرة لحروب قامت منذ سنوات، نتحدث حالياً عن ليبيا حالياً لكن أيضاً يمكن أن نتحدث عن العراق وتأثيراته على سوريا وعلى تركيا وغيرها، إذاً نمتلك دليلاً من أجل أن نبرهن على أن كل هذه الأمور والتدخلات لا تنجح وأن لا ثمة للسياسة الجيدة وأن التقدم والديمقراطية هي استنبات يقوم على تطور وليس على الثورة.

الحبيب الغريبي: طيب، اسمح لي اسمح لي سأعود إليك سيد عبد القادر، سأعود إليك حتى أُشرك ضيفينا الآخرين، سيد أبو المعالي من عملية سرفال إلى عملية برخان الآن معناها على أساس قيام هذه القاعدة الجديدة وهذا التمدد الفرنسي العسكري في المنطقة، كيف يمكن فهم الإستراتيجية الفرنسية في ظل كل المتغيرات الحاصلة هناك؟

محمد محمود أبو المعالي: طيب شكراً جزيلاً على الاستضافة الواضح أن فرنسا منذ أيام الرئيس ساركوزي بدأت تحاول إعادة الهيمنة على المنطقة أو تحويل مصالحها أو تحالفاتها إلى هيمنة واقعية في المنطقة، فرنسا تاريخياً كانت منطقة ساحلي وشمال أفريقيا تخضع لها باستثناء ليبيا، بعد بدء عملية سرفال مطلع 2013 وهي عملية فرنسية صرفة تمت دون إشراك أي حلفاء أو إشراك المجتمع الدولي اليوم العين الفرنسية على ليبيا وعلى الجنوب الليبي خصوصاً لاعتبارات عديدة، أولاً الجنوب الليبي يشكل نافذة تهديد على المصالح الفرنسية في شمال النيجر أفايير وأغاديس حيث مناجم اليورانيوم التي توفر ثلاثة أو ثلاثة أرباع حاجة فرنسا من اليورانيوم أيضاً المصالح التقليدية لفرنسا في هذه المنطقة قاعدة ماداما هي قاعدة تقليدية للاستعمار الفرنسي أسست في 1930 اليوم تريد فرنسا بواسطتها أن تبسط هيمنتها واختارت منطقة الجنوب الليبي كمدخل نظراً لاعتبار التداخل الديمغرافي والتداخل الجغرافي بين سكان شمال مالي وشمال النيجر مع منطقة جنوب ليبيا وشمال مالي والنيجر معروف أنها مناطق تعودت النفوذ الفرنسي وتعودت الحضور الفرنسي فيه، الحُجة اليوم هي محاربة المجموعات التي توصف بالإرهابية لكن الواقع أن الغاية القصوى هي محاولة بسط سيطرةٍ عسكريةٍ وإقصاء أي تحالفٍ أو شراكةٍ دوليةٍ في المنطقة هذا ما تسعى إليه فرنسا، عينها أيضاً على ضفة البحر الأبيض المتوسط لأنها تعتقد أن وجود تهديد للمصالح الفرنسية والمصالح الغربية بشكل عام في ليبيا.

الحبيب الغريبي: طيب.

محمد محمود أبو المعالي: إنما هو تهديدٌ على حدود القارة العجوز وبالتالي تسعى لاحتوائه لكن الحقيقة فرنسا تريد أن تكون سيدة المنطقة برمتها، كانت سيدتها أيام الاستعمار غابت عنها ليبيا اليوم تحاول أن تستعيد هذه السيادة.

الحبيب الغريبي: واضح.

محمد محمود أبو المعالي: وأن يتمدد نفوذها إلى ليبيا مُستغلةً الوضع الهش والصراع الليبي الداخلي.

أهداف فرنسا غير المعلنة

الحبيب الغريبي: واضح أبو المعالي، ملاحظة مركزية لا بد من التوقف عندها يعني في الإحداثيات، إحداثيات الجغرافيا السياسية لوجود هذه القاعدة وقع إنشائها على تخوم منطقة الجنوب الليبي، هل ترى سيد صلاح أن هذه مُصادفة أو كما بدأ يقول البعض يعني من خلال اللغط الذي أثارته هذه الخطوة أنها عملية تسخين ربما بالتحرش أو حتى للتدخل المباشر في منطقة الجنوب الليبي؟

صلاح الشلوي: مساء الخير.

الحبيب الغريبي: مساء النور.

صلاح الشلوي: أتصور أن فرنسا كما ذكر الأخوين العزيزين من نواكشوط وباريس أن فرنسا لها وجود قديم في القارة الأفريقية خاصةً في جنوبها وغرب القارة حضور واسع والدول هي ربما الطوق بتاع الدول الفرانكفونية فوجودها اليوم في الجنوب هو بسبب أن هناك جيل جديد من الإستراتيجيين الفرنسيين ممن قرؤوا لم يُعاصروا فترة الاحتلال المباشر للجزائر وغيره، هذا الجيل من الإستراتيجيين درسوا التاريخ ولديهم في كتاباتهم وفي تناولهم لتاريخ الوجود الفرنسي في القارة، لديهم كأن نوع من التخطئة أو الندامة على خروج فرنسا من المنطقة، كتاباتهم لا تدل على أنهم كانوا راضيين على انسحاب فرنسا من الجزائر وكانوا يروه خطأ إستراتيجي وقعت فيه فرنسا ما كان لها أن تقوم به، وهؤلاء طبعاً هذا الجيل بدأ يظهر يعني تنضج رؤاه هذه بتأجيج الروح القومية أو اليمينية إن صح التعبير وهم طبعاً غالبهم أو كلهم يمينيين طبعاً، فطبعاً بدئوا يبرزوا على السطح بشكل واضح في مؤسسات الدولة في المؤسسة العسكرية وفي الخارجية أيضاً في عصر تقريباً الرئيس ساركوزي بشكل واضح وصارخ يعني حتى شفنا الأحداث وسرعة تدخل فرنسا في المنطقة كانت بسبب الاستشارات التي يقدمها هذا الجيل، وجود الفرنسيين الآن في الجنوب.

الحبيب الغريبي: طيب لنتجاوز يعني هذه النظرة التاريخية، الآن وجود هذه القاعدة على مرمى حجر كما يقول الكثيرون من الحدود الليبية ما الذي يعنيه؟

صلاح الشلوي: الذي يعنيه أن هذه القاعدة ليست ما تدعي فرنسا لمواجهة الإرهاب لو كل منطقة فيها إرهاب عملوا فيها قاعدة معناه العالم كله سيبقى قواعد فرنسية، هذا التواجد هو لتعزيز مُخطط في السيطرة والهيمنة على الجنوب الليبي وعلى موارد طبعاً هذا بدأ من عام 1989 إبان الحرب التشادية الليبية واقتطاع جزء من الأراضي الليبية لصالح تشاد إن صح التعبير مناجم أو الجبال الغنية باليورانيوم وهذه طبعاً كما ذكر أحد الأخوة أنها مصدر ثُلثي الطاقة التي تبحث عنها فرنسا للقرن الجديد.

الحبيب الغريبي: نعم.

صلاح الشلوي: فطبعاً هذا طبعاً واحد من الدوافع الرئيسية، إضافة أن فرنسا ترى أن الجنوب الليبي جزء من المناطق التي ينبغي أن تتبع لها.

الحبيب الغريبي: واضح.

صلاح الشلوي: في ثقافتها وفي نظرتها لهذه المنطقة.

الحبيب الغريبي: واضح، واضح، سيد عبد القادر كيف تبدو قدرة فرنسا يعني بالتعاون مع حلفائها المحليين على الاقتراب أكثر أو توسيع نفوذها العسكري أكثر في اتجاه الجنوب الليبي مع ملاحظة هامة وهو غياب أي إسناد أو دعم من دولة كبري في المنطقة هي الجزائر التي تبدو رافضة تماماً لأي تدخل وتُخير الحل السياسي والحل السلمي؟

عبد القادر عبد الرحيم: صحيح، صحيح وهذه نقطة مهمة ففرنسا لا يمكنها أن تتحرك عسكرياً لوحدها في ليبيا إذا أرادت ذلك، ثانياً لقد أوضحتم كذلك أمراً في غاية الأهمية وهو دور الجزائر، والجزائر بحكم دستورها لا يمكنها أن تتدخل خارج حدودها هذا ليس منصوصاً عليه في الدستور فقط لكنها قناعة راسخة لدي القادة الجزائريين حيث أنهم يحترمون سيادة الدول، فرنسا تأسست بالأحرى الجزائر تأسست على هذا النحو ولا تود أن تغير نفسها وأخيراً فالجزائر حذرت ساركوزي وقالت له احذر احذر إذا حاولت أن تُطيح بنظام القذافي فإن التداعيات لا يمكن حسابها وستكون وخيمة بالنسبة لكم أنتم الأوروبيين والفرنسيين ولكن أيضاً بالنسبة لنا نحن في المنطقة وهذا هو ما حدث فعلاً ذلك أن الحرب في مالي هي النتيجة المباشرة لزعزعة الاستقرار والفوضى الموجودة حالياً في ليبيا، إذاً مجددا عندما نقوم بخوض حروب وحتى ولو كان لغاية سليمة فيجب أن يكون ذلك لهدف سياسي مُحدد وبما أن هذا لم يكن مُحدداً منذ البداية بالرغم من الحديث عن القضايا الأخلاقية والديمقراطية فنحن حالياً نجد أنفسنا في مأزق، صحيح يجب أن نؤكد على أنه من وجهة نظري هذه فإن فرنسا بحاجة إلى أن تُموقع نفسها من الناحية التاريخية وأن تحدد وجودها التاريخي في هذه المنطقة بما أن القذافي لم يعد موجوداً على اعتبار أن القذافي كان يُمثل عائقاً لحضورها في هذه المنطقة .

الحبيب الغريبي: أشكرك، أشكرك، سنعود إلى النقاش ولكن بعد فاصل قصير، ابقوا معنا.

]فاصل إعلاني[

عودة الاستعمار الفرنسي

الحبيب الغريبي: أهلاً بكم من جديد في هذه الحلقة التي نناقش فيها الافتتاح القريب لقاعدة فرنسية في شمال النيجر، سيد أبو المعالي، كيف تُقدر ردة فعل الجماعات المُسلحة على هذه الخطوة الفرنسية؟

محمد محمود أبو المعالي: لدي هذه الجماعات في الأصل سياسة معروفة وهي سياسة استدراج الخصم إلى الأرض التي يحددونها هم وبالتالي لمحاولة محاربتهم مباشرة بدلاً من محاربة ما يسمونهم عملاءه في المنطقة، إذن بكل تأكيد الجماعات المسلحة في المنطقة كانت تترصد هذه القاعدة وكانت تتوقعها وتُحضر لها، أعتقد أن وجوداً فرنسياً عسكرياً مباشراً إنما هو تحريضٌ إنما هو محاولة لتوفير رافدٍ أيضاً لهذه الجماعات لأن يعني بصيغة من الصيغ عودة الاستعمار الفرنسي من جديد إلى المنطقة ومحاولة توسع هذا الاستعمار وبالتالي مخاطبة الوجدان الشعبي والوجدان التحرري والوجدان الديني لدي المجتمعات المقيمة في المنطقة ضد الوجود الفرنسي وبالتالي تأهيل هذه المجتمعات إلى أن تكون حاضنة أكثر مما هي عليه لهذه الجماعات وأن تكون داعماً وسنداً لها، هذه الجماعات أيضا جاء الفرنسيون بحجة طردها من شمال مالي والقضاء عليها لكنهم في النهاية اكتفوا بالسيطرة على كبريات المدن بينما بقيت هي تحاول أو تتمركز في الصحراء وفي الجبال وفي غيرها، اليوم تحاول قطع طرق الإمداد أو التواصل مع الجنوب والشرق الليبي وهو أمر في غاية الصعوبة لم يكن مستحيلاً لأن من المعروف أن طرق التهريب التي خبرها المهربون على مدى العقود الماضية كثيرة ومشتتة وممتدة على آلاف الكيلومترات سواء في المثلث الحدودي بين ليبيا والجزائر والنيجر ومنطقة أزواد في شمال مالي يمر الأمر عبر ولاية تمراست جانت تواوير زواتين إلى غيره ثم إلى الصحراء  في النيجر وإلى جبال الأضربيز وصولاً إلى جبال لوفغاز إذن هي منطقة شاسعة كبيرة جدا خبرتها هذه الجماعات واتخذت منها مراكز لها ومعسكرات ووجدت مدداً لها في جنوب وشرق ليبيا وبالتالي إنما ستشكل هذه القاعدة عملية تشويشٍ فعلاً أو محاولة قطع الطريق لكنها أيضا ستشكل مطلباً لهذه الجماعات يعني لأنها استدراج للعدو إلى أرضهم أيضا ستشكل كما أسلفت حافزاً لهم لتجنيد الشباب ولتجنيد القواعد الشعبية الداعمة لهم، أيضاً هي برهان ساطع على أن الأطماع الفرنسية إنما هي في خيرات الأرض وليست لحماية السكان وللبلدان لأنها إنما هي عسكرت لتحمي مناجم اليورانيوم وتحمي منجم الذهب الحديث الاكتشاف في المنطقة قرب القاعدة العسكرية أيضاً لتحمي مصالح تشاد القريبة وغيرها، ستواجه أيضاً فرنسا بكل تأكيد الرفض الجزائري للتدخل الأجنبي في المنطقة وحساسية الجزائر تجاه الوجود الفرنسي في المنطقة والجزائر الدولة لا يمكن تجاوزها في عمل كهذا.

الحبيب الغريبي: أشكرك.

محمد محمود أبو المعالي: أيضا ستواجه رفض المجتمع الليبي بشكل عام في المنطقة الجنوبية ووهي منطقة قبلية بامتياز.

الحبيب الغريبي: سأعود سأعود إليك.

محمد محمود أبو المعالي: منطقة رافضة للأجنبي أياً كان حتى ولو كان قبيلة جارة فكيف بأوروبيين عابرين البحار إليها.

الحبيب الغريبي: طيب، سيد صلاح ما حقيقة أن تكون الجماعات المتشددة قد تأثرت فعلاً بهذا التواجد العسكري الفرنسي المُكثف وهو ما جعل البعض منها كما تقول فرنسا نفسها يجد ملاذاً آمنا هكذا تقول في الجنوب الليبي؟

صلاح الشلوي: نحن إذا صدقنا موضوع الجماعات الإسلامية فمعنى هذا أننا بالضرورة صدقنا المزاعم الفرنسية لتغطية أطماعها الاستعمارية في المنطقة يعني لا أظن أن مثلاً الحكومة الجزائرية من أكثر الحكومات خبرة في موضوع الجماعات الإسلامية المُسلحة في المنطقة وهي ترفض الأطماع الاستعمارية وتعتبر مزاعم فرنسا هي تغطية لأطماع استعمارية في المنطقة حتى الرئيس التشادي عندما زار الجزائر وبينوا له الجزائريون طبيعة وحقيقة الأطماع الفرنسية أصدر بيانا بأنهم مع الحل السلمي والسياسي في ليبيا واستبعد موضوع التدخل الخارجي بعكس ما حاولت فرنسا أن تُقحم الدول الخمس في هذا الموضوع، فرنسا تتحدث على إرهاب في الجنوب العالم كله يتكلم إن صح التعبير على إرهاب في المنطقة الشرقية من ليبيا، الإعلام الفرنسي والصحف الفرنسية لا تتكلم لا تعتبر ليبيا شيئا سوى ما هو يحدث في الجنوب متوهمةً ومحاولةً أن تصنع صورة معينة لتبرر التواجد الفرنسي في الجنوب الليبي، فرنسا تتكلم على جزء من العالم وتصطنع وتحاول أن تصنع صورة في ذهن الإعلام وفي ذهن السياسيين الغربيين هي مش موجودة على أرض الواقع والجزائريون هم أكثر الناس إدراكاً عندما يتم مواجهة الفرنسيين والأطماع الفرنسية سيواجهها الشعب الجزائري والشعب الليبي والشعب التشادي، أما قصة أنه في جماعات إسلامية تريد أن تقاوم فرنسا فهذا ما تحاول فرنسا أن تسوقه للرأي العام بحيث أنها تُبرر إيجاد قواعد، إيجاد قواعد ليس لمقاومة إرهاب إحنا شفنا انسحبت كل القواعد اللي وضعوها في أفغانستان في الأسبوع الماضي، كم ستستغرق فرنسا من وقت كي تكرر نفس الأخطاء التي ارتكبتها في الجزائر حتى تخرج بعد ذلك في منتصف ربما القرن الحالي بهزيمة أخرى مثل التي خرجت في الستينيات من القرن المنصرم، الشعوب أصبحت مدركة وواعية لهذه التهديدات وهذه المخاطر فليبحثوا لهم عن مكان آخر يُمارسوا فيه مغامراتهم.

الحبيب الغريبي: طيب.

صلاح الشلوي: ويمارسوا فيه نظرياتهم القاصرة التي لا تُحسن قراءة قانون التاريخ.

الحبيب الغريبي: سيد عبد القادر هل أنت مُتفق مع أن فرنسا هي تحاول فقط التسويق لنظرية مقاومة الإرهاب بينما الحقيقة أن هذه المنطقة تاريخياً هي منطقة نفوذ فرنسي وفرنسا تريد الحفاظ على مصالحها الاقتصادية كما كان يقول السيد أبو المعالي منذ قليل، هناك مناجم يورانيوم هناك مناجم ذهب والمسألة أيضاً لها طابع ووجه اقتصادي بالأساس؟

عبد القادر عبد الرحيم: بالتأكيد بالتأكيد يجب أن لا نكون ساذجين فكافة الدول تود بشكل شرعي أن تحمي مصالحها وتحافظ عليها لكن فرنسا هشة فـ 75% من طاقتها المُستهلكة في البلاد هذه الطاقة نووية ولهذا السبب فإن اليورانيوم الموجود في النيجر يُمثل قضيةً حيويةً بالنسبة للاقتصاد الفرنسي لا يمكننا أن نتصور أن تكون فرنسا غير قادرة اقتصاديا ولهذا السبب نرى تدخل فرنسا، ثانياً نشاهد أيضا بُعداً إستراتيجياً يتمثل في أنه بالأخص فيما يختص بظهور تنظيم الدولة في الشرق الأوسط، تنظيم الدولة ما هي تنظيم الدولة هي نتيجة للتدخل الغربي في الشرق الأوسط حيث أن الغرب لن يتصرف من الناحية السياسية في وقت مناسب مما أدى إلى ظهور مثل هذه التنظيمات إذاً تدخلت فرنسا في ليبيا عسكرياً فيجب أن لا تقوم بذلك من خلال الجو وإنما تتدخل من ناحية برية وفي هذه الحالة الرأي العام الفرنسي لن يقبل ذلك، ذلك أن تداعيات ونتائج مثل هذه التدخلات ليست ذاتها عرفنا ذلك منذ الحرب الأولى للخليج حيث أن الغرب كان يقول لحرب لا موت فيها وذلك أمرٌ لا يقبله الرأي العام الغربي حيث لا يقبلوا أن يدخلوا حرباً.

الحبيب الغريبي: واضح.

عبد القادر عبد الرحيم: تؤدي إلى مقتل جنودهم وذلك سيكون يمثل وضعاً صعباً بالنسبة لحكومة هولندا التي تعاني اقتصاديا كذلك من ناحية سياسية.

الحبيب الغريبي: نعم، معلش الوقت ربما لا يسمح لنا بالإطالة أكثر، فقط بقى سؤال سؤال قصير للأستاذ أبو المعالي باختصار يعني في دقيقة كيف تنظر إلى مستقبل الصراع في هذه المنطقة، هل يمكن أن نرسم صورة نسبياً مُفصلة على أساس كل هذه المتغيرات الحاصلة؟

محمد محمود أبو المعالي: الواقع أن هذه المتغيرات التي تحاول فرنسا أن تفرضها بقاعدة عسكرية وبحضور عسكري تواكبها أيضا تطورات على مستوى الجماعات الإسلامية المسلحة هناك بعد حرب بدء الحرب الفرنسية وُجد تنظيم كبير هو جماعة المرابطون إتحاد جماعتي التوحيد والجهاد والملثمون ظهر تنظيم الدولة الإسلامية في الجزائر وفي غيرها، إذن كل الأطراف مقبلة على تطورات وعلى مزيد من التوتر حسب تصوري، أيضاً الطبيعة الاستعمارية للقوى الفرنسية ستجعل هذه المنطقة تندفع نحو مزيد من الغليان نحو مزيد من الرفض الأجنبي وبالتالي الملاذ ليس طبعاً بالأنظمة الحاكمة ولا بالقوانين السياسية الموجودة إنما سيكون مزيداً من التوتر والتصعيد واللجوء إلى مزيد من جماعات العنف وحمل السلاح.

الحبيب الغريبي: أشكرك، أشكرك سيد محمد محمود أبو المعالي الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية من نواكشوط، أشكر السيد صلاح الشلوي الباحث في الشأن الليبي من طرابلس، ومن باريس عبد القادر عبد الرحيم الباحث في معهد العلاقات الدولية.   بهذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر، نلتقي بإذن الله في قراءة جديدة فيما وراء خبر جديد، دمتم بخير.