بارك تنظيم القاعدة في اليمن الهجوم على صحيفة شارلي إيبدو الفرنسية، وتوعد باريس بما سماه حرمانها من الأمن إذا لم تتوقف عن محاربة المسلمين. يأتي هذا عشية انعقاد اجتماع دولي في العاصمة الفرنسية حول مكافحة "الإرهاب والتطرف".

ودفاعا عما وصف بقيم الديمقراطية والحرية والتسامح، دعا الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند ورئيس حكومته الفرنسيين إلى المشاركة يوم الأحد 11 يناير/كانون الثاني 2015 في مسيرة وطنية ضد "الإرهاب"، وقد لبى الدعوة أيضا زعماء أوروبيون ومسؤولون من دول عربية وإسلامية.

وبالتزامن مع هذه المسيرة، تستضيف باريس اجتماعا دوليا حول سبل مكافحة "الإرهاب والتطرف"، بعد أن بارك تنظيم القاعدة في اليمن الهجوم على شارلي إيبدو وتوعد فرنسا بحرمانها من الأمن إذا لم تتوقف عن محاربة المسلمين.

وقد أعرب مراقبون أوروبيون عن تخوفهم من أن تؤدي هذه الأزمة إلى الانزلاق في صراع بين الغرب والإسلام.

لماذا يكرهوننا؟
مدير معهد الفكر السياسي الإسلامي عزام التميمي قال إن بيان تنظيم القاعدة في اليمن يعتبر مباركة للعملية أكثر من كونه تبنيا للتنفيذ، والملاحظ أن شريف كواشي (أحد منفذي هجوم شارلي إيبدو) أمضى وقتا من حياته في اليمن.

وأوضح التميمي أن الشباب الذين نفذوا العملية تضاربت أقوالهم، مما يزيد احتمالات أنهم نسبوا الانتماء للقاعدة وغيرها لأنفسهم.

وحول قوة الرسالة الكامنة وراء العملية، قال التميمي إن صناع القرار السياسي يحاولون الهروب من فهم ما جرى، ويلقون باللوم على "الإرهاب"، لأنهم يشعرون بالعجز والفشل ولا يستطيعون الإجابة عن السؤال: "لماذا يكرهوننا؟".

وعبّر التميمي عن أسفه لقيام الثورات المضادة التي تمّ تمويلها من قبل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية عقب ثورات الربيع العربي، لأنها تسعى إلى إعادة الأنظمة الفاسدة التي كانت تخدم أهداف الغرب بأرخص الأثمان.

جاكوب كوهين: الجالية المسلمة ظلت تتعرض للاضطهاد والتمييز منذ ثلاثين عاما، وهي تدرك أن اللوبي الصهيوني اليهودي يسيطر على الإعلام في فرنسا

اللوبي الصهيوني
الكاتب والمفكر الفرنسي جاكوب كوهين قال إن الجالية المسلمة ظلت تتعرض للاضطهاد والتمييز منذ ثلاثين عاما، وهي تدرك أن اللوبي الصهيوني اليهودي يسيطر على الإعلام في فرنسا.

وأضاف أن بعض المؤشرات ظهرت على أن بعض الأقلية المسلمة تتجه إلى العنف لعجزها عن الحصول على حقوقها بشكل سلمي، وبرز ذلك بشكل واضح بعد أحداث الحرب على العراق والتدخلات في أفريقيا.

وأرجع الكاتب والمفكر الفرنسي الهجمات على باريس إلى حقيقة أن فرنسا تعتبر حليفة لإسرائيل، إضافة إلى سيطرة اللوبي الصهيوني اليهودي على مقاليد الأمور في فرنسا.

وأكد أن هذا اللوبي لا يريد أن يعطى المسلمون حقوقهم، ولا يمكن أن تتغير السياسات الفرنسية إلا في حال اندلاع موجات رفض عارمة في كل أنحاء البلاد.

واستنكر كوهين النداء الذي أطلقه الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك حينما قال "من مسَّ يهوديا فقد مس الجمهورية الفرنسية"، لأنه يستثني المسلمين وغيرهم.

اسم البرنامج: ما وراء الخبر

عنوان الحلقة: هل تتغير السياسات الغربية بعد هجمات فرنسا؟

مقدم الحلقة: عبد الصمد ناصر

ضيفا الحلقة:

- عزام التميمي/ مدير معهد الفكر السياسي الإسلامي

- جاكوب كوهين/ كاتب ومفكر فرنسي

تاريخ الحلقة: /101/ 2015

المحاور:

-   تمييز عنصري تعرضت له الجالية المسلمة

-   جهود عربية غربية مشتركة لإسقاط الربيع العربي

-   مقاربة أمنية غربية

عبد الصمد ناصر: السلامُ عليكم ورحمةُ الله، باركَ تنظيمُ القاعدة في اليمن الهجومَ على صحيفة شارلي إيبدو الفرنسية لكنّهُ لم يتبنَ المسؤوليةَ عنه، وتوعّدَ باريس بما سمّاهُ حرمانها من الأمن إذا لم تتوقف عن مُحاربة المُسلمين، ويأتي هذا عشية انعقادِ اجتماعٍ دوليٍّ الأحد في العاصمةِ الفرنسية حولَ مُكافحةِ الإرهابِ والتطرُف.

نتوقف مع هذا الخبر لنُناقشهُ في محورين: في أيِّ سياقٍ يُمكنُ قراءةُ دوافعِ الهجماتِ الأخيرة في فرنسا والمخاوفِ من تكرارها في دولٍ أوروبيةٍ أُخرى؟ وما مدى استعداد الدول الغربية لإحداثِ مُراجعاتٍ وتغييراتٍ في سياستها تحولُ دون مُضاعفةِ ما يُوصفُ ببؤرِ الإرهاب؟

دفاعاً عمّا وُصفَ بقيمِ الديمقراطيةِ والحُريةِ والتسامح دعا الرئيسُ فرانسوا هولاند ورئيسُ حكومتهِ الفرنسيين إلى المُشاركةِ غداً الأحد في مسيرةٍ وطنية ضد الإرهاب، وقد لبّى الدعوة أيضاً زُعماءُ أوروبيون ومسؤولون من دولٍ عربيةٍ وإسلامية، وبالتزامُنِ مع هذهِ المسيرة تستضيفُ باريس اجتماعاً دولياً حول سُبُلِ مُكافحةِ الإرهابِ والتطرُف، وقد أعربَ مُراقبون أوروبيون عن تخوّفهم من أن تؤدي تداعياتُ هذهِ الأزمة إلى الانزلاقِ إلى صراعٍ بين الغربِ والإسلام.

]تقرير مُسجل[

فاطمة التريكي: تستعدُ باريس لمُظاهراتٍ حاشدةٍ ضدَ الإرهاب يُمكنُ بسهولة توقعُ سيولٍ بشريةً ستنزلُ استنكاراً لما جرى في شارلي إيبدو وما تلاه، المُظاهراتُ نفسُها بلورةٍ أكبر لمُظاهراتٍ أصغر انطلقت بعد الهجوم حملت شعار كُلنا شارلي، الاسمُ الاختزاليّ جعلَ الأصواتَ التي ترفضُ الهجوم وليست شارلي في وضعٍ دفاعيٍّ مُقابل المد الجارف،هكذا تأخذُ الأشياءُ شكلها الثُنائيَّ الحاسم وتطمِسُ الأسئلة مثلما ماتت أسرارُ الهجومِ نفسه مع موت مُنفذيه المُفترضين فلم يبق منهما غيرُ السحنة العربية والديانة، في أجواءِ الصدمةِ الجماعية التي تنزلُ بمُجتمعاتٍ تفترضُ الأمن كالهواء تبدو مُحاولاتُ الفهم أو التفسيِرِ دون تبرير مُهمةٌ شاقة غير أن ذلك لا يمحو حقيقةً يراها كثيرون بأن فرنسا الآن تُمثلُ حالةً في وجهِ حالة أكثر منها دولةٌ تواجهُ إرهاباً، الحالة يُشخّصها رئيسُ وزراءٍ سابق اسمهُ دومينيك دو فيلبان فيقول إن فرنسا مريضةٌ في ذاتها وإنها تُغادرُ مبادئَ التوازن التي أرستها الديغولية ثم يمضي إلى موقفٍ لا نظيرَ لهُ دولياً أو عربياً فيُحمّلُ السياسة الغربية المسؤولية عن تضاعُفِ ما دعاها بؤر الإرهاب في العالم، ويقول إن تنظيمَ الدولةِ الإسلامية هو وليدٌ مشوّهٌ  لهذهِ السياسةِ المُتغطرسة والمُتقلّبة وإنهُ لهذهِ الأسباب سيقوى، هذا المنطق يواجهُ بمنطقٍ آخر يرتاحُ إلى التوصيفُ الأسهل وقد يصِلُ إلى استنتاجاتٍ مُدهشةٍ من قبيلِ ما انتهى إليهِ الرئيس بشار الأسد يوماً حين خلَصَ إلى أن الإرهابيَّ إرهابيٌّ لأنهُ إرهابيّ، أو حينَ قفز رئيسٌ آخر بالمُشكلة إلى نصوصِ الإسلام المُقدسة ناسفاً الطرحَ الغربيَّ نفسه، فرنسا ضِد الإرهاب مُدويّةً ستقولها باريس وسيُردُدها المستفيدون بحماسةٍ أكبر، غير أن الشوارعَ المُزينة بشعار الثورة الخالد حُرية، مُساواة، إخاء سيكونُ عليها أن تنظُرَ في داخلها قليلاً فترى الرُهاب الذي يتلبَّسُ نُخبها من فكرة صعود فرنسيٍّ من أصلٍ عربيٍّ أو مُسلم إلى موقعِ قرار، وإلى حُرية تعبيرٍ تسمحُ بسبٍ أديانٍ وأنبياء ثم تُحاكِمُ رساماً ثمانيناً بتُهمةِ مُعاداة السامية، سيكونُ على فرنسا أن تنظُرَ إلى العراق وسوريا وغيرهما وأن تتلمس مبادئ الجمهورية وهي تنظُرُ تحت قدميها فترى أقدام أنظمةٍ تقتُلُ شعوبها أو دكتاتورياتٍ مُزمنة تخوضُ معها الحربَ المُقدسة معاً ضِد الإرهاب.

]نهاية التقرير[

عبد الصمد ناصر: موضوعُ حلقتنا هذهِ نُناقشهُ مع ضيفنا من لندن الدكتور عزام التميمي مُديرِ معهد الفكر الإسلاميّ السياسيّ، ومع ضيفنا من باريس جاكوب كوهين الكاتبِ والمُفكر الفرنسيّ، مرحباً بضيفينا الكريمين، دكتور عزام التميمي، بيانُ تنظيمِ القاعدة في اليمن بخصوص أحداث وهجمات باريس، هل بدا لكَ أنهُ كان مُباركة من التنظيم لهذهِ العمليات أم تبنٍ واضحٍ لها؟ 

عزام التميمي: بسم الله الرحمن الرحيم يبدو لي أنهُ مُباركة أكثر من تبني، نِسبة العملية إلى تنظيم القاعدة في اليمن جاءَ من مُرتكبي العملية وليس من التنظيمِ نفسهِ، لكن ربما بالنسبة للقاعدةِ في اليمن هذهِ تُعتبَر هدية لم يكونوا يتوقعونها، أنا لا أدري حقيقةً ليست لدينا معلومات حتى الآن إذا ما كان التنظيم في اليمن أمرَ بتنفيذ هذهِ العملية وأعدَّ لها بالذات أم أن الشابين الذين قاما بالعملية قدماها هديةً لهذا التنظيم الذي واحدٌ منهم على الأقل قضى وقتاً معهُ في اليمن.

عبد الصمد ناصر: شريف كواشي، المُلاحظ أن شريف كواشي وهو أحد المُتهمين في هذا الهجوم، المُشتبه فيهم في هذا الهجوم قال في اتصالٍ مع محطة فرنسية قبل قتلِه أنهُ اُستدعيَ من تنظيم القاعدة في اليمن بينما أحمد كوليبالي مُنفِذ عملية احتجاز الرهائن في بورت دي فانسان قال بأنهُ نسّقَ مع الأخوين وبأنهُ تلقى تعليمات من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، ومعروف أن بين تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة هُناك حساسية ونوع من الخصومة، كيف نفهم ذلك؟

عزام التميمي: هذا يدُل أن هُناك اضطراب يعني وربما يؤكد أن هؤلاء الشباب إنما أرادوا أن ينسبوا العملية لهذا التنظيم أو ذاك، والأغلب أنهم قاموا بالتفكير والتخطيط لها من ذاتِ أنفُسهم، وعلى فكرة هذهِ الظاهرة ليست معزولة، التحريض الذي شهدتهُ أوروبا ضد الإسلام والمُسلمين ومشاركة الدول الأوروبية في حروب ضد المُسلمين في مالي وفي العراق وفي الشام وقبل ذلك في أفغانستان وفي العراق، جعلت بعض الشباب يحتقن غضباً وسُخطاً وربما يتمنى أن يفعلَ شيئاً.

تمييز عنصري تعرضت له الجالية المسلمة

عبد الصمد ناصر: هذا نعم، هذا سنُفصلُ فيه دكتور ولكن دعني أتحول إلى جاكوب كوهين، ما الذي سيد جاكوب يدفع شباباً فرنسياً يعيشُ حياةً نوع من الحياة المُترفة إلى القيام بعملٍ كهذا، هل الأمر يتعلق فقط بنشر شارلي إيبدو تلكَ الصور المُسيئة للنبي مُحمد صلى اللهُ عليهِ وسلم أم بعوامل ربما داخلية تتعلق بأوضاع المُسلمين في فرنسا؟

جاكوب كوهين: مساء الخير في البداية ومُنذُ 30 سنة على الأقل كان هُناك جاليةٌ مُسلمة تتعرض للتميز والتهديد وأنهم فرضوا أموراً مثل منعها من حملِ الرموز الدينية عليها وتعرضوا للاضطهاد من ناحيةِ  السكنِ والتوظيف، وهذهِ الجالية المُسلمة تُدرك ُتماماً بأن هُناك لوبيٌّ صهيونيٌّ يهوديٌّ، هذا اللوبي لديهِ الأولوية في داخلِ فرنسا فوسائل الإعلام التي يُسيطرُ عليها هذا اللوبي، وبالتالي هُناك إحباطٌ مُتصاعدٌ وبشكلٍ دائم داخل الجاليةِ المُسلمة وهذا يشعرُ بالإحباط يشعرُ بهِ السواد الأعظم من المُسلمين في فرنسا، ومعَ الحربِ في العراق والعُدوانُ ضد ليبيا والتدخُل في أفريقيا فقد باتَ واضحاً أنهُ في لحظةٍ ما أن هُناك أقليّة محدودة ومجموعة محدودة من هذهِ الجالية سينتهي بها الأمر إلى استخدام العُنف رغبةً منها في الانتقام، لكن رغبة الانتقام هذهِ هي تحديداً تعبيرٌ عن إحباطٍ استمرَّ لعقودٍ من الزمن والسُلطات الفرنسية المُتعاقبة لم تفعل أيَّ شيء للتهدئةِ فكانت تُعطي الأولوية دائما لليهود ولدعمِ إسرائيل، وكانت ترفضُ الفلسطينيين وهذهِ أسبابٌ عميقة مُتجذرة تجعلُ أن بعضَ الأقليّة المُسلمة تتجه إلى العُنف.

عبد الصمد ناصر: إذن المسألة تتجاوز البُعد الداخلي للدول الغربية والأوروبية إلى أبعاد مُتعلقة بالسياسة الخارجية لتلك الدول سيد كوهين.

جاكوب كوهين: بالتأكيد، بالتأكيد.

عبد الصمد ناصر: طيب.

جاكوب كوهين: بالتأكيد، بالتأكيد، لا شكَّ في ذلك، مُنذُ وجودِ الجالية المُسلمة الفرنسية علينا أن نتذكرَ الأحياء القصديرية التي كان يعيشُ فيها المُهاجرون إلى فرنسا في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، كانت ظروفهم مُريعة وبعد ذلك هُناك موضوع تجديد الأوراق الثبوتية وكانت هُناك الأخطاء التي ترتكبُها الشُرطة، هل هُناك بلدٌ فيهِ شُرطةٌ يقومون بالخامسة يقومون بتفتيشِ الأوراقِ الثبوتية لشبابٍ يعودون عادةً إلى عائلاتهم ويجبرون هؤلاء الشباب إلى أن يهربوا حيثُ يلجئون إلى قطارٍ وينتهي بهم المطاف إلى أن يموتوا بتماس ٍكهربائيّ، إذن هذهِ الأحياء التي يعيشُ فيه المسلمين هي أحياءٌ تخضعُ للاحتلال وبالتالي يشعرون بالإحباط المُتعاظم مما سيؤدي وأدى إلى ما شاهدناهُ اليوم، وليسَ لديَّ انطباعٌ بأن الحكومة والسُلطات الفرنسية تودُ حقاً أن تُغيّر واقعَ الأمور، يعني أن كُل الأمور يتمُ إعدادها لكي نأتي إلى مُساعدة وإنقاذ اليهود واللوبي اليهودي وإلى ما هُنالك ولا نقوم بالكثير من أجلِ ترضيةِ المُسلمين.

عبد الصمد ناصر: دكتور عزّام التميمي الأمر إذن يتجاوز الأبعاد الداخلية والمشاكل الداخلية لفرنسا مثلاً والدول الغربية حتى يعني نُفسِّر ما جرى، وأسأل هُنا هل وعى الأوروبيون والغرب الرسالة، هل تلقوا تلكَ الرسالة التي ربما وصلتهم من خلال تلكَ العمليات في باريس؟ هل هُم أصلاً لديهم القابلية لتفهُّم الأسباب الموجبة لمثلِ هذهِ الظواهر؟

عزام التميمي: قِلةٌ من الحُكماء استوعبوا الدرس ولكن للأسف صُنّاع القرار السياسي يُحاولون أن يهرُبوا من مُحاولة فهم ما جرى أملاً في تفادي تكراراهِ إلى أن يلوموا الإرهاب ويلوموا المُسلمين و..الخ، يعني مثلاً غريب في بلد ديمقراطي مثل فرنسا أن تدعو الحكومة إلى مُظاهرات شعبية، لماذا هذا الأمر؟ لأنهم يشعرون بالفشل، يشعرون بالخوف ويُريدون أن يوجهوا الرأي العام بعيداً عن السؤال الأهم والذي سُئل بعد أحداث 11 سبتمبر، لماذا يكرهوننا؟ لماذا يحدث مثل هذا العمل؟ فهذهِ التظاهرة التي دعت إليها الحكومة الفرنسية وعادةً التظاهُرات تدعو إليها مؤسسات المُجتمع المدني إنما هي مُحاولةٌ للهروب الذي ينبغي عليهم أن يسألوهُ ويُركزوا على مُحاولة فهمهِ، لماذا فعل هؤلاء الشباب ما فعلوه؟ بغض النظر عن أنهُ يُقر هذا العمل أم لا يُقر هذهِ مسألة تجاوزناها، لماذا قاموا بهذا العمل؟ ولماذا غالباً يُمكن أن يتكرر هذا العمل إذا لم تتغير السياسة؟ هُم يهربون من هذهِ المسألة.

عبد الصمد ناصر: نعم طبعاً كما قُلت دكتور من المفيد أن نؤكد نحن ُفي هذهِ الحلقة بأننا لا نوجِد ذرائع وتبريرات لمثلِ هذهِ الأحداث لأن الأمر مُتجاوز وهُناك استنكار عارم حتى في الأوساط العربية والإسلامية للأسلوب الذي تم للرد على الإساءات للرسول محمد صلى الله عليهِ وسلم بالهجوم على شارلي إيبدو، ولكن من المُفيد أيضاً أن نبتعد قليلاً عما حدث ونُكبِّرَ الصورة لنعرفَ الأسباب ونقفَ على الجذور، الجذور العميقة لهذهِ الظاهرة، وهُنا اسأل جاكوب كوهين هل كان لمثلِ هذهِ الهجمات أن تقع لو لم تكُن هُناك سياسات غربية تُشعِر المواطن العربي والإسلامي بالخُذلان، بالخيبة، بالمهانة حينما يتم التعامل معهم على أنهم مُعادلة يعني يُمكن تجاوزها وبأنهم مُجرد ورقة في يد الغرب يعني يقضي بها مصالحهم في التعامل يعني مع قضاياه؟

جاكوب كوهين: المُشكلة مُعقدة وواسعة جداً، بمعنى في السياق الفرنسي تحديداً عندما نتحدث عنه، ففرنسا حليفٌ لإسرائيل وفي فرنسا هُناك لوبيٌّ مسيحيٌّ صهيونيٌّ يهوديٌ وضع ما يُسميه "الصيانيم" أي أنهم يهودٌ صهاينة وهم بالآلاف وقد اخترقوا كافة مناحي المُجتمع في السياسة والحُكُم والاقتصاد وفي الإعلام وفي وكالات الترويج، هؤلاء يُسيطرون بشكلٍ كبير على طبيعة تدول الأمور في فرنسا، والحكومة الفرنسية التي هي حليفة لإسرائيل يعني أن هذا اللوبي اليهود سيُسطرُ على سياستها وبالتالي هذا يعني أن فرنسا لن تُغيّر سياستها تجاه فرنسا لأنها تود أن تحتوي على المُسلمين ولا تودُ أن تمنحهم المكانة التي تليقُ بهم، مثلاً المُتحدثُ باسم الجاليةِ المُسلمة في فرنسا يتمُ اختيارهُ من طرف اللوبي اليهودي الصهيوني، هذا لو كان لدينا إمامٌ مثل علي أبو بكر أو شالكومي، هؤلاءِ نرى بأن مُثقفين يهود مثل سوكولوفيتش هؤلاءِ هُم الذين يذهبون إلى الجاليات المُسلمة وعادةً لا نقومُ باستدعاءِ مُثقفين وعُلماءِ اجتماع من الطبقةِ المُسلمة، إذن هذا اللوبي الصهيوني والحكومة الفرنسية لديهم مصلحة في استمرارِ واقعِ الأمور كما هو عليه، لا أعتقدُ أنهم سيتغيرون وأنهم سيُغيرون موقفهم وسياستهم ما لم يكن هُناك حالةُ رفضٍ عارمة تندلع في فرنسا وليس لديَّ انطباعٌ بعد ما حدث اليوم أنه ذلك سيحدث، وعلى خلافِ ذلك كُنتُ أُتابعُ الأخبار فعادةً نرى أن اليهود هُم الذين يتحدثوا بأنهم قُتلوا في فانسان وبالتالي نتحدث عن نفس الظاهرة ونفس الكلمة التي أطلقها شيراك الذي قال "أنهُ عندما نمُسُ يهودياً فإننا نمُسُ الجمهورية"، وليس هُناك أي حديث عن المُسلمين، هذا أمرٌ مأساوي بمعنى آخر أن المُجتمع الفرنسيَّ أو من يحكُمون المُجتمع الفرنسيّ هؤلاءِ يتأثرون بشكلٍ عميق بهذهِ الأيديولوجية اليهودية الصهيونية.

عبد الصمد ناصر: نعم سنواصُل النقاش سيد كوهين ودكتور عزام ولكن بعد فاصل قصير، ابقوا معنا مُشاهدينا الكرام.

]فاصل إعلاني[

عبد الصمد ناصر: أهلاً بكم من جديد مُشاهدينا الكرام في هذهِ الحلقة التي تُناقشُ ردود الفعل الغربية على الأحداث في فرنسا بعدَ الهجومِ على صحيفة شارلي إيبدو وحدودِ التغيير الذي قد تُحدثهُ في سياستها داخلياً وخارجياً، نُرحب من جديد بضيفينا دكتور عزام التميمي وجاكوب كوهين، دكتور عزام التميمي سيد جاكوب كوهين بدا من خلال قراءتهِ قبل الفاصل مُتشائماً، لا يتوقع أن يكونَ هُناكَ تغييرات في السياسة الغربية تجاه قضايا الشرق الأوسط، القضايا العادلة للعرب والمُسلمين التي كانت السبب في ظهور بؤر للإرهاب كما قال رئيسُ الوزراء الفرنسي السابق دومينيك دو فيلبان، لماذا لا يبدو الغرب مُستعداً لإعادة مُراجعة سياساتهِ تجاه المِنطقة ومُصرّاً ومُكابراً على الإمعان في هذهِ السياسات رغم كُل الاحتجاجات، رغم كُل الانتقادات، رغم كُل النتائج التي يحصُدها نتيجة هذهِ السياسات؟

عزام التميمي: لعلّك تذكُر أخ عبد الصمد ويذكُر المشاهدون الكرام أن الغرب كان على وشك أن يُعيد النظر في سياساتهِ تجاه منطقتنا بعد ما أسقط َ الربيع العربي بعض الأنظمة الدكتاتورية الفاسدة التي كانت مواليةً للغرب، ولكن للأسف بسبب الثورات المُضادة التي أعادت هذهِ الأنظمة أو توشِك أن تُعيد هذهِ الأنظمة إلى الحُكم شعر الغرب بالارتياح، الغربيون يتعاملون مع العالم انطلاقاً من مصالحهم فطالما أنهم يُحققون ما يُريدون وبأرخصِ الأثمان وخُذ مثلاً النموذج الفرنسي، يعني فرنسا لما راحت إلى مالي لم تدفع فلساً واحداً، دولة الإمارات العربية المُتحدة هي التي دفعت التكلُفة كاملةً فأصبح الفرنسيون يُنفذون سياساتهم وآخرون يدفعون تكاليفَ ذلك، فلماذا يُغيّرون من سياساتهم؟ لكن لعلّي هُنا أختلفُ قليلاً مع ضيفك الكريم من فرنسا بأن هذا الحدث الذي حدث في باريس مؤخراً قد على المدى المتوسط والبعيد يدفع الناس إلى إعادة التفكير، كما حدث في أميركا الآن في أميركا هُناك أوساط كثيرة فعلاً غيّرت رأيها وتُعيد النظر في السياسات وإن كان لم يصل هذا إلى مستوى يرقى إلى تغيير السياسات، لكن هذهِ الهزة العنيفة أنا آمل..

جهود عربية غربية مشتركة لإسقاط الربيع العربي

عبد الصمد ناصر: نعم دكتور ولكن يعني ما بدا أن بعض القضايا مثلاً كسوريا والعراق كانت تلوحُ في الأُفق بوادر حلول أمام الغرب ومعَ ذلك لم يستغل تلكَ الفُرص، لم يسع إلى بَلورة تلك الحلول وهذا ما كان أحد نتائجهِ ظهور مثلاً تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام بهذهِ القوة ونجاحهِ في استقطاب مزيد من المُناصرين والمُقاتلين.

عزام التميمي: نعم والمسؤول عن ذلك وبشكلٍ مُباشر وحصريّ هو الثورة المُضادة والأنظمة التي موّلت الثورة المُضادة وبالذات الإمارات العربية المُتحدة والمملكة العربية السعودية، هُم الذين حتى قبل أن يحصل الانقلاب في مصر كم بعثوا من الوفود إلى أميركا وإلى فرنسا وإلى بريطانيا وإلى ألمانيا، العرب هُم الذين كانوا يبعثون الوفود إلى هذهِ الدول الأوروبية ويحثونهم على مُعاداة الربيع العربي وعلى الوقوف في وجههِ، يسوّقون لهم فكرة أنهُ خطر على مصالحهم.

عبد الصمد ناصر: نعم ولكن الغربُ أيضاً وهُنا اسأل دكتور جاكوب كوهين، الغرب أيضاً ساهمَ في ظهور هؤلاء الذين يوصفون بالمُتطرفين والمُتشددين، بدعمهِ لقوى الاستبداد والاستكبار في الدول العربية، بدعمهِ للأنظمة التي تقمعُ شعوبها والتي تضعُ في سُلّم أولوياتها المُتدنية مسألة التنمية والحُريات وغير ذلك، بينما هذا الغرب يدّعي بأنهُ يعني كما قال الرئيس فرانسوا هولاند يحمي هذهِ القيم ويحمي هذهِ الحُريات، إلى أيِّ حد لربما الغرب يعني كان سبباً في بروز هذهِ الظاهرة بدعمهِ للقوى، للأنظمة المُستبدة؟

جاكوب كوهين: الغربُ ومُنذُ حتى قرنينِ من الزمن، مُنذُ قرنينِ من الزمن لم يرغب الغربُ التنمية في الأُمم العربية ذلك واضح، فقد قام الغربُ بقمعِ الأُمم العربية في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي وبعد ذلك أُجبرَ الغرب على منحِ الاستقلال لهذهِ الدول لكنهُ عندما فعلَ ذلك عَمَدَ إلى دعمِ أنظمةٍ لا تحظي بأي شرعية لكنها كانت تخدُمُ مصالح هذا الغرب، وعندما كان هُناك نظامٌ قوميٌّ مثل نظامِ جمال عبد الناصر فإن الغربَ بذل قُصارى جُهدهِ بدفعٍ من إسرائيل من أجلِ القضاءِ على هذا النظام، وعندما كانت هُناك دولة وأُمة عظيمة مثل العراق كانت في طورِ التشكُل والبناء قام الغربُ ببذل قُصارى جُهدهِم من أجلِ تقويضهِ وبالتالي عمل الغربُ علينا أن لا نُحيطهُ بأوهام فهذا الغربُ سيبحثُ دائماً على تقويضِ كافة أعمال التنمية والتطور العربية تنحو إلى الديمقراطية والتنمية وإلى الحُرية، وبالتالي من خلال قيامهِ بهذا الأمر فإن الغربَ على نحوٍ ما يقومُ بدعمِ مجموعاتٍ إرهابية تُسيطرُ عليها على نحوٍ ما ، لا يُمكنُ أن نتصور بأن هذهِ المجموعات الكبيرة التي يوجد بها الآلاف من الأشخاص لا تخضعُ إلى سيطرةِ ومراقبةِ وكالات الاستخبارات الغربية، هذهِ الوكالات تُصافح هذا الظهور لهؤلاء المُتطرفين لأنهم من ناحيةِ الكِفاح الذي نراهُ في العراق وسوريا تأثيرُ هذهِ المتطرفين على تقسيم هذهِ البلدان ويسمحوا بالتالي للدول الغربية بالتدخل، مثلاً نقولُ بأن أميركا وفرنسا توادنِ قصفَ أهدافٍ تابعة لتنظيمِ الدولة في العراق وسوريا لكن من يُخبرني بأن هذهِ الأهداف تابعة للتنظيم، وربما يقومون بقصفِ أهدافٍ نفطية أو أغراضٍ صناعية أو أنهم يُمارسون الضغطَ على الحكومةِ العراقية أو الأكرادِ من أجلِ أنهُ سياساتٍ مُعينة.

مقاربة أمنية غربية

عبد الصمد ناصر: طيب سيد كوهين عُذراً للمُقاطعة حتى أترُك كلمة أيضاً للدكتور عزام في الدقيقة الأخيرة، دكتور عزام التميمي الآن هُناك اصطفاف لدى الغرب، مسيرة مُنتظرة في باريس، هُناك مؤتمر لمُكافحة ما يُسمى الإرهاب في باريس غداً، يبدو أن المُقاربة الأمنية هي التي يعني تُسيطر على الرؤية الغربية لمواجهة هذهِ الإشكالية، كيف يُمكن الحيلولة دون تحول حالة الاستنفار الراهنة في أوروبا إلى صراع بين الإسلام والغرب وتكرار نفس السيناريو الذي وقع بعد أحداث 11 من سبتمبر؟

عزام التميمي: هو هذا الاستنفار لن يُفيدَهم يعني كما قال المثل الذي يُجرب المُجرب عقلهُ مُخرب، هُم في حالة استنفار مُنذُ ما قبلَ أحداث 11 من سبتمبر واستخدموا كافة الوسائل لمُحاربة ما يُسمونه ظاهرة الإرهاب وفشلوا لأنهم يُغذّون هذهِ الظاهرة، يُحرّضون على يعني يقدحون برسول الله صلى الله عليهِ وسلم..

عبد الصمد ناصر: عليه الصلاةُ والسلام.

عزام التميمي: ويُحرّضون على المُسلمين ويغزونهم في عقرِ دراهم ويضربونهم بالطيران، إذن هذه ِالظاهرة التي يُسمونها بالإرهاب، هُم أنفسُهم يصبون الزيت على نارها فتزدادُ اشتعالاً ولهيباً، لن يُفيدهم كُل هذا التظاهُر وكُل هذا الاستنفار.

عبد الصمد ناصر: شكراً لكَ الدكتور عزام التميمي مُدير معهد الفكر السياسيّ الإسلامي من لندن، وأشكُر من باريس جاكوب كوهين الكاتب الفرنسيّ، بهذا تنتهي هذهِ الحلقة من برنامج ما وراءِ الخبر، نلتقي بإذن الله في قراءة جديدة فيما وراءَ خبرٍ جديد، شكراً للمُتابعة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.