بعد أيام قليلة من فرض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات جديدة وصارمة على مصارف وشركات روسية في مجالي الطاقة والدفاع، تراجع سعر صرف العملة الروسية "الروبل" إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق مقابل الدولار، كما تراجعت بشكل ملحوظ أمام اليورو.

حلقة الاثنين (15/9/2014) من برنامج "ما وراء الخبر" ناقشت تداعيات هذه العقوبات على العلاقات الروسية الغربية، وطريقة تعامل الطرفين مع القضايا والملفات الدولية، وتساءلت عما إذا كانت هذه العقوبات ستؤتي أكلها في تضييق الخناق على موسكو.

العقوبات الأوروبية الأميركية على روسيا والتي لم تقتصر على مجال الطاقة، وإنما شملت قطاعات حيوية أخرى، دفعت موسكو لاتخاذ إجراءات انتقامية قد تشمل حظر طيران ربما يتم تطبيقه على شركات الطيران الأوروبية فوق روسيا، فضلا عن عقوبات على شركات أوروبية في مجالات أخرى.

من وجهة نظر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فإن العقوبات ليست حلا، ولا تأتي بالنتائج المرجوة منها، بل تُلحق أذى بمن يفرضها، أما الغرب فلا يلقي بالا لوجهة النظر هذه، ويشدد على أن على موسكو أن تتأقلم مع حجمها كدولة وأن تتخلى عن أوهام الإمبراطورية.

تأثيرات طفيفة
لا يرى مدير معهد مشاكل العولمة بوريس كاغارليتسكي أن تراجع الروبل الروسي يشكل تغييرا سببته العقوبات، مشيرا إلى أن العملة الروسية تتراجع خلال السنوات السبع الماضية، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح إذا ما تمت مقارنة قيمتها عام 2008 بقيمتها حاليا.

video

وبحسب كاغارليتسكي فإنه حتى الآن لم يكن للعقوبات الغربية أي تأثير حقيقي على الاقتصاد الروسي، لكنها أثرت على السياسة وخلقت مزاجا عاما مناهضا للغرب، مشددا على أن تراجع أسعار النفط يؤثر بشكل أكبر على الاقتصاد الروسي من العقوبات.

ويتوقع كاغارليتسكي ألا يستمر تأثير هذه العقوبات طويلا لأن طرفي الصراع يعيشان في أزمة، مشيرا إلى أن الاتحاد الأوروبي يعاني من مشاكل كبيرة تماما مثل روسيا، والطرفان سيحاولان تجاوز المصاعب التي تعترضهما نتيجة هذه العقوبات، على حد رأيه.

رسالة لبوتين
في المقابل، يؤكد مدير المركز الأوروآسيوي في المجلس الأطلسي جون هيربست أن العقوبات كان لها تأثير كبير على روسيا حتى الساعة، وهناك تراجع في النمو الاقتصادي الوطني باعتراف أحد المسؤولين الروس، وهناك هروب كبير لرأس المال من روسيا.

ويدلل هيربست على وجهة نظره بالتردد الروسي الذي ظهر واضحا خلال الاعتداء الروسي الأخير في أوكرانيا، مما يعني أن العقوبات الغربية تؤتي أكلها.

وقال إن العقوبات جاءت نتيجة العدوان الروسي في أوكرانيا، وهي بمثابة رسالة تقول لبوتين إن سلوكه غير مقبول.

اسم البرنامج: ما وراء الخبر

عنوان الحلقة: هل تنجح العقوبات الغربية في تضييق الخناق على روسيا؟

مقدم الحلقة: الحبيب الغريبي

ضيفا الحلقة:

- بوريس كاغارليتسكي/ مدير معهد مشاكل العولمة.

- جون هيربست/ مدير مركز الأوروآسيوي في المجلس الأطلسي.

تاريخ الحلقة: 15/9/2014

المحاور:

-   عقوبات مؤثرة في الاتجاهين

-   ملفات كثيرة عالقة بين روسيا والغرب

-   بوتين لا يدير روسيا

الحبيب الغريبي: أهلاً بكم، تراجع سعر صرف العملة الروسية الروبل إلى أدنى مستوى له على الإطلاق مقابل الدولار كما تراجع بشكل ملحوظ أمام اليورو وذلك بعد أيام قليلة من فرض الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي عقوبات جديدة وصارمة على مصارف وشركات روسية.

نتوقف مع هذا الخبر لنناقشه في محورين: هل بدأت العقوبات الأميركية والأوروبية تأتي أكلها في تضيق الخناق على موسكو؟ وما تأثير ذلك على العلاقات الروسية الغربية وطريقة تعامل الطرفين مع القضايا الدولية؟

خلال المعاملات المالية ليوم الاثنين تراجع الروبل الروسي إلى أدنى مستوى له على الإطلاق أمام الدولار الأميركي وذلك في أول رد فعل لأسواق المال على الحزمة الأحدث في سلسلة العقوبات الأميركية والأوروبية التي أعلن عنها يوم الجمعة الماضي على مصارف وشركات روسية ضخمة في قطاعي النفط والدفاع.

[تقرير مسجل]

لطفي المسعودي: تبدأ مفاعيل العقوبات فتترنح العملة الروسية، يشهد الروبل أكبر تراجع في تاريخه أمام الدولار واليورو، إنها الصدمة في موسكو فما بدا أنها خطوة عسكرية محسوبة ومسيطر عليها في أوكرانيا سرعان ما انعكست سلباً على الداخل الروسي فقبل أيام اتخذ الإتحاد الأوروبي حزمة عقوبات هي الأشد قسوة على موسكو قيدت قدرة مصارف كبرى وشركات طاقة على الحصول على التمويل في سياق عقوبات متدرجة ومتصاعدة، من شأن هذه كما يذهب محللون ضرب قطاع الطاقة الروسي الذي تعتمد عليه البلاد بشكل كبير في ميزانيتها ومشاريعها وستؤدي إلى توقف مفاجئ لعمليات استكشاف احتياطات روسيا الضخمة من النفط الصخري وخام القطب الشمالي، وكذا تراجع تمويل المشروعات الروسية في مجال الطاقة خارج البلاد أيضاً ولا تقتصر آثار العقوبات على مجال الطاقة بل تشمل قطاعات حيوية أخرى ما دفع موسكو إلى التفكير بإنشاء صندوق خاصة لمساعدة الشركات المتضررة والأهم اتخاذ إجراءات انتقامية مضادة، لهذه الغاية اجتمع مجلس الأمن القومي الروسي لبحث سلسلة عقوبات على شركات غربية للسيارات والمواد الغذائية وغيرها وربما حظر الطيران فوق الأجواء الروسية وتلك ستكون مكلفة لشركات الطيران التي تحلق طائراتها فوق سيبيريا لاختصار المسافات خلال رحلاتها إلى جنوب شرق آسيا، وفي رأي بوتين فإن العقوبات ليست حلاً ولا تأتي بالنتائج المرجوة منها عندما تفرض على دول صغرى فما بالكم بدول كبرى وهي كما يقول تلحق أذى بمَن يفرضها أيضاً، إنها ببساطة اختبار لقوة البلاد كما ذهب رئيس وزرائه لكن ردود الفعل هذه برأي البعض قد تكون حالة إنكار ليس إلا، ذلك ما قاله الأميركيون والأوروبيون في رسائل لموسكو من تحت الطاولة تذكرها بما يعتبره الغرب بديهيات لا تقبل نقاشاً على موسكو أن تتأقلم مع حجمها كدولة وتغادر أوهامها الإمبراطورية ومختبر ذلك أوكرانيا فانسحبوا منها إذا أردتم أن نرفع عنكم سيف العقوبات.

[نهاية التقرير]

الحبيب الغريبي: موضوع حلقتنا نناقشه مع ضيفينا من موسكو بوريس كاغارليتسكي مدير معهد مشاكل العولمة ومن واشنطن جون هيربست مدير مركز الأوروآسيوي في المجلس الأطلسي، سيد بوريس هل هي بواكير الإنهاك التي بدأت تسببها هذه العقوبات؟

بوريس كاغارليتسكي: أبداً على الإطلاق بالتأكيد نرى بأن العملة الروسية الروبل تتراجع ولكنها كانت تتراجع للسنوات السبع الماضية وإذا قمنا بمقارنة وضع الروبل حالياً كما كانت عليه في 2008 فسنرى بأنها خسرت قرابة ثلث قيمتها إن لم يكن أكثر من ذلك وبالتالي هذا الأمر يشير إلى تواصل نفس الاتجاه بتغير طفيف، ما يؤثر على الوضع بشكل كبير وجذري هو تراجع أسعار النفط وإذا تراجعت هذه الأسعار على السوق العالمية فإن ذلك يؤثر على الاقتصاد الروسي والحكومة الروسية على المدى القصير أكثر من أي تأثير لهذه العقوبات، بشكل عام أعتقد أن العقوبات حتى الساعة لم يكن لها أي تأثير حقيقي على الاقتصاد الروسي لكنها أثرت بشكل كبير على السياسة الروسية لأنها خلقت مزاجاً عاماً يمكن أن يوصف بأنه مناهض للغرب، وحتى الآن هناك شرائح كبيرة من النخبة والصفوة الروسية تود أن تتنازل وذلك سيكون صعباً عليها لأن وجهات النظر العامة في روسيا مضادة لذلك التوجه.

الحبيب الغريبي: سيد جون، هذه العقوبات لم تؤثر ولن تكون مؤثرة ولكنها في المقابل ربما صلبت أكثر المزاج والموقف السياسي الروسي عفواً أنا سؤالي للسيد جون هيربست.

جون هيربست: العقوبات كان لها تأثير كبير على روسيا حتى الساعة وأحد الوزراء الروس قال بعد الحزمة الأولى من العقوبات تحدث عن تراجع في النمو الاقتصادي الوطني ونعرف أن هناك هروباً كبيراً لرأس المال من روسيا، لا أعتقد أن ذلك الأمر أدى إلى تقوية وتصلب الموقف الروسي، إن اعتداء روسيا في أوكرانيا تفاقم خلال الأشهر الماضية لكن روسيا كانت مترددة في زيادة ذلك العدوان ما يوضح بأن العقوبات الغربية لها تأثير، إذن كما قلت العقوبات لها تأثير على سياسة الحكومة الروسية فإذا كان العدوان الذي يقوم به  بوتين سيستمر فإن هذه العقوبات سيكون لها تأثير كبير على الاقتصاد الروسي، ما يهم هنا هو أن روسيا اجتاحت أوكرانيا بعد قيامها بحرب انتقامية ضدها وذلك أمر لا يجب قبوله وبوتين عليه أن يأخذ ذلك بالحسبان.

عقوبات مؤثرة في الاتجاهين

الحبيب الغريبي: سيد بوريس أنت قلت بأن هذه العقوبات لم تؤثر إلى حد الآن ولكن على المدى المتوسط قد تكون مؤثرة فعلاً وروسيا هددت منذ أيام باتخاذ إجراءات مماثلة ما مدى قدرة روسيا على إيذاء اقتصاديات أوروبا وأميركا؟

بوريس كاغارليتسكي: مجدداً الضيفان يتحدثان في ذات الوقت إذن هذا الأمر يمكن أن نراه عندما ننظر للوضع في دول البلطيق وتحديداً بولندا وإلى حد ما على فرنسا وإيطاليا لكنني لا أعتقد أن هذا الأمر سيستمر لفترة طويلة ذلك أن الاقتصاديات الغربية ستتكيف على نحو ما، لكن المشكلة في هذا السياق تتمثل في أن طرفي الصراع يعيشان أزمة كل منهما على حدة وبات من الواضح أن الإتحاد الأوروبي يعاني من مشاكل كبيرة تماماً مثل روسيا هي الأخرى وبالتالي بهذا المعنى فإن المفارقة في هذا السياق أن الطرفين سيحاولان أن يشرحا المصاعب التي تعترضهما من خلال هذه العقوبات ويتظاهران بأن المشاكل المحلية هي عائدة إلى عوامل أجنبية وهذا هو محاولة للهروب الأخلاقي وكعلة تستخدمها الصفوة والنخبة في الإتحاد الأوروبي وروسيا لكن على المدى الطويل أعتقد أن هذا الأمر سيسبب مشكلة للطرفين.

الحبيب الغريبي: سيد جون من واشنطن يعني قد تكون الولايات المتحدة وأوروبا منتشية الآن بأن هذه العقوبات بدأت تأتي أكلها ولكن ألا يخشى من ارتدادات لها على الطرفين؟

جون هيربست: لا أعتقد بأن واشنطن وبروكسل تتظاهران بما يقومان به وإنما يفرضان هذه العقوبات بشكل واضح فنحن من ناحية نود أن نكون شركاء مع روسيا لتطوير الاقتصاد العالمي ومن ناحية أخرى لنجعل العالم أكثر أمناً، إن العقوبات تم فرضها بتردد وهي ناتجة عن العدوان الروسي ضد أوكرانيا وشعبها المسالم، وهذا يهدف إلى أن نبعث برسالة إلى بوتين بأن سلوكه غير مقبول وانتهاكه للسلام في أوروبا والاتفاقيات هذه أمور غير مقبولة وبالتأكيد هذه العقوبات ستؤثر على روسيا كما أنها أيضاً ستؤثر على الغرب وهذا أمر يؤسى له ولكن ما نأسى له بشكل أكبر هو أن بوتين قرر بأن يقوم بعدوان عسكري على أوكرانيا وهي دولة جارة لروسيا.

الحبيب الغريبي: ولكن ما مدى ثقتك ورهانك على أوروبا في استمرار فرض هذه العقوبات ونعرف أن السياسة الأوروبية مرتهنة بما يسمى دبلوماسية الصفقات التجارية يعني الإتحاد الأوروبي سيكون هو طرف من الأطراف الضعيفة في هذه العقوبات؟ سيد جون من واشنطن.

جون هيربست: بالتأكيد لاشك أن الإتحاد الأوروبي كان متأخراً في ردة فعله للعدوان الروسي ضد أوكرانيا وكذلك الحال بالنسبة لأميركا لكن الطرفين تصرفا وشاهدنا عندما قام الانفصاليون الموالون لروسيا قاموا بإسقاط أحد الطائرات فإن الأوروبيين انتفضوا لذلك وبالأخص عندما سرقوا حطام تلك الطائرة وبقايا جثث البشر وعندما قامت روسيا بإرسال ما يسمى بقافلة إنسانية وهي عبارة عن بعض الجنود وكذلك عندما بعثت ببعض القوات النظامية في روسيا هذا يعني أن الرأي العام في الإتحاد الأوروبي يتغير من أجل القيام بعملية ضد روسيا، صحيح من ناحية أخرى أن روسيا تعتمد على أوروبا اقتصادياً، بوتين قام باتفاق مع الصين في مجال النفط أقل ثمنه من أوروبا وأعتقد في نهاية المطاف أنه في هذه الحالة في العلاقات بين روسيا والغرب فإن روسيا اقتصادها أضعف لأن اقتصادها يعتمد على صادرات الغاز والنفط.

الحبيب الغريبي: سيد بوريس من موسكو السؤال موجه لك إذن سيد بوريس كييف أوكرانيا يفترض أنها ستقدم مع نهاية هذا الشهر على توقيع اتفاقية الشراكة مع الإتحاد الأوروبي إلى أي مدى سيؤجج هذا أكثر الموقف الروسي في شرق أوكرانيا؟

بوريس كاغارليتسكي: بالتأكيد لم يكن هذا خبراً ساراً بالنسبة لروسيا حقيقة أن كييف صادقت على هذا الاتفاق مع الإتحاد الأوروبي لكن علينا أن نأخذ بالحسبان بأن هذا الاتفاق لم يكن بأي حال من الأحوال عملياً ولم يكن لديه قابلية للتنفيذ على أرض الواقع ذلك أنه هو كما هو معروف تم تأجيله تنفيذه إلى حلول 2016 وذلك لسبب وجيه وهو أنه لا يمكن تنفيذه وإرساؤه، إذا قرأتم الوثيقة المتعلقة بهذا الاتفاق وهي عبثية ولا يمكن تنفيذها لأنها فكرة قائمة على مفادها بأنه على القطاعات الأوكرانية أن تتكيف مع معايير الإتحاد الأوروبي وهذا سيكلف على الأقل 8 مليارات دولار أميركية للاقتصاد الأوكراني وأوكرانيا ليس لديها مثل هذه الأموال والإتحاد الأوروبي لا يعرض على أوكرانيا مثل هذه الأموال وبالتالي هذا يعني في نهاية المطاف إغلاق معظم قطاعات الصناعة في أوكرانيا وهذا هو فحوى الحرب فنحن هنا لا نتحدث عن الاعتداء الروسي ضد الأوكرانيين المسالمين وإنما نتحدث عن تمرد أوكراني وبالتالي فإن المتحدثين باللغة الروسية يدعمون روسيا، الحرب هي ليست حرباً اقتصادية..

الحبيب الغريبي: سيد بوريس معلش سيد بوريس سنركز أكثر على التمظهر السياسي إن صح التعبير لهذه العقوبات ولكن بعد فاصل قصير نناقش بعده تداعيات تراجع الروبل الروسي في ظل تصعيد العقوبات الاقتصادية الغربية على روسيا، نرجو أن تبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

الحبيب الغريبي: أهلاً بكم من جديد في هذه الحلقة التي نناقش فيها تأثير العقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية على روسيا، سيد جون ما المأمول حقيقةً أن يقدم بوتين تنازلات يعني هل هناك سقف معين تريد الولايات المتحدة وأوروبا الوصول إليه من خلال هذه العقوبات؟

جون هيربست: صحيح نحن نود العدوان الروسي ضد أوكرانيا أن يتوقف، ليست هناك أي مشكلة بين المواطنين الأوكرانيين في كييف وفي المناطق الشرقية، الكرملين تعتقد بأن مواطني أوكرانيا الشرقية سوف يقاتلون ضد حكومة كييف لكنهم مخطئون لذلك فقد بعثوا بأحد العمداء من أجل أن يديروا عملية التمرد ضد أوكرانيا وعندما فشلوا بذلك قاموا بإرسال قواتٍ روسية، هذا الاجتياح الروسي يجب أن يتوقف، والعقوبات تهدف إلى إقناع بوتين بأن يوقف انتهاك القانون الدولي وأن يتوقف عن عدوانه ضد الأوكرانيين المسالمين.

الحبيب الغريبي: سيد بوريس ألا تقوي هذه العقوبات والتأثيرات الظاهرة إلى حد الآن الموقف التفاوضي الغربي مع موسكو واحتمال أن ترضخ موسكو بالنهاية وتقدم أي تنازلات تحديداً في الملف الأوكراني؟

بوريس كاغارليتسكي: موسكو تواصل تقديم كافة التنازلات الممكنة ذلك لأن النخبة الروسية تود أن تبرم اتفاقا مع الغرب لكن المشكلة أن الغرب ليس مهتماً في إبرام أتفاق مع روسيا، هذا هو فحوى الموضوع، لو نظرنا إلى الوضع على الأرض فسنرى بأن القوات في الشرق كانت قريبة من السيطرة على أحد المرافئ الرئيسية في أحد المدن التي تسيطر عليها حكومة كييف ومن خلال تدخل روسيا أوقفت هؤلاء من السيطرة على المرفأ ومنعت تدمير القوات الأوكرانية لماذا؟ لأن روسيا أرادت أن تبعت برسالة إلى الغرب بأنها ستبذل قصارى جهدها للتوصل إلى اتفاق، لكن الاستجابة من الغرب كانت تتمثل في حزمةٍ جديدة من العقوبات، الاستجابة الروسية لذلك ستتمثل في موقفٍ أكثر راديكالية حتى إذا كانت موسكو مهتمة بالتوصل إلى اتفاق مع الغرب فإنها لن تتمكن من ذلك لأن سكان شرق أوكرانيا لن يسمحوا بذلك لأنهم سيواصلون القتال حتى ينتصروا في هذه الحرب.

الحبيب الغريبي: سيد جون من واشنطن يعني هذا الوجع الذي بدأت تحسه موسكو ألا تخشى أن يدفع بوتين بالنهاية إلى إحراق جميع الأوراق وإشعال الفتيل مرةً أخرى في شرق أوكرانيا؟

جون هيربست: بادئ ذي بدء دعوني أوضح أن الزميل مختصٌ في مجال الاقتصاد لكن بما أنه جاهل أو أنه يضلل فيما يتعلق بالوضع في أوكرانيا، إن الهجوم المضاد ضد ماريوبل كانت تقوده قواتٌ روسية نظامية وليس سكان أوكرانيا الشرقية، هؤلاء ليسوا ضد الحكومة الأوكرانية هم قلة وليسوا كثراً، وحسب رئيس لجنة أمهات الجنود الروس فإن عشرات الآلاف من القوات الروسية يقاتلون في أوكرانيا، إن المشكلة إذا قامت روسيا بسحب قواتها وتوقفت عن تقديم الأسلحة للمتمردين في أوكرانيا الشرقية ستتوقف الحرب، بوتين لا يقدم تنازلات وعلينا أن نتذكر أنه قد كذب على العالم بشأن موقفه في أوكرانيا وقال لأشهر أنه لن يبعث بأي جنودٍ للسيطرة على القرم لكنه قبل بذلك في يونيو حيث اعترف بذلك، الآن السيد كاغارليتسكي عليه أن يكشف هذه الدعاية التي يقوم بها بوتين عندما يقول بأنه ليس هناك قوات روسيا في أوكرانيا، المشكلة هي أن روسيا تقوم بإرسال قوات وتمول التمرد في أوكرانيا ومن دون هذا المجهود ليست هنالك مشكلة على الإطلاق في أوكرانيا.

ملفات كثيرة عالقة بين روسيا والغرب

الحبيب الغريبي: لكن العقدة الوحيدة ليست أوكرانيا، سيد بوريس هناك قضايا كثيرة وملفات كثيرة مطروحة على الطرفين يعني، إلى أي مدى هذه العقوبات وتأثيراتها ستؤثر بدورها على العلاقات الثنائية بين موسكو والولايات المتحدة وموسكو وأوروبا؟

بوريس كاغارليتسكي: مجدداً علي أن أجيب على ما قاله ضيفكم في واشنطن آنفاً لأنني قضيت فترةً كثيرةً أتحدث إلى الناس في شرق أوكرانيا وأعمل مع العمال في جمهورية دانياسك وبعض النشطاء السياسيين من هناك وحتى من كييف، وبالتالي أعرف الوضع هناك والحقائق على الأرض، بالتأكيد هناك بعض القوات الروسية لكنها تمثل جزءاً طفيفاً وقليلاً من..

الحبيب الغريبي: سيد بوريس معلش أنا لو تسمح لي بمقاطعك عفواً يعني لا أريد أن أركز فقط على المسألة الأوكرانية لكن هناك قضايا أخرى، قضايا دولية كبرى أنا أتحدث هنا عن الأزمة السورية، عن الملف النووي الإيراني، أتحدث أيضاً عن التحالف الدولي القائم الآن لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، ما مدى أن يشكل ذلك عقدة في التعاطي بين الطرفين؟

بوريس كاغارليتسكي: لقد أخبرتك سالفاً بأن النخبة الروسية مستعدة لتقديم تنازلات ضرورية وممكنة لأن كافة أطفالها موجودين في الغرب وأموالهم في الغرب وكانوا يعملون في روسيا بصفتهم يمثلون المصالح الغربية إلى حدٍ كبير، وفي هذا السياق علينا أن نعرف بأن السيد بوتين هو الرجل السياسي الأكثر قرباً في روسيا من الغرب وبالتالي إذا تمكن الغرب من تنحيته فسننتهي لأن تكون لدينا حكومة في روسيا مناهضة للغرب أكثر من الحكومة الحالية، المشكلة أن الغرب لا يفهم هذا الأمر وبالتالي يتخذ موقفاً مخطئاً وقائماً على فهمٍ مخطئ لروسيا لما يحدث كذلك في أوكرانيا وأنا أخاف بأن الغرب ليس لديه أدنى فكرة بشأن ما يحدث في الشرق الأوسط هو الآخر.

الحبيب الغريبي: سيد جون يعني بالنهاية بوتين وروسيا شريك للغرب أحببنا أم كرهنا، هناك قضايا كبرى لا يمكن أن تحل أو حتى تناقش إلا مع الطرف الروسي، يعني كيف يمكن قراءة رد فعل موسكو إذا ما استمرت هذه العقوبات عليها خاصةً في قضايا محورية هامة عددت منذ قليل الأزمة السورية، الواقع الآن أو التحالف الآن الجاري لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا؟

جون هيربست: نحن نود أن نتعاون مع روسيا قدر الإمكان من أجل نشر السلام والاستقرار وكذلك الرفاه الاقتصادي، بالتأكيد تنظيم الدولة الإسلامية هي عبارة عن تنظيم يهدد أمننا لكن مذهب بوتين المتمثل في حماية الناطقين بروسيا أينما يوجدون واعتدائه في أوكرانيا يمثل تهديداً أكبر للسلم والأمن الدوليين أكثر من تنظيم الدولة، وبالنسبة لضيفكم دعني أذكره بأن القادة في شرق أوكرانيا وأحدهم براداي وسترويسكوف والعقيد فيسبي وهو من الاستخبارات الروسية وآيتوفيف وهو أيضاً أحد المخبرين الروسيين، إذن قادة التمرد في شرق أوكرانيا ليسوا أوكرانيين وإنما روسيين فنحن نتحدث عن أزمةٍ فبركتها روسيا وهي ستنتهي عندما يوقف بوتين حربه واعتدائه على أوكرانيا هذا هو ببساطة الأمر.

بوتين لا يدير روسيا

الحبيب الغريبي: دعني أسأل سؤالا مباشرا بعد إذنك سيد جون، سؤال مباشر إلى السيد بوريس ما قدرة بوتين على عرقلة الجهود الدولية والمخططات الدولية أو الإستراتيجيات الدولية حتى من باب العناد والمناكفة؟

بوريس كاغارليتسكي: في البداية بوتين لا يلعب دورٍا كبيرا في سياسة روسيا كما يتصور الغرب وإنما هو أحد الشخصيات البارزة التي تدير روسيا بشكل جمعي وهو الشخص الذي يدلي بالتصريحات والبيانات ما إن يتم التوصل إلى اتفاق وصياغة السياسة داخل البلد فإن بوتين يقوم بالإعلان عنها للملأ وبالتالي هو يلعب بشكل أساسي نفس الدور الذي تقوم به الملكة إليزابيث وكذلك وبعض الرؤساء الغربيين الآخرين، وبالتالي هو عبارة عن شخصيةٍ رمزية وبالتالي الفكرة القائلة بأنه إما نقنعه أو نجعله يستسلم فكل هذا الأمر هراءٌ محض هراءٍ لا معنى له، إذا كانت هناك حزمةٌ من المقترحات ستود النخبة الروسية أن تقبلها وإذا كانت مهمة لها فستقبلها وإذا كانوا لا يودون هذه الحزمة وإذا كانت ليست لا تحمي مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية في هذه المقترحات فإنهم لن يقبلوا بذلك.

الحبيب الغريبي: سيد بوريس أنا آسف لأن الوقت انتهى، الفكرة اكتملت ووصلت شكراً لك بوريس كاغارليتكسي مدير معهد مشاكل العولمة من موسكو، والسيد جون هيربست من واشنطن مدير المركز الأوروآسيوي في المجلس الأطلسي، تنتهي هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر، شكراً لكم وإلى اللقاء.