مخاوف الركود تحاصر الاقتصاد الروسي على أبواب العام الجديد بعد فقد الروبل 60% من قيمته أمام الدولار و45% أمام اليورو منذ بداية العام الجاري.

انهيار سعر الصرف البالغ ثمانين روبلا أمام الدولار كان موضوع حلقة (16/12/2014) من برنامج "ما وراء الخبر"، وفي السياق طُرح تساؤلان: ما الحال التي وصل إليها الاقتصاد الروسي مع هذا الانهيار القياسي؟ وكيف سينعكس ذلك على سياسات موسكو الخارجية؟

المدير العام للمجلس الروسي للعلاقات الدولية أندريه كورتونوف يشير إلى فزع لدى الشعب قد يؤثر سياسيا واقتصاديا، لأنه على الحكومة أن تثبت قدرتها على السيطرة على سوق العملات.

ولاحظ أن استهلاك المنتجات المحلية لم يتعرض لتأثيرات خطيرة، وبقي ارتفاع أسعارها معقولا، لكن الفئات الشعبية التي شعرت بالتأثير هي التي اعتادت أن تستهلك الكماليات المستوردة من الخارج.

واعتبر كورتونوف أن من سوء الحظ عدم تطور الشركات الصغيرة في روسيا، مشيرا إلى الكثير من الفساد والبيروقراطية الثقيلة، مما يقف حجر عثرة أمام ازدهار الشركات الصغيرة.

ومع وصفه الوضع بأنه خطير، أوضح كورتونوف أن ثمة نوعا من التعبئة في روسيا، حيث يحظى بوتين بشعبية كبيرة تنادي بأن ما يحصل في روسيا ليس نتيجة أخطاء بل مؤامرة غربية بما في ذلك انخفاض أسعار النفط.

video
التفاوض مع الغرب
ولكن مع تعمق الأزمة قد تلجأ روسيا إلى التفاوض مع الغرب في أكثر من ملف، وهو الأمر الذي أشار إليه كورتونوف، إذ قال إن روسيا على الأرجح يمكن أن تخفف موقفها في أوكرانيا، "وأظن أنها بدأت في هذا الاتجاه".

بدوره، قال الخبير في الاقتصاد السياسي جواد العناني إن الروس استهلكوا جزءا كبيرا من الأرصدة الأجنبية لحماية الروبل، لكن المشكلة الآن هي أن المقاطعة الغربية ستجد نفسها أكثر فعالية بعد انخفاض أسعار النفط، والسبب أن البنوك الأجنبية لن تمنح خطوط ائتمان لروسيا، وإذا منحتها فسيكون ذلك بمعدلات فائدة عالية.

غير أن الاقتصاد الروسي ربما يحصد نتائج ما يقال إنها خيارات هيكلية غير صائبة، وهو ما أوضحه العناني حين قال إن روسيا تعتمد في صادراتها على المواد الخام التي هي غنية بها، بينما لديها إمكانات للقفز باقتصادها إن هي غيرت مسارها كليا.

وأشار إلى أمرين في الأفق: إما أن تلجأ الدولة إلى سياسات شعبوية عن طريق إشباع حاجات الشعب الأساسية، أو أن تلجأ إلى خيار تركيا، أي إلى تغيير هيكلي واسع لإقامة صناعات منافسة بكلفة معقولة.

وخلص إلى أن من يتبنى إستراتيجية الخيار التركي عليه أن يقنع الناس بأن اقتصاد البلاد سيوضع على سكة جديدة تتطلب تحمل بعض الألم.

اسم البرنامج: ما وراء الخبر

عنوان الحلقة: موسكو خارجياً وداخلياً مع انهيار الروبل

مقدم الحلقة: محمد كريشان

ضيفا الحلقة:

- أندريه كورتونوف/ المدير العام للمجلس الروسي للعلاقات الدولية

- جواد العناني/ خبير في الاقتصاد السياسي

تاريخ الحلقة: 16/12/2014

المحاور:

-   مدى خطورة تراجع الروبل

-   إجراءات حكومية للحد من هبوط العملة

-   تراجع أسعار النفط والعقوبات ضد روسيا

-   ملفات روسيا الخارجية

محمد كريشان: أهلاً بكم سجلت العملة الروسية الروبل مستوى قياسياً جديداً من الهبوط مع تجاوز سعر صرفها مستوى 80 روبلاً للدولار الواحد.

نتوقف مع هذا الخبر لنناقشه في محورين: ما الحال الذي وصل إليه الاقتصاد الروسي على ضوء الانهيار القياسي للروبل؟ وبأي مقدار سينعكس انهيار العملة الروسية على سياسات موسكو الخارجية؟

لسنوات طويلة وبجهد دؤوب عمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على بناء صورة الزعيم الذي أعاد لبلاده أمجادها بعد فترات من الضعف والتفكك بدا قيصر الكرملين على مقربة من هدفه مستفيداً من انتعاشة اقتصادية سرعان ما عصفت بها الرياح المتقلبة لأسعار النفط وعرقلتها عقوبات غربية بسبب خلاف في المواقف من الأزمة الأوكرانية مع الغرب ومن ملفات أخرى.

[تقرير مسجل]

وليد العطار: مخاوف الركود تحاصر الاقتصاد الروسي على أبواب العام الجديد بعد أن فقد الروبل 60% من قيمته أمام الدولار و45% أمام اليورو منذ بداية العام الجاري، للمرة الأولى يتجاوز سعر صرف الدولار الأميركي 61 روبلاً روسياً لم تفلح 80 مليار دولار ضخها البنك المركزي الروسي منذ بداية العام الحالي في إنقاذ الموقف لكنها زادت هبوط احتياطات النقد الأجنبي للبلاد إلى أدنى مستوى لها في 5 أعوام، يشترك في أزمة الروبل الراهنة عاملان رئيسيان أولهما الانخفاض الحاد في أسعار النفط العالمية كان لابد لأزمة أسعار النفط أن تطال موسكو بوصفها أحد أكبر منتجي الخام عالمياً حيث تجاوز إنتاجها في سبتمبر/ أيلول الماضي 10 ملايين براميل يومياً، وفق البنك المركزي فإن الاقتصاد الروسي يمكن أن يشكل انكماشاً ما يقارب 5% في 2015 كما قد تجاوز نسبة التضخم 11% هذا إذا بقيت أسعار الخام عند مستوياتها الحالية حول 60 دولاراً فكيف لو واصلت الهبوط؟ يقول اقتصاديون إن روسيا تجاوزت أزمات مالية سابقة عن طريق خفض سعر صادراتها النفطية لكن الهبوط الحالي لم يمكنها من ذلك هذه المرة إلا أن لأزمة الروبل سبباً آخر ذا خلفيات سياسية يرجع إلى العقوبات الأميركية والأوروبية الموقعة على موسكو بسبب ضمها شبه جزيرة القرم الأوكرانية ودعمها للانفصاليين في شرق أوكرانيا، في هذا الصدد اتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل أيام مَن أسماهم أعداء بلاده بالسعي إلى تدمير الاقتصاد الروسي لمعاقبة موسكو على النمو القوي حسب قوله بينما يقول خبراء اقتصاديون إن العقوبات الغربية على روسيا كشفت أن موسكو لا تمتلك أصلاً مقومات اقتصاد قوي حيث انهارت عملتها بشكل كبير وكذلك أسواقها المالية، منتقدو السياسة الروسية سواء في أوروبا أو في سوريا يحملون ما يصفونها بسياسات بوتين التوسعية مسؤولية ما سيرزح تحته المواطنون الروس من أزمات اقتصادية مع بدايات العام الجديد خاصة إذا عرف أن نسبة القروض البنكية للروس هي العليا في العالم وقسم كبير منهم يقترض بالدولار ويسدد القرض مع فوائده بالدولار، شريحة كبيرة من هؤلاء مهددون بالحجز على ممتلكاتهم في حال العجز عن تحمل السداد في ظل انهيار العملة المحلية.

[ نهاية التقرير ]

محمد كريشان: ومعنا في هذه الحلقة من موسكو أندريه كورتونوف المدير العام للمجلس الروسي للعلاقات الدولية، ومن عمّان الدكتور جواد العناني الخبير في الاقتصاد السياسي أهلاً بضيفينا، نبدأ من موسكو والسيد كورتونوف هل يمكن أن تشرح لنا أكثر مدى الخطورة التي وصل إليها تراجع الروبل؟

مدى خطورة تراجع الروبل

أندريه كورتونوف: أعتقد أن هذا مؤشر مهم بالنسبة للحكومة لأن السكان بدؤوا يشترون العملات الصعبة وأن مستوى ذلك مستوى الثقة في الحكومة قد انخفض وبالنظام المالي الروسي في انخفاض، أعتقد اليوم الروبل يعني فقد الكثير من قيمته ولكن هناك فزع لدى السكان وهذا الفزع قد يؤثر على الوضع الاقتصادي للبلاد وكذلك على الاستقرار السياسي أيضاً لذلك نأمل أن الحكومة ستتخذ بعض الإجراءات الطارئة السريعة لتهدئة الوضع ولتبين بأنها تسيطر سيطرة كاملة على أسواق العملات.

محمد كريشان: نعم هذا الفزع سيد كورتونوف وصل وفق بعض التقارير إلى حد تخزين القمح والاستعداد للأسوأ، ما هي الجوانب الأخرى التي قد تكون تأثر بها المواطن الروسي جراء تراجع الروبل؟

أندريه كورتونوف: في الحقيقة الأمر يعتمد على كم سيشتري الناس أو يشترون من السلع المستوردة من دول أخرى، فلو استهلكوا شيئاً ينتج إنتاجاً محلياً فإن التأثيرات ليست خطيرة، هناك ارتفاع في الأسعار ولكنه ما زال غير خطير، تضخم مالي، وبالتالي أعتقد الناس في المناطق الريفية بدؤوا يعانون معاناة، ولكن مَن اعتاد على استهلاك المواد المستوردة ومَن يشتري سيارات أجنبية ومَن يشتري أجهزة كهربائية أجنبية فإنهم بدؤوا يلتمسون التأثيرات فأسعار كل ما هو مستورد من الخارج ارتفع إلى السقف، وبالتالي فإن الطبقة الوسطى في الإتحاد الروسي هي التي تشعر بالمعاناة حالياً.

محمد كريشان: هل ما زال الدكتور جواد العناني هل ما زال الأسوأ ينتظر روسيا بسبب هذه الأوضاع؟

جواد العناني: أعتقد بأن القضية أصبحت معقدة غاية في التعقيد وذلك لأن الاقتصاد الروسي قد جرب عدة إجراءات سابقة قبل حصول أزمة يوم أمس، عندما هبط الروبل بنسبة 20% في يوم واحد، لذلك هم استهلكوا جزءاً كبيراً من الأرصدة الأجنبية التي لديهم من أجل حماية الروبل ولكن الآن المشكلة في أن المقاطعة ستجد نفسها أكثر فعالية مما كانت قبل انخفاض أسعار النفط وقبل انخفاض سعر صرف الروبل، والسبب هو أن البنوك الأجنبية الآن لن تمنح خطوط ائتمان لروسيا وإذا منحتها فهي سوف تمنحها بمعدلات فائدة عالية جداً وستكون يمكن يطالبوهم بهذا إذا فتحت مثل هذه الخطوط أو بقيت مفتوحة فإنها هي اعتماد مستندي مصرفي سوف لا يمول إلا إذا دفع مقابله نقداً 100% بالكامل بالعملة الأجنبية، الأمر الآخر هو أن هنالك سيصبح حالة من الذعر كما ذكر زميلي من روسيا ذلك لأن الناس الذين يحملون الروبل أو عندهم مدخرات سوف يحرصون على استبدالها بأي سلعة أخرى ذات قيمة، الاقتصاد الروسي أعتقد إذا بقي الأمر على حاله فسوف يدخل في مرحلة ما يُسمى بالكساد التضخمي أي أن هنالك المشكلة المزدوجة الماثلة في التراجع الاقتصادي وانخفاض معدلات الدخول مقابل الارتفاع في الأسعار في الوقت ذاته، هذه معضلة اقتصادية كبيرة أعتقد بأن روسيا يجب أن تجهز نفسها للآليات التي يجب أن تستخدمها من أجل مواجهة هذه الدورة الاقتصادية المعقدة.

محمد كريشان: نعم الوضع أيضاً وصل من السوء سيد كورتونوف أن موسكو الآن دفعت 80 مليار دولار من الاحتياط النقدي الذي يفترض أن يكون استراتيجياً لدعم الروبل هل تعتقد بأن تراجع الروبل أو انهياره سيستمر؟

أندريه كورتونوف: أعتقد أن ما تحتاجه روسيا في الحقيقة هو تغيير عميق وأساسي في إستراتيجية تنميتها الاقتصادية فحالياً مفهوم الاقتصاد الروسي يقوم على مؤسسات هي ملك الدولة، المؤسسات العامة التي تسيطر على قطاعات كاملة من الاقتصاد الروسي، لسوء الحظ الشركات الصغيرة غير متطورة جيداً في بلادنا ومع الأسف هناك الكثير من الفساد، وهذا أيضاً عنصر تعقيد آخر ويمكن القول بأن قوة البيروقراطية في روسيا ثقيلة جداً بحيث لا تتحملها الشركات الصغيرة والمتوسطة لكي تزدهر لذلك أعتقد إلا إذا حصل تغيير في الإستراتيجية الاقتصادية العامة للبلاد وإلا إذا حصل تغيير في طريقة التعامل مع القطاع الخاصّ وإلا إذا كان لدينا تعليمات وقوانين تشجع الابتكار فإنني أخشى أن مثل هذه الأزمة تقريباً لا يُمكن تفاديها، علينا أن نُغير النظام كله وليس فقط التعامل مع نتائج وضعٍ محدد.

إجراءات حكومية للحد من هبوط العملة

محمد كريشان: نعم، يعني هذا يدل أن الأزمة أعمق مما يجري الحديث عنها، أشرت إلى موضوع الفساد سيد كورتونوف وهي نقطة مهمة جداً، الرئيس فلاديمير بوتين وصل إلى حد القول بأنه لن يحاسب أحداً عن مصدر أمواله إذا أتى بها من الخارج وجاء للاستثمار في البلد لن يحاسب أحد، هل هذا مؤشر على أن الوضع أصبح مؤلماً فعلاً لموسكو أكثر مما يعتقد البعض؟

أندريه كورتونوف: أعتقد بالتأكيد الوضع خطير جداً ولا أقلل من شأن قوة ومناعة النظام لأن الروس شعبٌ يتسم بالصبر وعلى الأرجح قد شهدوا أو يستطيعون المرور بمشاقٍ وصعوبات دون التذمر أو التمرد، ولكن لا بد لقاء ذلك أن يشعروا بأن هناك ضوء في نهاية النفق وأن هناك رؤية للمستقبل بل والأكثر من ذلك يجب أن يشعروا أن النظام عاد لينصف بأن كل شخص يتحمل عبئه في هذا النظام، وإذا كان الرأي أن النظام غير منصف وأن هناك بعض الناس ومجموعات يزدادون غناءً يوماً بعد يوم وآخرون يزدادون فقراً فإنه بعد ذلك القيادة السياسية قد تواجه مشاكل خطيرة.

محمد كريشان: هو المشكل الآن لا يبدو أن هناك ضوءً في نهاية النفق بدليل سيد دكتور جواد العناني أن هناك توقع أن العام الجديد سيشهد انكماش وسيكون ربما أصعب وهناك حديث عن أن المشكلة أن الاقتصاد الروسي في السنوات الماضية لم يحصل فيه تحديث حقيقي وبالتالي فهو يجني ثمار خيارات لم تكن صائبة، هل فعلاً الأزمة هيكلية وأعمق مما نظن؟

جواد العناني: أعتقد نعم أعتقد بأن الاقتصاد الروسي يعتمد في صادراته بالدرجة الأساسية على إنتاج المواد الخام وعلى تصديرها، وروسيا دولة غنية بهذه الأمور، ولكن روسيا كما تعلم لديها قوى عاملة مدربة كثيرة جداً لديها إمكانات كبيرة قادرة إذا غيرت مسارها كلية يعني هي بحاجة إلى نموذج جديد كليةً، الخيار سيصبح أمام روسيا هو ما يلي: هو إما أنها تلجأ إلى السياسات الشعباوية وعن طريق إرضاء الناس وإشباع حاجاتهم الأساسية وهذا طبعاً سوف يكلفهم كثيراً ولن ينتج شيئاً للمستقبل أو أنهم يلجئون كما فعلت تركيا على سبيل المثال عندما تسلم تورغوت أوزال المسؤولية فقال ما دام أننا نواجه مشكلات اقتصادية كبيرة وما دامت الأيدي العاملة رخيصة وما دامت المواد الخام متاحة ومتوفرة والإمكانات التكنولوجية ممكنة إذن لا بد من وضع إطار مؤسسي جديد يُمكن روسيا من أن تُقيم صناعات منافسة دولياً وبأكلاف معقولة وبهذا تستطيع أن تخرج من الأزمة، لكن هذا البرنامج يجب أن يلقى أيضاً رضا الناس يعني على من يضع مثل هذه الإستراتيجية أن يذهب إلى الناس ويقول لهم هذه الخيارات التي أمامنا وأن هذه فرصة تاريخية لنا لكي نعيد هيكلة كامل الاقتصاد الروسي، إذا فعلوا ذلك ونجحوا في إقناع الناس أعتقد بأن الحل سيصبح ممكناً في المستقبل رغم الألم الذي قد تمر به روسيا لمدة سنوات قبل أن تصل إلى هذه النتيجة، ولكنها ستضع اقتصادها على المسار الصحيح الذي سيجعله أقل حساسية بكثير من المؤثرات الخارجية كما شاهدناه في هذه الأشهر الأخيرة.

محمد كريشان: نعم، طالما أن الوضع الاقتصادي في روسيا هو بهذا الشكل نريد أن نعرف بعد الفاصل تداعيات هذا الوضع أساساً من زاوية انهيار الروبل وتداعياته على سياسات موسكو الخارجية، لنا عودة بعد قليل نرجو أن تبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

محمد كريشان: أهلاً بكم من جديد مشاهدينا الكرام ما زلتم معنا في هذه الحلقة التي نتناول فيها انعكاس انهيار العملة الروسية الروبل على سياسات موسكو الخارجية، سيد أندريه كورتونوف طالما أن الكل في موسكو الآن يتحدث أن هذه الأزمة تعود كسبب مباشر لعقوبات بسبب أوكرانيا وإلى انخفاض أسعار النفط، ما الذي يمكن أن تقوم به موسكو على الصعيد الخارجي لتخفيف هذا الوضع الاقتصادي الداخلي؟

تراجع أسعار النفط والعقوبات ضد روسيا

أندريه كورتونوف: أولاً حالياً نشهد نوعاً من التعبئة السياسية للشعب الروسي حول رئيسهم، بوتين ما زال يحظى بشعبية كبيرة ويقول الكثيرون أن ما نشهده حالياً هو ليس نتيجة أخطاء ارتكبتها الحكومة بل هي نوع من المؤامرة الغربية ضد روسيا وأن الغرب هو الذي أثار هذه المشاكل بما في ذلك انخفاض أسعار النفط، ولكن طبعاً للتغلب وتجاوز نتائج هذه الأزمة على روسيا أن تستعيد علاقاتٍ أفضل مع شركائها الغربيين، فدون التضحية بالجهود التي بذلتها لاكتشاف فرص جديدة في العالم غير الغربي ففي الأشهر الماضية روسيا كانت ناشطة جداً في محاولة بناء شركات جديدة مثل دول مثل الصين أولاً وأيضاً تركيا وإيران والهند وأعتقد أن هذا أمر مهم جداً ولكن هذه التحالفات وهذه الشراكات لا ينبغي أن تحل محل التعاون مع دول الاتحاد الأوروبي بل وحتى مع الولايات المتحدة لأن هذا يمكن أن يساعد روسيا على الخروج من الأزمة التي تواجهها اليوم.

محمد كريشان: هذه الأزمة دفعت وزير المالية الروسي دكتور العناني إلى القول بأن بلاده تخسر سنوياً 140 مليار دولار بسبب العقوبات الغربية وبسبب انخفاض أسعار النفط، موضوع العقوبات الغربية على الأقل يمكن أن تعالج لأن هناك خلاف يتعلق بأوكرانيا وربما في ملفات أخرى تتعلق بسوريا تتعلق بإيران هل يُمكن لموسكو أن تفعل شيئاً ما لتخفيف هذه العقوبات أو فتح صفحة جديدة مع الغرب؟

جواد العناني: أعتقد بأن ما جرى في الأشهر الأخيرة بدأ يتبلور من حربٍ بالإنابة إلى حربٍ اقتصادية وأن ما نراه من اضطرابات كبيرة في الأسواق العالمية في الوقت الحاضر سواء في البورصات ولا في أسعار العملات ولا في أسعار السلع الرئيسية هذا كله نتيجة للاحتراب القائم وعودة الحرب الباردة إلى الساحة، طبعاً روسيا ليس لها الدور الأكبر في هذه العملية ولكن روسيا أصبحت هدفاً لكل هذه الأمور بسبب ما نراه من حروب إقليمية تجري إما في أوكرانيا أو في منطقتنا، لذلك أنا أعتقد بأنه طالما أن الدول العظمى لا تجد وسيلةً للتخاطب مع بعضها البعض فإن دولاً كثيرة سوف تتأذى، يعني لن يكون الأذى محصوراً على روسيا بالعكس يعني يمكن أوروبا الآن مستفيدة من الأزمة الروسية بسبب انخفاض أسعار النفط يعني بدأنا في الوقت الذي تشهد فيه روسيا انخفاضات بدأنا نشهد تحسنات في بعض اقتصاديات أوروبا والولايات المتحدة وحتى احتمالية أن يتحسن الاقتصاد الياباني كذلك، لكن هذا الأمر يعني يجني كثيراً على الدول النامية في العالم، من هنا فإنني أرى على روسيا فعلاً على الغرب أن يجدوا وسيلةً للتفاهم، حل المشكلات هذا هو السبيل الوحيد عملية الخسائر الكبرى.

محمد كريشان: نعم ولكن في انتظار ذلك في انتظار ذلك دكتور عناني يعني بعد إذنك يعني في انتظار ذلك..

جواد العناني: نعم، نعم.

محمد كريشان: أشار ضيفنا قبل قليل سيد كورتونوف إلى أن هناك التفاف شعبي حول بوتين ومع ذلك هنا أعود وهنا إلى السيد كورتونوف مع ذلك الغارديان البريطانية تقول مثلاً سياسة بوتين التوسعية كما سمتها سياسة بوتين التوسعية هي السبب، كيف يُمكن مثلاً أن نفسر أنهم رغم هذه الضائقة الاقتصادية ميزانية الدفاع أو الإنفاق العسكري في روسيا في تصاعد رغم أن الوضع لا يسمح مبدئياً بذلك؟

أندريه كورتونوف: أعتقد أنه بالنسبة للكثير من الروس الغرب هو خطرٌ واضح وهم يرون الروس أن الغرب يحاول أن يفعل كل ما بوسعه للتأثير على روسيا والتقليل من شأنها، وعلينا بالتالي أن ننفق المزيد على الدفاع إذا ما أردنا أن نبقى على قيد الحياة في هذه البيئة العدائية، إذا أردنا وإذا لم نطور قواتنا المسلحة فإننا سنكون في نفس الموقف الذي كان عليه العراق عندما غُزي من قبل الولايات المتحدة ونفس موقف ليبيا عندما الدول الغربية غزته، وبالتالي فإن روسيا عليها أن تحافظ على قوتها العسكرية، كما أن هناك الكثير هنا يرون أن المجمع الصناعي العسكري قد يكون أداة تحريك وتطوير للتنمية الاقتصادية فلو نظرنا إلى التاريخ نجد أن كل الإنجازات الروسية والاتحاد السوفيتي الفنية بدأت وحصلت نتيجة القطاع العسكري من ذلك البرنامج الفضائي ومن ذلك انجازات روسيا في الفيزياء النووية، وبالتالي فهم يقولون أن روسيا لديها قوتها وتنميتها الخاصة بها وأن الصناعة الدفاعية هي العامل المشجع والمساعد الحقيقي لتحقيق التقدم الفني والاقتصادي، البعض لا يختلفون مع هذه بل يختلفون عفواً مع هذا الرأي، ولكن هذا رأي شائع وهو يحظى بشعبية في روسيا.

محمد كريشان: ولكن سيد كورتونوف باختصار هل يمكن أن تُقدم موسكو على مراجعات لتلافي هذا الوضع واستمراره؟

أندريه كورتونوف: نعم، أعتقد أن هذا ينبغي أن يحصل وآمل أن هذه الأزمة بين روسيا والغرب سوف تُخفف ولا أعتقد أنه ليس هناك أي حل مثالي لإدارة هذه الأزمة لكن ما يجب أن نبدأ به أن نعيد بناء ثقة ونبدأ بالتعاون من جديد.

محمد كريشان: ولكن في الأثناء دكتور العناني أمران سيستمران العقوبات الغربية ستستمر مبدئياً وانخفاض أسعار النفط مستمر في هذه الحالة ما الذي يمكن أن تفعله موسكو وقد مُسكت من اليد التي تؤلمها إن صح التعبير؟

جواد العناني: نعم، أولا أريد أن أقول بأن روسيا لم تلجأ مثلما فعلت الولايات المتحدة عن طريق إدماج صناعاتها العسكرية والتكنولوجية والفضائية ضمن بنية الاقتصاد وبقيت منفصلة عن باقي الاقتصاد، الآن يجب دمجها في الاقتصاد حتى تتحقق الفوائد المرجوة منه، النقطة الثانية السؤال الذي تفضلت به هو أن روسيا يجب أن تكون يعني تبدأ بحوار مع عدة منظمات أخرى مثل منظمة أوبك على سبيل المثال..

ملفات روسيا الخارجية

محمد كريشان: هل عليها عفواً هل عليها تقديم تنازلات في بعض الملفات السياسية حتى تسلم اقتصادياً قدر الإمكان؟

جواد العناني: أعتقد بأنه نعم إذا أرادت أن تدخل في التفاوض فالتفاوض ضمنا يعني أنك مستعد لتقديم بعض التنازلات، لا أعتقد بأن روسيا إذا دخلت في مرحلة التفاوض أعتقد هذا هو الحل الأفضل لها لأن هذا سيعطي شعبها الطمأنينة بأن هنالك حل في نهاية المطاف وأن مصادر الضغوط التي تُمارس عليها قد تنتهي في وقتٍ قريب، فلذلك يصبح الشعب أكثر تحملاً لهذه الغاية، ولكنني اعتقد بأن كلاً من الغرب وروسيا إذا ما انتهت هذه الأزمة بعد فترة فسوف يكونا قد تعلم كلاهما درساً في كيفية التعامل مع بعضهما البعض خاصةً لأن الكل تعوّد على التعامل مع الآخر من نظرة ما جرى في روسيا في الغلاسنوست وبيروسترويكا.

محمد كريشان: بعد إذنك لنسأل في نهاية الحلقة بعد إذنك السيد كورتونوف باختصار عما إذا كنا نتوقع تنازلات معينة لموسكو بسبب هذا الوضع الذي قد يستمر ويؤلمها أكثر في المستقبل؟

أندريه كورتونوف: أعتقد أن روسيا على الأرجح بإمكانها أن تُخفف موقفها فيما يتعلق بأوكرانيا فهي تريد حقاً التوصل إلى حل وسط فيما يتعلق بشرق أوكرانيا وأعتقد أن أول خطوة في هذا الاتجاه قد اتخذت فعلاً.

محمد كريشان: شكراً جزيلاً لك سيد أندريه كورتونوف كنت معنا من موسكو المدير العام للمجلس الروسي للعلاقات الدولية شكراً أيضاً لضيفنا من عمّان الدكتور جواد العناني الخبير في الاقتصاد السياسي، بهذا نصل إلى نهاية هذه الحلقة في أمان الله.