يواصل الاحتلال الإسرائيلي انتهاكاته واستفزازاته ضد الفلسطينيين في القدس والمسجد الأقصى وبقية المناطق، مما يثير موجة غضب شديدة في أوساط الفلسطينيين تنذر -حسب بعض المراقبين- بانتفاضة أخرى. يأتي ذلك وسط تجدد الخلاف بين حركتي المقاومة الإسلامية (حماس) والتحرير الوطني الفلسطيني (فتح).  

واستشهد شاب من عرب 48 في بلدة كفركنا بمدينة الناصرة على يد الشرطة الإسرائيلية صباح السبت، وذلك بعد استهدافه بالرصاص الحي عندما هاجم سيارة شرطة كانت تعتقل أحد أقاربه.

ووصف الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي ما يحدث في القدس بأنه انتفاضة ثالثة وحالة مقاومة شعبية واسعة مركزها هذه المرة وسط القدس، لكنها منتشرة في مختلف الأراضي الفلسطينية. وقال إن جيلا جديدا من الفلسطينيين بدأ يتحرك لقناعته بفشل نهج التفاوض، وقناعته بأن إسرائيل لا تفهم إلا لغة القوة، وبالتالي فإن المشروع الإسرائيلي لا يهزم إلا بالمقاومة.

من جهته، قال الكاتب المتخصص في الشؤون الإسرائيلية صالح النعامي لحلقة 8/11/2014 من برنامج "ما وراء الخبر" إن المسألة بالنسبة للفلسطينيين لا تتعلق بخيار لأن إسرائيل تدفعهم إلى ذلك وهي من أشعلت الحرب الدينية.

وشدد على أن العمليات الفردية التي تحدث في القدس تشكل تحديا لإسرائيل ورسالة تفيد بأن تغيير الوضع القائم من شأنه أن يدفع الشعب الفلسطيني إلى إعادة خلط الأوراق، وأشار إلى أن هذا الشعب لا يمكن أن يسمح بفراغ تستفيد منه إسرائيل.

في حين رأى الكاتب والمحلل السياسي في صحيفة هآرتس الإسرائيلية جدعون ليفي أن الانتفاضة الفلسطينية محصورة في القدس، وهي غير ممتدة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، لكنه أكد أن مسار الأوضاع في المنطقة يبقى مجهولا.

واعتبر أن الاحتلال لن يقوم بقصف القدس كما فعل في غزة، لكنه قد يستخدم وسائل أخرى تجعل النيران تلتهب فيها.

خلاف
وبشأن تجدد التلاسن بين فتح وحماس ومدى تأثيره على وتيرة الغضبة الشعبية ضد الانتهاكات الإسرائيلية، تأسف البرغوثي لما جرى في غزة من تفجيرات استهدفت قيادات فتحاوية، واعتبر أن الحادث لا يخدم سوى أعداء الشعب الفلسطيني، وطالب بكشف المسؤولين عنه، وقال إن الصراع بين الفلسطينيين هو على سلطة وهمية تحت الاحتلال.

كما تأسف النعامي للتفجيرات، وقال إنه في الوقت الذي كان يفترض أن تقوم السلطة الفلسطينية بتحرك رسمي ضد إسرائيل تسمع تهديدات ويقمع من يتظاهرون في نابلس والخليل انتصارا للقدس، وطالب بدوره بالكشف عن الجناة.

وفجّر مجهولون الجمعة أجزاء من عدة منازل لقيادات في حركة فتح، ومنصة الاحتفال بذكرى رحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بعبوات ناسفة من دون أن يسفر ذلك عن وقوع إصابات.

واتهمت حركة فتح حماس بالوقوف وراء التفجيرات، غير أن عضو المكتب السياسي لحماس موسى أبو مرزوق أدان اتهام حركته، واعتبر أن التفجيرات كانت تهدف إلى صرف الأنظار عن ما يجري في القدس والمسجد الأقصى، وضرب المصالحة ومنع حكومة التوافق من بسط مسؤولياتها على غزة.

اسم البرنامج: ما وراء الخبر

عنوان الحلقة: أبعاد أحداث القدس وأثر الخلاف الفلسطيني

مقدم الحلقة: محمد كريشان

ضيوف الحلقة:

-   جدعون ليفي/ كاتب ومحلل سياسي في صحيفة هآرتس

-   مصطفى البرغوثي/ الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية

-   صالح النعامي/كاتب متخصص في الشؤون الإسرائيلية

تاريخ الحلقة: 8/11/2014

المحاور:

-   مواجهات القدس والضفة.. بوادر انتفاضة ثالثة

-   مخاوف من تجدد الانقسام الفلسطيني

-   تراجع القدرة على التعبئة الشعبية

محمد كريشان: أهلا بكم، يسود التوتر مدينة القدس في ظل إجراءات أمنية إسرائيلية مشددة عقب ردود فعل فلسطينية غاضبة أثارها التصعيد الإسرائيلي المتواصل منذ فترة ضد المسجد الأقصى.

نتوقف مع هذا الخبر لنناقشه في محورين: ما طبيعة أبعاد الأحداث التي تشهدها القدس نتيجة الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة للمسجد الأقصى؟ وإلى أي حد يمكن أن تتأثر نتيجة ومسارات هذه الأحداث بتجدد الانقسام الفلسطيني في هذه اللحظة؟

في الوقت الذي يواصل فيه اليمين الإسرائيلي المتطرف وفي القلب منه أعضاء رئيسيون في الائتلاف اليميني الحاكم يواصلون استفزازاتهم وانتهاكاتهم ضد المسجد الأقصى، بدا في إسرائيل نوع من الجدل بشأن طبيعة وتكييف مظاهر الغضب الفلسطيني المختلفة والتي تثيرها وتغذيها هذه الانتهاكات والاستفزازات، فبينما تواصل السلطات الأمنية تشديد إجراءاتها ضد المقدسيين تحذر أصوات أخرى من أن المقاربة الأمنية لن تحل المشكلة، وأن تواصل استفزازات اليمين الإسرائيلي يمكن أن يقود إلى انتفاضة فلسطينية ثالثة إن لم يكن قد قاد إليها بالفعل.

[تقرير مسجل]

فاطمة التريكي: لا يحتاج الأمر أكثر من سيارة وقرار، عمليتا دهس لإسرائيليين في يوم واحد كانتا كافيتين لبث الرعب في إسرائيل وهزها في القلب، احتفى الفلسطينيون وجاء احتفاؤهم مدويا قدر الإحساس بالقهر والعجز والانتهاك وهم يشاهدون جنود الاحتلال يدوسون بأحذيتهم حرم المسجد الأقصى، بالنسبة لإسرائيل تكمن خطورة عمليات كهذه في بساطتها وبالتالي أصيبت إسرائيل بالذعر وغرقت في تحليلات انتهت إلى أن مواجهة عمليات من هذا النوع من قبل الشرطة مستحيلة، صحيفة هآرتس وصفت ما يجري بأنه انتفاضة مدنية جامحة منذ الصيف في إشارة إلى العمليات التي لا يستخدم فيها سلاح، وقالت إنه بالرغم من أن العمليات التي تقوم بها الشرطة منعت إلى حد بعيد توسع ما سمته أعمال العنف من الوصول إلى المعدلات التي كانت عليها خلال الانتفاضتين السابقتين فإن الشرطة تفشل في إعادة المارد إلى الزجاجة على حد قول الصحيفة، لكن المارد الفلسطيني لم يدخل الزجاجة حتى يغادرها ففي انتفاضتين سابقتين واحدة عام 1987 والثانية عام 2000 دامت كل منهما نحو 4 سنوات كان الفلسطينيون يمارسون جميع أنواع المقاومة بينما كانت إسرائيل تواصل القمع وتجهض في الوقت نفسه كل مسار سياسي فلم ينتج غير إضاعة الوقت، وكرس يقينا لدى معظم الفلسطينيين بأن إسرائيل لا تخشى غير القوة والمقاومة، لا يحجب كل ذلك حقيقة حدوث تغير كبير في الأوضاع الإقليمية والفلسطينية الداخلية مما يجعل التساؤل عن واقعية اندلاع انتفاضة ثالثة منطقيا بل واجبا، مما لا شك فيه أن الواقع العربي تراجع عن مستوى الدعم الخجول الذي قدمه للفلسطينيين من قبل أما داخليا فلم يعد الفلسطينيون كتلة واحدة لا سياسيا ولا جغرافيا، ويبدو أن التقارب الفلسطيني الذي سمح أخيرا بقيام حكومة وحدة وطنية ما زالت نظرية إلى حد بعيد، يواجه الآن تحديات كبرى ليس آخرها مثلا تفجيرات غامضة يصفها كثيرون بأنها مشبوهة استهدفت مقرات لعدد من مسؤولي حركة فتح في غزة كانت رسالة في وجه الوحدة الوطنية قبل المستهدفين بالتفجير.

[نهاية التقرير]

مواجهات القدس والضفة.. بوادر انتفاضة ثالثة

محمد كريشان: معنا في هذه الحلقة من رام الله الدكتور مصطفى البرغوثي الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية، من غزة صالح النعامي الكاتب المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، ومن تل أبيب جدعون ليفي الكاتب والمحلل السياسي في صحيفة هآرتس الإسرائيلية نرحب بضيوفنا جميعا، نبدأ بالسيد جدعون ليفي هناك تقديرات مختلفة الآن في الساحة الإسرائيلية البعض يقول نحن أمام بدايات انتفاضة ثالثة والبعض يقول نحن ربما في قلب هذه الانتفاضة الثالثة ما هي التقديرات الإسرائيلية الأكثر رواجا في أوساط الخبراء والمحللين.

جدعون ليفي: حاليا وفي الوقت الحاضر علينا أن ننظر إلى الوقائع، والوقائع هي أن الانتفاضة محصورة فقط في القدس ولم تنتشر إلى كل الضفة الغربية أو غزة، ولكن هذا لا يعني أن الأمور لن تخرج عن السيطرة ذلك أن الوضع متفجر إلى حد كبير بحيث من الصعب جدا أن نعرف إلى أين ستسير الأمور وإلى أي مآل ستؤول إليه، فهناك على حدود القدس يجب أن نذكركم أنه خلال على أيام حرب غزة أيضا الناس كانوا يتوقعون حصول انتفاضة أخرى في الضفة الغربية ولم يحصل ذلك، وبالتالي مثل الانتفاضات السابقة لم تكن أي انتفاضة مخططة مسبقا الشروط اللازمة والظروف على الأرض ملائمة والشعور بالاحتجاج موجود، ومن جانب آخر هناك انقسام كبير في صفوف الشارع الفلسطيني كما تعرفون، وما زال الفلسطينيون تسيل دماءهم من الانتفاضة السابقة وبالتالي فهل نحن إزاء انتفاضة جديدة أم فقط نمر بأوقات عصيبة جدا.

محمد كريشان: دكتور مصطفى البرغوثي، فلسطينيا كيف ينظر إلى ما يجري من هذه الزاوية التقديرية إن كانت الأمر انتفاضة أو بدايات أو مبشرات بانتفاضة أو مؤشرات عفوا لانتفاضة جديدة.

مصطفى البرغوثي: لا في الواقع نحن نعيش في انتفاضة ثالثة جديدة ولكنها تختلف عن الانتفاضة الأولى وتختلف عن الانتفاضة الثانية، ومن هنا هذا التردد في وصفها البعض يقارنها بالأولى والبعض يقارنها بالثانية وعندما لا يجدوا تطابقا يصلوا إلى استنتاج مرتبك بأنها ربما تكون بدأت أو ستبدأ إنما في الواقع نحن نعيش حالة مقاومة شعبية واسعة بدأت منذ سنوات ووصلت ذروة كبيرة خلال العدوان على غزة عندما نشبت مظاهرات في الضفة الغربية غير مسبوقة من حيث حجمها حتى في الانتفاضة الأولى، اليوم مركز الانتفاضة يقع في مدينة القدس وهذا شيء طبيعي في التصدي للاحتلال وفي التصدي للإجرام ولكنها منتشرة نحن يوم الجمعة هذه الجمعة كان لدينا مظاهرات في قلنديا وفي كفر قدوم وفي منطقة عوفر والخليل شهدت مظاهرات ضخمة جدا إذن وبيت لحم وغيرها، إذن نحن لا نتحدث عن انحسار في منطقة القدس بل بالعكس عن مظاهر مقاومة تجري في كل مكان، وذلك مبني على قناعتين أولا قناعة كبرى بفشل التفاوض وفشل نهج المفاوضات وفشل نهج أوسلو بالكامل وبضرورة مقاومة الاحتلال، وثانيا القناعة الثانية بأن إسرائيل لا تفهم لغة القوة بالتالي لا يمكن أن يهزم هذا المشروع العنصري وهذا النظام العنصري الإجرامي الذي رأينا مظهر من مظاهره اليوم في كفر كنّا ويمس كل الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يهزم ويوقف إلا بمقاومته، وبالتالي هذا تغير كبير في حالة نوعية جديدة، جيل جديد من الشباب الفلسطيني المقاوم ينضم إلى هذه الساحة جيل لم يعرف اليأس ولا الإحباط وهو غير مثقل بأعباء الديون والمشاكل التي ربما يعاني منها أهله وبالتالي نحن نتحدث عن تحول نوعي كبير.

محمد كريشان: أشرت بعد إذنك دكتور إلى نقطة مهمة جدا إلي هو نعم أشرت إلى الأحداث الآن في القدس وربما هذا سيد صالح النعامي ما يعطي هذه الأحداث خصوصية معينة هذه المرة رغم وجود تحركات في أماكن أخرى، هل تعتقد بأن هذه الشرارة الدينية المتمثلة في الحرم وفي الأقصى أعطت التحركات الفلسطينية هذه المرة أبعاد ربما لم تكن متوفرة بشكل قوي في المرات السابقة بالطبع إذا استثنينا أن انتفاضة سنة 2000 بدأت أصلا بزيارة أرئيل شارون إلى الحرم القدسي.

صالح النعامي: يا سيدي هذا ما يحدث بالضبط عندما يخرج وزير إسرائيلي بارز وهو وزير الإسكان أوري إرئيل بعدما قام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بطمأنة ملك الأردن بأنه إسرائيل لن تغير الوضع القائم في المسجد الأقصى يخرج علينا ويعلن بالتزام إسرائيل بتدشين الهيكل، طبعا تدشين الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى عندما يكون من أصل 21 نائب يمثلون حزب الليكود الحاكم الذي يرأسه بنيامين نتنياهو 17 نائب يؤيدون تغيير الوضع القائم في القدس وتغيير الوضع القائم فقط للتذكير يعني التقاسم الزماني ما بين اليهود والمسلمين في داخل المسجد الأقصى، نقل الإشراف على الأقصى من دائرة الأوقاف الإسلامية إلى وزارة الأديان الإسرائيلية وحتى وصولا إلى التقاسم المكاني، عندما يتعهد ثاني أهم وزير في إسرائيل وهو نفتالين بنيت والتي تتوقع استطلاعات الرأي في إسرائيل أن حزب البيت اليهودي سيكون ثاني اكبر حزب بعد الانتخابات القادمة، يتعهد بأن يكون تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى سيكون على رأس أولويات أو في رأس أولويات الحكومة القادمة التي يتوقع في نطاق واسع أن يلعب دورا مركزيا فيها، كل هذا لا يدع مجالا للشك بأنه إسرائيل هي التي أشعلت الحرب الدينية وبالمناسبة عند الحديث عن التوقع هل تكون انتفاضة ثالثة أو لا أن تكون؟ المسألة ليست مسألة خيار بالنسبة للشعب الفلسطيني هذا الأمر يتم فرضه على الشعب الفلسطيني بسبب السياسات المجنونة للحكومة الإسرائيلية، وبالمناسبة الأمر لا يدور عن يمين متطرف نحن نتحدث الآن كل استطلاعات الرأي في إسرائيل تقول أن أي انتخابات قادمة اليمين كتل اليمين وأكثر من 74 مقعد من أصل 120 مقعد ممكن أن تأخذ، وبالتالي نتحدث عن حلبة سياسية موغلة في التطرف لا نتحدث عن التطرف بل عن وجود التطرف يكتسح الساحة هذا ما يواجهه الفلسطينيون.

محمد كريشان: نعم هناك أيضا نقطة سيد النعامي اسأل عنها السيد جدعون ليفي بعض المحللين الإسرائيليين يشيرون إلى أن الأمر المختلف في القدس أن من يتعامل مع جمهور المتظاهرين هم قوى الأمن، وليس الجيش مثل ما هو حادث في الضفة الغربية وبالتالي فمستوى القمع كما يقولون ليس بمستوى ما يمارسه الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية وأن هذا ربما يجعل من إمكانية الرد الفلسطيني ليس بالقوة التي كان في انتفاضات سابقة هل هذه النقطة مهمة يجب أخذها بعين الاعتبار؟

جدعون ليفي: كلا ليس حقاً لأن الاحتلال قاسي ووحشي في كل مكان فهو قاسي ووحشي في طبيعته وصحيح أنه في القدس الشرقية الشرطة أكثر حذراً مما عليه قوات الجيش في غزة وفي الضفة الغربية ولكن في نهاية المطاف تشاهدون أن الاحتلال قاسي ووحشي، والاحتلال الإسرائيلي ينطبق عليه هذا الوصف، فإذا كان سكان القدس الشرقية يعيشون تحت نفس الوحشية والقسوة كما هو حال بقية الفلسطينيين وبالتالي فإن هذا لن يقلل من مستوى احتجاجاتهم ومقاومتهم وفي الوقت ذاته لا بد من القول أنه في القدس الشرقية نسمع المزيد والمزيد من الأصوات الإسرائيلية التي تدعو إلى المزيد من العنف ضد المقاومة وحتى إرسال الجيش إلى القدس الشرقية، طبعاً إن إسرائيل لن تقوم بقصف القدس الشرقية من الجو كما فعلت في غزة ولكن هناك وسائل أخرى كافية يمكن أن تتعرض لها القدس الشرقية فتلتهب فيها النيران كما هو حال المناطق الأخرى تحت الاحتلال.

محمد كريشان: ولكن سيد ليفي بحكم ما أقدمت عليه إسرائيل طوال السنوات الماضية من تفكيك لأوصال الضفة الغربية والقدس بحيث لا يوجد الآن عملياً تواصل جغرافي كبير بين أبناء الشعب الفلسطيني، هل بتقدير الأوساط الإسرائيلية هذا سيكون عنصر مانع لاندلاع انتفاضة تكون قوية ومتماسكة؟

جدعون ليفي: هذه هي الإستراتيجية الإسرائيلية ليس فقط الفصل بين القدس الشرقية والضفة الغربية بل فوق كل ذلك والأهم من ذلك العزل القاتل بين غزة والضفة الغربية وبين فلسطينيي 48 في إسرائيل والفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة هذا أسلوب وطريقة قديمة جداً يستخدمها المحتلون لفرض سيطرتهم وأن إسرائيل تطبق هذه الطريقة هنا أيضاً ولكن في نهاية المطاف الاحتلال هو احتلال، وأن أي احتلال في تاريخه خلق مقاومة وأدى إلى مقاومة وليس هناك أي احتلال في التاريخ استمر إلى الأبد وبالتالي المسألة تتعلق بالوسائل والفترة الزمنية ولكن في النهاية نحن نتعامل مع احتلال يؤدي إلى خلق المقاومة كما هو حال كل الأمثلة في التاريخ حول ذلك.

محمد كريشان: شكراً جزيلاً لك سيد جدعون ليفي الكاتب والمحلل السياسي في صحيفة هآرتس الإسرائيلية صاحبتنا في هذا الجزء الأول من البرنامج شكراً جزيلاً لك، بينما الجزء الثاني سنناقش فيه مع ضيفينا إن كان هناك تأثير لما يمكن وصفه بتجدد الانقسام الفلسطيني على الأقل في هذه اللحظة على الأحداث الجارية حالياً في القدس، لنا عودة بعد الفاصل نرجو أن تبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

مخاوف من تجدد الانقسام الفلسطيني

محمد كريشان: أهلاً بكم من جديد ما زلتم معنا في هذه الحلقة التي نتناول فيها أبعاد الأحداث التي تشهدها القدس وأثر تجدد الخلاف الفلسطيني في هذه اللحظة على مسارها كاحتمالٍ قائم، دكتور مصطفى البرغوثي ما جرى مؤخراً في غزة وعودة نوع من الانقسام أو على الأقل نقول عودة نوع من التلاسن بين فتح وحماس، هل تعتقد بأن هذا يمكن أن يؤثر الآن على وتيرة الغضبة الشعبية والاحتجاجات في القدس وغيرها؟

 

مصطفى البرغوثي: لا يجب أن يؤثر ودعني أوضح هنا قبل أن أجيب على سؤالك نقطة مهمة تتعلق بما تقوم به إسرائيل، إسرائيل تقوم بعمليتين متناقضتين من ناحية هي تجزأ الشعب الفلسطيني بالحواجز، بالتنكيل، بمنع التنقل، ولكن من ناحية أخرى تعيد توحيد الشعب الفلسطيني بحكم أنه كله مستهدف، اليوم الذي جرى في كفر كنّه دليل على ذلك جرائم وحشية ضد الفلسطينيين سواء في داخل أراضي 48 أو في القدس أو في الضفة الغربية، استيطان مستفحل في كل مكان، قمع وتنكيل في كل مكان، دمار اقتصادي، حصار إجرامي على غزة، جرائم ارتكبت ضد النساء والأطفال، اليوم أنا برأيي يحدث إعادة انصهار للشعب الفلسطيني وخاصة في الشتات الذين هُمشوا عن القضية الفلسطينية على مدار سنوات طويلة بعد أوسلو يعودوا الآن إلى الساحة عبر حركة المقاطعة وفرض العقوبات، أنا برأيي يولد أو تولد مرحلة جديدة من النضال الفلسطيني عنوانها الرئيسي المقاومة والكفاح لكسر هذا المشروع الإسرائيلي وهذا المشروع العنصري الصهيوني، من ناحية ثانية طبعاً الانقسام الداخلي يؤذينا جداً وما جرى في غزة مؤسف ومدان ومرفوض بكل المعايير وأنا أدعو إلى الإسراع في الكشف عن المجرمين الذين ارتكبوا هذه الأمور لأنها لا تفيد إلا أعداء الشعب الفلسطيني، ويجب الكشف عن تلك الأصابع والأيدي التي تساعد على تخريب الأوضاع حتى تشغل الشعب الفلسطيني عن معركته الرئيسية ضد الاحتلال ومع ذلك أقول أن الانقسام يدور على ماذا؟ الصراع الداخلي يدور على سلطة وهمية كلها تحت الاحتلال.

محمد كريشان: نعم ولكن أشرت عفواً أشرت إلى نقطة مهمة عفواً بعد إذنك دكتور أشرت إلى نقطة مهمة وهو أن ما يجري بالعكس أعاد توحيد الشعب الفلسطيني وهنا نسأل سيد صالح النعامي عما إذا كانت المرحلة الحالية تجاوز فيها الفلسطينيون الغاضبون والمقموعون أي تصنيف فصائلي فتح أو حماس أو غيرها أصبح القمع حاد بدرجة لم يعد فيها المواطن الفلسطيني يقيم وزناً لتلوينات فصائلية وإنما للون وطني ولضرورة مواجهة الاحتلال؟

صالح النعامي: هذا بالضبط ما يحدث أستاذ محمد يعني القمع لا يشمل فقط المقدسيين، القمع يشمل أيضاً الخليل، أهالي الخليل الذي يحظر عليهم في بعض الأحيان الانتقال من شارع إلى شارع ومن حي إلى آخر، القمع يشمل ما يتعرض له الفلسطينيون في شمال الضفة الغربية الذين يترك المستوطنين لكي يقوموا بإطلاق قطعان من الخنازير لإتلاف مزارعهم لكن على كل الأحوال، هناك يجب ألا يتم تسويف الأمور يعني للأسف الشديد في الوقت الذي تقوم إسرائيل بكل جرائمها في القدس وفي غزة وفي مناطق شتى في الضفة الغربية كان يفترض أن يكون هناك تحرك فلسطيني رسمي جاد ضد إسرائيل وهناك حديث عن أنه الجانب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية أن تتوجه إلى الأمم المتحدة لرفع قضايا ضد إسرائيل، لكن للأسف الشديد نسمع تهديدات ونسمع وعودا ولكن لا نسمع تطبيقاً على الأرض في الوقت الذي يقمع الفلسطينيون في القدس أيضاً يقمع الفلسطينيون الذين يتظاهرون في نابلس وفي الخليل انتصارا للقدس، وبالتالي هناك يجب أن توضع الأمور على نصابها، أن يسأل السؤال الأكبر وهذا حق الشعب الفلسطيني على القيادات الفلسطينية ما هي خيارات هذه القيادات؟ وما هي أولوياتها؟ هناك في حاجة ماسة لكي يتم تحديد بوصلة هذا الشعب وبوصلة قيادته، منذ أكثر من سنة ونصف أو سنتين وأذكر أنه في اجتماع كان حضره الدكتور مصطفى البرغوثي توعد فيه الرئيس أبو مازن بأن يتم الانضمام لكل المحافل الدولية لتعقب إسرائيل، ولكن حتى هذه اللحظة لم نر عملاً على الأرض هذا ما يتوجب هذا التحدي الذي يفرض على القيادة الفلسطينية كما يفرض على بقية مركبات الشعب الفلسطيني وما حدث في غزة يعني هو حدث خطير استهداف منازل قيادات حركة فتح يتوجب الكشف عن الجناة لأنه لا يحتمل الشعب الفلسطيني فتح ونكأ مزيد من الجراح في الوقت الذي تستبيح فيه إسرائيل لكل الفلسطينيين.

تراجع القدرة على التعبئة الشعبية

محمد كريشان: هناك أيضاً نقطة أخرى مهمة أشار إليها بعض الكتاب والمحللين ونريد أن نسأل عنها كل من الدكتور مصطفى البرغوثي والسيد صالح النعامي، هناك من يشير الآن إلى ما هو أخطر من الانقسام بين الفلسطينيين أن هناك طوال السنوات وطوال استمرار التسوية والممارسات الإسرائيلية برزت نوع من العقلية الفردية ونوع مما سماه البعض تراجع القدرة على التعبئة وتفاقم أشكال اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية وأن هذا ربما سيكون محبط للفلسطينيين لقيامهم بأي تحرك ناجع هل فعلاً هذه النقطة جديرة بالاهتمام والدراسة دكتور البرغوثي؟

مصطفى البرغوثي: طبعاً جديرة ولكن هذه النقطة تتعلق بفئة صغيرة محدودة أنا أسميها فئة مستفيدة من حالة البقاء تحت الحالة الحالية وهي فئة فعلاً صغيرة ومعزولة عن الشعب الفلسطيني وهي التي تخشى الانتفاضة أكثر من أي طرف آخر لأنها لا تريد أن يتغير الحال، لكن غالبية الشعب الفلسطيني مختلفة، غالبية الشعب الفلسطيني تريد أن ترى كفاحا فعالاً ومؤثراً وإذا سمح لي أن أقول ربما أقول أن الشعب الفلسطيني متقدم على قياداته حتى، الشعب الفلسطيني منذ سنوات يطالب بقيادة وطنية موحدة، قيادة وطنية موحدة من شأنها أن تجعل النضال مؤثر وفعال أكثر وقيادة وطنية موحدة من شأنها أن تغلق الأبواب أمام محاولات العبث بالساحة الداخلية وإحداث انقسام عميق، الخلاف والانقسام يدور على سلطة وهمية لا وجود لها كلها تحت الاحتلال وهي نتاج تجربة أوسلو، نحن بحاجة إلى وحدة في حركة التحرر الوطني وما تراه الآن من اختلاف في الاجتهادات هو انعكاس لتفاوت ما بين مرحلة سابقة انتهت برأيي ومرحلة قادمة مختلفة ولذلك ليس غريباً أن يكون جيل الشباب هو الأكثر انضواءً في المقاومة وأكثر مطالبة بها وأكثر رغبةً في الكفاح الوطني من أجل كرامته وحريته واستقلاله.

محمد كريشان: دكتور النعامي، سيد النعامي تفضل.

صالح النعامي: نعم، يعني هناك كما يصنف المؤرخون الفترة الفاصلة ما بين 1982 و1987 كانت أكثر الفترات التي قتلت فيها المقاومة الفلسطينية، ولكن في 1987 عندما طغت الممارسات الإسرائيلية العدوانية فجر الشعب الفلسطيني انتفاضته المباركة الأولى وبالتالي هذا إن دل على شيء فإنما يدلل على حقيقة يعني تكررها دائماً تكرسها التجربة التاريخية بأن الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يسمح بفراغ تستفيد منه إسرائيل وهو بذلك متقدم على قياداته، وما يحدث بالمناسبة على القدس من عمليات فردية هذه العمليات الفردية التي تشكل تحدياً كبيراً لأجهزة الأمن الإسرائيلية هو رسالة للقيادات الإسرائيلية بأنه إذا حاولت إسرائيل تغيير الوضع القائم وتغيير أصول قواعد المواجهة في القدس فإن الشعب الفلسطيني بقواه الحية وبدون دعم الفصائل وبدون توجيهاتها بإمكانه أن يعيد خلط الأوراق بشكل لا تتصوره إسرائيل ولا يمكن أن تقف أمامه.

محمد كريشان: شكراً جزيلاً لك سيد صالح النعامي الكاتب المتخصص في الشؤون الإسرائيلية شكراً أيضاً لضيفنا من رام الله الدكتور مصطفى البرغوثي الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية، بهذا مشاهدينا الكرام نكون قد وصلنا إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر نلتقي بإذن الله في قراءة جديدة فيما وراء خبر جديد غداً بإذن الله، دمتم في رعاية الله وإلى اللقاء.