- المصريون ومستقبل ثورتهم
- مقارنة بين الثورتين المصرية والتونسية

- المجلس العسكري وحالة التباطؤ في مصر

- دور المؤسسة العسكرية في تونس ومصر

عبد الصمد ناصر
عمرو هاشم ربيع
سالم الأبيض
عبد الصمد ناصر: يوم حاسمٌ في تاريخ الثورتين المصرية والتونسية، المجلس العسكري في مصر يعد في تسليم السلطة إلى المدنيين وإجراء انتخابات رئاسية قبل يونيو 2012 والمجلس التأسيسي التونسي يعقد أولى جلساته اليوم وسط توافق بين الكتل الفائزة على تقاسم السلطات،مساء الخير نتوقف مع هذا الخبر لنناقشه في عنوانين رئيسيين: هل يمثل التطور الأخير في مصر خريطة طريق حقيقية لتسليم السلطة إلى المدنيين وتحقيق سائر أهداف الثورة المصرية، وما هي العوامل التي جعلت الثورة التونسية تنجح عملياً في تفادي التعقيدات والمخاطر التي تترصد الثورة المصرية، في آخر التطورات الواردة من مصر أعلن المشير حسين الطنطاوي رئيس المجلس الأعلى في كلمة للشعب المصري قبل قليل أنه قبل استقالة حكومة عصام شرف وكلفها بتصريف الأعمال لحين تشكيل حكومة جديدة ونفى الطنطاوي أي أطماع للجيش في الحكم وتعهد بتسليم السلطة فوراً من خلال استفتاء وتعهد بإجراء انتخابات في موعدها كما سيتم انتخاب رئيس للبلاد قبل نهاية شهر يونيو من العام المقبل.

[شريط مسجل]

محمد حسين الطنطاوي/ رئيس المجلس الأعلى: الالتزام بإجراء الانتخابات البرلمانية في توقيتاتها المحددة والانتهاء من انتخاب رئيس الجمهورية قبل نهاية شهر يونيو 2012. إن القوات المسلحة ممثلةً في مجلسها الأعلى لا تطمح في الحكم وتضع المصلحة العليا للبلاد فوق كل اعتبار وإنها على استعداد تام لتسليم المسؤولية فوراً والعودة إلى مهمتها الأصلية في حماية الوطن إذا أراد الشعب ذلك من خلال استفتاء شعبي إذا اقتضت الضرورة بذلك.

المصريون ومستقبل ثورتهم

عبد الصمد ناصر: لمناقشة هذا الموضوع ينضم إلينا من تونس الدكتور سالم الأبيض أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة التونسية ومن القاهرة الدكتور عمرو هاشم ربيع رئيس وحدة الدراسات المصرية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام. دكتور عمرو نبدأ بالأخير بالتطور الأخير، هل من شأن ما سمعناه اليوم من رئيس المجلس العسكري الأعلى أن يهدأ روع الشارع، أن يطمئن المصريين على مستقبل ثورتهم وربما يعيد المعتصمين إلى بيوتهم؟

عمرو هاشم ربيع: الشارع بطبيعته يرفع مطالب ذات سقف عالٍ وهو بطبيعة الحال لها طابع مثالي إلى حد كبير ولو رفع غير ذلك لكان الأمر غريباً. لكن دعني أؤكد أن ما حدث اليوم أو في ختام هذا اليوم من خطاب رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة ما من شك أنه يعد تطورا إيجابيا ومحمودا إلى أبعد الحدود، تم انتزاع مكسب كبير ربما لم يكن هناك انتزاع لكافة المكاسب لكن ما تم حصده ما من شك واضح وكبير كنا نتحدث عن أو كان هناك الحديث عن ما لا يتجاوز ستة أشهر لإعداد لجنة الدستور بل نتحدث عن عام بعدها تُجرى انتخابات رئاسة بعدها كان يتوقع أن تجرى طبقاً لهذا الأمر بعد انتخابات مجلس الشورى بمدة سنة يعني كنا نتوقع أن تجرى هذه الانتخابات في ربيع 2013 وإذ بنا نختصر كل المسافات ويتحدث عن انتخابات رئاسية يُحدَد رئيس دولة مصر فيها في نهاية يونيو 2012 هنا قال 2006، وهذا مما لا شك إنجاز كبير..

عبد الصمد ناصر: ولكن كما يقول البعض هذا انجاز لا يرقى إلى سقف مطالب المواطنين في الشارع الآن أو المعتصمين على الأقل في الميدان.

عمرو هاشم ربيع: نعم هناك ما من شك بعض المطالب الأخرى الخاصة بالمحاكمات العسكرية للمدنيين، هناك أمور خاصة ما من شك مرتبطة بطبيعة حكومة الإنقاذ الوطني، هناك خشية في أن تكون هذه الحكومة هي تكرار لحكومة شرف التي كان يحركها المجلس الأعلى للقوات المسلحة من خلف الستار يأتي بشخصية لا تختلف كثيراً عن شخصية الدكتور شرف أو صلاحيات شرف أو حكومة منزوعة الصلاحيات كما كانت هذه الحكومة لكن ما من شك مثلما ذكرت لك أن ما حدث يشكل نوعا من المكاسب ومكسب بالطبع مهم للغاية. دعني أذكرك أن ما هو باقٍ في واقع الأمر بعض المشكلات الرئيسة إضافة إلى حكومة الإنقاذ المتعلقة بمستقبل وثيقة السلمي متعلقة بمستقبل وضع الدستور وكيفية وضع هذا الدستور. هذان الأمران بالإضافة إلى موضوع المحاكمات العسكرية من الأمور المعلقة حتى الآن.

مقارنة بين الثورتين المصرية والتونسية

عبد الصمد ناصر: سنناقش كثيرا من الأمور حول أداء المجلس العسكري وإن كان هذا الأمر سيغير في الواقع شيئاً في مصر ولكن نتحول إلى تونس وضيفنا الدكتور سالم الأبيض أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة التونسية دكتور دخلنا في الأيام الأخيرة في مقارنات بين مسار الثورة السلمية مسار الثورة في تونس ومسار الثورة في مصر وعوامل هذا المسار إن شئنا أن نقول السادس في تونس والوصول إلى المجلس التأسيسي والتوافق بين الكتل الفائزة في الانتخابات حول تقاسم السلطات والرئاسات الثلاث وبين ما شهدته مصر وما يمكن أن نصفه بالتعثرات الكثيرة التي مرت بها الثورة المصرية، نسأل هنا ما هي العوامل التي جعلت الثورة التونسية تنجح عملياً في تفادي التعقيدات والعقبات التي رصدناها في الثورة المصرية؟

سالم الأبيض: شكراً جزيلاً يعني دعني أبدأ بتقديم التهنئة اليوم لأعضاء المجلس التأسيسي في تونس بمناسبة انعقاد أولى الجلسات في هذا اليوم وهذا اليوم سيُنحَت في تاريخ تونس وفي التاريخ العربي ككل، وهو تتمة لمحطات ثلاثة أولى سبقت هذا الموعد وهي 17 ديسمبر انطلاقة ثورة سيدي بوزيد ثم 14 جانفي سقوط بن علي ونجاح الثورة و23 أكتوبر الانتخابات الديمقراطية الشفافة التي عرفتها تونس والتي انتهت إلى هذا المجلس التأسيسي الذي يعتبر ثمرة مهمة بالنسبة لهذه الثورة التي قدمت التضحيات وقدمت الشهداء الذين نترحم عليهم جميعاً بهذه المناسبة الكريمة. بالنسبة لأسباب نجاح الثورة في تونس أنا أعتقد أن النمشي الذي عرفته تونس منذ البداية كان أكثر وضوحاً من النمشي الذي عرفته مصر رغم أنني أقر كذلك منذ البداية أن هذا التعثر الذي تعيشه الثورة في مصر هو تعثر لنا جميعاً وهو تعثر لهذا الربيع العربي وتعثر لهذا الطموح الذي طالما حلمنا به في الوطن العربي من أجل أن ننجز في يوم من الأيام ثورة ضد الاستبداد وضد الفساد وأن نخرج من دائرة الاستثناء العالمي وأن تصبح لنا ديمقراطيات نفتخر بها والآن أعود وأقول أن التعثر..

عبد الصمد ناصر: نعم. دكتور سالم هذا التعثر بالذات ما يرى الكثيرون أن الثورة التونسية تجاوزت الكثير منه وتجاوزت الكثير من التعقيدات التي جابهتها واستطاعت أن تحقق لهم للشعب التونسي وللثوار أهم المطالب التي نادوا بها بينما في مصر تقول القيادات الشبابية أن التحركات الاحتجاجية الجارية أملاها خطر الالتفاف المحيق بالثورة المصرية مقارنة بالمسار التونسي، على كل حال قراءة في المسارين نتابعها في تقرير الزميلة رانيا حلبي.

[تقرير مسجل]

رانيا حلبي: أسباب ومقدمات واحدة أخرجت التونسيين والمصريين للثورة على نظامي الحكم والإطاحة بهما فالبلدان كانا على درجة كبيرة من القمع وانتشار الفقر وسيطرة الأزلام والمحاسيب، لكن وبعد أشهر من الثورتين تتأكد صحة ما ذهب إليه البعض من أن مصر ليست تونس فالثورة التونسية تحقق نجاحاً كبيراً بينما لا تزال تتهدد الثورة المصرية أخطار جمة الفارق الأساسي بين الاثنتين هو حصول نوع من التوافق في تونس منذ البداية، بينما عصفت الخلافات منذ البداية بين أرباب الثورة المصرية ومن التحق بها فيما بعد، فالتجربة التونسية كانت بداية الخطوات توافق الجميع على إلغاء الدستور القديم فأُجريت انتخابات لمجلس تأسيسي وليس برلمان سيكتب الدستور الجديد ويعيد تشكيل الحياة السياسية برُمتها كما طُبقت إجراءات العزل السياسي على حزب التجمع الدستوري المنحل الحزب الحاكم أيام بن علي، الشرطة التونسية نجحت في إعادة الاستقرار الأمني ووقف الجيش على الحياد ولم يدعي دوراً له في حماية الثورة لاقتناص مساحة في المرحلة اللاحقة لها، كما أن الضغوط الدولية على تونس ليست بحجم تلك التي تمارس على مصر، بالنسبة للإسلاميين يرى مراقبون اتسام خطاب حزب النهضة بالاعتدال فهؤلاء قالوا أنهم لن يتفردوا بالسلطة ولن يعملوا ضد مدنية الدولة أقله حتى الآن. في التجربة المصرية يأخذ كثيرون أن الثورة كانت بلا قيادة والدستور لم يُلغ من أساسه للتخلص من أدوات النظام القديم بل أجرى المجلس العسكري استفتاءً على تعديلات على الدستور، أمرٌ وضع أولى بذور الاختلاف بين القوى السياسية وفجر ما عُرف بفتنة الدستور فعاشت مصر تجاذباً كبيراً الدستور أولاً أم الانتخابات، فكان أن انتصر منطق الانتخابات أولاً الذي قال به الإسلاميون وفي مقدمتهم الإخوان المسلمون، من أسباب تعثر الثورة المصرية أيضاً وفق البعض تفتت القوى الثورية عبر خروج قوى الإسلام السياسي من منتصف الطريق وإدارتها حواراً منفرداً مع سلطة العسكر وتضحيتها. كما تتهم بالمطالب الوطنية التي وضعتها قوى الثورة الفعلية بما وجه سهام الاتهامات لها بأنها تريد قطف ثمار الثورة لوحدها، وبعكس تونس رفض الإسلاميون بشدة مدنية الدولة، في مصر أيضاً تُتهم القيادة العسكرية بالتحفظ على كل الإجراءات الثورية التي كان من المفترض إتباعها للقطع مع السابق وبأنها تريد حجز مساحة لها في القرار السياسي. في مصر جاء قانون محاربة الإفساد السياسي عوضاً عن مطالباتٍ بقانون العزل، قانون من شأنه مكافحة تمدد فلول الحزب الحاكم السابق بينما لا يزال الانفلات الأمني واضحاً في مصر، تتقدم تونس في ثورتها وتحقق نتائج مذهلة بينما لا تزال الثورة في مصر تتعثر.

[نهاية التقرير]

المجلس العسكري وحالة التباطؤ في مصر

عبد الصمد ناصر: ونعود مرة أخرى للدكتور عمرو هاشم ربيع رئيس وحدة الدراسات المصرية ومركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام دكتور عمرو من خلال كلام المشير قال بأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة لم يدخر جهداً في أن يتم التحول بشكل سلس وأن هناك اكراهات كثيرة سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو على الصعيد الاجتماعي وبأن المجلس العسكري لم يكن يقم بأي خطوات إلا بالعودة والاستشارة مع باقي القوة السياسية في مصر لكن رغم ذلك سنسمع الكثير والكثير مما سماه المشير بالتجريح والاتهامات بالنسبة أنه كان يتعامل بنوع من الفوقية مع القوى السياسية ومع الثوار وبأنه ربما كان يلتف حول مطالب الثورة والثوار، نسأل هنا ما دام المشير لم يصل إلى سقف هؤلاء كما قلت قبل قليل ما هو المطلب الذي كان ينتظره الشعب المصري ولم يستجيب له المشير طنطاوي؟

عمرو هاشم ربيع: دعني عبد الصمد بدايةً تكملة لكلامك أو إضافة إلى كلامك أذكرك أن هذا الكلام الذي كان يحمل نقدا للمؤسسة العسكرية أو بالتحديد للمجلس الأعلى للقوات المسلحة كان منبعه ديمقراطيا بالأساس ولا تستطيع أن تحجر على حرية الرأي والتعبير بدعوة أن هذا الرد فيه نوع من التجريح أو ما إلى غير ذلك، هذا أمر غير صحيح ناهيك عن أن بالفعل كان يحتاج إلى..

عبد الصمد ناصر: هذا كان وصف الطنطاوي..

عمرو هاشم ربيع: نعم أنا أدرك ذلك كان هذا الأداء يحتاج إلى تقويم لا أقول أن هناك كان تقصيرا متعمدا من قبل المؤسسة العسكرية أنا أتحدث عن مؤسسة في الواقع العربي تقريباً المؤسسة العسكرية الفريدة التي كانت تتسم بالاحتراف بمعنى أنها لم تشترك فيه أو لم تكن مؤسسة مسيسة ناهيك عن إذا ما قارنت بينها وبين ما يحدث على سبيل المثال في سوريا وفي ليبيا أو ما حدث في ليبيا أو ما حدث في اليمن إنك تحدث عن جيش وطني بالمعنى الحرفي للكلمة من هنا كان النقد لعدم وجود الخبرة السياسية في التعامل خلال هذه الفترة الانتقالية مع الوضع السياسي في مصر، نوع من إدارة السياسة يوم بيوم، نوع من التباطؤ في التعاطي مع مطالب الثوار، نوع من البطء الشديد للغاية وإدارة الأمور بتمهل غير طبيعي الأمر الذي أدى بالطبع إلى إشعار البعض أن هناك كما لو كان هناك نوع من التواطؤ خاصة فيما يتعلق بأن كثيرا من الإجراءات التي كان يطلبها الثوار صدرت عن أحكام قضائية كحل الحزب الوطني وكحل المجالس المحلية وكتصويت المصريين في الخارج كل هذه الأمور بالطبع لم تصدر عن مجلس الأعلى للقوات المسلحة بل صدرت نتيجة أحكام قضائية وكان يتوقع من المجلس الأعلى للقوات المسلحة أن يصدرها بل على العكس كافة الأمور التي كان يعد بها بشكل أو بآخر صدرت نتيجة المليونيات ونتيجة الضغوط التي كانت تقع من خلفه في ميدان التحرير ومنها محاكمة رؤوس النظام السابق إضافة إلى أمور أخرى بقانون العزل السياسي الذي خرج بعد فترة مبتورا.

عبد الصمد ناصر: نعم دكتور، هذا التباطؤ هل يبرر اتهامه بأنه يريد أن يقتل الثورة وينفرد بالسلطة ويطيل أمد وجوده على رأس الهرم السياسي في البلاد؟

عمرو هاشم ربيع: عبد الصمد أن لست هنا في محل للدفاع عن الثوار لكن ما أحب أن أقوله لك أن هناك بالفعل بعض الأمور التي حدثت ووقعت كانت في غاية السلبية، غاية السلبية كما سبق وأن ذكرت كان هناك الكثير من الأمور حكم فيها القضاء ولم تحكم فيها المؤسسة العسكرية، أو حكمت فيها المؤسسة العسكرية في مشروعات قوانين بعد أن صدرت فيها أحكام قضائية، هناك بعض الأمور الأخرى المتعلقة على سبيل المثال في الشهادات التي كانت منصفة لأنصار النظام البائد. قانون العزل السياسي يا أخي عبد الصمد الذي صدر بالأمس كان مبتورا إلى أبعد الحدود، هو تعديل لقانون الغدر وإذ بنا نجد أن الاتهامات التي كانت موجودة في قانون الغدر لم يتبق منها إلا تهمتين فقط، كل ما هو متعلق بالحجر خمس سنوات أو الإقصاء خمس سنوات كحد أدنى، انقلبت إلى كلمة كحد أقصى، أصبح هناك لدينا طعون من قبل المعزولين على أحكام القضاء بالعزل، أصبح لدينا النيابة العامة هي التي ترفع القضايا..

عبد الصمد ناصر: طيب دكتور هي تفاصيل كثيرة ساهمت في تأزم الوضع والوصول إلى حد الانفجار كما شهدنا في ميدان التحرير، سنحاول أن نستشرف المستقبل على ضوء كلمة المشير طنطاوي ونبحث بعد هذا الفاصل الذي سننتقل إليه الآن في ملامح المرحلة المقبلة التي تنتظر الثورتين التونسية والمصرية في ظل التحديات القائمة في طريقهما نعود إليكم بعد الفاصل ابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

دور المؤسسة العسكرية في تونس ومصر

عبد الصمد ناصر: أهلاً بكم من جديد في حلقتنا من برنامج ما وراء الخبر التي تبحث في أسباب تقدم المسار الثوري في تونس وتعثره في مصر ونناقش أوجه المقارنة بينهما، نتحول إلى تونس وضيفنا سالم الأبيض أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة التونسية دكتور سالم الأبيض حينما تحدثنا عن مصر تحدثنا عن صراع الآن مع المؤسسة العسكرية التي يراد لها أن تسلم السلطة إلى المدنيين ولكن إذا نظرنا إلى تونس لم يكن الأمر كذلك فهل هذا الهدوء إذا شئنا أن نقول الذي مرت به المرحلة الانتقالية في تونس يمكن أن نُرجع بعض الفضل فيه للمؤسسة العسكرية ويمكن أن تكون المؤسسة العسكرية التي ظلت على مسافة واحدة تقريباً بين القوى السياسية يكون التونسيون ربما مدينون لها على هذا التعايش؟

سالم الأبيض: في رأيي يجب أن نُثني ثناءً كبيراً على المؤسسة العسكرية في تونس لأنها بقيت محايدة ولم تتدخل في الصراع السياسي الموجود وهذا يعود إلى إرث طويل يمتد على خمسين سنة من أن المؤسسة العسكرية لا تتدخل في الحياة المدنية أو لم يُعرف على المؤسسة العسكرية أنها تدخلت في الحياة المدنية إلا استثناءً وحيداً وقع عام 1984 عندما وقعت انتفاضة الخبز وقع توظيف الجيش لإخماد تلك الانتفاضة بقدر ما. لكن لا بد في المقارنة بين الثورة التونسية والثورة المصرية أن نعترف أن ما يقع اليوم في مصر وقع في تونس في بداية الثورة، دعني أقول في شهر فبراير والاعتصام الأول والاعتصام الثاني في القصبة كان يمثل حركة تصحيحية للثورة لأن الثورة في تونس وقع الانحراف بها في ذلك الوقت بعد أن قامت بعد 14 جانفي التفت عليها القوى القديمة بالتحالف مع القوى المعارضة التقليدية ولكنها أُجهضت تلك العملية بواسطة اعتصام 25 فبراير المنقضي وكان اعتصاما كبيرا جداً في ساحة القصبة وكان مثل حركة تصحيحية بأتم معنى الكلمة وفي هذا الاعتصام وقع نوع من الاندماج بين مطالب القوى السياسية الراديكالية التي هي قوى يسارية وقومية وإسلامية وإلى حد ما ليبرالية وشباب ثورة 14 جانفي وتبنى الشباب هذه المطالب وخاصة في حل الدستور وفي حل حزب التجمع الدستوري الحاكم السابق وفي الإقرار بانتخابات مجلس تأسيسي ونحن إذا أردنا أن نقتدي بالثورات الكبرى في العالم مثلاً عندما نتحدث عن الثورة الفرنسية، الثورة الفرنسية كانت أحد ثمارها الجمعية الوطنية التأسيسية الفرنسية، هذا المجلس التأسيسي هو ثمرة كبيرة للثورة التونسية وهو يعبر عن نضج مسار الثورة وعن استيعاب قوى الثورة للمخاطر المحدقة بها ولذلك جاءت هذه الحركات التصحيحية..

عبد الصمد ناصر: لكن دكتور، عذراً على هذه المقاطعة نعتبر المجلس التأسيسي في تونس الآن تتويجا للثورة لأن هناك تحديات كبيرة تنتظر هذا المجلس وسيبرهن حينها حينما يصلون القوى السياسية تصل إلى دراسة الملفات الصعبة من كتابة الدستور والتوافق حول قوانين انتخابية هنا سيتم اعتبار ذلك ربما معياراً للنجاح أو الفشل.

سالم الأبيض: أنا أعتبر ربما من منظور التحليل السسيولوجي أن هذا الحراك السياسي الذي تعيشه تونس هو حراك طبيعي جداً وأن يقع الاختلاف أو حتى التناقض أو حتى الصراع بين القوى السياسية أو أن يتحالف بعضها من أجل تشكيل حكومة فهذا أمر طبيعي جداً لأن تشكيل الحكومة يعتبر جزء من مهمة المجلس التأسيسي بوصفه سلطة تأسيسية لما وقع انتخابها من أجل وضع دستور ومن أجل تسيير البلاد ولا يمكن تسيير البلاد إلا عبر حكومة والحكومة من طبيعة الحال أن تشكل من قوى الأغلبية سواء أن كانت بصفة حزبية فردية أو صفة حزبية متحالفة ما أراه الآن في تونس من الحركة المدنية..

عبد الصمد ناصر: دكتور سالم باختصار..

سالم الأبيض: كلمة فقط دكتور عبد الصمد، ما أراه من هذه الحركة المدنية التي نراها أمام مجلس النواب في باردو أراها كذلك حركة طبيعية تدل على حراك سياسي ممتاز على أرضية هذا الاختلاف السياسي وهذا التنوع الفكري والسياسي ولكن لا يجب أن تتحول هذه الحركة المدنية الممتازة إلى نوع من الإرباك لدور المجلس التأسيسي وقيامه بوظيفته الرئيسية في وضع الدستور.

عبد الصمد ناصر: خلص دكتور سالم لم تترك لي مجالاً لأسألك سؤالاً أخر إنما بقي لي وقت قليل جداً أخصصه لضيفنا في مصر الدكتور عمرو هاشم بعد خطاب مشير الطنطاوي مصر إلى أين؟

سالم الأبيض: ما ذكره المشير الطنطاوي فيما يتعلق بالاستفتاء على المغادرة أنا أتوقع أن هذا كان لمجرد الترفع لإثبات الترفع عن السلطة هذه واحدة، الانتخابات البرلمانية سوف تجري في موعدها ولا حرج من ذلك سوف يكون أتوقع للتيار الإسلامي الغلبة العددية وليس الغلبة المطلقة، الأمر الثاني سوف يجري أيضاً الإعداد للانتخابات الرئاسية وسيتم الأمر في موعده، المشكلة عبد الصمد في تقديري سوف تأتي في الدستور هل يكون الدستور قبل الانتخابات الرئاسية وهذا مستبعد أو شبه مستحيل لضيق الوقت يبقى أنه سوف يكون بعد انتخابات الرئاسة الأمر الذي ينذر بعاقبتين أو بأحد عاقبتين أو ثلاث عواقب: هل سيتدخل رئيس الجمهورية المنتخب في وضع الدستور بسلطته المعنوية على الأقل؟ أم هل تتدخل القوى التي وضعت التي لجنة المائة التي غلبتها من التيار الإسلامي باعتبار أن له الغلبة في البرلمان في وضع هذا الدستور والمشكلة الرئيسة ماذا ستفعل المؤسسة العسكرية فيما يتعلق بوضعها ومكانتها في الدستور طالما أنه تم وضع الدستور بعد انتخابات الرئاسة. هنا تبدو لي بعض المشكلات التي ربما قد تحدث وربما قد تعاد الكرة مرة أخرى لا قدر الله فيما يتعلق بوضع مبادئ حاكمة للدستور أو وضع مبادئ كما يحلو للبعض تسميتها فوق دستورية ولا قدر الله أن هذه المشكلة إن شاء الله لا تحدث.

عبد الصمد ناصر: إن شاء الله، شكراً لك دكتور عمرو هاشم ربيع رئيس وحدة الدراسات المصرية بمركز الدراسات الإستراتيجية والسياسية بالأهرام، كما نشكر ضيفنا من تونس دكتور سالم الأبيض أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة التونسية ونشكركم مشاهدينا الكرام لمتابعتكم، بهذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر، غداً بإذن الله قراءة جديدة فيما وراء خبر جديد إلى اللقاء بحول الله.