- دلالات تحول المواقف الغربية من الثورة التونسية
- دور النظم الغربية في قضايا الديمقراطية والاستبداد

عبد الصمد ناصر
عمرو حمزاوي
عبد الله الكحلاوي
عبد الصمد ناصر: جددت الولايات المتحدة تقديرها لشجاعة وتصميم الشعب التونسي وتضحياته الكبيرة التي قدمها في إطار الثورة التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي وأكدت واشنطن في مقال كتبه سفيرها لدى تونس وقوفها إلى جانب الشعب التونسي في سعيه لتحقيق التحول الديمقراطي، من ناحية أخرى برر الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي صمت بلاده إزاء قمع نظام بن علي بأنه كان من منطلق الالتزام بسياسة عدم التدخل في شؤون الدول. نتوقف مع هذا الخبر لنناقشه في عنوانين رئيسيين، كيف يمكن قراءة التحول في الموقف الغربي من الثورة التونسية ضد نظام بن علي؟ وما هو الدور الذي لعبته النظم الغربية تجاه قضايا الديمقراطية والاستبداد في العالم العربي؟... لطالما تغاضى الغرب وصم أذنيه عن كل صيحات الاستغاثة التي كانت تصدر من ناشطي حقوق الإنسان من داخل وخارج تونس تشكو قسوة النظام وقمعه المستمر لكل أشكال المطالبة بالحريات، فقد كان نظام بن علي وحتى وقت قريب يتمتع بحماية غربية مصحوبة بثناء مستمر عليه بوصفه نموذجا للنظام الذي يجابه التطرف ويحقق التنمية والرخاء لشعبه.

[تقرير مسجل]

أمير صديق: لنحو أربعة أسابيع متواصلة ظل الشعب التونسي يواجه آلة الموت التي لم يتردد نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي في استخدامها بقسوة بالغة على سمع وبصر العالم الذي لم يجرؤ على التفوه بكلمة واحدة تدين هذا القمع المنصب على مواطنين عزل يطالبون بحرية سُلِبوها لـ 23 عاما ظل خلالها جلادهم يتلقى آيات الثناء وشهادات التميز من قبل من سموا أنفسهم العالم الحر المختص دون سائر عباد الله بالسهر على الحريات وحماية حقوق الإنسان، فقط وبآخره خرج الرئيس الأميركي يعبر عن إعجابه بصمود الشعب التونسي وكأنه كان ينتظر حتى يكتمل اختبار هذا الصمود ليتفوه بهذه الكلمات التي لم تزد واشنطن في دعمها إجرائيا إلا باستدعاء شكلي ومتأخر لسفير تونس لديها أبلغته خلاله قلقها من استخدام القوة غير المتكافئة وكأن هذا أقصى ما يجب أن يفعل، أما فرنسا التي تفترض نوعا من الوصاية الأبوية على مستعمراتها السابقة وتونس من بينها فلم يفتح الله عليها إلا مؤخرا بتعليق أشبه ما يكون بدموع التماسيح أعربت فيه عن قلقها من الإفراط في استخدام العنف الزائد ضد المتظاهرين في الوقت الذي ظلت فيه وزيرة خارجيتها تواصل عرض نصائحها على نظام بن علي حول كيفية تصفية الثورة التي وصفتها الوزيرة الفرنسية بأنها أوضاع أمنية تشهدها تونس، ومع ذلك فإن باريس وواشنطن لا تجدان اليوم حرجا في صك الإدانة لنظام بن علي وفساده وقمعه للحريات بنفس الأريحية التي كانتا تدبجان بها المديح لنفس هذا النظام! موقف يطرح عدة تساؤلات حول مصداقية الغرب في مواقفه الإعلانية من الديمقراطية والحريات خارج حدوده ويعزز الشكوك من ناحية أخرى في دوره الحقيقي في دعم وحماية أنظمة الاستبداد التي تخنق أغلب شعوب المنطقة، وفي هذا يتذكر الكثيرون حديث وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندليزا رايس الذي أقرت فيه بأن بلادها ظلت ولأكثر من خمسين عاما ترجح دعم الاستقرار على حساب الديمقراطية في المنطقة العربية وأنها لم تحصد في النهاية استقرارا ولا ديمقراطية، خلاصة لم تستفد منها واشنطن التي واصلت دعمها لتلك النظم ونظام بن علي من بينها إلى أن فاجأها الشعب التونسي بما لم تحسب حسابه.

[نهاية التقرير المسجل]

دلالات تحول المواقف الغربية من الثورة التونسية

عبد الصمد ناصر: إذاً أهلا بكم مشاهدينا الكرام في هذه الحلقة وينضم إلينا فيها لمناقشة الموضوع من القاهرة الدكتور عمرو حمزاوي مدير أبحاث الشرق الأوسط من مؤسسة كارنيغي، ومن باريس الدكتور عبد الله الكحلاوي سفير الأمم المتحدة السابق لدول الاتحاد المغاربي. دكتور عمرو حمزاوي، بن علي كان يعتبر إلى الأمس القريب رجل أميركا في شمال إفريقيا حليفا لها في الحرب على ما يسمى الإرهاب و في قضايا أخرى أمنية وحتى لأن له ارتباطات بالأجهزة الاستخباراتية في الولايات المتحدة الأميركية كما يقول البعض، كيف تحول هذا الموقف الأميركي من هذا الرجل ليصبح على عكسه ومؤيدا لمن كانوا بالأمس يستغيثون بالإدارة الأميركية وتغض الطرف عن هذه الاستغاثات؟

عمرو حمزاوي: النقطة الحاسمة هي متى تحول الموقف الأميركي، وكما تمت الإشارة في التقرير بالفعل لم يتحول الموقف الأميركي ولم تتحول المواقف الأوروبية من نظام بن علي إلا بعد أن سقط بن علي إلا بعد أن نجحت الثورة التونسية العظيمة في الإطاحة بالدكتاتور وأجبرت الدكتاتور على الفرار هنا فقط تحولت المواقف الأميركية والغربية في تذكير واضح كما تعلم بمواقف أميركية وغربية سابقة من حكام سلطويين سابقين، الإشارة إلى شاه إيران في منطقة ليست ببعيدة عنا ولكن الإشارة إلى طائفة طويلة وسلسلة كبير من الأسماء في أميركا اللاتينية والقارة الآسيوية من حكام دكتاتوريين أيدتهم الولايات المتحدة الأميركية إلى لحظة السقوط ثم انقلبت عليهم. فالتغير لم يأت قبل أن يسقط الرجل وإلا كنا بحثنا وحاولنا أن نفكر في مغزى هذا، أما وأن التغير جاء بعد رحيل بن علي بعد أن أجبر الشعب التونسي بثورته العظيمة بن علي على الرحيل، أنت أمام تفسير رئيسي ثم تفسير ثانوي، التفسير الرئيسي هو أن الولايات المتحدة الأميركية وكذلك فرنسا يريدان في هذه اللحظة أن يفتحا قنوات اتصال مع الجديد البازغ في تونس مع الحكومة الانتقالية مع هذا الخليط من بقايا نظام بن علي والجديد الذي يؤثر على الساحة التونسية والمشهد المجتمعي هناك لضمان المصالح التي ضمنها بن علي في لحظات سابقة وكما أشرت أنت مصالح إستراتيجية أمور تتعلق بالحرب على الإرهاب مصالح تجارية وما إلى ذلك..

عبد الصمد ناصر (مقاطعا): لكن دكتور حمزاوي عفوا على المقاطعة، تقول بأن الموقف تغير بعد رحيل بن علي أو هروب بن علي ولكن الأخبار التي ذكرتها كثير من وسائل الإعلام الغربية تقول بأن الإدارة الأميركية ضغطت على بن علي أثناء الأزمة بل واستدعت السفير التونسي لديها واحتجت على الطريقة التي تم التعامل بها مع المحتجين، هذا كان قبل سقوط بن علي يعني هذا الأمر لم يكن كافيا لكي يفسر على أنه تغير في موقف الإدارة الأميركية من الرجل؟

عمرو حمزاوي: لا، لم يكن بتغير حقيقي لأن الإدارة الأميركية اعتادت إزاء كل النظم العربية القريبة منها وليس النظم العربية المعادية لها في سياساتها الإقليمية والدولية اعتادت مع النظم الصديقة أن تستدعي السفراء أن تنتهج خطابا إعلاميا واضحا ينتقد بعض ممارسات هذه النظم إن في لحظات الانتخابات أو في لحظات قمع المتظاهرين وبالتالي لم يخرج استدعاء السفير التونسي أو الحديث الأميركي قبل سقوط بن علي قبل رحيل بن علي عن السياق الاعتيادي، بل دعني أشر إليك بصورة محددة وأنا أحيانا ما أكون على اتصال ببعض المسؤولين عن ملفات الشرق الأوسط في الإدارة الأميركية وبدون الإشارة إلى اسم من اتصل بي كان أول اتصال تلقيته من شخصية نافذة داخل الإدارة الأميركية تسأل عن الموقف الأميركي الأفضل يعني ما الذي ينبغي على الولايات المتحدة الأميركية أن تفعله إزاء الثورة التونسية، كان بعد رحيل بن علي بيومين، هنا فقط بدأنا نستمع إلى هذه الآراء المختلفة إلى تأييد الانتفاضة إلى الإعجاب بكرامة الشعب التونسي ولكن الحقيقة الواضحة هي أن الولايات المتحدة وفرنسا استمرتا في خانة تأييد الدكتاتور حتى رحل، أخيرا التفسير الثانوي ما أردت الإشارة إليه الولايات المتحدة الأميركية في هذه اللحظة ترى ربما فرصة لصياغة مستقبل ديمقراطي في تونس وتريد أن تضمن أمرين ومع فرنسا أن تضمن أن..

عبد الصمد ناصر (مقاطعا): سنعود إلى هذا الأمر لأن هذا يتعلق بالمستقبل، يعني هذا الموقف ربما سيبنى عليه مواقف أخرى للتعامل مع تونس وهذا ما حاول ساركوزي ربما أن يتصدى له حينما قال إن فرنسا مستعدة لتلبية أي طلب للمساعدة على ضمان سير العملية الديمقراطية بطريقة مقبولة للجميع. هنا نسأل الدكتور الكحلاوي الموقف الفرنسي هل ربما جاء متأخرا ومحاولة يائسة لترميم ما لحق بالموقف الفرنسي وصورة فرنسا لدى التونسيين وخاصة النخبة السياسية التونسية جراء تعامل وتعاطي فرنسا مع الأزمة التونسية؟

عبد الله الكحلاوي: شكرا سيدي الكريم. أولا وقبل كل شيء أريد أن أترحم على شهدائنا الأبرار وأن أحيي الثورة التونسية النبيلة وأن أشكر في نفس الوقت الجزيرة على مواقفها الممتازة والنبيلة أيضا تجاه الشعب التونسي وتجاه القضية التونسية. إن موقف فرنسا يا سيدي الكريم أقل ما يقال فيه موقف متواطئ لأن فرنسا شأنها شأن أميركا مصالحها الديمقراطية المتعلقة بها في وطنها فقط أما دول الجنوب فلا حديث عنه، هناك مصالح فرنسا كانت ترعاها في تونس وتلمع من أجلها صورة بن علي وتغض الطرف عما يقوم به الرئيس المخلوع، فإذاً موقف فرنسا جاء متأخرا جدا وهناك تململ كبير من الشعب الفرنسي الشعب النبيل لأن الشعب متلاحم مع الشعب التونسي والمثقفون التونسيون المتواجدون الآن في فرنسا يعني أيضا هم في حيرة من موقف فرنسا التي هي تعتبر بلد الحرية وبلد الديمقراطية وبلد الثورة الفرنسية الكبيرة، ففرنسا نستطيع أن نقول إنها تنصلت من الموروث الثقافي فهناك الكثير من المغاربيين التونسيين والجزائريين والمغاربة درسوا في السوربون وتخرجوا وتشبعوا بالثقافة والحضارة الفرنسية ولكن مع الأسف فرنسا لم تراع هذا فكان همها أن تراعي مصالحها الضيقة وأن تدافع عن الرئيس بن علي بناء على أنه حصن منيع ضد الإرهاب وضد التطرف الإسلامي وهي في الحقيقة مواقف مفتعلة جدا لأن الإرهاب والتطرف الإسلامي في تونس، تونس معروفة بلد الحضارة وبلد حوار الحضارات تعاقبت عليها الحضارات ليس فيها إرهاب مثلما يوجد في بعض الدول الأخرى وإن كان وجد بصفة قليلة وبنذر قليل ليس بالمعنى الذي أن فرنسا تلمع صورة بن علي لارتكاب جرائم فظيعة ضد الشعب التونسي والقمع والبوليس الذي يقوم بأشياء مشينة لا تتماشى مع تعاليمنا الحنيفة ومع الديمقراطية والحرية الحديثة، إذاً فرنسا وصلت الآن متأخرة.

عبد الصمد ناصر: متأخرة وبالتالي برأيك كيف سيؤثر..

عبد الله الكحلاوي: وصلت متأخرة وأرادت..

عبد الصمد ناصر (مقاطعا): دكتور الكحلاوي وصلت متأخر خطوة متأخرة قد لا تكون مجدية بعدما حاولت أن تصحح الصورة ولكن كيف سيؤثر ذلك على علاقاتها في المرحلة المقبلة أو في العهد الجديد؟

عبد الله الكحلاوي: هو صحيح سيؤثر على العلاقات لفترة طويلة من الزمن، ولكن على فرنسا أن تصلح أخطاءها يعني أن تفتح الأبواب وأن تكفر عن ذنوبها، ناهيك سيدي الكريم يعني وزيرة الخارجية يعني منصب سيادي في الحكومة الفرنسية أنها تحاول أن تساعد البوليس على القمع بالتدريب على القمع فكيف للشعب التونسي أن ينسى؟ هذا فلا بد من أن هناك فترة زمنية طويلة..

عبد الصمد ناصر (مقاطعا): طبعا هذا موقف يصدر عن دولة تدعي أنها تدافع عن الحريات وقلعة من قلاع الديمقراطية في الغرب. دكتور حمزاوي أشرت قبل قليل عن المستقبل، أريد أن أسأل هنا هذا الموقف الأميركي الذي بارك الثورة هل هو من باب تلميع صورة أميركا التي ارتسمت في أذهان التونسيين بأنها هي التي تدعم هذا الرجل ضدهم وهي التي تتغاضى وتغض الطرف عن انتهاكاته بحقهم أم ربما هذا الموقف قد يكون في إطار مراجعة لسياسة أميركية تجاه ليس فقط تونس وإنما تجاه الدول العربية أو الأنظمة العربية الحاكمة الموصوفة بالاستبداد.

عمرو حمزاوي: لسنا بصدد مراجعة أميركية لسياسة واشنطن تجاه النظم العربية غير الديمقراطية، استبدادية وسلطوية على الاختلافات فيما بينها ولكن الولايات المتحدة الأميركية فيما خص تونس في مرحلة محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من العلاقة الخاصة بينها وبين تونس -وتونس حليف إستراتيجي هام- هي تريد ضمان ذات المصالح مع النظام الجديد الذي يتشكل الآن ثم من جهة أخرى هي تلمح فرصة لمسار ديمقراطي غير مهدد وغير مقلق للولايات المتحدة الأميركية ومصدر غياب التهديد أو غياب القلق أن الولايات المتحدة الأميركية لا ترى فيمن دفع نحو الثورة التونسية فقط الفصيل الإسلامي بل ربما كان الفصيل الإسلامي -وهو مقلق باستمرار للولايات المتحدة ولمصالح حلفائها ولمصالح إسرائيل في المنطقة- لا تجد أن لهذا الفصيل دورا كبيرا فيما حصل في تونس فهي تلمح فرصة لديمقراطية غير معادية للغرب وتريد أيضا ضمان مصالحها ولكن أيضا المراجعة الحقيقية تحتاج من الولايات المتحدة ومن الغرب -وأنا أعتقد أنهم ليسوا بقادرين على هذا- أن يعيدوا طرح السؤال حول العلاقة بين السلطوية وبين الاستقرار كما تمت الإشارة في التقرير، إعادة طرح السؤال حول مدى إمكانية بقاء السلطوية العربية إلى الأبد. من يراقب فعلا الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا قبل أن يسقط بن علي كنت تستطيع أن تقول إن هؤلاء على قناعة تامة بأن بن علي باق وأنه لن يرحل ربما أكثر من الحكومات العربية المجاورة فإذاً بقاء السلطوية ثم هل بديل السلطوية فقط هو الفوضى ومن ثم حديث الوزيرة الفرنسية على الأمن أن يستمر وما إلى ذلك في ضرب المتظاهرين.

عبد الصمد ناصر: ولكن دكتور حمزاوي كان لافتا أن تقول واشنطن بأنها تشكك بإمكان أن يكون هناك تمدد للثورة التونسية إلى دول عربية أخرى، على كل حال سنناقش هذا المحور في إطار حديثنا في الجزء الثاني من هذه الحلقة عن الدور الغربي تجاه قضايا الديمقراطية والاستبداد في العالم العربي ولكن بعد هذا الفاصل انتظرونا.

[فاصل إعلاني]

دور النظم الغربية في قضايا الديمقراطية والاستبداد

عبد الصمد ناصر: أهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد في حلقتنا التي تتناول الدور الغربي تجاه قضايا الديمقراطية والاستبداد في العالم العربي. نناقش المحور الثاني يتعلق بدور النظم الغربية في قضايا الديمقراطية والاستبداد، نسأل من باريس الدكتور عبد الله الكحلاوي سفير الأمم المتحدة السابق لدى الاتحاد المغاربي، دكتور ربما التجربة التونسية تركت الانطباع أو لربما النتيجة التي يستخلص منها أن بعض الأنظمة العربية التي توصف بأنها أنظمة قوية أنظمة لديها من العوامل ما يمكنها من الاستمرار أنظمة في واقعها هي هشة وسرعان ما تنهار أمام أول هبة أو انتفاضة شعبية، إلى أي حد ربما هذا قد يدفع الدول الغربية التي تدعم هذه الأنظمة إلى مراجعة حساباتها في التعامل معها؟

عبد الله الكحلاوي: سيدي الكريم أعتقد شخصيا أن الثورة التونسية المباركة قد أفاقت أغلب الدول الأوروبية من سباتها العميق ومن نظرتها الكلاسيكية إلى أن الشعوب العربية شعوب كلها مقهورة ودائما تخضع إلى الرؤساء وإلى الملوك إلى غير ذلك، لكن يبدو أن هناك الآن بعض الدول الغربية مثل فرنسا أنه بدأت تغير نظرتها وتقيم مواقفها مستقبلا لأنه بان بالكشف أن هذه الشعوب لا يمكن أن تسكت مدى الدهر على الظلم وعلى الطغيان فأعتقد جازما وبحكم إقامتي في باريس لمدة طويلة أن فرنسا سوف تغير من رأيها وناهيك أن هناك الآن الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي يدعو إلى الوقوف إلى جانب الثورة التونسية وإلى اعتبارها يعني كمثال يحتذى حتى في الدول العربية التي بعض نظمها ما تزال مهزوزة، إذاً لا بد من.. كأن هناك لا أقول عودة الوعي وكأن هناك شبه وعي بقوة هذه الشعوب ومدى نضالها، فأنا أعتقد أن فرنسا سوف تغير رأيها انطلاقا بعدما تهدأ الأمور وتعود الأمور إلى نصابها وتواصل الثورة تطهير تونس من الأدران فأعتقد أن فرنسا ستغير رأيها وسوف تتخذ مواقف إيجابية وتتخلص من النظرة الاستعلائية وأنه كان شعبا مقهورا لا بد أن نقف دائما مع الحاكم وأن ندوس عليه، فإذاً الثورة التونسية غيرت هذه المفاهيم وسوف تغير مستقبلا..

عبد الصمد ناصر (مقاطعا): غيرت هذه المفاهيم بعدما الشعوب غيرت أيضا بعض المفاهيم لدى تلك الأنظمة وأثبتت أنها لا يمكن تجاهلها في أي معادلة تنبني عليها علاقات النظم الغربية بالأنظمة الحاكمة. هنا أسأل الدكتور عمرو حمزاوي هل ربما تنبئ المواقف الأخيرة بتغيير في المعادلة التقليدية التي كانت تتأسس عليها تلك العلاقة بين الغرب والأنظمة العربية وهي المعادلة المبنية على الاستقرار في تلك الدول بديلا عن الإصلاحات السياسية العميقة والحقيقية؟

عمرو حمزاوي: يعني لست بمتأكد من مدى حضور -في اللحظة الحالية- من مدى حضور ملامح أو إرهاصات أولية حقيقية لمثل هذا التغير الذي تشير إليه ويشير إليه الضيف الكريم من باريس، أعتقد أن الدرس الأهم للثورة التونسية بجانب كما أشرت أنت هشاشة النظم السلطوية النظم التي لا تعتمد على شرعية رضاء المواطنين عنها، فيما حصل الغرب الدرس الأهم هو أن المواطن في العالم العربي أن المواطنين في الدول العربية بإمكانهم أن يسقطوا هذه النظم السلطوية حتى وإن والاها الغرب حتى وإن اعتمدت على التأكيد الغربي لأن التأييد الغربي لم ينفع بن علي..

عبد الصمد ناصر (مقاطعا): دكتور عمرو إذا لم تكن كما تقول هناك إرهاصات لهذا التغير أو هذه الإستراتيجية الجديدة هل يمكن ربما على الأقل قد تكون هناك قناعة قد تكون تولدت لدى هذه الأنظمة الغربية بأنه لم يعد في مصلحتها الاستمرار في دعم أنظمة كما تقول تفتقر إلى رصيد شعبي؟

عمرو حمزاوي: نعم، أحسنت ولكن هنا الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية ستسعى باستمرار إلى محاولة الحفاظ على النظام القائم الصديق لها وإقناع قيادات هذا النظام بإدخال مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وقد حاولت الولايات المتحدة هذا في الماضي ولكن النظم دائما ما تحايلت على المطالب  الأميركية بصيغات مختلفة لا مجال للإشارة إليها الآن. طالما أن الولايات المتحدة والدول الغربية لا تسأل أنفسها السؤال الرئيسي حول معادلة الاستقرار والسلطوية وهل البديل للسلطوية العربية على الرغم من مراحل عدم استقرار جزئية يمكن أن يكون أفضل على المدى الطويل، طالما هناك تخوف من طرح هذا السؤال لن تجد نفسك أمام تغير حقيقي في السياسات الغربية ولكن تجد نفسك أمام ضغوط جزئية أو محاولات جزئية الآن لاستغلال الفرصة السانحة بالفعل لتونس، الولايات المتحدة ستحاول أن تدعم الفترة الانتقالية ستطالب الحكومة الانتقالية بجدول زمني محدد لإجراء الانتخابات لإجراء إصلاحات دستورية وسياسية وتشريعية كل هذا صحيح ولكن كل هذا دون مقام إعادة طرح السؤال الإستراتيجي الحاكم في مقابل السلطوية هذه، السلطوية الصديقة للولايات المتحدة..

عبد الصمد ناصر (مقاطعا): وهذا ربما دكتور قد يدفع فعلا هذا الكلام يدفع إلى القول ربما هذا ما يعزز ما ذهب إليه بعض المسؤولين الأميركيين حينما قالوا إنهم يستبعدون أن يكون للثورة التونسية امتداد في دول المنطقة، هل الأمر كذلك دكتور عبد الله الكحلاوي؟

عبد الله الكحلاوي: أعتقد سيدي الكريم أن هناك استفاقة، هذه الاستفاقة ولا تنس مربوطة أيضا بالوضع الزمني لهذه الثورة، الثورة يعني ما زالت في بدايتها لم يمض عليها شهر أو نصف شهر، فهناك تململ كبير في الأوساط الغربية هناك المثقفون هناك أيضا الأحرار يعتقدون أنه ولى زمن الولاء للسلطوية للحاكم المتغطرس الحاكم الذي هو أيضا موال للغرب بطريقة عشوائية أو بطريقة بدون تفكير. فأعتقد أن الآن هناك يقظة ومن جراء هذه اليقظة فرنسا سوف تغير -فرنسا خاصة تجاه تونس لأن ارتباطها قوي بتونس- سوف تغير توجهها مستقبلا لأن أيضا لا تنس أن فرنسا هناك أحزاب وهذه الأحزاب حرة وديمقراطية والمسار السياسي يتغير دائما فلم تعد.. فلن تنظر إلى تونس على أنها المعجزة الاقتصادية..

عبد الصمد ناصر (مقاطعا): دكتور أريد أن أبقى في إطار سؤالي عن مسألة امتداد الثورة أو لربما انتقال التجربة إلى دول أخرى في المنطقة في دقيقة دكتور عمرو حمزاوي.

عمرو حمزاوي: في هذه اللحظة الغرب الرسمي وإشارات الدكتور من باريس هامة حول التمييز بين الغرب الرسمي وغير الرسمي، الرأي العام متعاطف معنا وأحزاب المعارضة، الغرب الرسمي ما زال يستبعد إمكانية أن تمتد الثورة التونسية إلى الجوار الإقليمي سواء الجوار المباشر في شمال إفريقيا وفي ما وراء ذلك ولكنه يلمح إرهاصات تململ اجتماعي بحكم سوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والسياسية وسيحاول أن يضغط على الحكام الأصدقاء لكي يدخلوا تغيرات جزئية تبقي على النظم وتعطي للمواطنين فسحة من الوقت حتى لا يعانوا من ضغوط الحياة المعيشية بصورة متصاعدة، الهدف الأسمى للغرب ما زال الحفاظ على النظم القائمة وليس تغييرها.

عبد الصمد ناصر: شكرا لك دكتور عمرو حمزاوي مدير أبحاث الشرق الأوسط من مؤسسة كارنيغي من القاهرة ونشكر من باريس الدكتور عبد الله الكحلاوي سفير الأمم المتحدة السابق لدى دول الاتحاد المغاربي. بهذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر، غدا بإذن الله قراءة جديدة في ما وراء خبر جديد، إلى اللقاء بحول الله.