- أوجه الشبه والاختلاف بين الاحتجاجات الشعبية في البلدين
- دور الأنظمة والمعارضات واحتمال التوظيف السياسي

محمد كريشان
مهدي مبروك
حسني عبيدي
محمد أمزيان
محمد كريشان: تواصلت الاحتجاجات الشعبية في تونس والجزائر واتسعت نطاقا وضراوة في بعض المدن التونسية وبينما قالت المعارضة إن المواجهات مع قوات الأمن التونسية أوقعت نحو عشرين قتيلا في الساعات الأخيرة وجهت الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة نداء لأنصارها للمشاركة فيما سمتها الانتفاضة الشعبية في الجزائر. نتوقف مع هذا الخبر لنناقشه من زاويتين، ما هي أوجه الشبه والاختلاف في التحركات الشعبية المتواصلة في كل من تونس والجزائر؟ وإلى أين يمكن أن تقود موجة الاحتجاجات الشعبية هذه لا سيما مع احتمال توظيفها سياسيا؟... السلام عليكم. أربعة أسابيع ونار الغضب ما تزال متقدة في تونس، استجابت الحكومة لبعض مطالب المحتجين لكن هذا الغضب لم يخفت مع ذلك بل راح ينتشر في مدن جديدة ويقدم ضحايا جددا وغير بعيد عن تونس وجدت أصوات المحتجين صدى في الجزائر حيث يوحد الفقر والبطالة كثيرين في البلدين، وإذا كانت مطالب المحتجين بدأت تصل الأسماع فما الذي يمد هذا الحراك بالحياة، أهي محدودية الاستجابة أم أن عمق الأزمة لا يقف فقط عند مطالب اجتماعية أم أن قوى سياسية لا تريد لهذا الحراك أن ينقضي قبل أن تصيب منه وطرا؟

[تقرير مسجل]

ماجد عبد الهادي: حكاية الخبز هي هي إذاً لا تتغير وإن تغير شكله بتغير مكانه والزمان، يعجز الفقير عن العثور على قوت يومه ويبيت على الطوى أياما وشهورا وسنين ثم لا يجد مفرا من تلبية دعوة خلفها له المأثور التاريخي منذ أكثر من ألف سنة فيخرج على المتخمين شاهرا صوته وقبضته كسلاح بديل من سيف الأولين. هنا بلاد يقول بنوها إنهم شدوا الحجارة على بطونهم زمنا طويلا قبل أن يبلغ اليأس ببعضهم حد إشعال النار في جسده احتجاجا، امتد الحريق على غير توقع وأحرق من فوره خرافة استتباب الأمن تحت رايات الظلم الاجتماعي كما أحرق الفوراق بين الصورتين النمطيتين الشائعتين للجارتين المغاربيتين تونس والجزائر فما عادت الأولى أرضا تبسط خضرتها الخلابة رخيصة أمام السياح ولا واصلت الثانية احتكار صفة العنف الموروثة ربما من سيرة مليون ونصف المليون شهيد كانت قدمتهم على مذبح انعتاقها من الاستعمار الفرنسي، هكذا بات البلدان بين عشية وضحاها في الهم عربا وتشابهت ملامح المتظاهرين الغاضبين في حواضر سيدي بوزيد والقصرين وتالا التونسية مع ملامح أندادهم المنتفضين في مدن الجزائر وعنابة وقسنطينة الجزائرية، كيف لا والسبب لدى أولئك هو ذاته تقريبا لدى هؤلاء، الفقر والبطالة المستشريان حتى بين الأكاديميين وحملة الشهادات العليا وكلام كثير عن قمع الحريات في تونس يقابله كلام كثير أيضا عن فساد وفشل اقتصادي حرم غالبية المواطنين في الجزائر من التمتع بثروات بلادهم. نظاما الحكم التونسي والجزائري المتشابهان على الأقل في بلوغ رئيسيهما من العمر عتيا قدما ردين متماثلين كذلك على العنف الشعبي في بلديهما، رصاص وغاز مسيل للدموع واعتقالات تحت عنوان دفاع رجال الشرطة عن أنفسهم، لكن استمرار الحراك الشعبي الغاضب رغم القمع فرض كما يبدو نوعا من إعادة الحسابات وبينما ترددت أنباء عن تحرك وحدات من الجيش إلى بعض المدن التونسية أعلنت الحكومة الجزائرية خفض أسعار بعض المواد الغذائية الأساسية كما تعهدت بمواصلة التدخل من أجل حماية القدرة الشرائية للمواطنين، وإذ بدا الموقفان أقل من كافيين حتى الآن لإعادة المتظاهرين إلى بيوتهم فإن افتقار الشارع لقوة معارضة تتولى قيادته نحو أهدافه ما زال يجعل من الصعب التنبؤ بما سيحدث غدا وإن ظهر في أوساط المراقبين من بدأ يتحدث عن شبهة توظيف التمرد الاجتماعي سياسيا من قبل جهات خارجية أو داخلية بعضها مشارك في السلطة، لكأن الخبز في الأصل شيء والسياسة شيء آخر!

[نهاية التقرير المسجل]

أوجه الشبه والاختلاف بين الاحتجاجات الشعبية في البلدين

محمد كريشان: ومعنا في هذه الحلقة من باريس حسني عبيدي الباحث في جامعة جنيف، من بروكسل محمد أمزيان الباحث المتخصص في الشؤون المغاربية، ومن تونس العاصمة عبر الهاتف مهدي مبروك أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية، أهلا بضيوفنا الثلاثة. لو بدأنا من تونس مع سخونة ما يجري هناك، سيد مبروك ما تفسير هذا استمرار الاحتجاجات وهذا الصعود المتنامي في عدد الضحايا مع أن الدولة تبدو متفهمة ومستجيبة لبعض المطالب الاجتماعية؟

مهدي مبروك: ربما ما.. هذا التصعيد الخطير اليوم والبارحة هو أخي محمد أن السلطة التونسية لم تبادر إلى حد الآن بحلحلة الأزمة حلحلة سياسية بادرت بمجرد وعود للتشريع متناسية عمق الأزمة الاجتماعية وأساسا قضية الحوار قضية الانصراف إلى مشاغلهم في تونس الآن حالة من الفراغ، لا وزير يتجرأ إلى الذهاب مباشرة إلى المحتجين والحديث معهم، هناك ثقافة خوف يعني تعقد حتى ألسنة المسؤولين، هذا الذي.. هذا الصمت الرهيب وتشغيل الآلة الأمنية هي التي أدت إلى الانفجار وربما كرة اللهب الآن ستأتي على الأخضر واليابس في البلاد التونسية، ثقافة الخوف التي شلت حركة السلطة وتعويلها على تعبئة الموارد الأمنية القمعية هي التي أدت الآن إلى هذا الاحتجاج المتصاعد.

محمد كريشان: ما طبيعة الحلحلة السياسية المتوقعة؟

مهدي مبروك: فاوضت وتنازلت وغامرت أحيانا بالتخريب في تونس، لا شيء يبرهن على أن الدولة لها من الموارد ما به تهدئ الشارع إلا الآلة الأمنية.

محمد كريشان: نعم، سألتك يعني باختصار ما طبيعة الحلحلة السياسية المتوقعة؟

مهدي مبروك: طبيعة الحلحلة السياسية المتوقعة هي تقديم حزمة متكاملة من الحلول أولها الحل الاجتماعي الاقتصادي المتمثل في تشغيل أصحاب الشهادة وفي تعميم هذا الحق على جميع طالبيه أولا ثم تجاوز الحل الاجتماعي الاقتصادي إلى الحل السياسي وهو الإنفاق والتواصل، حرية التعبير تحرير الفضاء العمومي إعادة فاعلية المجتمع المدني، المجتمع.. الاحتجاج الآن مجتمع منفلت لا أحد يؤطره إلا فعاليات محلية..

محمد كريشان (مقاطعا): يعني اسمح لي فقط هل مثل هذا التشخيص -سيد حسني عبيدي- يمكن أن ينطبق على الجزائر أيضا؟

حسني عبيدي: هناك عوامل مشتركة يعني قبل كل شيء صحيح أن الآلة الأمنية الجزائرية لم تتحرك بقوة أو بعنف مثلما تحركت في الجارة تونس لأن الجزائر لديها تجربة من أحداث أكتوبر 1988 والخوف الآن صحيح هو أن استمرار الأحداث في الجزائر على الوتيرة التونسية ربما يؤدي إلى جهاز الداخلية فقدان أعصابه واستعماله بالتالي الرصاص الحي وهذا أعتقد سيكون منعرجا خطرا جدا في الأمور في الجزائر لكن الوضع الاقتصادي والحرمان أعتقد هما عوامل مشتركة جدا في الحالة الجزائرية مثل الحالة التونسية بفارق وهو أن الجزائر فتحت يعني ربما بعض القنوات الحوار منذ فترة لكن تعمل بمبدأ قولوا ما شئتم ونفعل ما نشاء، لكن في تونس هناك ثورة هناك بركان لأن البلد كان على صفيح ساخن، في الجزائر هناك هزات متعددة لكن لم تصل إلى درجة الزلزال الذي وصلت إليه تونس.

محمد كريشان: إذا كان ضيفنا -سيد محمد مزيان في بروكسل- ضيفنا من تونس يتحدث عن حلحلة سياسية لا بد منها في تونس، في الجزائر كان هناك إجراءات واضحة للتراجع عن سلسلة من ارتفاع الأسعار ومع ذلك لم تهدأ الأمور هل هذا يشير إلى أن الأزمة أعمق مما يشار إليه؟

محمد أمزيان: أعتقد أن الأزمة في الجزائر وفي تونس هي أعمق من هذه الأحداث العابرة التي فجرت الأزمة فالزيادة في الخبز أو الزيادة في السكر أو الزيادة في المواد الغذائية الأساسية هي الشرارة التي فجرت هذا الاحتقان الاجتماعي الذي تراكم منذ سنوات وربما يعني عقود من اليأس وغياب الأفق السياسي في مثل هذه البلدان التي تسيطر عليها بعض العقليات التي لم ترد أن تواكب التطورات التي عرفها العالم يعني العالم تقريبا تغير في كل جهة منه باستثناء بعض الجهات التي تصر على الجمود فهذا ما أدى بطبيعة الحال إلى نوع من يعني نوع من الاحتقان الباطني الذي يظهر أو ظهر الآن في شكل انفجارات تفجرات بدأت من تونس بسبب يعني ظاهري بسيط ولكنه أعمق فلم يلبث أن تطورت الأحداث وتسارعت وتيرتها إلى أن عمت معظم المدن ومعظم الجهات التونسية ثم انتقلت للجزائر..

محمد كريشان (مقاطعا): لكن الآن أنتم كمراقب هل ترى عمق الأزمة السياسية أقوى في تونس منها في الجزائر أو العكس؟

محمد أمزيان: أعتقد أن طبيعة الأزمة في تونس يعني تختلف نوعا ما عن طبيعة الأزمة في الجزائر, طبيعة الأزمة في تونس إلى الأمس القريب لم نكن نعرف عنها إلا القليل باستثناء من يهتم بالشأن التونسي سواء من المهتمين الأكاديميين أو من بعض المراقبين أو من بعض رجال الإعلام الذين يتمكنون من تلقي بعض الأخبار التي تأتي من تونس يعني كان هناك ستار حديدي مضروب إلى حد الآن يعني هذا الستار الحديدي موجود في تونس باستثناء يعني ما يتسرب عن طريق الصحافة الاجتماعية الفيس بوك مثلا أو التويتر أو ما إلى ذلك من الإمكانيات التكنولوجية الحديثة التي لم تتمكن السلطات التونسية من إحكام السيطرة عليها، في الجزائر هناك نوع من التطورات السياسية التي عرفت أوجها بعد حظر يعني بعد انفجار الأوضاع عسكريا ومقتل الآلاف وعشرات الآلاف ربما في حرب قد نسميها أهلية استمرت أيضا لأكثر من عقد يعني هناك فوارق ولكن ما يجمع هذه القضايا العامة في تونس والجزائر هو غياب أو تغييب إرادة الشعب في تقرير مصيره يعني المصير السياسي أو المشاركة السياسية حتى يعني تغييب هذا الشعب وخاصة الفئات العمرية الشابة التي يعني نمت..

محمد كريشان (مقاطعا): وعلى ذكر الموضوع السياسي تحديدا -اسمح لي فقط سيد أمزيان أعود إلى مهدي مبروك في تونس- يعني الوضع في تونس استلزم من رئيس الدولة التدخل شخصيا والتوجه إلى الشعب، هذا لم يحدث في الجزائر -سيد مبروك- هل على مستوى المبادرة السياسية في القيادة القضية ما زال متحكم فيها لتغيير مجرى الأمور؟ يعني مثلا نتذكر في تونس في أحداث الخبز في يناير عام 1984 كانت هناك أحداث كبرى وعدد كبير من القتلى في خمس دقائق فقط الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة غير الأوضاع كلها، هل المبادرة السياسية ما زالت بيد السلطة في تونس؟

مهدي مبروك: أعتقد أنه من حيث المبدأ المبادرة السياسية ما زالت قائمة، بإمكان الرئيس أو بإمكان الوزير الأول ونعرف تماما ذبول وضمور صورة الوزير الأول مع النظام الحالي أعتقد بأن المبادرة السياسية ما زالت قائمة إلى حد الآن وأول المبادرات السياسية أعتقد تبدأ في إعلان تماما حرمة.. في مواجهة سياسية و.. المجتمع المدني، الاتحاد العام التونسي للشغل الآن يمد يده، أعتقد أنه لا أحد يشتهي النار تحترق، بإمكان المبادرة السياسية أن تعطي رسالة وتطمئن الناس على حياتهم ثم تبدأ فيما بعد معالجة قضية التشغيل القضية الأساسية..

محمد كريشان (مقاطعا): هل المبادرة السياسية هذه متاحة في الجزائر سيد حسني عبيدي؟

حسني عبيدي: الفرق -وأعود إلى سؤالك الهام حول قضية طبيعة الأزمة إن سمحت لي- يعني ربما في تونس أن هناك الآن شيء جديد مهم جدا حتى في العلوم السياسية وهو أنه سقطت نظرية في النهاية أن حقوق الإنسان هي فقط حق السكن وحق العمل يعني ما يسمى بالمعجزة الاقتصادية وتذكرون ما قاله الرئيس جاك شيراك بأن حقوق الإنسان محفوظة لأن المواطنين التوانسة لديهم الشغل ولديهم السكن، الآن بهذه المظاهرات يعني سقطت هذه المقولة. المبادرة السياسية وعكس ما وقع في ثورة الخبز في تونس والآن في الجزائر، الآن تعددت مراكز صنع القرار وهذا هو أنا أعتقد الأخطر من ذلك أي أن هناك صراعا في أجنحة السلطة داخل قصور الرئاسة وبالتالي يعني أصبح من الصعب جدا أن تكون المبادرة مركزية وأن تكون مبادرة واحدة تكفي أن تطفئ النار، هذه القضية يعني لا بد أن يكون هناك أصلا حوار أو اتفاق داخل النظام السياسي داخل السلطة المنقسمة على نفسها قبل أن يترجم ذلك على أرض الميدان.

محمد كريشان: أنت بهذا الشكل سيد حسني عبيدي تنقلنا إلى محورنا الثاني في هذه الحلقة بعد الفاصل موضوع التوظيف السياسي المحتمل أو الممكن وموضوع ما أشرت إليه من تعدد مراكز صنع القرار، سنناقش هذه الزوايا بعد فاصل قصير نرجو أن تبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

دور الأنظمة والمعارضات واحتمال التوظيف السياسي

محمد كريشان: أهلا بكم من جديد في هذه الحلقة التي نتناول فيها دلالات استمرار الاحتجاجات في كل من تونس والجزائر رغم الاستجابة لبعض مطالب المحتجين. سيد محمد أمزيان السيد حسني عبيدي أشار إلى تعدد مراكز صنع القرار في الجزائر وهناك حتى حد يتحدث عن صراع أجنحة وهناك من يعمل ضد أطراف أخرى وبالتالي فهذه الأحداث تم توظيفها من أطراف أخرى، هذا الحديث على الأقل لم تقع الإشارة إليه فيما يتعلق بالحالة التونسية، هل من تفسير لذلك؟

محمد أمزيان: نعم بالنسبة لتونس يعني صراح الأجنحة يكون أيضا داخل منظومة سياسية يعني مستحكمة يعني أو هي داخل جنرالات أساسا، في تونس هناك أيضا جنرال يحكم ويستحوذ على كل مقاليد السلطة. أعتقد بالنسبة لهذه الأحداث توظيفها سياسيا لم يحدث بعد توظيفها سياسيا من داخليا يعني لم تبرز هذه الأحداث شخصية سياسية أو يعني كارزمية يمكن أن تترجم هذه الاحتجاجات في شكل مطالب سياسية واضحة قد تكون يعني توازن القبضة السياسية الرسمية يعني هذه الأحداث ما تزال في بدايتها ما تزال عفوية غير منظمة تنظيما سياسيا يمكن أن تدل على أنها قد تفضي إلى تغيير ما ولو يعني داخل المنظومة السياسية الحاكمة سواء في تونس أو في الجزائر، تنازلت السلطات في الجزائر قليلا عندما أعلنت أنها لن تزيد في أثمنة السكر والزيت وما إلى ذلك، أيضا تراجعت بعض الشيء السلطة في تونس حينما غيرت بعض الوزراء واستبدلت وال بوال آخر ولكن الخطوط العامة للسياسة لم تتغير، ليست هناك بوادر تدل على أن هذه الأنظمة قد تنفتح نوعا ما على المطالب الشعبية قد تنفتح على مزيد من المشاركة السياسية، في مثل هذه الحالات تكون دائما الديمقراطية بمفهوم المشاركة السياسية الواسعة حرية الاختيار هي يعني الجواب الأمثل لضبط هذه الاحتقانات وضبط أيضا هذه التحركات العفوية في اتجاه عقلاني يمكن أن يفضي إلى نوع من الاستقرار على المدى البعيد..

محمد كريشان (مقاطعا): على ذكر الإشارة إلى موضوع التوظيف، كثيرون يتحدثون عن التوظيف ولو أنه في السياسة التوظيف جزء من قواعد اللعبة، لا أحد يعاير الآخر بأنه يوظف الحدث طالما الحدث قابل للتوظيف، هنا نسأل السيد حسني عبيدي، مثلا عباسي مدني زعيم الجبهة الإسلامية المحظورة توجه بنداء إلى الناس في الجزائر المواطنين -عفوا- راشد الغنوشي أيضا وجه نداء، هل تعتقد بأن هذه النداءات هي في النهاية نداءات صرخة في واد لأنه أصلا لم يعد لهذين التيارين سواء في الجزائر أو في تونس أي قدرة على تجنيد الناس أو التأثير فيهم؟

حسني عبيدي: صحيح أن الشباب الذي ثار والذي تظاهر في تونس والجزائر ليس لديهم قبل كل شيء عقدة الآباء، في الجزائر كما تعلمون أخ محمد يعني آباؤهم عانوا من الحرب الأهلية من سنوات العنف التي دمرت في الجزائر الأرواح وكذلك الممتلكات والآن هم خائفون ولذلك معدل العمر مهم جدا في الشباب الذين هم غاضبون اليوم في الجزائر بين 15 سنة و20 سنة، النقطة الثانية قضية الاستعمال السياسي هي أن النظام السياسي في الجزائر وتونس مسؤول إلى درجة كبيرة في عملية الاستعمال والتوظيف أو حتى قابلية الأحداث أن تستعمل داخليا وخارجيا، أتفق معك في أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ هي ربما قوة شعبية لكنها ليست حركة شعبية لم تعد ذلك الحزب السياسي القوي كذلك بالنسبة لحركة النهضة الأستاذ راشد الغنوشي يعني هناك فارق الزمن، هناك جيل الآن هذا الجيل الجديد الذي ثار ليس لديه أي علاقة بالجيل القديم وربما التلاقي في حتمية الإصلاح والتغيير لكنه لا يجد نفسه، القيادات الحالية الآن هي قيادات لا تعبر في النهاية عن آمال هؤلاء الشباب الذين يريدون عبور البحر المتوسط من أجل شواطئ أوروبا أو الانتحار وإضرام النار في أنفسهم من أجل الانفلات من هذا الوضع المأساوي، لكن نقطة مهمة وهي قضية أن النظام السياسي مسؤوليته في أنه أقصى كل أدوات الحوار أي أن الأحزاب السياسية عطلت النقابات كذلك عطلت الإعلام كذلك مكبل فماذا بقي كقناة للحوار السياسي؟ وما بقي قناة أصلا بين السلطة والمواطن؟ لم يبق إلا العنف والمواطن الجزائري والتونسي فهم في النهاية أن العنف أصبح للأسف مقدسا من قبل النظام السياسي أي أن هذا النظام الذي بني فقط على العنف وعلى ثوريات يفهم فقط العنف..

محمد كريشان (مقاطعا): وعلى ذكر هذا العنف سيد عبيدي، نعم على ذكر هذا العنف مثلا سجل نداء من أحمد نجيب الشابي زعيم الحزب الديمقراطي الوحدوي المعارض المعترف به دعوة إلى ضرورة وقف إطلاق النار ووضع حد لهذا التصرف مع المتظاهرين لكن الملفت -وهنا أعود إلى السيد مهدي مبروك- بيان من حزب الاتحاد الديمقراطي الوحدوي التونسي وهو أيضا حزب مرخص ولكنه يوصف بأنه من أحزاب الموالاة أو الأحزاب القريبة من السلطة هكذا على الأقل يوصف هناك بيان يدعو إلى ضرورة وقف اللجوء إلى إطلاق الرصاص الحي ضد المواطنين ومحاسبة كل من أمر باستعمال السلاح ضد هذه المواجهات وهناك مطالبة للرئيس بن علي بإجراءات عاجلة من شأنها تنقية الأجواء، هل تعتقد بأن المعارضة القانونية في تونس ما زالت قادرة على التأثير في الأحداث عبر هذا النوع من النداءات؟

مهدي مبروك: نعم ما زالت، ما زالت، أعتقد أن دائما المعارضة القانونية ما زالت قادرة أولا على توجيه الرأي السياسي العام والتأثير على مركز القرار السياسي، نعلم تماما مثلا أن الحزب الديمقراطي الوحدوي بدأ يتباين منذ الأسبوع الثاني على أحداث سيدي بوزيد بدأ يتباين وحمل المسؤولية للحكومة في الإخفاق التنموي لجهة سيدي بوزيد والجهات الداخلية في حين ظلت الأحزاب القانونية الأخرى ولا أذكرها تقريبا متمسكة تماما بالرواية الرسمية وبتأويل الأحداث مثلما وضعت الحكومة الخطوط الكبرى لتأويل وقراءة الأحداث على أساس أنها أحداث معزولة وعلى أساس أنها توظيفات سياسية وعلى أساس أن هناك قنوات أجنبية نفخت في كرة اللهب إلى غير ذلك، أعتقد الآن والأحداث تتطور سيحدث بين قوسين فرز في الألوان السياسية داخل منظومة الأحزاب القانونية و.. موقف هذا الحزب يدل تماما على أن الطبقة السياسية برمتها وأمام الفاجعة وأمام تصاعد الأحداث الخطير ستعيد قراءة الأحداث بما يعيد توجيه الرأي العام وتوجيه يعني سلطة القرار..

محمد كريشان (مقاطعا): نعم وماذا عن اتحاد الشغل سيد مهدي مبروك لأنه كان مترددا في البداية أو حذرا أو مرتبكا، الآن يبدو أن الوضع الذي أفرزته الأحداث في تونس جعلته يتقدم خطوة إلى الأمام، هل هذا الوصف دقيق؟

مهدي مبروك: هذا الوصف دقيق فعلا تماما وربما هذا وهنا فرق بين ما يحدث في الجزائر وما يحدث في تونس ربما أن ما يحدث في تونس وما يحدث في الجزائر منفلتان تماما ولكن ربما.. منفلتان من قدرة الأحزاب السياسية والمجتمع المدني والنسيج الجمعوي على التأثير الحادث ولكن في تونس أعتقد -وهنا الفرق الكبير- في تونس أعتقد الأحداث تمت في قرى وأرياف وهنا يعني هذه أضحوكة التوظيف، لو حدثت الأحداث في تونس العاصمة وصفاقس لقلنا إن الأحزاب القوية متمركزة في تلك المدن في حين أنها في الجزائر حدثت في المدن الكبرى، تعلم تماما أن حضور الاتحاد العام التونسي للشغل حضور قوي حتى في الجهات الداخلية والآن الفاعليات النقابية المحلية -وأركز على أنها فاعليات نقابية محلية-هي التي تؤطر قدر الإمكان الأحداث المندلعة في سيدي بوزيد أو القصرين والآن كما ذكرت لكم حتى المنظمات الوطنية وأهمها الاتحاد العام التونسي للشغل ونظرا للسياق الظرفي الخاص الذي يمر به الاتحاد العام التونسي للشغل في أفق تنقيح الفصل العاشر كبله ربما وجعله مترددا ومتذبذبا وصوته متلعثم، أعتقد الآن أن ما حدث الأمس واليوم سيدفع بالمركزية النقابية إلى التحذير أكثر وإلى أن تكون ربما محاورا كفؤا وينطق بصوت الفئات المحرومة..

محمد كريشان (مقاطعا): شكرا جزيلا لك، المعذرة سيد مهدي مبروك أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية، شكرا على هذه المشاركة، شكرا لضيفنا من باريس حسني عبيدي الباحث في جامعة جنيف وأيضا ضيفنا من بروكسل محمد مزيان الباحث المتخصص في الشؤون المغاربية. وبهذا نكون قد وصلنا إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر، إلى اللقاء.