- دوافع الفكرة وجدوى الصندوق في إنقاذ الاقتصاد الأوروبي
- التداعيات المحتملة للأزمة الأوروبية على الدول العربية


 محمد كريشان
منصف شيخ روحه
 مجدي صبحي

محمد كريشان: حذر رئيس الوزراء اليوناني جورج باباندريو من أن أزمة الديون التي تعاني منها بلاده قد تؤدي إلى أزمة مالية عالمية ثانية داعيا الاتحاد الأوروبي إلى الوقوف بجوار الدول الأعضاء المتعثرة ماليا، تصريحات باباندريو جاءت بعد إعلان المفوضية الأوروبية رغبتها في التحرك بسرعة لإنشاء صندوق نقد أوروبي يهدف إلى تقديم المساعدة في المستقبل لدول أوروبية أخرى قد تواجه أزمات مالية خطيرة. نتوقف مع هذا الخبر لنناقشه من زاويتين، إلى أي حد سيسهم إنشاء هذا الصندوق في انتشال اليونان ودول أوروبية أخرى متعثرة من ضائقتها الاقتصادية؟ وما هي احتمالات تأثر الدول العربية المرتبطة باتفاقات شراكة تجارية مع أوروبا بتداعيات هذه الأزمة؟... السلام عليكم. في واحدة من أكبر التحديات التي تواجه مسيرته يقف الاتحاد الأوروبي على مفترق طرق فرضته أزمة اقتصادية يونانية حادة تهدد بالانتشار في أقطار أوروبية أخرى وتؤذن بنسخة أوروبية من الأزمة المالية العالمية، مفترق الطرق هذا لا تقف أوروبا وحدها على أعتابه وإنما أيضا وعلى نحو ما دول عربية ترتبط معها بمبادلات اقتصادية واسعة واتفاقات شراكة يتقاسم فيها الطرفان موضوعيا تبعات أيام اليسر والعسر.

[تقرير مسجل]

نبيل الريحاني: مرض الاقتصاد اليوناني فتداعى له سائر الاتحاد الأوروبي بالقلق على عافيته الاقتصادية، بأربعمائة مليار دولار تجد أثينا نفسها تحت رحمة دين بات يمثل 170% من ناتجها المحلي الخام، دين يتهددها في شهر أبريل المقبل بقسط مقداره عشرون مليار دولار. أزمة اقتصادية خانقة تكافح اليونان للتخلص منها بحزمة إجراءات أهمها طرح سندات سيادية بفوائد عالية تتراوح بين 5% و6%، تقدر أكثر التوقعات تفاؤلا أنها لن تجني سوى خمسة مليارات يورو تضاف إليها 9,5 مليار يورو يعول على الإجراءات التقشفية في جمعها، غير أن هذه التوقعات تبقى حتى في حال تحققها بعيدة عن استحقاقات اتفاقية استقرار اليورو القاضية بألا يتجاوز عجز الدول الأعضاء 3% من إجمالي الناتج الخام. بين وطأة الأزمة وضغط الشارع الغاضب وجدت اليونان نفسها بين فكي كماشة، انقسمت بصددها الدول الأعضاء بين داعم للمساعدة المباشرة ومن يفضل أن يتحمل اليونان مسؤولية أزمته بنفسه. أزمة ألمت باقتصاد شبه رأسمالي يقوم أساسا على السياحة والخدمات والنقل البحري مستفيدا من مساهمة أوروبية بأكثر من 2% من موارده، اقتصاد التحق في 2001 بمنظومة العملة الأوروبية الموحدة دون أن يقدم صورة شفافة عن مصاعبه المزمنة فأمهل لسنتين كي يتدارك أمره على ضوء المعايير الأوروبية إلا أن الأحداث أثبتت عكس ذلك. تنذر أزمة اليونان بالأسوأ ذلك أن عدوى العجز في الميزانيات أصابت دولا أخرى كإيطاليا والبرتغال وإسبانيا مهددة بضرب الجوار الإقليمي للفضاء الأوروبي الممثل خاصة في دول عربية على شراكة واسعة معه ما عجل بالبحث عن إمكانية إنشاء صندوق أوروبي للنقد يسهر على ضمان استقرار اقتصاديات دول اليورو ويؤمن آلية تكافل بينها ظهرت أولى تباشيره في مساعدات أوروبية تتراوح بين 25 و30 مليار يورو قد تدخل الخزانة اليونانية في القريب العاجل لتمنحها فرصة أخرى وربما أخيرة.

[نهاية التقرير المسجل]

دوافع الفكرة وجدوى الصندوق في إنقاذ الاقتصاد الأوروبي

محمد كريشان: ومعنا في هذه الحلقة من باريس الدكتور منصف شيخ روحه أستاذ المالية الدولية في المدرسة العليا للتجارة في باريس، ومن القاهرة مجدي صبحي الخبير الاقتصادي في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أهلا بضيفينا. نبدأ بالدكتور شيخ روحه في باريس، هذا الصندوق الأوروبي المقترح هل يمكن أن يكون الفرج لليونان ولغيرها؟

منصف شيخ روحه: لا، لسبب واحد لأن الأزمة اليونانية مثل مرض في جسم الإنسان لها وجهان، الوجه الأول هو وجه المرض الخطير ولكن غير الأكيد والوجه الثاني هو وجه النزيف الحقيقي الدموي وهو أكيد جدا فالصندوق وضعه كما كتبت الفايننشال تايمز اليوم سيأخذ وقتا طويلا وسوف لن يحل المشكلة الثانية وهي مشكلة النزيف الكبير الذي تشكو منه كل اقتصاديات اليونان، ومن أين يتأتى هذا النزيف؟ الأرقام الذي تفضلتم وأعطيتموها صحيحة ولكن أخطر من هذا هو أن هناك مؤسسات مالية في وول ستريت وفي لندن تتربص الاقتصاد الأوروبي عموما واقتصاد اليونان بالخصوص وهذه المؤسسات تسمى الـ hedge funds أو صناديق المضاربة هدفها أن تعرف ما هي الأماكن التي فيها ضعف وتتربص هذا الضعف وتبيع أسهم تلك البلدان أو طبعا تبيع اليورو الآن وهي تنتظر أن ينخفض سعر اليورو وتسدد ديونها بعد ذلك، فقام سوروس بهذا العمل قبل عشر سنوات وكسب أول مليار جنيه إسترليني بهذه الطريقة ولكن هل هذه الطريقة أخلاقية في العمل؟ هذا أقول لا، مع الأسف الـ hedge funds التي تدار من وول ستريت ومن لندن اليوم هي أكبر خطر على الجهاز الاقتصادي الرأسمالي وأكبر جدا من كل ما رأيناه. فالصناديق هي بالنسبة لامتصاص المرض هامة على المستوى المتوسط لأن اليونان لم يرث الديون الكبيرة بين ليلة وضحاها لأنه مشى ذهب في تمش أكثر فيه الديون أكثر مما هو لازم ويمكن التطرق لهذا عن طريق الصندوق بعد أشهر أو سنوات ولكن الأمر الأكيد جدا هو أن هناك شركات موجودة على الساحة رسمية الآن تتربص الاقتصاد اليوناني والاقتصاد الأوروبي ولهذا ما قاله الوزير الأول اليوناني كلام صحيح وراح إلى واشنطن حيث يوجد صندوق النقد الدولي من جهة ولكن البيت الأبيض الذي لم يبين إلى الآن مقدرته على التحكم على وول ستريت في هذه العمليات.

محمد كريشان: ولكن يعني رئيس الوزراء اليوناني نفسه يقول على أوروبا أن تقف معنا، وساركوزي أكثر من ذلك -وهنا أنتقل إلى ضيفنا في القاهرة- ساركوزي أكثر من ذلك يقول لن نسمح لدولة ضمن نطاق اليورو بالسقوط وإلا فما جدوى إنشاء منطقة اليورو أصلا. كيف يمكن أن نوفق بين ضرورة هذه الهبة وبين صعوبتها مثلما ذكر ضيفنا من باريس؟

مجدي صبحي: أتصور ما قاله الرئيس الفرنسي ساركوزي صحيح من زاوية أنه من المؤكد أن الأزمة المالية اليونانية ستؤثر حتما على العملة الأوروبية وإذا تركت اليونان لتشهر إفلاسها أو تعجز عن سداد ديونها معناها سقوط العملة الأوروبية في أول امتحان دولي كبير لها وأنا لا أعتقد لا على المستوى الرمزي ولا على المستوى الفعلي أن أوروبا وخصوصا دول منطقة اليورو الـ 16 راغبة في ذلك، مهما قيل عن أن الاتحاد الأوروبي لن يساعد اليونان أو مهما قالت اليونان إنها لا تسعى إلى معونة مباشرة من أوروبا ومنطقة اليورو بل إلى دعم سياسي ومعنوي يكفل لها الوصول إلى أسواق التمويل الدولية أظن في النهاية أنه لا يصح إلا الصحيح أن أوروبا عليها أن تتدخل وخاصة دول منطقة اليورو لإعانة اليونان على الأقل في المدى الزمني المنظور يعني من عام إلى عامين حتى تستطيع اليونان أن تطبق خططا اقتصادية تقشفية أكثر جدوى تتيح لها العودة مرة أخرى للاقتراب من الأسواق الدولية بسهولة نسبية.

محمد كريشان: سيد صبحي يعني ممكن خلال عام أو عامين؟ لأن تصريحات المستشارة الألمانية ميركل تقول بأن هذا الصندوق ليس لهدف قصير وإنما لما أبعد من ذلك يعني المسألة لا يمكن أن تعالج في فترة قصيرة.

مجدي صبحي: أنا لا أتحدث هنا عن الصندوق أنا أتحدث عن مشكلة اليونان في حد ذاتها لكن الصندوق يأتي في الحقيقة تلبية لما بات واضحا من أنه لا يمكن أن تكون هناك اتفاقية للوحدة النقدية مثل اتفاقية ماسترخت تحدد بعض المعايير والمؤشرات على الدول أن تتبناها ولا توجد أي آلية ملزمة لتبني هذه المعايير كما لا يوجد أي رقابة واضحة على السياسات المالية في أي دولة عضو كما اتضح في اليونان لأنه كان هناك تدليس حقيقي من حكومات اليونان السابقة في حجم العجز المسجل بها، وبالتالي الصندوق آلية طويلة المدى تعتمد على تقديم المعونة بشرط -كما يحدث في صندوق النقد الدولي- الالتزام ببرنامج صارم للتقشف لأنه حتى الآن ليس هناك آلية مؤسسية أو حتى لوائح واضحة تحدد من يساعد من وفي أي توقيت وبأي ثمن، وبالتالي الصندوق الأوروبي سيكون إلى حد كبير نسخة من عمل صندوق النقد الدولي الذي أنشئ بالأساس للحفاظ على استقرار العملات عن طريق إعانة البلدان التي تعاني من عجز في موازين مدفوعاتها لفترة مؤقتة لفترة قد تصل إلى إلى ما بين ثلاث إلى خمس سنوات وبالتالي..

محمد كريشان (مقاطعا): نعم، على ذكر صندوق النقد الدولي ربما التساؤل لماذا فضلت أوروبا -وهنا أعود إلى السيد شيخ روحه في باريس- لماذا فضلت أوروبا التوجه إلى إنشاء صندوق أوروبي وأرادت أن تنأى بنفسها عن اللجوء إلى صندوق النقد الدولي؟

منصف شيخ روحه: هذا تماما السؤال الذي يطرح بالنسبة لسيادة اليورو، أوروبا الآن تتكلم كلاما أكثر منه سياسي مما هو اقتصادي أو مصرفي فالعالم المالي والعالم المصرفي والاقتصادي الآن أصبح لا يتفق مع الحديث السياسي، في أميركا تحدثوا أمام الأزمة على المؤسسات التي تسمى بالأميركي too big too fall التي كبيرة إلى حد أنها سوف لن تخفق، ولكن أخفقت ليمان براذرز، فكل هذه العبارات السياسية مفروض أن تكون وراءها إمكانيات اقتصادية ومالية تسمح بهذا، فأوروبا تتحدث كلاما سياسيا وسيكون صندوق يتدخل بعد -لا قدر الله- أن ينهار الوضع في اليونان وهذا غير مرغوب فيه لا في أوروبا ولا في بقية العالم. هل بإمكان الحكومات الأوروبية اليوم الوقوف إلى جانب اليونان لتمكينها من السيولة اللازمة؟ الرد ليس واضحا، سياسيا نعم وساركوزي تحدث كسياسي ولكنه لم يتحدث كاقتصادي وكمالي، لما ننظر إلى قيمة سندات الدولة اليوم في الأسواق المالية هناك خبر خطير جدا، سندات الدولة للبلدان الغربية سواء في أوروبا وحتى أميركا أصبحت لها مخاطرة أعلى من سندات الشركات الخاصة اليوم فليس بإمكانية أي دولة أوروبية أو اليابان أو أميركا اليوم أن تتدخل للمرة الثانية وتنقذ المؤسسات المالية والاقتصاديات، لنا أن نفهم أن الأزمة التي أمامنا ما زالت خطيرة وخطيرة جدا فالحديث السياسي جميل والوقوف بالمؤازرة بالكلام جميل ولكن هل بإمكان أوروبا أن تجد الأموال والسيولة للقيام بهذا العمل بصفة سريعة جدا لإيقاف النزيف؟ هذا سؤال ليس له جواب واضح، على المدى المتوسط..

محمد كريشان (مقاطعا): خاصة سيد شيخ روحه أن اتفاقية ماسترخت لإنشاء الاتحاد الأوروبي المفارقة أنها لا تتضمن أي بند يتيح إجراءات خاصة لإنقاذ أي اقتصاد قد يكون مهددا بالانهيار. في هذه الحالة -وهنا أعود إلى السيد مجدي صبحي في القاهرة- في هذه الحالة الآن يجري حديث عن صندوق ولكن يجري عنه برغبة ألا تكون فيه شروط مجحفة كبيرة وأن يكون أقرب إلى مساعدة ومراقبة أداء الحكومة اليونانية، هل هذا ممكن؟

مجدي صبحي: أنا لا أعتقد ذلك، إذا ما رغبت الدول الأوروبية في أن تكون هناك وسيلة للتدخل في بقية الدول الأعضاء لا بد أن تكون وسيلة فعلية للتدخل، لا يمكن أن تقرض بعض الحكومات إلى ما لانهاية ثم لا يكون هناك رقابة فعلية تتيح لها التدخل في الوقت المناسب لإقرار السياسات التي تكفل للبلدان العودة إلى المسار الصحيح، هذه الفكرة عموما وأعتقد أنه لو تم الاستناد إلى تجربة صندوق النقد الدولي علينا أن نفهم أن الجزء الأكبر من رأسمال هذا الصندوق أو رأسمال هذا الصندوق مكون من كافة الدول الأعضاء، الدول الأعضاء تساهم في هذا الصندوق لإعانة البلدان التي تمر بأزمات وبالتالي هو ليس عائدا لدولة واحدة من ناحية وهو ليس مصمما لغرض إنقاذ دولة واحدة مثل اليونان، الموضوع هو إيجاد آلية مؤسسية منتظمة تتيح للدول الأوروبية أو على الأقل دول منطقة اليورو التدخل في الوقت المناسب للحيلولة دون تفاقم الأزمات الاقتصادية وبالتالي مساعدة اليونان. قد يكون ما يقوله السيد شيخ روحه صحيحا من زاوية أنه على المدى القصير لا بد من أن يكون هناك تدخل مباشر حتى يتم وضع الآلية المؤسسية المنتظمة وبالتالي أنا أتصور أن غياب مثل هذا الوضع بات واضحا للجميع وأصبح الوضع قابلا للتفجر في بلدان أخرى فعلى أوروبا وخاصة بلدان منطقة اليورو أن تلحق بقية البلدان مثل إسبانيا والبرتغال وإيطاليا وربما إيرلندا هذه البلدان مهددة أيضا إذا ما تركت اليونان لمصيرها من أن تواجه مشكلات مماثلة وبالتالي التدخل حاسم وقصير المدى في اليونان الآن ثم إعداد آلية مؤسسية منتظمة مثل الصندوق في وقت لاحق.

محمد كريشان: نعم، المشكلة أنك أشرت إلى إسبانيا وإيطاليا والبرتغال وإيرلندا، هناك دول الآن لا أحد يتحدث عنها وهي دول جنوب المتوسط الدول المغاربية وربما أيضا مصر وغيرها ممن لها علاقات جيدة مع الاتحاد الأوروبي ويخشى أن تتأثر بهذه الأزمة، سنتوقف عند هذا الموضوع بعد فاصل قصير نرجو أن تبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

التداعيات المحتملة للأزمة الأوروبية على الدول العربية

محمد كريشان: أهلا بكم من جديد في هذه الحلقة التي نناقش فيها فكرة إنشاء صندوق نقد أوروبي لمساعدة اليونان ودول أوروبية أخرى المتعثرة اقتصاديا. سيد شيخ روحه، هل من المشروع الآن لدول مثل دول المغرب العربي أو غيرها أن تضع يدها على قلبها بعد هذه الأزمة اليونانية والتي تهدد دولا أوروبية أخرى؟

منصف شيخ روحه: طبعا، نحن وفرق الدارسين معنا في المدرسة العليا للتجارة وفي الجامعة الفرنسية بصدد احتساب كم ستكون نسبة التقلص في اقتصاديات المغرب العربي إذا تم تقلص جديد في أوروبا لأن التقلص الأوروبي يعني أقل سواح يذهبون إلى أوروبا أقل تصدير مغاربي لأوروبا أقل استهلاك أوروبي وحتى يمكن أقل استثمار أوروبي في منطقة المغرب العربي، ونحن نعرف أن هذا سيصير بالتأكيد ولكن كم؟ نحن بصدد احتسابه اليوم. هذه النقطة السلبية ولكن هنا نقطة إيجابية لأن بلدان المغرب العربي مثل الصين لما كانت قبل سنتين أمام الأزمة الاقتصادية العالمية صار تقلص في الطلب الأميركي للصناعات الصينية ولكن الصين تمادت في النمو بقوة، لماذا؟ لأنها دارت وراحت تنمي منطقتها وتتبادل مع مناطق الصين، فاليوم المغرب العربي والعالم العربي عموما والمغرب العربي بالخصوص له إمكانية هامة هي أن التبادل المغاربي المغاربي والتبادل المغاربي العربي المفروض أن تفتح الأبواب كبيرة أمام الاقتصاديات المغاربية ونعرف في دراسات البنك الدولي أنه لما تفتح الأبواب بين الاقتصاديات المغاربية سترتفع نسبة النمو بنقطتين وهذا سيغطي إن شاء الله نسبة التقلص الذي ستنجر من المشاكل الأوروبية، ولعل ضارة منفعة في الأخير..

محمد كريشان (مقاطعا): ولكن عفوا سيد شيخ روح، مثل هذا التوجه سيأخذ سنوات، الآن هناك عنصر ضاغط، هل يمكن لدول المغرب العربي وهي اقتصادياتها مرتبطة بشكل كبير حتى فوق 70% مع اقتصاديات أوروبا كيف يمكن لها أن تنأى بنفسها عن هذه المخاطر الحالية؟

منصف شيخ روحه: حاليا الطريقة الوحيدة هي أن تنوع تعاملها مع بقية العالم، نعرف أن مثلا بلدي تونس تبادله مع بلدان أوروبا تقريبا 80% اقتصاد أوروبا يمثل 80% في مبادلات الاقتصاد التونسي ولكن أعرف أيضا أن الشركات العالمية التونسية، تعرف تونس أكبر بلد مصدر لقطاع السيارات وللـ (كلمة فرنسية) مكونات السيارات الذي لا ينتج سيارات في العالم فمنتجو قطاع السيارات والـ (كلمة فرنسية) أي مكونات السيارات..

محمد كريشان: قطع الغيار.

منصف شيخ روحه: الآن يتجهون أكثر فأكثر إلى الشرق إلى آسيا، قطع الغيار أيضا طبعا، إلى الشرق إلى آسيا إلى روسيا حيث أصبحت رينو تنتج سياراتها غدي. فهذا التنوع مفروض أن يكون بسرعة ولكن الشيء الأكيد جدا هو إذا وضعت أوروبا إجراءات أكيدة لحماية أوروبا فالاتفاقيات بين أوروبا وبلدان الجوار ما يسموها بلدان جوار البحر الأبيض المتوسط بما فيها المغرب العربي مفروض أن اقتصاديات المغرب العربي تستفيد من هذا الصندوق للتقليل من الضربة التي هي بصدد التكون الآن ضد الاقتصاد الأوروبي.

محمد كريشان: وربما لا أحد يتحدث الآن عن تأثير هذه الأزمة على دول المغرب العربي والدول العربية بشكل عام، كنا نتحدث فقط عن الأزمة المالية العالمية، الآن هناك أزمة مالية أوروبية، سيد مجدي صبحي إذا أردنا أن نطور النواحي الإيجابية التي أشار إليها السيد شيخ روحه والحد من التأثير السلبي للأزمة على أي مستوى يمكن أن نتحرك في المدى القريب والمتوسط؟

مجدي صبحي: أنا أعتقد أن المشكلة الأكبر على المدى القصير هي ربما انخفاض سعر صرف اليورو أمام سائر العملات الأخرى وهو ما يهدد الصادرات من المنطقة العربية وخاصة تلك البلدان المشاركة لأوروبا ويزيد من حجم الواردات الحقيقة في الدول العربية من هذه الدول الأوروبية حيث تصبح السلع الأوروبية أرخص، هذه المشكلة الرئيسية وأنا لا أتصور أنه على المدى القصير يمكن الحديث عن بدائل متاحة فورا، حتى في إطار الأزمة المالية العالمية وحتى في إطار القدرات العملاقة للاقتصاد الصيني هناك انخفاض واضح في حجم الصادرات والواردات الصينية في عام 2009 عام الأزمة وبالتالي أنا على المدى القصير لا أتصور أن هناك أملا في الخروج من مشكلة بمثل هذا الحجم. الجزء الثاني المهم هو أنه في الحقيقة ربما يحد من مثل هذا الأثر أن بعض السلع التي تصدر من المنطقة العربية هي سلع بالأساس تستوردها أوروبا وتحتاج إليها يعني معظمها سلع استهلاكية، كل الخضروات والمزروعات التي تصدر لأوروبا لا أعتقد أنه يمكن الاستغناء عنها حتى لو وقعت أزمة، هذه سلع استهلاك ضرورية، تبقى المشكلة في الحقيقة هي في تلك الصناعات النامية في الدول العربية وخاصة في دول المغرب العربي لأنها صناعات ناشئة ما زالت تحتاج إلى فترة حضانة طويلة نسبيا حتى تقف على أرجلها وبالتالي كانت اتفاقية الشراكة مع أوروبا تتيح لها مثل هذه الإمكانية لكن أيضا يخفف من الأثر هنا أن هناك ارتباطات مع شركات أوروبية واضحة، على سبيل المثال رينو في المغرب هي سيارة رينو مهما كان الأمر هي في النهاية ستنتج هذه السيارات، قد تقلص من الإنتاج نسبيا لكنها ستنتج هذه السيارة وهي تصدرها بالمناسبة خارج أوروبا أي أوروبا لا تستوردها، وبالتالي أنا أتصور أنه على المدى القصير لا يمكن التحرك كثيرا في النطاق التجاري. ربما يكون الجزء المهم في هذا الموضوع هو المتعلق بإتاحة التمويل للمنطقة العربية، قد تقل حجم المعونات أو الائتمان المقدم للمنطقة العربية وقد يقل طبعا، أتصور أنه ربما يقل حجم الاستثمار المباشر من أوروبا في الدول العربية نتيجة للتركيز على إمداد السيولة للقطاعات الأوروبية خاصة تلك البلدان المأزومة، هنا لا بد من وسائل أكثر جاذبية لجذب رؤوس أموال من خارج أوروبا وأنا أتصور أن هذا ممكن، على سبيل المثال النهضة التي شهدتها العديد من الدول العربية في استقبالها للاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2008 بالتحديد كانت من مصادر متعددة وليس من مصدر واحد، صحيح أن أوروبا كانت مكونا مهما لكنها لم تكن المكون الوحيد، كانت هناك استثمارات كبيرة من الولايات المتحدة الأميركية استثمارات كبيرة من أوروبا وأيضا استثمارات كبيرة من داخل المنطقة العربية وخاصة من دول الخليج العربية وبالتالي أنا أتصور أنه يعني المزيد من سياسات جذب الاستثمار الأجنبي قد تعادل التطور السلبي الذي يحصل من الأزمة الأوروبية إذا حدث ذلك.

محمد كريشان: نعم، سؤال سريع للسيد شيخ روحه في نهاية البرنامج، هل من الضروري الآن عقد اجتماع لوزراء الاقتصاد والمالية في دول المغرب العربي أو أكثر من ذلك للنظر بسرعة في ما المطلوب حاليا؟

منصف شيخ روحه: جدا، جدا. هناك خطر كبير ومفروض أن وزراء الاقتصاد يجتمعون والاقتصاديون يجتمعون والرأي العام أيضا يعطي فكرته في هذا الأمر لأنه في نهاية المطاف إذا كان هناك نوع من الركود أو حتى الانكماش الاقتصادي من سيدفعه؟ سيدفعه الشغالون سيدفعه الموظفون سيدفعه الناس الذين لهم دخل متوسط لأنه لما تصبح البلدان الغنية أقل غنى تصبح البلدان متوسطة الدخل أقل غنى أكثر منهم فلذلك مفروض أن يتم التشاور بين الاقتصاديات المغاربية وحتى العربية للتطرق لهذه المشاكل وطرح كل الحلول التي طرحها الأخ مشكورا من القاهرة أو طرحتها أنا وأشياء أخرى لم نجد الوقت لطرحها للتطرق إليها حتى تخرج المنطقة بسلامة من هذه الأزمة التي ممكن أن تكون مؤشرا لأزمة عالمية كما قال الوزير الأول اليوناني إذا لم ينجح البيت الأبيض لفرض وول ستريت للرجوع إلى السلامة.

محمد كريشان: شكرا جزيلا لك دكتور منصف شيخ روحه أستاذ المالية الدولية في المدرسة العليا للتجارة في باريس، شكرا أيضا لضيفنا من القاهرة مجدي صبحي الخبير الاقتصادي في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية. بهذا نصل إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر، كالعادة نذكركم بإمكانية إرسال المقترحات على هذا العنوان الإلكتروني الظاهر الآن على الشاشة indepth@aljazeera.net غدا بإذن الله قراءة جديدة في ما وراء خبر جديد، أستودعكم الله.