- أسباب ودلالات الحكم على عبد الرحمن كوكي
- أبعاد قضية حرية التعبير وآفاقها في العالم العربي

 خديجة بن قنة
 توفيق بوعشرين
 
 أحمد الحاج علي
خديجة بن قنة: أصدرت محكمة الجنايات الأولى بدمشق حكما بسجن الداعية عبد الرحمن كوكي لمدة سنتين وتخفيضها لمدة سنة لأسباب مخففة وذلك على خلفية مشاركة سابقة له في  برنامج الاتجاه المعاكس على قناة الجزيرة، وبدلت المحكمة الوصف الجرمي للداعية السوري من جنايتي النيل من هيبة الدولة وتعكير صلة الدولة بدول أخرى إلى جنحة إثارة النعرات المذهبية والعنصرية. ونتوقف إذاً مع هذا الخبر لنناقشة في عنوانين رئيسيين، إلى أي حد تعكس حالة كوكي الصورة الحقيقية لوضع حرية الرأي والتعبير في عالمنا العربي؟ وإلى متى ستبقى الأنظمة العربية تخشى الكلمة الحرة وتقابلها بأسلوب الرقابة والملاحقة وتكميم الأفواه؟... تعيد إذاً محاكمة الداعية السوري الشيخ عبد الرحمن كوكي إلى الأذهان الكثير من الحالات المماثلة في العالم العربي التي تعرضت للسجن أو الضرب أو التعذيب لمجرد التعبير عن رأيها بما يخالف أهواء السلطة في العديد من الدول العربية، ولا تزال هذه الممارسات مستمرة رغم كل النداءات الداخلية والخارجية لفسح المجال لمزيد من الحرية على غرار ما تتمتع به الشعوب الأخرى في بقية بلدان العالم.

[تقرير مسجل]

نبيل الريحاني: تؤكد منظمات حقوقية عديدة أن هذا المقطع من برنامج الاتجاه المعاكس هو الذي أودى بالداعية السوري عبد الرحمن كوكي إلى المحاكمة بتهمة تغيرت من النيل بهيبة الدولة وتعكير صلاتها بدول أخرى إلى إثارة النعرات المذهبية والعنصرية لينال بسببها حكما بالسجن مدة سنتين خفضت إلى سنة واحدة على خلفية جدال اشتد أثناء الحلقة ذكر فيه الضيف المصري الرئيس السوري وزوجته، تصنف المنظمات الحقوقية هذه الحالة ضمن خانة قضايا حرية الرأي والتعبير وتضعها في سياق قضايا مماثلة أوصلت مواطنين وناشطين حقوقيين إلى المحاكم والسجون فقط لأنهم لم يوافقوا أو انتقدوا السياسات الحكومية، صوت تستعمل أغلب الحكومات العربية لتلهب ظهر كل من يفكر في تجاوز خطوطها الحمراء فمن حرمة المساس بالذوات الملكية والجمهورية إلى تتبع كل من يكشف شيئا من مستور قضايا الفساد وفضائحه بالضغوط والمحاكمات، فضلا عن مغبة انتقاد الأوضاع السياسية والإعلامية المختنقة بقبضة حكومية أزهقت كل نفس حر. تحت شيء من هذه الطائلة شهد المغرب الأقصى موجة محاكمات لصحفيين من مثل تلك التي اتهم فيها مدير صحيفة المساء توفيق بوعشرين ورسام الكاريكاتير فيها خالد كدار بالمس بالذات الملكية، وفي موريتانيا انتهى مطاف المحاكمة بالصحفي حنفي ولد إده إلى السجن لمدة عامين بتهمة الإخلال بالأخلاق الحميدة والتحريض على التمرد وانتهى بالصحفي عبد الفتاح ولد عبيدينا إلى غرامة مالية باهظة بتهمة قذف رجل أعمال موريتاني، حيثما اتهجت في أرجاء الوطن العربي تستقبلك قضايا مماثلة كتلك التي عرفتها تونس بمحاكمة وحبس الصحفيين توفيق بن بريك بتهمة الاعتداء على امرأة، وزهير مخلوف بتهمة الإساءة للغير ورفض الإفراج عنه رغم انتهاء مدة محكوميته طبقا لما يقول محاموه، وفي اليمن نددت المنظمات الحقوقية بالاختفاء القسري الذي تعرض له الصحفي والناشط السياسي محمد المجارح ليتبين بعد ذلك أنه كان بين يدي الأمن اليمني الذي اتهم بتعذيبه، أمثلة تستعصي على الحصر لم تستثن مصر التي حاكمت الصحفي إبراهيم عيسى سابقا بتهمة نشر أخبار زائفة عن صحة الرئيس مبارك، وتعرض فيها الصحفي عبد الحليم قنديل للاختطاف والضرب في رد على انتقاداته اللاذعة للأوضاع في بلاده ما يؤكد أن جدار الاستبداد العربي يستمر سميكا عاليا يحول دون وصول شعوب المنطقة إلى حقوقهم الإنسانية الأساسية في التفكير والتعبير.

[نهاية التقرير المسجل]

أسباب ودلالات الحكم على عبد الرحمن كوكي

خديجة بن قنة:  ومعنا في هذه الحلقة من دمشق الدكتور أحمد الحاج علي الكاتب الصحفي والمحلل السياسي السوري، ومعنا من الرباط توفيق بوعشرين رئيس تحرير صحيفة المساء المغربية، أهلا بضيفينا من دمشق ومن الرباط وأبدأ من دمشق معك الدكتور أحمد الحاج علي، ما هذا الجرم الخطير الذي ارتكبه الشيخ كوكي حتى يستحق عليه هذا العقاب والحكم الثقيل؟

أحمد الحاج علي: نعم لا بد من تصحيح الواقعة من جهة وتصحيح تفسير هذه الواقعة من جهة أخرى، لا جرم ولا شيء آخر، المسألة اتصلت بأن النقاش في تلك الحلقة كان مبنيا على أسس مغلوطة وانتقل من حالة مناقشة الظاهرة أي قصة الحجاب والنقاب إلى أن تجسد برموز، وكما يعلم الجميع أن هذه الحلقة أدت إلى مساس بمقام الرئاسة وهذا الأمر لا علاقة له لا بالموضع الذي يطرح للنقاش ولا بأن يستخدم كحجة أو كذا، كان النقاش كله مبنيا على أساس مغلوط تماما والشواهد التي..

خديجة بن قنة (مقاطعة): دكتور أحمد الحاج علي، النقاش كان منصبا في هذه الحلقة على مناقشة منع النقاب في مصر في الجامعات المصرية ولم يكن فيه إشارة واحدة إلى موضوع النعرات الطائفية والمذهبية، وعليك وعلى القاصي والداني أن يعود إلى أرشيف.. الأرشيف على الأقل على.. مشاهدة البرنامج.

أحمد الحاج علي: لاحظنا هذا الشيء ولكن كان يجب أن تبقى في مسارها وهي قصة المؤسسات الاجتماعية والتعليمية وكذا، لا أن تصل الأمور إلى درجة أن يقحم هكذا بصورة مفتعة ودون تبصر موضوع مقام..

خديجة بن قنة (مقاطعة): وهذا ما التزم به الضيف.

أحمد الحاج علي: هذا الأمر لا يجوز، لا يجوز لا للرئيس بشار الأسد ولا للرئيس حسني مبارك ولا لأي شيء آخر..

خديجة بن قنة (مقاطعة): دكتور أحمد الحاج علي عسى نمشي خطوة خطوة ويفهم المشاهد موضوع هذه الحلقة. هل ارتكب الضيف الذي عوقب وهو الشيخ عبد الرحمن كوكي، هل ارتكب جريمة استحق عليها هذا العقاب؟ هل تحمله وزر ما قاله الضيف الآخر في البرنامج؟

أحمد الحاج علي: أحمله وزر الطريقة التي أدت إلى المساس بمقام الرئاسة، لا جرم ولا أي شيء آخر والمسألة هي مسألة تأكد من الظروف والتحقق منها ليس أكثر، والقضية مفتوحة حرية الرأي والتعبير خاصة في هذه المسائل مسألة النقاب ومسألة الحجاب ولكن كما قلت خرجت..

خديجة بن قنة (مقاطعة): طيب دكتور أوضح لنا أين هي إثارة النعرات الطائفية في البرنامج التي اتهم بها الشيخ كوكي؟

أحمد الحاج علي: أنا لا أتحدث عن نعرات طائفية ولا أعتقد أن الرجل كان يثير نعرات طائفية..

خديجة بن قنة (مقاطعة): لكن هذا هو الحكم، هذه هي التهمة التي صدر بسببها الحكم..

أحمد الحاج علي (متابعا): ولكن الاستخدام والاستطراد كان يؤدي فعلا إلى أن يتم بشكل متعسف بعض التصورات التي لا يجوز أن تحدث ولا سيما بمقام الرئاسة، هذه هي السيدة الأولى وفي كل العالم هذا الأمر نموذج ومثال للمرأة التي يجب أن تكون دائما في الحياة قائدة فاعلة نموذج سامي وعالي، ولذلك خرج الأمر ليتحول إلى قضية شخصية ولكي يفتح الباب بعد ذلك على مسائل قد تصل إلى..

خديجة بن قنة (مقاطعة): الحكم الصادر بحقه دكتور لا يشير إلى كل ذلك، يشير إلى إثارة النعرات الطائفية، دعنا نقف عند هذه التهمة، أين إثارة النعرات الطائفية؟ الرجل سني وينتقد شيخ الأزهر محمد الطنطاوي والطنطاوي سني أين هي إثارة النعرة الطائفية في الموضوع؟

أحمد الحاج علي: أنا لا أتحدث عن الشكليات وهذه المسائل في سوريا لا نعتد بها أصلا ولا أحد يقف عندها طويلا ولكن نتحدث هنا.. للقضاء دائما تعابيره ومصطلحاته، ولكن ما حدث أيضا من سباب وشتائم حتى لشيخ الأزهر كان خارجا عن القواعد وعن الأصول إذاً هناك قضية فقط في آداب الحوار عبر برنامجكم المشهور والمعروف ولا علاقة لهذه المسألة بمصادرة الرأي وحرية الرأي وسوى ذلك، ويجب ألا نتوقف عند هذه القضية كثيرا لنجعل الظاهرة الآن حرية الرأي، الحرية السياسية الحرية الفكرية حرية المعتقد حرية الاختيار حرية التعبير هذه المسائل التي يجب أن تناقش لا أن نستغني عن ذلك لكي نصب الأمر في نطاق شخصية معينة كأن نسب..

خديجة بن قنة (مقاطعة): دكتور هذه القضية هي بالتحديد جزء من ظاهرة..

أحمد الحاج علي (مقاطعا): هي جاءت استطرادا.

خديجة بن قنة:  نعم هي جزء من هذه الظاهرة لكن نناقشها وهي حرية الرأي والتعبير في العالم العربي، دعنا ننتقل..

أحمد الحاج علي (مقاطعا): اسمحي لي قليلا.

خديجة بن قنة:  تفضل باختصار.

أحمد الحاج علي: لو أنه طرح عليكم أنه سيجري في الحلقة شتم شيخ الأزهر والمساس بمقام الرئاسة في سوريا أنتم نفسكم لا توافقون لأنه لا تؤدي هذه المسائل إلا إلى إحراجات لا قيمة لها ونحن بهذا المناسبة هكذا واضحون تماما.

خديجة بن قنة:  نص التهمة والحكم لا يشير إلى ذلك. لكن دعني أنتقل إلى الرباط إلى مدير نشر جريدة أخبار اليوم المغربية الأستاذ توفيق بوعشرين لننطلق من هذه القضية أستاذ توفيق بوعشرين، إلى أي حد يعكس هذا الحكم الصادر بحق الداعية الشيخ عبد الرحمن كوكي، إلى أي حد يعكس الصورة الحقيقية لحرية الرأي والتعبير في العالم العربي بشكل عام؟

توفيق بوعشرين: هذه الحالة وحالات أخرى تعكس حقيقة الصورة السوداء لحرية الصحافة وحرية التعبير في العالم العربي، التقارير الصادرة كلها هذه السنة 2009 يمكن أن تفتحي كتاب هذه التقارير من مراسلين بلا حدود ليهومن رايتس ووتش لفري دوم هاوس للجنة حماية الصحفيين في نيويورك إلى غير ذلك، كل تقرير، عشرات التقارير الدولية التي لا يمكن الطعن في نزاهتها وموضوعيتها ترسم صورة سوداء لحرية التعبير وحرية الرأي وحرية الصحافة في العالم العربي، وأعتقد أن مشكلة السلطة العربية مع حرية التعبير هي فرع من أصل، الأصل هو مشكلتها مع الديمقراطية، هذه أنظمة لا تريد أن تفهم بأن العالم.. بأن شعوب المنطقة تتطلع إلى المزيد من الحرية إلى المزيد من الديمقراطية، أن الحواجز بين الدول انمحت تقريبا أن المواطن العربي يقضي ست سبع ثماني ساعات أمام القنوات الفضائية أمام الإنترنت  ويرى شعوبا أخرى كيف تعيش كيف تعبر كيف تتكلم ويريد أن يعيش عالمه وعصره الذي يعيش فيه، السلطة عندنا في العالم العربي ما زالت تعيش في القرون الوسطى وعوضا أن تعوض نفسها عن القبول بحرية الرأي والتعبير والنقد تريد أن تجعل الشعوب وتجعل الصحفيين وأصحاب الرأي يتعودون على سلطويتها على تحجرها على انغلاقها على الانفتاح على العالم، هذا هو المشكل اليوم نعيش مفارقة كبيرة بين شعوب تعيش زمنها وبين حكومات وسلطات تعيش في القرون الوسطى وتريد أن تقفل على نفسها وتقفل على أحلام وعلى تطلعات الناس في زمن مضى ممنوع فيه الاقتراب من الحاكم أو عائلته أو سيرته مع أن هؤلاء الحكام بشر يصيبون ويخطئون كما البشر جميعا.

خديجة بن قنة:  هؤلاء الحكام الذين يصيبون ويخطئون مثلهم مثل بقية البشر -دكتور أحمد الحاج علي- لماذا يخافون من حرية التعبير ومن حرية الرأي؟ أليس الهدف من هذه القضية التي انطلقنا منها وهي قضية الشيخ كوكي، أليس الهدف من هذا الحكم هو ترهيب وترويع وردع وتخويف كل من يفتح فمه بكلمة واحدة خارج عيادات الأسنان؟

أحمد الحاج علي: أولا كنت أتمنى أن يبقى النقاش والحوار في حدود الظاهرة نفسها وهي حرية الرأي والتعبير والموضوع الذي كان قائما هو مسألة الحجاب والنقاب، ثانيا لا أن نجري بين تطرفين إما أن نمنع وإما أن نخلص إلى حالات لا علاقة لها، إذا أردتم أن تذكروا السيدة الأولى في سوريا فهي من رائدات الحوار والانفتاح، طالعوا وتابعوا مشاريعها الإنسانية، المؤسسات التي تقودها على مستوى المرأة حرية المرأة والرجل..

خديجة بن قنة (مقاطعة): دكتور إنما تقول سوريا رائدة الحريات، أعتذر عن مقاطعتك ولكن عندما سوريا هي رائدة الحريات هذا الحكم يأتي في وقت تقول فيه المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سوريا تقول إن عدد الممنوعين في سوريا من السفر وصل إلى عشرات الآلاف كثير منهم من الدعاة من الكتاب من المثقفين وإذاً هذا الحكم يصب في هذا الإطار.

أحمد الحاج علي: يعني أنا أتصور أن هذا الحديث عن.. ليس وهميا فقط وإنما الآن يعني أكاد أقول لا بد أن نشك في المسألة كلها، من الذي قال هذا الكلام؟ ومن أين هذه الآلاف؟ وأين هي هذه الآلاف؟ ومن هو هذا في سوريا الممنوع من السفر بحجة رأيه أو كلامه؟ نحن نعاني من مسائل كثيرة قد يكون فيها أخطاء، ولكن في هذا الجانب بالذات فإن المسألة تتصل بمقام الرئاسة والذي استخدم كإقحام لا يجوز إقحامه لأنه لو اطلعتم على هذه النقطة بالذات وهي مسألة النقاب والحجاب لوجدتم أن الرئيس والسيدة الأولى من الرواد على المستوى، ليس على المستوى العربي والإسلامي، على المستوى العالمي في قضية الانفتاح وقضية الالتزام والاحتشام من جهة وقضية فتح الحوار حول كل هذه الأمور ولكن إذا أضفنا إلى ذلك هذه المعلومات فهذه الأرقام غير موجودة، غير موجودة هذه الأرقام.

خديجة بن قنة:  هذه موجودة ومسندة إلى المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سوريا لكن..

أحمد الحاج علي (مقاطعا): هذه إذا أردنا أن نصدق بها كقرآن فهذا شأنكم أنتم، هذا ليس قرآنا.

خديجة بن قنة:  إلى متى ستبقى إذاً الأنظمة العربية تخشى الكلمة الحرة وتقابلها بأسلوب الملاحقة وتكميم الأفواه؟ نتابع ذلك بعد وقفة قصيرة، لا تذهبوا بعيدا كالعادة.

[فاصل إعلاني]

أبعاد قضية حرية التعبير وآفاقها في العالم العربي

خديجة بن قنة:  مشاهدينا أهلا بكم من جديد إلى هذه الحلقة التي نناقش فيها أوضاع حرية الرأي والتعبير في العالم العربي في ضوء الحكم الصادر بحق الداعية السوري عبد الرحمن كوكي، أنتقل إلى الرباط الآن إلى الأستاذ بوعشرين. إلى متى أستاذ بوعشرين تبقى الأنظمة العربية إذاً تخشى الكلمة الحرة تقابلها دائما بأسلوب الرقابة والملاحقة والأحكام والسجن وما إلى ذلك؟

توفيق بوعشرين: ما دامت هذه السلطة هي سلطة غير ديمقراطية غير منتخبة من الشعب ما دامت مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب لا تشكل قوة مضادة لقوة السلطة وتحاول أن تخلق نوعا من التوازن السياسي يمنع الدولة من الشطط، ما دام غياب مؤسسات القضاء الذي مفروض أن يكون حكما بين الصحافة وبين أصحاب الرأي وبين المطالبين بحرية التعبير والسلطة، ما دام هذا القضاء يوظف دائما، الآن هذا الشيخ حوكم عن طريق القضاء، وأنا شخصيا حوكمت عن طريق القضاء على رسم كاريكاتوري وحكم عليّ بأربع سنوات سجنا موقوف التنفيذ أنا وزميلي الكاريكاتوريست، وعدد كبير من الحالات في العالم العربي في تونس في الجزائر في ليبيا إلى غير ذلك عوضا أن يكون هذا القضاء حكما يقي بين الناس وأن يتشبع بروح القانون وبروح الحرية وبروح الانفتاح يصبح القضاء سيفا في يد السلطة تذبح به الصحافة وتذبح به حرية التعبير وتذبح به حرية الرأي، هذا هو المشكل في العالم العربي أننا إزاء سلطة لا تحارب فقط حرية التعبير وحرية الصحافة لكنها تقضي على كل المؤسسات الأخرى بما فيها مؤسسات القضاء الذي من المفروض أن يكون حكما. إذاً المجتمع قواه مشتتة، الأحزاب السياسية إما غير موجودة في عدد من الدول العربية أو ضعيفة في دول أخرى، النقابات وهيئات المجتمع المدني لا زالت ليست بالقوة التي تسمح بتشكيل قوة مضادة تجاه السلطة، حتى بعض الصحفيين نفسهم الذين باعوا أنفسهم للشيطان يتحالفون في بعض الأحيان مع السلطة ويكتبون ضد زملائهم أو بعض المثقفين ضد بعضهم أو بعض الناس المحسوبين على معسكر حقوق الإنسان ضد بعضهم، إذاً هذا الانقسام وهذه الأوضاع كلها حقيقة لا تبشر بأن العالم العربي يسير نحو التقدم، نحو موجة ثالثة من الديمقراطية كما هي عدد من بلدان أوروبا الشرقية التي خرجت من عهد الدكتاتورية والتحقت بنادي الدول الديمقراطية، هناك عسر ديمقراطي وهذه التشنجات وهذه المعارك وكل هذه الأشياء تظهر بأن السلطات العربية تجد صعوبة كبيرة في التأقلم مع عالم اليوم عالم الحرية عالم الانفتاح عالم العولمة عالم إعطاء قيمة للفرد أو للمواطن لا يريد النظام العربي أن يعطيها له.

خديجة بن قنة:  نعم، ربما هي تجد صعوبة في وضع هذه الحدود خوفا من أن يتحول الأمل إلى فوضى في مجتمعات قد لا تكون حسبما يراها البعض مهيأة لهذه الحرية. دكتور أحمد الحاج علي، ما هي الحدود التي تراها الأنظمة العربية مناسبة لحرية الرأي والتعبير في العالم العربي؟

أحمد الحاج علي: نعم. إذاً دعينا نسدل الستار على عدم وجود علاقة بين الحادث الشخصي والعادي والذي كان مقحما..

خديجة بن قنة:  نعم وقد أسدل عليه الستار.

أحمد الحاج علي: ولا أهمية له بل على العكس أسدل عليه الستار لتبقى الأمور..

خديجة بن قنة:  في محورنا الثاني.

أحمد الحاج علي (متابعا): لأن هناك عشرين مليون مواطن سوري استاؤوا من هذ الأمر، فكيف يمكن أن نتحدث عن حرية التعبير والمسألة على هذا النحو؟ أعود للموضوع، نعم الآن طرح الموضوع صحيح وسليم، يجب أن يطرح موضوع حرية الرأي والتعبير في صدد علاقة الأنظمة السياسية العربية معه، هذه مسألة حساسة وخطيرة وميادينها واسعة تتصل بالأهداف الكبرى وتتصل بالمصالح القومية العليا وتتصل بالموضوعات التي تشكل الآن قاعدة الحياة والبناء والتناقض والتجاذب في الوطن العربي، هنا مجال الحديث عن حرية الرأي وحرية التعبير، قضية الصراع العربي الصهيوني قضية الوحدة العربية قضية الثروة العربية قضية الديمقراطية قضية تنوع الأحزاب وتعدد الأحزاب قضية التخلص من مسألة الرأي الواحد والإقرار بالرأي الآخر، نعم الأنظمة السياسية تعادي ذلك كله ولا تتحمل ذلك كله هنا مجال المناقشة ومجال التعمق في المناقشة لنكتشف بأن النظام السياسي العربي لا يستطيع أن يتقبل مسألة الديمقراطية أو حرية التعبير لأنه مبني على فكرة أحادة الجانب مبنية على أساس أنه مستورد من الخارج ومحمي من الخارج وأن خياراته هي، نحن لدينا.. الرئيس بشار الأسد يقول جملة هامة، يقول "النظام السياسي وسيلة لتحقيق الهدف وليس هدفا بحد ذاته" ولذلك لدينا في الوطن العربي سياسيون وليس لدينا سياسات، في أميركا والغرب لديهم سياسات ويأتي رؤساء وتأتي أحزاب لتنفذ هذه السياسات، إن النظام العربي السياسي هو نظام الإقطاع السياسي النظام المطلق النظام الذي يعتمد على أنه هو قبل كل شيء وهو الهدف وهو الوسيلة وهو البداية وهو النهاية وهو على كل شيء قدير، هذه هي المسألة الأساسية، طبيعة النظام السياسي العربي من جهة طبيعة رؤيته للجماهير من جهة أخرى طبيعة علاقاته الخارجية طبيعة القواعد التي يمكن أن يرى فيها أمانه وأمنه وهي في الخارج دائما، هنا تأتي عملية الخوف من الديمقراطية ومن حرية التعبير وحرية الرأي وهي قائمة وسائدة والشواهد بالجملة يوميا تكاد لا تتوقف على الإطلاق، وعلينا أن نشتغل على هذا المنوال وهو أن حرية الرأي والتعبير سياسيا فكريا ثقافيا اجتماعيا يجب أن يتم النضال في سبيلها والحالات هنا كبيرة..

خديجة بن قنة (مقاطعة): النضال في سبيلها، نعم النضال في سبيلها، أستاذ بوعشرين كيف يكون النضال في سبيلها؟ أين دور المنظمات الحقوقية، مؤسسات المجتمع المدني في نشر الثقافة الحقوقية وتمكين المواطن من نيل حقه؟ يجب قبل ذلك أن ننشر هذه الثقافة الحقوقية من خلال الحركة الفاعلة لمؤسسات المجتمع المدني أليس كذلك؟

توفيق بوعشرين: بدون شك، أنا عندي تعليق بسيط على كلام ضيفك الكريم يقول عشرين مليون سوري ضد، هذا المواطن المسكين الذي قابع اليوم في السجن، هل عمل استطلاع رأي وتعرف على رأي عشرين مليون؟! أليست هذه هي..

أحمد الحاج علي (مقاطعا): مو ضده، ضد الحركة التي حدثت، مو ضده يا أخي.

توفيق بوعشرين: (متابعا): أليس هذا شكل من أشكال الدكتاتورية؟ أنا لا أعتقد هذا النوع من التفكير يجب أن نقطع معه..

أحمد الحاج علي: لا يا أخي مو ضده، مو ضده.

توفيق بوعشرين: لا يا أستاذ، هذا أسلوب في التفكير هو أسلوب سلطوي..

أحمد الحاج علي: خلينا في الحوار الأساسي.

توفيق بوعشرين: وأعتقد أن على المجتمع المدني وعلى القوى الحقوقية أن تتكتل أكثر، أن نخلق لا بد من خلق سلطة مدنية سلمية مضادة لسلطة الدولة، اليوم لا يوجد حاكم عربي سيقتنع في صباح ما بأن الحرية والديمقراطية في صالح نظامه وفي صالح شعبه، لا يوجد في التاريخ حاكم عربي تنازل عن سلطته إن لم يجبر على التنازل عنها، لا يوجد عمل لإحسان في السلطة وفي صراع السلطة وفي السياسة. يقول ضيفك السوري بأن الرئيس بشار الأسد يقول بأن النظام ليس هدفا بل وسيلة، إذا كان وسيلة لماذا يتوارث أبا عن جد؟ ولماذا هناك حملات توريث في العالم العربي؟ ولماذا هناك حاكم في ليبيا اليوم يكمل أربعين سنة، أربعين سنة كلها يسعى لكي يكون الحكم وسيلة لا غاية؟! لنتوقف عن الضحك على ذقون الناس، هذه أنظمة لها مصالح لها امتيازات لها لوبيات طالت في الحكم وأصبح مشكل كبير عندها في التأقلم مع الأوضاع الجديدة ومع الانتقال الديمقراطي، لم تجرب هذه الوصفة، الذي يقول بأن الديمقراطية تفكك الأوطان خاطئ جدا، انظروا العراق الآن صدام حسين بدكتاتوريته على مر أكثر من ثلاثين سن انظروا ماذا فعل بالعراق، انظروا ماذا يجري اليوم في اليمن، انظروا ما يجري في كل الدكتاتوريات العربية، هل التي تفتت الأوطان هي التي تصبح النعرات العرقية والطائفية بتبرز وليست الديمقراطيات كما هي مطبقة في سويسرا وفي الدول الاسكندنافية التي رغم تعددها الإثني واللغوي هي موحدة ومتقدمة وغنية إلى غير ذلك.

خديجة بن قنة:  شكرا جزيلا لك، أشكرك الأستاذ توفيق بوعشرين مدير نشر جريدة أخبار اليوم المغربية كنت معنا من الرباط، شكرا جزيلا لك، أشكر أيضا الدكتور أحمد الحاج علي الكاتب الصحفي والمحلل السياسي السوري، شكرا لكما. وبهذا نأتي مشاهدينا إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر، ننتظر مساهماتكم كالعادة على بريدنا الإلكتروني، indepth@aljazeera.net

غدا بإذن الله قراءة جديدة في ما وراء خبر جديد، لكم منا أطيب المنى والسلام عليكم.