- جدية التحذير وأسباب استمرار الأزمة

- الإجراءات المطلوبة لتفادي تفاقم الأزمة

 

ليلى الشيخلي
جواد العناني
 صديق عابدين
ليلى الشيخلي
: حياكم الله. نتوقف في هذه الحلقة عند التحذير الذي أطلقته الأمم المتحدة من إمكانية عودة أزمة الغذاء العالمية بصورة أكثر حدة مطلع العام المقبل نظرا لأن السياسيين لم يفعلوا شيئا لوقف الأسباب الهيكلية لارتفاع أسعار الغذاء. ونطرح في الحلقة تساؤلين، ما مدى جدية التحذير الأممي من احتمال العودة الوشيكة لأزمة الغذاء العالمية؟ وما هي الإجراءات التي يجب اتخاذها لتجنب وقوع مثل هذه الكارثة مجددا؟... من جهات عدة انطلقت التحذيرات مجددا من أزمة غذائية يراها المتشائمون وصلت بالفعل بينما يراها المتفائلون تلوح بالأفق، فقد أعربت مجموعة الدول الثماني الكبرى عن قلقها البالغ إزاء ارتفاع أسعار المواد الغذائية والتداعيات الخطيرة لذلك على الدول الفقيرة في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية، هذا بينما حذرت الأمم المتحدة أن مطلع العام القادم قد يكون موعدا لنسخة أكثر قسوة من أزمة الغذاء العالمية.

[تقرير مسجل]

أمير صديق: لا حساب في استهلاك الغذاء طالما توفرت النقود اللازمة لشرائه، هذا هو فيما يبدو حال العالم الذي نسي أنه لم يعالج أزمة الغذاء العالمية لأنه لم يكد ينتهي إلى استنتاجات بشأنها حتى فاجأته الأزمة الاقتصادية العالمية فاضطرته إلى لملمة ملف الغذاء والانشغال بمحاولة إنقاذ البورصات ودعم البنوك وتوفير ما يمكن للحيلولة دون انهيار شركات السيارات العملاقة، خاصة وأن مظاهر الأزمة الاقتصادية بدت أكثر تأثيرا في النصف الغني من الكرة الأرضية وبالتالي الأكثر أهمية فيها، وقد زاد من دوافع الانصراف العالمي السريع عن تداعيات أزمة الغذاء الانخفاض الحاد في القدرة الشرائية مما أسهم في وقف تقدم الأسعار وبالتالي تراجع حدة الشعور بوطأة أزمة الغذاء. هذا الوضع استمر حتى الأمس القريب حين حذر أحد خبراء الأمم المتحدة من أن الفشل في معالجة أزمة الغذاء العالمية يمكن أن يفجر أزمة جديدة أكثر حجما مطلع العام المقبل، وبرر الخبير الأممي تحذيره بأن السياسيين لم يفعلوا شيئا لوقف الأسباب الهيكلية لارتفاع أسعار الغذاء وفي مقدمتها المضاربة بالسلع، ولم يترك الخبير شكا لمرتاب حين أكد أن كل مقومات اندلاع أزمة جديدة لا تزال موجودة. وكانت أسعار الغذاء قد ارتفعت العام الماضي بأكثر من 43% مما سبب موجة احتجاجات عنيفة كادت أن تتحول إلى أزمات اجتماعية وسياسية خطيرة في بعض الدول النامية ومنها بلدان عربية بالطبع، وقد أسهم في تفاقم تلك الأزمة حينها ما قيل عن استثمارات ضخمة للدول الغنية في بعض المواد الغذائية بغرض تحويلها إلى وقود حيوي عله يمكن من مواجهة أسعار النفط التي لامست في ذلك الوقت حاجز الـ 150 دولارا.

[نهاية التقرير المسجل]

جدية التحذير وأسباب استمرار الأزمة

ليلى الشيخلي: معنا في هذه الحلقة من الخرطوم الدكتور صديق عابدين المستشار الزراعي ووزير الزراعة السوداني السابق، من عمان معنا الدكتور جواد العناني الخبير في الشؤون الاقتصادية. دكتور جواد أبدأ معك، طبعا السنة الماضية كانت كارثية على الدول الفقيرة، الآن خبير في الأمم المتحدة بل المقرر الخاص للأمم المتحدة في حق الغذاء يقول إن هناك أزمة قد تكون أقسى، هل يبالغ؟

جواد العناني: أعتقد أنه لا يبالغ كثيرا وذلك لأننا عالجنا الأزمة الاقتصادية التي حصلت في العالم بضخ السيولة وبالتشجيع على مزيد من الاستهلاك مما سيعني أن هنالك سيشهد العالم ارتفاعا واضحا في الطلب وبخاصة في المواد الغذائية مما يفتح المجال ثانية أمام المضاربين خاصة وأننا نعيش في عالم شبه احتكاري فيما يتعلق بتجارة السلع الغذائية الأساسية في الأسواق العالمية، فهنالك حوالي ست أو سبع شركات أسرية تتحكم في أكثر من نصف تجارة المواد الغذائية في العالم ومن هنا فإن كل العوامل التي قد تؤدي إلى ذلك خاصة إذا تم ارتفاع كبير في سعر النفط قد يلامس المائة دولار خلال هذا العام فإننا ربما نكون أمام أيضا مشهد كبير مؤثر على مستوى أسعار السلع الغذائية وخاصة السلع الشعبية التي تمس أو يحتاجها الفقراء أكثر من الأغنياء مما يعني أن الأزمة ستمس أصحاب الدخول المتدنية أكثر من أصحاب الدخول المتوسطة والمرتفعة.

ليلى الشيخلي: نعم. دكتور صديق عابدين، ديشوتر الخبير ديشوتر يلوم السياسيين يقول إن الدول الغنية، القائمون على السياسة في الدول الغنية كان بإمكانهم أن يحلوا المشكلة، أن يوقفوا المضاربات على السلع الغذائية ولم يفعلوا، هل السياسيون يمتلكون الحل ولكن لا يمتلكون الإرادة أم ماذا؟

صديق عابدين: بسم الله الرحمن الرحيم. أعتقد أن أزمة الغذاء ليست جديدة، صحيح زادت حدتها في الآونة الأخيرة ولكنها كانت تأخذ شكلا تراكميا، ووراء ذلك عدة أسباب من أهمها كما ذكر في التقرير تحول بعض المساحات من إنتاج الغذاء إلى إنتاج الوقود البديل من الميثانول وخلافه مما أدى إلى نقص في السلع الأساسية كالحبوب مثلا، والشق الآخر هو العزوف العام عن الاستثمار في المجال الزراعي نسبة لطبيعة الاستثمار في المجال الزراعي دورة رأس المال والعائد منه ليس سريعا ولعل هذا ما دفع المستثمرين أو أصحاب رؤوس الأموال للاستثمار في مجالات سريعة العائد كأسواق الأوراق المالية والمضارات والعقارات وخلافه. وأنا أعتقد أنه بعكس ما ذكر في التقرير ستظل أزمة الغذاء في تصاعد ولكننا لا يمكن أن نحددها بزمن ونقول العام القادم، ولكنني أعتقد أن الأزمة الأخيرة ربما من فوائدها اتجاه بعض رؤوس الأموال للاستثمار في المجال الزراعي نسبة للهزات التي نتجت عن المضاربات وعن الاستثمارات الغير مرشدة في القطاعات الأخرى هذا بالنسبة للعالم..

ليلى الشيخلي (مقاطعة): ولكن يعني هناك علامات استفهام على هذا الاستثمار، قبل أن نتطرق لموضوع الاستثمار في الأراضي الزراعية أريد أن أسألك دكتور جواد العناني عن المظاهرات والاحتجاجات الكثيرة التي شهدناها العام الماضي، حتى لا ننسى طوابير الخبز حتى أن البعض يعني قتل في هذه الطوابير نتيجة للتدافع وما إلى ذلك، هل في العالم العربي اندفعنا واهتممنا أكثر مما ينبغي بالأزمة المالية على حساب أزمة الغذاء التي ربما تؤثر علينا وأقرب إلينا من الأزمة المالية وتداعياتها خصوصا في الغرب؟

جواد العناني: سيدة ليلى الحقيقة أن الأزمة المالية فرضت نفسها على تفكير السياسيين وعلى أولوياتهم بحيث أنهم لا يمكن لهم أن يتجاوزوها بسهولة ولذلك أنا أعتقد أننا في العام الماضي شهدنا تركيزا أكبر من قبل معظم الدول العربية على الأزمة المالية، ولكن مع اتفاقي مع معالي الدكتور بأن أزمة الغذاء هي أزمة تراكمية وقديمة إلا أنني أعتقد بأن ظروف الأزمة العالمية الماضية وكذلك الظروف المتوقع أن تسود سوف تجعل هذه الأزمة أكثر حدة بسبب ظروف الدورة الاقتصادية التي سنمر بها، ستجعل هذه الأزمة موقع اهتمام كبير في العالم ولربما نشهد أيضا إذا لم ينتبه السياسيون سنجد أنفسنا أمام مشكلة حقيقية وأن أنظمة التسليم وإيصال الخدمات والسلع الأساسية للناس ربما تعاني من مشاكل على حساب الموازنات العامة للدول وعلى حساب موازنات الأسر الفقير على وجه التحديد.

ليلى الشيخلي: يعني ربما هناك شيء في تقرير ديشوتر ينبغي أن نتوقف عنده دكتور صديق هذا فيما يتعلق عن فك الارتباط بين أسعار الغذاء وأسعار النفط، أولا ماذا يعني هذا الارتباط وكيف يمكن أن يفك؟

صديق عابدين: هذا الارتباط، الزراعة تحتاج إلى النفط كمدخل أساسي، وضعها مؤخرا أن البدائل الأخرى كالوقود الحيوي تم اللجوء إليه من منظور بيئي كوقود أخضر كما يقولون ولذلك اللجوء إليه بالكامل لا بد أن يراعى فيه الموقع الجغرافي للدولة أو الموقع في سلم التقدم الحضاري، ربما يكون ضرورة في بعض الدول الغنية وخلافه ولكن بالنسبة لنا في الدول الأفريقية والدول الفقيرة فإن إنتاج الغذاء يتقدم على ما عداه من اعتبارات في مجالات البيئة وخلافه، هذا إذا تحدثنا عن مثلا أفريقيا وبعض الدول، دول الجنوب عموما يعني نجد أن الإنتاج الزراعي في أوروبا مثلا وفي الدول المتقدمة أكبر اختناقاته وهي الري محلولة طبيعيا بالأمطار وخلافه، عندنا شح في الإمكانيات ومن أهمها شح في مياه الري وخلافه، ومياه الري من أهم العوامل التي تحد من التوسع في مجال الغذاء. نحن نعتقد جازمين بأن التخطيط السليم للسياسات الزراعية التخطيط الهيكلي ويشمل القطاعات المختلفة للزراعة لا بد بالضرورة أن يراعي توازنا بين متطلبات البيئة وبين إنتاج الغذاء، والتقرير أنا أعتقد أنه هو كجرس إنذار ولكن شخصيا أنا لا أعتقد بأن الخطر يمكن أن يحدد بعام أو نقول العام القادم، كما أسلفت إنه تراكمي وإن الأزمة ستستمر في الازدياد وليس هنالك من مؤشر لانفراجها قريبا.

ليلى الشيخلي: يعني الأزمة ستستمر في الازدياد ما لم نفعل شيئا يعني ما لم نتحرك ونقوم بخطوات عملية، من هذه الخطوات العملية دكتور جواد العناني، يعني أريد أن أبقى في الفكرة نفسها عن قضية فك الارتباط بين أسعار النفط وأسعار الغذاء يعني هل هناك إمكانية حقيقية لهذا؟ يعني التقرير يشير وكأنه يمكن أن يكون الحل، هل هو الحل السحري؟

جواد العناني: بطبيعة الأشياء ربما لن يكون سهلا، بالعكس هناك زيادة في الترابط بين سعر الطاقة من ناحية وبين سعر الغذاء من ناحية أخرى، أولا يجب أن نتذكر بأن جزءا أساسيا من الغذاء هو طاقة يعني الإنسان الذي يأكل نفس الطعام كل يوم مثله مثل السيارة هو يأخذ هذا ليكون الطاقة التي تدفعه إلى الحركة، كذلك الحال هناك علاقة بين التسعير يعني هناك شروط التبادل التجاري الدولي تجعل أنه إذا ارتفع سعر الطاقة في العالم فلا بد أن يوازي ذلك وباستمرار ولو بعد فترة وجيزة ارتفاعا مماثلا إن لم يكن أكثر حتى في نسبة ارتفاع أسعار المواد الغذائية. والأمر الثالث طبعا هو ما ذكر قبل قليل من أن هناك ارتباطا واضحا بين ما نفعله نحن ليس فقط في البيئة ولكن في المياه في الأجواء في مناخ الإنتاج الزراعي، لأننا لو نظرنا إلى الأزمة الغذائية في العالم لم تكن في الخضار ولا حتى في الفواكهة، الأزمة الأساسية هي في السلع الحقلية في الحبوب في الذرة في الأرز في السكر التي في الزراعة تتطلب مياه كثيرة وتتطلب أيضا مساحات واسعة، وهذه في العالم الآن بدأت إما أن تتقلص بشكل واضح أو أن مصادر المياه نفسها بدأت تتلوث ولذلك فأنا بأعتقد أن ارتفاع سعر الطاقة من ناحية ربما يكون له فوائد على الإنتاج الزراعي إذا أدى ذلك إلى الانتباه إلى قضية البيئة والتخفيف من التأثيرات السلبية لاستخدامات الطاقة على البيئة نفسها وعلى المناخ المحفز للزراعة.

ليلى الشيخلي: نعم. يعني هذا جانب وأيضا هناك لا شك أمور يجب أن نتساءل عنها جميعا، ما الذي يجب أن نفعله لتفادي أزمة الغذاء العالمية الحتمية هذه، نتابع المسألة بعد وقفة قصيرة أرجو أن تبقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

الإجراءات المطلوبة لتفادي تفاقم الأزمة

ليلى الشيخلي: حياكم الله وأهلا من جديد. التكامل بين رأس المال المتوفر في الدول الغنية والموارد الطبيعية المتوفرة في الدول النامية ظلت دوما إحدى المعالجات الحاضرة عند الحديث عن طرق حل أزمة الغذاء العالمية، لكن المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية حذر من أن طرقا ملتوية خطيرة النتائج تم بها شراء ما بين 15 و 20 مليون هكتار من أراضي الدول النامية لصالح دول ومستثمرين من دول أخرى، وأضاف المعهد أن المشترين يأتون أساسا من الصين وكوريا الجنوبية ودول الخليج العربي وأن عمليات الشراء تستهدف القارة الأفريقية بصورة رئيسية وبعض البلدان الآسيوية الفقيرة. دكتور صديق عابدين يعني السودان ربما يترأس قائمة الدول النامية التي تبيع أو تؤجر أراضيها للأجانب -طبعا بحسب التقارير الصحفية- بالتحديد تؤجرها لدول الخليج، هل يتم هذا وفقا لدراسة منهجية؟ ومتى سنبدأ برؤية نتائج ملموسة لهذا الفعل؟

صديق عابدين: نعم، أنا أعتقد أن هناك دولا في منطقتنا تمتلك الموارد والسودان منها من أراضي ومياه ومناخات وتفتقر إلى مقومات الإنتاج الزراعي من أموال وكوادر مؤهلة وتقنية متقدمة، على الجانب الآخر هناك دول تمتلك تلك المقومات المادية والمالية ولا تمتلك الموارد الطبيعية للإنتاج الزراعي، أنا أعتقد أن دولة كالسودان غنية بمواردها الطبيعية ودول أخرى كثيرة في عالمنا الأفريقي لا بد أن تضع خطة مدروسة جيدا تضع في الاعتبار الحاضر والمستقبل. قطعا لا أوافق على بيع أراضي لأن الذي يبيع لا يملك هذا الحق هذه الأراضي ملك لأجيال قادمة، أما استثمار هذه الأراضي العاطلة المعطلة الآن عن الإنتاج لا بد من تحريكه، تحريكه وفق معادلة ما بين الدول التي تمتلك الموارد والدول التي تمتلك الموارد المالية وفق شراكة ومنظور استثماري يراعي مصلحة الطرفين، الأرض والماء هي عنصر كبير أو استثمار أو رأسمال كبير يقابل الاحتياجات المالية والاحتياجات التقنية لاستثمار هذه الموارد..

ليلى الشيخلي (مقاطعة): ولكن يعني ربع هذه الاستثمارات يتم، يخصص لزراعة محاصيل لإنتاج محروقات زراعية يعني هل هذا، يعني هذا في النهاية لا يحل المشكلة؟

صديق عابدين: نعم. لا بد من ترشيد هذا الاستثمار، إذا كنا نتحدث ونحن نتحدث هنا عن أمثلة محددة في عالمنا أو عن أفريقيا التي تتعرض لبيع أراضيها، الدول التي تمتلك الموارد المالية هي تفتقر إلى الموارد الزراعية وهي تحتاج إلى الغذاء في المقاوم  الأول والدول النامية أو الدول التي لديها موارد زراعية تحتاج إلى الغذاء فليس هنالك تعارض..

ليلى الشيخلي (مقاطعة): نعم تحتاج إلى الغذاء، تؤجر أراضيها، تحتاج إلى الغذاء دكتور جواد العناني ولكن في المقابل لا تحصل بالنتيجة على فائدة بل، مثال مدغشقر ربما حاضر في الأذهان النتيجة كانت الإطاحة بالحكومة، التواجد الأجنبي، أكثر من 1,3 مليون هكتار من أراضيها أجرت لشركة كورية جنوبية والنتيجة كانت مدمرة؟

جواد العناني: في الواقع أننا في الآونة الأخيرة نلاحظ سيدة ليلى بأنه صار هنالك تركيز مثلا على قضية زمبابوي وعلى الرئيس موغابي هناك بأنه كان قد سيطر على المزارع التي كان يملكها البيض وأدى ذلك إلى إساءة استخدامها، هذا المثال مثلا يجب أن نبقيه في الأذهان لكي لا نعمم منه على ما يجري حقيقة في باقي الدول. من الواضح أن الدول التي تكتظ بالسكان في العالم مثل الصين وغيرها ترى بأن مستقبلها قد يكون مهددا إذا لم تنتبه إلى أمرين أساسيين وهما ضمان استمرارية توفر الغذاء لشعبها وثانيا مصادر الطاقة وأن أي نقص في هاتين المادتين الإستراتيجيتين سيؤدي إلى إضعاف الموقف الإستراتيجي الصيني حيال باقي العالم ولذلك فإن الصين الآن مقبلة على هذا الأمر، لذا يجب أن ننتبه من أين تأتي هذه الانتقادات الموجهة ولكن هذا لا يعني بأننا يجب ألا ننظم العلاقة الاستثمارية في المجال الزراعي، أولا أنا أتفق بأنه يجب ألا تباع الأراضي بل تؤجر ولسنوات محددة، وثانيا يجب أن يكون هناك قواعد استثمارية واضحة تضمن بأن الدول التي تقدم الأرض يجب أن تستفيد شيئا وأن تكون القيمة المضافة الناتجة عن هذا الاستثمار لها مردود يعني تكون مرتفعة بحيث تفيد الدولة التي يتم فيها الاستثمار، كذلك الأمر فإن دولا مثل الصين وكوريا وغيرها تتمتع بفائض من العمالة إذا أرسلت هذه العمالة إلى الدول التي تستثمر فيها في القطاع الزراعي فماذا يبقى هنالك من فرص للعمل أو من فرص للتدريب على هذه الزراعة؟ لذلك تصبح وكأن العملية أتينا هنا لنلبي حاجات دولة أخرى يبدو على ميزان المدفوعات أو الميزان التجاري بأننا صدرنا كثيرا ولكن في واقع الحال الفائدة الصافية التي تنتج عن ذلك للدولة المستثمرة تكون ضعيفة جدا، ومن هنا فإننا يجب أن نضع قواعد أساسية واضحة لهذا الاستثمار لأنه استثمار إستراتيجي وحيوي ويجب أن يعود بفائدة كبيرة على الدول الأفريقية خاصة.

ليلى الشيخلي: خصوصا دكتور صديق أن القضية قد تتحول كما حذر السيد ديفن كويك من منظمة غرين غير الحكومية المتخصصة، حذر من أن الأرقام التي ذكرها المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية أكبر بكثير مما قال، يعني أكثر من قضية 15 أو 20 مليون هكتار، وإنما الأعداد مخيفة ويجب أن نحذر من تحول الأمر إلى استعمار جديد. يعني هل هناك، تشعر أن هناك إحساسا لدى الدول التي تقوم الآن ببيع أو تأجير أراضيها بهذا الخطر أم أنه يجب دق الناقوس بقوة أكبر خصوصا بين أوساط الدول الأفريقية وعلى رأسها السودان التي تقوم حاليا بتأجير أراضيها؟

صديق عابدين: نعم، أنا أعتقد أن الدول التي تعنين تحت ضغط الحاجة لجأت إلى هذا الأسلوب من الاستثمار والتعاون ولكن كما ذكر الدكتور لا بد من إيجاد صيغة توافقية بين الاستثمار، جذب الاستثمار خارجيا كان أم داخليا وتشجيعه بما يعود على فائدة مواطني البلدين أو مواطني الطرفين وده لا بد من ربطه باستثمار في مجالات البنيات الأساسية والتحتية، معظم هذه الدول الفقيرة التي تمتلك موارد زراعية تفتقر إلى بنيات أساسية وإلى خدمات ضرورية، هذه يمكن توفيرها ضمن منظومة الاستثمار الجدي في التعاون بين المستثمر، بين الدولة التي تمتلك المقومات للإنتاج الزراعي، نحن هنا في السودان أعتقد أن هذه الوتيرة والنبرة بدأت الآن تأخذ صوتا عاليا وحيزا واسعا في الإعلام والمناقشات المختلفة بأن أسلوب إيجار الأراضي لمستثمرين مقابل رسوم سيادية أو ضريبة أو ثمن لهذه الأراضي إجاريا يمتد أجاره إلى أكثر من تسعين سنة، صيغة فيها إجحاف ولا بد من تعديلها بصيغة مشاركة، ولا بد من ذراع حكومي مع القطاع الخاص السوداني أو دورة المقر مع القطاع الخاص والمستثمر الآتي إلى البلاد بما يحقق مصلحة الطرفين وبما يحفظ موارد البلاد وملكيتها والصفة بتاعة البلد.

ليلى الشيخلي: شكرا جزيلا لك دكتور صديق عابدين المستشار الزراعي ووزير الزراعة السوداني السابق، وشكرا جزيلا للدكتور جواد العناني الخبير في الشؤون الاقتصادية من عمان. وبالطبع شكرا لكم على متابعة هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم، في أمان الله.