- مبررات طرح قضية الهوية والتحديات الحقيقية التي تواجهها
- سبل مواجهة التحديات وإمكانيات التغيير في دول الخليج

محمد كريشان
جاسم سلطان
سالم ساري
محمد كريشان: السلام عليكم. نتوقف في هذه الحلقة عند إشكالية الهوية في دول الخليج العربي التي يشكل الوافدون الأجانب إليها غالبية السكان وذلك في ضوء مؤتمر عقد حول هذا الموضوع في العاصمة البحرينية المنامة. وفي حلقتنا محوران، ما هي التحديات الرئيسية التي تهدد الهوية الوطنية في دول الخليج العربي؟ وما هي السبل الأمثل للحد من التداعيات الثقافية والاجتماعية والأمنية لهذه التحديات؟... لم يكن سؤال الهوية مطروحا على الساحة في دول الخليج العربية قبل نحو عقدين من الزمن مثلما هو مطروح اليوم، فما الذي يجعل هذا السؤال يكتسي هذه الصبغة الأكثر إلحاحا في وقتنا الحاضر؟ الزميل غسان أبو حسين يستعرض جوانب من المؤثرات على الهوية العربية خاصة في منطقة الخليج العربية.

[تقرير مسجل]

غسان أبو حسين: هي المنامة عاصمة البحرين لكنها كغيرها من عواصم دول الخليج وإن كانت أفضل حالا تأثرت بفعل هجرات العمالة، زاحمت اللغات الآسيوية العربية وانحسرت ملامحها البدوية فلم تعد المدينة كما كانت.

مشارك1: تغيرت المطاعم، تغيرت الأوادم، حتى بعد إش اسمه في بعضنا بعد يتكلم إش اسمه وياهم باللغة الهندية.

مشارك2: الآن كلهم من فئة واحدى ترى، هذول كلهم من الفئة البنغالية. ويقول لك كلهم دايرين عاطلين عن العمل، ما عندهم الحين شغل..

غسان أبو حسين: حتى وإن كانت نسبة البحرينيين لا تزال تمثل نصف السكان فإن حجم العمالة تأثر بانعكاسات الأزمة المالية العالمية حتى بات بعض المراقبين يحذر من صرخات هؤلاء على مستقبل هوية وأمن دول الخليج.

مشارك3: ميلون ميلون في مشكلة، إيش مشكلة؟ في مشكلة غرفة في مشكلة أكل ما في شغل ما في فلوس، في ممكن أنت فيه أرباب أنا في عامل، بعدين أنا كمان في اشتري من فيزا بعدين أنا بيشتري بعدين هو أنا أكلم هو فين هذا؟ فين هذا قفل هو كلام ما أدري أنا في أرباب بعدين فينا زمزم، بنغالي هندي باكستاني بعدين في زمزم، إيش هذا؟ هذا قانون دنيا؟

غسان أبو حسين: إذاً هي عقود من الزمان تغيرت فيها الوجوه وتغيرت فيها أذواق الناس في أكلاتهم بل وزاحمت اللغات لغتهم للعرب، فهل بقي للعرب في أرض العرب موطئ قدم؟ هذا ما دفع الباحثين في مؤتمر الهوية الوطنية في الخليج العربي لمناقشته. الهوية في الخليج العربي، التنوع ووحدة الانتماء وغيرها من الأسئلة كانت ما دفع معهد البحرين للتنمية السياسية لعقد المؤتمر.

إبراهيم الرميحي/ مدير معهد التنمية السياسية: هناك أزمة هوية في العالم العربي والإسلامي والخليج جزء لا يتجزأ من هذا العالم، هناك أزمة حقيقية فعلا. أعتقد دور المثقفين لا بد أن يكون هناك تواصل وتنسيق وطرح هذه القضية على الأوراق العلمية الأكاديمية، يعني لا نحتاج إلى الطبعات العاطفية، لا بد أن تكون هناك دراسات علمية بحوث موثقة تطرح على طاولة النقاش وكثير من التركيز على المنتديات والنقاش والحوار.

غسان أبو حسين: هنا لا يشعر المسؤولون بذات القلق الذي يساور بعض المراقبين وإن كانوا يؤكدون ضرورة التخطيط للحفاظ على الهوية.

عبد الرحمن العطية/ الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي: في الواقع لا يوجد هناك قلق بمعنى القلق الذي يبالغ فيه من حين لآخر، هناك بكل تأكيد دراسات حول التركيبة السكانية تم إعدادها من خلال الهيئة الاستشارية لمجلس التعاون وتقوم دول المجلس من منطلق كونها بحاجة إلى عمالة في مشاريع التنمية تتولى الإسهام بدور فاعل من مختلف الدول، إذاً هناك توازن وليس هناك قلق بمعنى القلق الذي يساور البعض.

غسان أبو حسين: إذاً هي مظلة تجمع اليوم مثقفين وسياسيين وإعلاميين في محاولة لقرع الجرس. غسان أبو حسين، الجزيرة، المنامة.

[نهاية التقرير المسجل]

مبررات طرح قضية الهوية والتحديات الحقيقية التي تواجهها

محمد كريشان: ومعنا في هذه الحلقة هنا في الأستوديو الدكتور جاسم سلطان الكاتب والباحث القطري، ومن عمان الدكتور سالم ساري أستاذ علم الاجتماع في جامعة فيلادلفيا في الأردن والخبير في الشؤون الخليجية، أهلا بضيفينا. دكتور جاسم سلطان، أولا هل يجوز الحديث عن هوية خاصة وطنية لمواطني دول الخليج العربي؟

جاسم سلطان: أنا أتصور يمكن ذلك رغم أن البعض قد يعترض لأن الأرضية الخلفية الكبرى للوطن العربي مشتركة، عندنا اللغة العربية وعندنا الإسلام والعادات والتقاليد العربية المشتركة لكن طالما نستطيع، وأنت تسافر وتلتقي بالناس تستطيع أن تميز الشخصيات فتقول هذا خليجي بطباعه بشكله بزيه بكذا فهناك هوية معينة قدر زائد في الهوية على الهوية المشتركة العامة الموجودة في المنطقة العربية.

محمد كريشان: نعم، لنقل هناك خصوصيات ربما معينة.

جاسم سلطان: لا شك وهي اللي تعطي، هي الهوية عبارة عن تمييز بين أفراد في تلقيهم من العالم الخارجي فأنت عندما تتلقى إنسانا من مصر أو تتلقى إنسانا من الخليج تستطيع أن تمايز بين شخصيتين بين نمطين من الحياة.

محمد كريشان: نعم، غسان أبو حسين في هذا التقرير تحدث بشكل خاص على موضوع الخلل السكاني ولكن الندوة نفسها في المنامة تحدثت عن قائمة طويلة من التحديات المطروحة في هذا المجال، برأيك ما هو التحدي الأبرز إذا شئنا أن نتحدث عن تحديات تتعلق بالهوية في المنطقة؟

جاسم سلطان: هو في نوعين من التحديات تواجه المنطقة، الأولى اللي هي ضغوط التحديث من زاوية، ضغوط التحديث، العمران، استدعاء الآخر للتنمية إلى آخره مثل كل ما يحدث في المجتمعات النامية. وهناك مشكلة أخرى متعلقة بقضية قوة الذات الحضارية في المجتمعات اللي موجودين فيها يعني المجتمعات العربية والإسلامية التقت بالحضارات الأخرى في الفتوحات الإسلامية لكنها حينها كانت حضارة مستعلية بمعنى أنها كانت تمتلك قوة دفع ذاتي فلم تكن خائفة من الآخر، إحنا الآن في حالة تراجع حضاري وبالتالي نحس بالخوف مضاعفا كلما نرى ظواهر من وجود الآخر والاقتراب من الآخر.

محمد كريشان: دكتور سالم ساري في عمان، هل ترى لدلالة طرح هذا الموضوع رسالة خاصة؟

سالم ساري: مساء الخير. والله أنا بأعتقد أن هذا الموضوع طرحه الآن غير مبرر إلا إذا كان في أجندات خاصة لطرحه وهي ليست بالطبع خاصة بالعمالة الأجنبية كعمالة أجنبية وإنما بقضية التنوع الإثني والديني و.. وإلى آخره، فهذا كان في موضوع التباينات هو.. وأنا كنت أكثر المتحدثين كنت أستاذا في جامعة الإمارات في تلك الفترة زملائي وأنا كدنا نصيب المجتمع بفزع اجتماعي، نحذر عاللغة وعالهوية وعالثقافة العربية وعلى تنشئة الطفل وعلى حتى الانتماء والولاء إلى آخره، مع المدى نكتشف بأن هذا غير مبرر حقيقة الآن التحديات ليست العمالة الأجنبية بل بالعكس أنا بأعتقد أنه تحريف عن التحديات الأساسية التي يجب أن يواجهها مجتمعنا العربي والخليجي بصورة خاصة.

محمد كريشان: ما هي هذه التحديات؟

سالم ساري: جملة من التحديات، هي الاحتلال الإسرائيلي طبعا والسلام..

محمد كريشان (مقاطعا): لا، لا، يعني عفوا، ارتباطا بمنطقة الخليج تحديدا يعني.

سالم ساري: نعم حتى ارتباطا بمنطقة الخليج..

محمد كريشان (مقاطعا): لأنه مثلا من بين المسائل عندما نتابع ما أثير في ندوة المنامة نجد تركيزا خاصا على موضوع الخوف من النزعة الطائفية في منطقة الخليج وهناك إشارات مخيفة لما حدث في العراق، هي هذا مبرر؟

سالم ساري: لماذا نخاف الآن؟ لماذا نخاف الآن إلا إذا كنا رح يصور إلنا بأن مجتمعاتنا طول عمرها متجانسة وستظل وكأنها محكومة أن تظل متجانسة، نظل سنة طول الوقت أو نظل من أصول وقبائل وعشائر طوال الوقت أيضا. فالآن القضية مش عمالة أجنبية القضية هي قضية التنوع وهذه القضية اللي تخوف، ما تخوفني أنا تخوف الجماعة المحافظين الجماعة اللي تعودوا على مجتمعاتهم مجتمعات تقليدية أحادية، اليوم أخ محمد يجب ألا ننظر إلى التجانس في كل شيء يعني زي بعضنا البعض باعتباره نعمة إنما في رأي نقمة، نقمة مجتمعاتنا، أنا مع التعدد، التغيرات العالمية مع التعدد تعدد الإثني التعدد الثقافي، ليش أنا أصر أن ثقافتي هي الثقافة المسيطرة والسائدة والكلية وتتعامل مع الثقافات الأخرى بدونية أو بعدائية مع الآخر زي ما تفضل الأخ سلطان؟ مشكلتنا اليوم ليست وافدة على ثقافتنا مشكلتنا هي ثقافتنا نفسها -ولنكن صرحاء- التي ترفض الآخر منغلقة على نفسها نظرة المؤامرة إلى كل شيء، حتى العمالة الأجنبية إجت للتنمية صحيح بعضها إجا في غير مواصفاتنا ومقاييسنا ولكن آن الأوان لنضبطها وآن الأوان أنها تأخذ حقوقها أيضا، هذا التحدي.

محمد كريشان: دكتور جاسم، إذاً البعض يخوف مما يعتبره الدكتور سالم ساري مصدر إثراء وتنوع، ما السبب؟

جاسم سلطان: أنا أشترك تماما مع الدكتور الله يحفظه، هذه القضية قضية التحولات العالمية اللي جارية لا نعاني منها إحنا فقط كمجتمعات، اليوم فرنسا فيها خمسة مليون مسلم من المغاربة الموجودين ولا شك أنه في تحولات كبيرة، من ذهب إلى بريطانيا ولعلك من زوار بريطانيا ومن الذين أقاموا فيها، بريطانيا في السبعينات لم تكن تطيق فيها بعد الساعة الخامسة عصرا تطيق أن تخرج إلى مكان نتيجة الظلمة وإغلاق المحلات والحياة كئيبة اللي موجودة، اليوم ستجد لندن قد تغيرت بالكامل وأصبحت تسهر الليالي بوجود العرب والآسيويين اللي موجودين فيها، تغير ثقافي في البيئة الموجودة. ما الذي يحدث الآن في المجتمعات؟ هي لا تحاول أن تقاوم عمليات التحول، هي تحاول أن ترشد عمليات الاستجابة، فإحنا كمجتمعات كيف سنستجيب لهذا الواقع الحقيقي اللي هو يشمل العالم كله؟ نحن كنا ذهبنا إلى فلوريدا -والقصة لطيفة- ذهبنا إلى فلوريدا، كل المطار يتكلم باللغة الإسبانية فدخلنا تكلمنا معهم باللغة الإنجليزية فاستنكروا منا أن نتكلم معهم باللغة الإنجليزية، إذاً هذه التحولات تشمل العالم كله.

محمد كريشان: هنا في منطقة الخليج الصورة معكوسة، أحيانا عندما يصل الشخص إلى الفندق ويجد من لا يتحدث اللغة العربية القصة صادمة أحيانا بالنسبة لكثيرين يعني، يعني الإمارات دبي غيرها يعني أصبحت مدنا معولمة تقريبا.

جاسم سلطان: هذا الجزء المهم، الجزء المهم، ما هي المسطرة الحضارية التي سنعالج بها هذه القضية؟ مسطرة عادلة، مسطرة تنظر إلى الإنسان باعتباره إنسانا مسطرة تريد أيضا أن تحافظ على هويتنا في اللغة، يعني الآن في بريطانيا مثلا نيل الجنسية يشترط معرفة اللغة الإنجليزية، الحصول على عمل يشترط على تعلم قدر من اللغة الإنجليزية، في فرنسا نفس الشيء، هو ليس عداء للآخر لكن مطالبة بجزء من الحقوق في المحافظة على الهوية، هذه التعادلية المطلوبة في رأيي.

محمد كريشان: دكتور سالم ساري في عمان، عندما نتابع ما جرى في الندوة، الحديث عن الخوف من النزعة الطائفية، عن الخلل السكاني، عن دور الشباب، عن اللغة العربية، ولكن لم نلاحظ على الأقل من خلال الوثائق التي نشرت أن موضوع الديمقراطية والحريات ودولة القانون والمؤسسات طرحت كتحد أساسي بالنسبة لدول الخليج العربية في المرحلة المقبلة، لماذا برأيك؟

جاسم سلطان: نعم، دعني أقل الآتي، علشان أقول لك إن المسألة محرفة تماما وفي غير وقتها ولا مزاج لها إطلاقا لأن الناس على وعي تماما بأن مش هذه تحدياتنا الحقيقية إنما المزعومة. مجتمعات الخليج العربية مجتمعات عربية إسلامية منذ فجر التاريخ، مش مع أيام النفط من قبل وستبقى كذلك، وما يجري الآن هو تغيرات عالمية وبالتالي تحديات عالمية، تحدي الديمقراطية تحدي حقيقي، تحدي الحرية تحدي حقيقي وتحدي حقوق الإنسان تحدي حقيقي، مشاركة المرأة في التنمية والسياسة تحدي حقيقي، وتعرف أخي محمد تقارير الـ UNDP، منظمة البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة شخص هذه المشكلات أو التحديات الرئيسية بصورة موضوعية ورجال علوم اجتماعية عرب ونزيهون تماما وقالوا للعالم العربي هذه مشاكلكم هذه تحدياتكم ومعكم فترة لمعالجة هذه التحديات. التحدي الأكبر ليس العمالة الأجنبية، الحرية، الديمقراطية، حقوق الإنسان، بناء مجتمع المعرفة، قيم الإنجاز والعمل، ليش نخلي العمالة الأجنبية تيجي إذا كنا إحنا منافسين وقادرين على العمل؟ يعني لماذا نأتي بهم إذا كنا إحنا قد العمل أو على الأقل راغبين فيه؟ وهكذا، فهذه المسألة، المسألة مش.. يعني أنا أعتقد النزعة المحافظة التي أشرت إليها بأنه بدنا مجتمعاتنا كأنها مسكر عليها من التأثيرات العالمية ودين واحد ثقافة واحدة لغة واحدة عادات وتقاليد واحدة، العادات والتقاليد مش مقدسة العادات والتقاليد، الأخ اللي قال في التقرير بأنه كنا كذا وصرنا كذا، العادات والتقاليد إحنا اللي نعملها نوظفها لتخدم تسهل حياة الإنسان اليومية، وبعضها مش مقدس بعضها مدنس حتى، لم تعد العادات والتقاليد مقدسة للمجتمعات وإنما مدنسة والضرر بها، يجب أن تتغير عاداتنا وتقاليدنا أيضا، ما عدا الدينية منها طبعا بشكل أساسي، حتى القومية..

محمد كريشان (مقاطعا): نعم، إذا كانت هذه هي التحديات الأبرز نريد أن نتلمس على الأقل مبدئيا، بعد الفاصل، ما هي السبل الأنجع لمواجهتها؟ نتطرق إلى هذه المسألة بعد وقفة قصيرة نرجو أن تبقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

سبل مواجهة التحديات وإمكانيات التغيير في دول الخليج

محمد كريشان: أهلا بكم من جديد في هذه الحلقة التي نناقش فيها إشكالية الهوية في دول الخليج العربية والتحديات التي تواجهها. دكتور جاسم سلطان، إذا سلمنا بأن التحدي الرئيسي هو دخول الحداثة والعالم المعاصر بكل ظروفه، نلاحظ في دول الخليج العربية بأنه على مستوى البنية التحتية على مستوى الخدمات على مستوى المعاملات وغيرها هناك يعني تقريبا امتياز في هذا الموضوع لكن عندما تصل الأمور إلى الديمقراطية إلى الأحزاب إلى السياسة، تقريبا باستثناء التجربة الكويتية لا نشهد نهضة على هذا الصعيد في بقية دول الخليج العربية، لماذا؟

جاسم سلطان: هو لا شك التحولات بطيئة جدا في المنطقة في هذا وأنا أعتقد بسبب أيضا يعني أن البيئة والمجتمعات اللي فيها وفرة مطالبها في هذه الجوانب أيضا محدودة يعني في معظم المجتمعات لن تشهد ضغوطا في محاولة افتكاك قدر من الديمقراطية أكبر أو أصغر، الناس تقريبا معظم الانفتاحات السياسية لم تأت نتيجة نضالات، هي جاءت نتيجة إدراك القيادات السياسية أن هناك حاجة لمزيد من التنفيس في المجتمع والاستعداد للمستقبل بشكل أفضل..

محمد كريشان (مقاطعا): والسبب الوفرة الاقتصادية أن المواطن مرتاح يعني؟

جاسم سلطان: أنا أعتقد تلعب دورا كبيرا جدا يعني الاحتياجات الأساسية للإنسان متوفرة وبالتالي تحدث عملية تبادلية، هل النضال السياسي يصبح مجديا في هذه الحالات وله معنى أم يصبح أقل قيمة؟ طبعا لو تنظر للموضوع من ناحية إطلاقية بحتة قيمية تقول الحرية قيمة مستعلية والديمقراطية قيمة مستعلية وبالتالي لا بد من الكفاح عنها حتى لو كان الإنسان ميسور الحال، لكن أنا في رأيي هذه لا تحدث في واقع البشر العاديين، البشر العاديون عندما تكون ضروراتهم تلبى واحتياجاتهم العادية قائمة وليس هناك انتهاك لحرياتهم يجعلهم يتذمرون ولذلك تجد فقط الفئات المتضررة تضررا حقيقيا نتيجة التمييز ضدها تقوم بحركات احتجاجية تتجاوز المدى المقبول.

محمد كريشان: نعم، ليس سرا أن أغلب المجتمعات هنا في منطقة الخليج مجتمعات قبلية، هل البيئة الاجتماعية مهيأة لتطور سياسي وحياة سياسية أرقى حتى وإن أرادها الحاكم طواعية مثلما ذكرت وليس نتيجة ضغط سياسي؟

جاسم سلطان: والله أعتقد نتيجة التعليم هي مهيأة، تحتاج فترة للممارسة ولا شك أنه في الفترة الأولى من الممارسة السنوات الأولى ستصبح هناك وعكات صحية في تجاوز الخطوط في محاولة دفع السقف أكثر مما ينبغي ولكن بعد تجربة بسيطة ستجد الميزان يعدل نفسه وتبدأ تنضبط الأمور.

محمد كريشان: هذه الوعكات إن صح التعبير دكتور سالم ساري، هل تراها ستزداد حدة لأن الآن يزداد عدد الخريجين الشباب الخليجيين وأغلبهم يدرس في الخارج ثم يعود ليجد بيئة غير قابلة للتجاوب مع ربما طموحاته ورغبته في التغيير إن كان الاجتماعي أو السياسي؟

سالم ساري: هو ليس غريبا، بعضهم يعني بعض الأخوان يذهب إلى الخارج ويعود كما ذهب دون أن يتغير حتى يعني يكون فرحان بيطبخ طبخاته يقوم بعاداته وتقاليده هناك، هذا مش..

محمد كريشان: مش بالضرورة يعني مش بالضرورة يأتي بقيم جديدة.

سالم ساري: مش بالضرورة، نعم قد يذهب كما أتى وربما علشان يثبت أنه ما انخلع من جذوره زي ما يسموه لما يتغير قد يكون عدائيا للتغير بل بالعكس يقول لما كنت بره شفتهم كذا شفتهم كذا وهذا الضار بمثقفينا حقيقة، المجتمع يتغير حقيقة والعولمة حقيقة واقعة فعلا وليست خيالا ونحن نسير وكأننا العالم وقد درجنا على تسمية العالم العربي، العالم الإسلامي، يجب أن ندرك اليوم ليس هناك شيء اسمه العالم العربي، العرب جزء من العالم، العالم واحد والعرب جزء من هذا العالم بل جزء مهمش يا سيدي جزء مهمش مستضعف غير مؤثر، متأثر وغير مؤثر. الإجابة على سؤالك الأول الأساسي اللي ماذا نفعل حقيقة؟ بدنا نؤمن بأن الهوية تقوم على التميز وليس التحيز، ونحن متعصبون بدون ما نبين أنه أنا والله أردني أنا كويتي أنا قطري أنا كذا بكل ما تعني من تحيزات وتعصبات وإقصاء حتى للآخر القريب بكل ما تعنيه، فهي تقوم على التميز بإيش الأردن متميز بإيش الكويت متميز بإيش قطر متميزة، هذه هوية، هوية جديدة حقيقة. وعلينا أن ندرك أن الخطر موطنه وموقعه مش خارجي دائما، داخلي أيضا إذا ما كانش أساسا. يقابل هدول أخ محمد الاثنين الوعيين الجدد اللي لازم يكونوا عنا وعند الناس العاديين، نعيد الاكتشافات لازم نعيدهم نكتشف الإنسان العربي، الإنسان العربي أنا بدي إياه إنسانا منتجا فاعلا مؤثرا منفتحا وفي نفس الوقت متفاعلا مع العالم..

محمد كريشان (مقاطعا): يعني هناك نقاط دكتور سالم ساري أشار إليها الدكتور سلطان قبل قليل هو أنه إذا أردنا أن ندخل العالم المعاصر الآن برؤية جديدة سياسية نجد أن أغلب الإصلاحات السياسية والانفتاح السياسي في هذه المنطقة دول الخليج هي كما قال أغلبها مبادرات من الحكام وليست ضغطا مجتمعيا أو ضغط نخبة في الاتجاه هذا، في هذه الحالة كيف يمكن للحاكم أن يقدر الجرعة اللازمة للديمقراطية والحريات إذا أردنا التغيير بهذا المعنى؟

سالم ساري: الوعي يزداد عند الحكام حقيقة ربما أكثر من الشعوب، كنا قبل في السبعينيات نتكلم على أنه وين في فجوة كبيرة ما بين القاعدة الشعبية والحاكم، اليوم للأسف مجتمعاتنا تتردى الطبقات الشعبية تتردى والحاكم متقدم عليها تماما فكريا وإصلاحيا وتحديثيا، كارثة، هذه حقيقة موجودة أنا أراها وأكتشفها بصورة مستمرة. فلا ضير أن يأتي الحاكم بهذه الإصلاحات، حصلت إصلاحات بمبادرات سياسية من حكامنا هنا وهناك وكانت رائدة جدا ولكن لم يتقبلها بل حاربتها الطبقات بدعاوى معظمها مدينية أو اجتماعية أو قبلية أو عشائرية أو.. أو.. أو الآخر العدائي الأجنبي الغريب العجيب اللي هو أميركا والغرب وهذا اللي قاعد يعني ندور بمكاننا we are go where no where منلف بمكاننا قاعدين يعني إحنا الآن مش.. هذا كان يجب أن يأتي سنة 2000 و2001 نبدأ عصر جديدا تماما بوعي متكامل مش في القاعدة والقمة لا، ولكن هذا لم يحدث.

محمد كريشان: على كل نحن بدأنا البرنامج بندوة نظمت في المنامة عالجت هذا الموضوع، إذا أردنا أن نخرج في نهاية هذه الحلقة دكتور جاسم سلطان بأن يتحول ما نوقش في الندوة إلى هم اجتماعي وسياسي كامل في المنطقة إلى ورشة إصلاح تعالج كل هذه الإشكاليات التي تحدثنا عنها بشكل سريع الآن، ما المطلوب عمليا؟

جاسم سلطان: أنا في رأيي نحن نحتاج إلى مراجعة قضية الثقة بالذات الثقة بالنفس يعني نحن ما زلنا رغم كل عمليات التحديث والتعليم اللي حصلت عندنا نستشعر دونية معينة تجاه الأجنبي تجاه الآخر، نحن علشان ندخل السباق الحضاري محتاجون أن إحنا نصل لمرحلة إن إحنا قادرون على العطاء مثل الآخرين، نحن شركاء في هذه الحضارة الإنسانية العملاقة اللي تتفتح أمامنا ونحن بالتعليم اللي تحصلنا عليه قادرون أن ندخل هذا السباق، فأول قضية هي قضية نفسية كبرى. المسألة الثانية قضية اللغة، اللغة العربية يجب ألا تهمش في هذه المجتمعات حتى تحت ضغوط الواقع الصعب اللي يحتاج اللغة الإنجليزية ويحتاج إلى لغات أجنبية يجب أن نبذل جهدا مضاعفا في سبيل اللغة العربية في الاحتفاء بها وفي تكريمها وفي وضعها في مكانها حتى إذا استعدنا لياقتنا الحضارية كانت عندنا هذه اللغة الحاضنة الكبرى للهوية جاهزة ومتفتحة ومتداولة ومستخدمة في بيئاتنا اللي نحن موجودون فيها.

محمد كريشان: شكرا جزيلا لك دكتور جاسم سلطان الكاتب والباحث القطري كنت معنا هنا في الأستوديو، وشكرا أيضا لضيفنا من عمان الدكتور سالم ساري أستاذ علم الاجتماع في جامعة فيلادلفيا في الأردن والخبير في الشؤون الخليجية. وبهذا مشاهدينا نكون قد وصلنا إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر، كالعادة نذكركم بإمكانية إرسال بعض المقترحات على هذا العنوان الإلكتروني indepth@aljazeera.net

غدا بإذن الله قراءة جديدة في ما وراء خبر جديد، أستودعكم الله.