- أسباب ومظاهر تدني مردود العملية التعليمية
- سبل وإمكانيات إصلاح أوجه القصور والارتقاء بالتعليم

 

محمد كريشان
 عبد الله النقرش
 نهلة الشهال
محمد كريشان: تتواصل في الدوحة أعمال مؤتمر القمة العالمي للابتكار في التعليم wise بمشاركة نحو ألف من المفكرين وخبراء التعليم الدوليين وصانعي القرار من مختلف أرجاء العالم، يأتي هذا في وقت تشير فيه تقارير دولية عديدة إلى تدني مستوى التعليم في العالم العربي وانخفاض نسبة المساهمة العربية في المنجزات العلمية التي تتحق في أجزاء العالم الأخرى. مع هذا الخبر نتوقف في هذه الحلقة لنناقش الموضوع من زاويتين رئيسيتين، ما هي الأسباب التي أدت إلى تدني مردود العملية التعليمية في البلاد العربية؟ وما مدى إمكانية إصلاح أوجه القصور التي تعاني منها مؤسسات التعليم العربية؟ السلام عليكم. في الأسبوع الثاني من الشهر الحالي نشرت جامعة جيان تونغ في شنغهاي نتائج تصنيف شمل أفضل خمسمائة جامعة، وجامعة واحدة في العالم جامعة عربية واحدة دخلت التصنيف هي جامعة الملك سعود في المملكة العربية السعودية وجاء ترتيبها رقم 428 بيد أن نتائج تصنيف هذه الجامعة على قسوته ليس استثناء في تأكيد فشل التعليم العربي فقد سبقتها عشرات الدراسات التي توضح مدى تردي التعليم في بلادنا العربية.

[تقرير مسجل]

إيمان رمضان: متخلف ويحتاج إلى إصلاحات عاجلة، هكذا وصف البنك الدولي بإيجاز حال التعليم في عالمنا العربي في تقرير عززه آخر صدر عن اليونسكو هذا العام، التقريران يحذران من أن مبدأ التعليم للجميع لا يزال يواجه تحديات تحول دون تعميمه بحلول عام 2015 لا سيما في المنطقة العربية. تتلخص أبرز هذه التحديات في المقام الأول في وجود فجوة كبيرة بين ما حققته الأنظمة التعليمية العربية وبين ما تحتاجه المنطقة فعليا لتحقيق أهدافها الإنمائية، وفي ذلك يربط البنك الدولي بين ضعف النمو الاقتصادي في البلدان النامية وبين انخفاض مستوى التعليم، ورغم أن البلدان العربية حققت تطورا ملحوظا في انخراط أعداد أكبر من الإناث في العملية التعليمية فإن الميزانيات المخصصة للتعليم في هذه البلدان لا تزال غير كافية وبعيدة عن التكافؤ مع الميزانيات العسكرية مثلا، تطوير التعليم ورفع جودته هدف لا يزال يصطدم بتدني أجر المعلم في المنطقة العربية، تلك المعضلة التي ترتبط ارتباطا شرطيا بتحسن أو سوء التعليم فالمعلمون في أغلب دول العالم العربي هم الأكثر معاناة على مستوى العالم من حيث تدني الدخل وسوء الظروف التعليمية داخل المدارس بدءا بكثافة أعداد الطلاب داخل الفصول الدراسية مرورا بافتقار المدارس إلى الوسائل التعليمية المتطورة كالمعامل والحاسبات الآلية وانتهاء بتركيز البرامج التعليمية المدرسية على الكم لا الكيف. ويضيف البنك الدولي في تقريره أن غض الطرف عن التطور العقلي للطالب العربي في الألفية الثالثة خطأ يقع فيه القائمون على العملية التعليمية العربية، إذ تشير الدراسات إلى أن المناهج التعليمية الحالية لا تتساوى مع تطور ملحوظ في أسلوب تفكير الطلاب واتساع حجم إدراكهم في الألفية الثالثة عنه في النصف الثاني من القرن المنصرم ما يشكل أحد أهم أسباب ضعف التعليم في العالم العربي، وقد يكون من اللافت أيضا غياب دور الجامعات العربية عن التطور العلمي في العالم إذ تبلغ نسبة الأبحاث العلمية التي تنجزها الجامعات العربية ما بين صفر إلى 0,3% من نسبة الأبحاث التي تقدمها جامعات العالم. صورة قاتمة تندر فيه الألوان المبهجة ويظهر فيها بوضوح الفقر والبطالة والفساد محددات رئيسية لتدني مستوى التعليم في العالم العربي، وبعد أن عجزت الدولة عن توفير تعليم جيد بفرص متساوية لجميع الطبقات الاجتماعية بسبب الفساد وسوء التخطيط طفا التعليم الخاص منذرا بفوضى تتسم بها المناهج التعليمية بينما يصب في مصلحة الاستثمار لا الجودة.

[نهاية التقرير المسجل]

أسباب ومظاهر تدني مردود العملية التعليمية

محمد كريشان: ومعنا في هذه الحلقة من عمان الدكتور عبد الله النقرش عميد كلية الدراسات الدولية في الجامعة الأردنية وعضو اللجنة الوطنية لتطوير البحث العلمي، ومن باريس الدكتورة نهلة الشهال الباحثة في علم الاجتماع السياسي، أهلا بضيفينا. لو بدأنا بالدكتور النقرش في عمان، دكتور حسب تعبير البنك الدولي التعليم في البلاد العربية متخلف، ما أسباب ذلك؟

عبد الله النقرش: شكرا بداية على الاهتمام بهذا الموضوع والتركيز عليه في هذه الآونة بالذات، لأنه الحقيقة في تقديري المتواضع جدا أن التميز في التعليم هو أساس التميز في هذا العالم المنفتح المتداخل المعارض والمتواصل بصفة مستمرة. المسألة بتقديري تعود إلى أسباب كثيرة عدا الأسباب الفنية التي ورد بعضها في تقريركم إلا أنها أيضا هناك أسباب مبدئية بعضها يتعلق بتركيب العقلية العربية وموقفها من التعليم، هل يا ترى التعليم قيمة بحد ذاته أم أنه مظهر اجتماعي أم أنه ميزة تاريخية أم أنه عملية تلقائية تتم وفق مقتضيات تطور المجتمع بدون التركيز على النوعية، علما أن التعليم بحد ذاته هو مسألة نوعية أساسية لذلك لا بد من التركيز عليه بجميع تفاصيله. من جهة ثانية في ظل الظروف التاريخية التي مرت على مجتمعاتنا يبدو أن التعليم كان مرهونا إلى السياسة بصورة ما الأمر الذي أخذ على المؤسسات الأكاديمية للاعتبارات السياسية وجعل مسألة الحرية التي هي بالأساس قيمة أساسية وضرورية للتعليم عبارة عن قيمة مقيدة منضبطة بموجب حالات الضبط السياسي التي صاحبت الحراك السياسي التاريخي للأمة العربية ولمجتمعاتها وللأنظمة السياسية، أضف إلى ذلك أنه فيما يتعلق بمجريات التعليم حاولت الدول العربية من أجل محو الأمية أن تركز على التعليم الكمي دون التركيز على التعليم النوعي والتأكد من أن هناك إمكانية للتطور عبر التعليم بشكل أساسي ودون إدراك واع وحقيقي إلى أن التعليم هو في الأساس هو ديناميكية التقدم المعاصر، الأمر الذي جعل الدول العربية تراوح مكانها في هذه المسألة على الرغم من توفر الأعداد الكبيرة من المتعلمين، أضف إلى ذلك..

محمد كريشان (مقاطعا): عفوا دكتور، يعني أشرت إلى نقطة مهمة جدا وهي أن العملية التعليمية ظلت رهينة للاعتبارات السياسية، هنا نريد أن نسأل الدكتورة نهلة الشهال عما إذا كان هذا هو العامل الأساسي على أساس أن الكثير من مجالات التعليم أخضعت لأجندات سياسية سواء في هذا الاتجاه أو ذاك؟

عبد الله النقرش: يعني أولا قبل ما أجاوبك على هذا السؤال أريد أن أقول إنه بالتصنيف اللي أشرت له حضرتك واللي ما في بقلبه إلا جامعة عربية واحدة في أسفل السلم، هناك ست جامعات إسرائيلية موجودة ضمن الخمسمائة جامعة الأولى في العالم.

محمد كريشان: صحيح.

نهلة الشهال: وهذا شيء عم بأقوله مش منشان يعني مثل العادة جلد النفس وإنما لحتى ندرك أن إسرائيل تستخدم أيضا التفوق العلمي كواحد من احتياطاتها ومن حماياتها ومن قدرتها على التدخل في العالم. طبعا المسألة التعليمية مسألة سياسية اجتماعية بامتياز، بالستينات لما قررت الأنظمة العربية وقتها وبالتحديد عبد الناصر كان طليعيا لهذه الجهة أن يعمم التعليم المجاني العام ويسهل وصول الفئات الأكثر فقرا من المجتمع إلى التعليم إلى الحصول على التعليم وتشجيع البنات على الدخول إلى التعليم حدثت نهضت ما زلنا لليوم ربما كنا نعيش على آثارها، دخول البنات بكثرة إلى التعليم كان من نتائج هيدي السياسة وهيدي السياسة كانت وظيفتها أنه لا يمكن أن يحقق المشروع النهضوي العربي بدون يعني تحقيق قفزة في التعليم والأمل بأن تلغى مثلا الأمية وبأن تتوفر كوادر في كافة الميادين التقنية وأيضا الثقافية الإنسانية قادرة، هيدا أعتقد أنه جرى التخلي عنه بحكم أنه تغير المشروع السياسي العام يعني بين النهضة أو بين محاولة تحقيق الذات وبين اليوم إدارة المجتمعات بالتي هي أحسن وبخاصة من الناحية الأمنية القمعية. أعتقد أن التغير ترك أثره على التعليم والدليل أن نسبة ميزانيات يعني نسبة الصرف على التعليم من الناتج الوطني لا تبلغ إلا 5% بالمنطقة العربية بينما هي فوق الـ 50% فيما يخص قطاعات الأمن والجيش وإلى آخره، هذه خيارات، ما هو خيارنا اليوم؟ خيارنا اليوم أن يبقى هناك ثلث العرب أميين بينهم ثلثين منهم نساء، خيارنا اليوم أن يتم التسرب من المدارس الابتدائية بكميات هائلة، خيارنا اليوم أن يبقى في عشرة ملايين طفل عربي كل سنة ما عم يفوتوا عالمدرسة هم بعمر الدراسة، المسألة هي هذه المجتمعات تبنى من أجل ماذا؟ إذا كانت هي عم تبنى من أجل أن تنهض وأن تحقق ذاتها وأن تتمكن من مختلف المسائل المطروحة عليها طبعا ما بيكون المنهج هو إلغاء التعليم العام ومعادله أيضا يمكن التركيز على التعليم الخاصة وهو من نوعين، تعليم خاص مبتذل منهار مثله مثل التعليم العام وهذا صار منتشرا وتعليما نخبويا لتوفير هالنسبة الصغيرة بالمائة من الناس اللي يعني يهيؤوا بعدين ليصيروا نخبا وكوادر وتكنوقراط وعلى الأرجح بيذهبوا إلى استكمال تعليمهم في الخارج، اليوم بيجري التركيز على هذا النوع من التعليم وإهمال التعليم العام المعمم المجاني الذي يحفز كل المجتمع وكل طاقاته، منشان هيك نحن بحالة من التراجع العلمي.

محمد كريشان: نعم، هو موضوع الخيارات التي أشرت إليها وخاصة موضوع الميزانية، دكتور عبد الله النقرش، هل يمكن أن نعيد على الأقل في جانب من الموضوع تراجع مستوى التعليم العربي إلى أن الميزانيات المرصودة تبقى ضعيفة مقارنة بميزانيات أخرى كالأمن وغيرها؟

عبد الله النقرش: يعني هذا جزء من المشكلة الحقيقة، أنا بتقديري أن التعليم هو مشروع اجتماعي يفترض أن يكون هناك تضافر بين مؤسسات القطاع العام ومؤسسات القطاع الخاص وبالتالي التعاون من أجل الوصول إلى حالة تعليمية متميزة خصوصا في مجال البحث العلمي ومجال التعليم العالي، لنفترض أن التعليم العام يعاني من بعض القصور وهو صحيح، هو صحيح إلى حد كبير هناك مخرجات يعني الحقيقة لا يمكن التعويل عليها كثيرا لكن أيضا هناك إمكانية لتمييز هذه المخرجات على مستوى التعليم العالي، لكن المشكلة أن التعليم العالي أيضا يعاني من بعض المشكلات العميقة الأمر الذي..

محمد كريشان (مقاطعا): يعني دكتور في هذا الاتجاه تحديدا هناك من يشير إلى حتى رواتب المدرسين سواء كانوا بالطبع في التعليم الابتدائي أو المتوسط أو حتى الجامعي، هل وجود كادر تعليمي ضعيف الإمكانيات ضعيف المستوى المعيشي يؤثر بالضرورة في المستوى التعليمي بشكل عام؟

عبد الله النقرش: هذا صحيح، على المستوى الشخصي وعلى المستوى القيمي أيضا، يعني لم يعد معلم المدرسة هو المعلم الذي عرفناه سابقا ولم تعد إمكانياته هي الإمكانيات وكذلك أساتذة الجامعات وفي ظل الدولة الحديثة والضبط الحديث تحول أستاذ الجامعة الذي يجب أن يكون مفكرا بالأساس إلى مجرد موظف، أحيانا تتحكم فيه أطر إدارية وأطر قانونية وأطر أمنية مختلفة الأمر الذي لا يتيح له حرية التفكير والإسهام بشكل جدي. المسألة تحتاج إلى أن تكون مرحلة التعليم العالي بالذات هي مرحلة إنتاج معرفة، هناك عدد كبير من المتعلمين على مختلف مستويات الشهادات ولكنها لا تساهم إلا بالنذر اليسير -كما أشرتم في تقريركم- في مستوى الإضافة النوعية على مستوى العلم والمعرفة، يجب أن ننتقل إلى مرحلة إنتاج المعرفة وبتميز، هذا الأمر لا يتحقق إلا بالحرية بالكفاية، يجب أن يكون هناك أعضاء هيئة تدريس في الجامعات راضين ومكتفين ومحترمين وكذلك الأمر بالنسبة لمعلمي المدارس في كل مناحي الوطن العربي، الأمر لم يعد مجرد تعامل مع كميات بشرية يجب أن تزيل أميتها فقط، قد تكون هنا أمية على أي مستوى من التعليم لكنها أمية حقيقية بغض النظر إذا كان هناك إمكانية للقراءة والكتابة، لذلك يجب أنا أعتقد تنظر المجتمعات العربية بالكامل وبقيادة المؤسسات الرسمية فيها إلى تطوير التعليم من وجهة نظر جدية لأنه هو الأساس الحقيقي للتقدم، لم يعد هناك إمكانية..

محمد كريشان (مقاطعا): على كل دكتور يعني عفوا يعني مثلما لمسنا الخطوط العريضة الأساسية لأزمة التعليم على الأقل كعناوين رئيسية نريد أن نعرف بعد الفاصل ما هي السبل للشروع على الأقل في عملية إصلاح لهذا التعليم؟ ما هي النواحي التي يجب التركيز عليها في إصلاح هذا التعليم؟ نتوقف مع هذا الموضوع بعد فاصل قصير نرجو أن تبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

سبل وإمكانيات إصلاح أوجه القصور والارتقاء بالتعليم

محمد كريشان: أهلا بكم من جديد في هذه الحلقة التي نتناول فيها مشاكل التعليم في البلاد العربية في ضوء انعقاد مؤتمر القمة العالمي للابتكار في التعليم حاليا في الدوحة. دكتورة نهلة الشهال طالما تحدثنا في الجزء الأول على أن الموضوع هو موضوع خيارات لأنظمة حكم، إذا أردنا أن نشرع في عملية إصلاح هل لا بد أن يكون الإصلاح السياسي هو التوطئة؟

نهلة الشهال: يعني أنا ما بأعرف يعني ما بالضرورة أنه نحن نقعد نعمل خيارات من أين نبدأ لأنه أعتقد أنه يجب البدء بكل شيء دفعة واحدة، أنا أقول لك فقط إن مسألة التعليم مرتبطة بالمشروع المجتمعي العام الذي يعني المجتمع أنه بصدده والذي تشرف عليها عادة السلطات القائمة، أنا لا أجد أنه مثلا في إمكانية أن ننهض بالتعليم جامعي وغير جامعي إذا كانوا -مثلما تفضل الضيف اللي عندك من الأردن- إذا كان المستوى المعيشي للأساتذة الجامعيين ولا للمعلمين منخفضا إلى الدرجة التي تجعلهم يفتشون عن مهن أخرى وبتصير القصة يعني ما لها علاقة بما هو مطلوب منهم، لا يمكن أن ينهض التعليم وبالأخص الجامعي منه إذا كان ما يوجد حرية في هذه المجتمعات للوصول إلى المعلومة يعني كيف يمكن أن يحدث هناك بحث بأي مجال، بمجال السوسيولوجيا الذي أنتمي إليه إذا كان الوصول إلى الناس عبر استمارة يتطلب موافقة أجهزة الأمن المختلفة ويخضع للريبة على كل حال ويجري التدخل في نتائجه لتعديلها حسبما ترتضيه السلطات وهذا موجود في كافة المجالات، كيف يمكن أن ينهض التعليم إذا كان القائمين على الأمر يجعلون من الجامعات العامة اللي هي تستوعب أكبر عدد ممكن من الطلاب بحكم أنها يعني مش أجورها عالية مش الدفع فيها محصور فقط في الشرائح العليا والمتمكن من المجتمع تجعلها مجرد مستوعبات صفوف من خمسمائة طالب، ما في مختبرات ما في أي شيء وبالنهاية بتصير الشهادة الجامعية هي ربما زينة أو ربما من أجل الحصول على مهنة دنيا في نهاية المطاف، كيف يمكن أن تنهض جامعات هذه شروط التدريس فيها ويعني هي وضعها سيء من أول الخط إلى آخر الخط؟ هذا مستحيل لا يمكن أن يجري يعني إصلاح باعتقادي جزئي فقط والمسألة المطروحة فعلا هي إصلاح من أجل ماذا؟ يعني أنا لما بأدافع عن إصلاح التعليم العام المجاني ورفع مستواه والتطلب منه أن يكون على سوية عالمية والتطلب من الطلاب الموجودين فيه أنه يكونوا مثلا يجيدون لغات اللي هي مسألة لا غنى عنها اليوم بينما مستوى التعليم في القطاعات العامة يعني اللي تابعة للدولة من ناحية اللغات منهار تماما، كيف يمكن أن يتم كل ذلك إذا كانت السلطات اللي هي المشرفة على هذه القطاعات لا ترى أي أهمية بأن أبناء الشرائح التي تدرس في هذه المدارس والثانويات والجامعات مش جزء من العملية النهضوية العامة وبتصير انتماءهم لهذه المدارس والجامعات من باب يعني وضعهم في مستوعبات بالحقيقة أكثر من أي شيء ثاني، ومخصص ربما يعني مثلما قلت إنتاج الكوارد لشرائح معينة يمكنها أن تدرس في أماكن جدا جدا خاصة، فهذا خيار يعني بهذا المعنى كنت أتكلم عن أي الخيارات نحن بصدده.

محمد كريشان: نعم، يعني وصف البنك الدولي الذي استشهدنا به قبل قليل متحدثا عن مستوى التعليم العربي، وهنا أسأل الدكتور النقرش، وصف البنك العالمي الدولي يقول عن هذا النظام متخلف ويحتاج إلى إصلاحات عاجلة، إذا أردنا أن نرتب هذه الإصلاحات من أين تكون نقطة البداية؟

عبد الله النقرش: بتقديري أن التعليم كأي مشروع يحتاج أساسا إلى بنية تحتية قوية وصلبة وراسخة بمعنى أن التعليم العام يجب أن يبدأ بطريقة علمية وهذه مسألة يعرفها التربويون ولهم دراسات وتفاصيل فيها من حيث المنهجية من حيث نمطية التعليم من حيث نوعية التعليم من حيث نوعية المدرس وإعداده إلى آخره، حتى ينشأ التلميذ في المدرسة وله قدرة على استعمال عقله وتفكيره وبنية.. واستعمال عمليات عقلية معقدة تتناسب مع الظروف العالمية المعاصرة مع باقي المجتمعات، بعد ذلك ينتقل إلى مرحلة التعليم الجامعي وفي التعليم الجامعي يجب أن يتحول الطالب إلى باحث وإلى دارس وإلى متابع وأن يكون كل ذلك في جو من الانفتاح والحرية على العالم وبشكل لا حدود له، الأمر الذي يساعد على فرز نخبة في النهاية يعني سيكون هناك نخبة من المتميزين الذين يستطيعون أن يقودوا المجتمعات، نحن نعرف أنه لا يمكن للجميع أن يكونوا على نفس السوية ولكن يجب أن تتاح الفرصة للجميع كي يبرز منهم عدد يساهم في التقدم العالمي شأننا شأن أي مجتمعات أخرى. مسألة وصف البنك الدولي الحقيقة يعني نحن لا نريد أن نؤكد هذا الوصف أو ننفيه لكن هناك مظاهر كثيرة للتخلف الأمر الذي يشير إليه واقع الحال، تقرير التنمية الإنسانية العربي حول المعرفة مثلا ضمن هذه الأمثلة التي أوردت مؤشرات الحقيقة خطيرة كذلك أن ما.. السؤال المركزي هو ما هو مدى إسهام الوطن العربي بمجمله في الحضارة الإنسانية الحديثة وهي حضارة تقوم أساسا على العلم وعلى التميز بالعلم وبمختلف التفاصيل؟..

محمد كريشان (مقاطعا): وعلى ذكر هذا التميز في العلم هناك إشكالية تتعلق عندما نتحدث عن إصلاح التعليم، وهنا أسأل في نهاية الحلقة بعد إذنك الدكتورة نهلة الشهال، هناك حديث عن أن الهوة تتسع بين جيل أصبحت آفاق المعرفة بالنسبة لديه واسعة وكبيرة من اطلاع واسع ومن اقتصاد معولم تقريبا وبين أفق تعليمية ما زالت محدودة السقف السياسي، هل هذا التحدي بارز في المرحلة المقبلة لتجاوزه؟

نهلة الشهال: ما فهمت،  يعني شو السؤال ما عرفت.

محمد كريشان: والله الحق علي، خلينا نعيده بشكل أوضح، يعني هناك هوة بين اتساع الآفاق المعرفية أمام الشباب العربي حاليا وبين برامج تعليمية وإصلاح تعليمي ما زال سقفه أقل كثيرا مما هو متاح عالميا. أرجو أن أكون هذه المرة أوضح يعني.

نهلة الشهال: صحيح، صحيح شكرا لك للتوضيح، ولا شك يعني ولا شك أن يعني البرامج التعليمية لا علاقة لها بما يمكن أن يطلع عليه الشباب مثلا عبر الإنترنت ولكنني أنا شخصيا لا أؤمن بأن الإنترنت على أهميته هو وسيلة للتحصيل الممنهج والمؤسس يعني هم يطلعون ويدركون تخلفهم فقط لا غير، لا يمكن للإنترنت مثلا للآفاق المتاحة أمامهم بواسطة التكنولوجيا أن تبنيهم، يجب أن يتم بناؤهم عبر المؤسسات اللي محتاجة لإصلاح جذري كما قلنا، هم يدركون أكثر فأكثر أن الأفق أمامهم مسدود ويجدون أحيانا على المستوى الفردي مهارب أو مخارج من هذا الانسداد ولكن ولا شك أن التناقض هائل وكبير. أنا أريد أن أشير في نهاية هذه الحلقة إلى مثلا واحدة من الدراسات الحديثة التي تقول إن نسبة القراءة في المنطقة العربية بالنسبة للفرد العربي يعني موزعة ساعات القراءة يعني الاطلاع الثقافي هي ست دقائق في السنة، يعني هذا موضوع يجعلنا أمام إشكالية أعتقد أنها كبيرة متعلقة بتحصيل المعرفة وليس تحصيل مجرد شهادات، رغم أن الشباب العربي يمضون وقتا كبيرا على الإنترنت للاطلاع على مختلف المواقع ولكن ذلك لا يحل هذه الإشكالية مثلا، منشان هيك لا بديل عن إعادة تأسيس منظور كامل للتعليم من المرحلة الابتدائية وحتى المرحلة الجامعية وهو مرتبط بالضرورة -كما قال الزميل وكما أشرت- بالحرية وبالجدية وبوجود مشروع حضاري.

محمد كريشان: شكرا جزيلا لك الدكتورة نهلة الشهال الباحثة في علم الاجتماع السياسي كنت معنا من باريس، شكرا أيضا لضيفنا من عمان الدكتور عبد الله النقرش عميد كلية الدراسات الدولية في الجامعة الأردنية وعضو اللجنة الوطنية لتطوير البحث العلمي. وبهذا نكون قد وصلنا إلى نهاية هذه الحلقة من وراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم، كالعادة نذكركم بإمكانية إرسال بعض المقترحات لحلقات مقبلة على هذا العنوان الظاهر الآن على الشاشة،

indepth@aljazeera.net

غدا بإذن الله قراءة جديدة في ما وراء خبر جديد، أستودعكم الله.