- عوامل التوتر ودور الإعلاميين والسياسيين والمفكرين
- التداعيات على العلاقات الدبلوماسية وسبل تجاوز الأزمة

جمانة نمور
عمرو الشوبكي
حسني عبيدي
جمانة نمور: شهد الجدل الكروي بين المصريين والجزائريين تطورا لافتا إذ تظاهر مئات المصريين أمام السفارة الجزائرية في القاهرة وطالبوا بطرد السفير الجزائري وإغلاق مقر السفارة في أعقاب ما تردد عن اعتداءات تعرض لها مصريون على يد مشجعين جزائريين في السودان عقب مباراة الخرطوم الفاصلة، وحالت قوات الأمن المصرية دون اقتراب المتظاهرين من مبنى السفارة الجزائرية. نتوقف مع هذا الخبر لنناقشه في عنوانين رئيسين، كيف حول التعصب الكروي والشحن الإعلامي مباراة رياضية إلى توتير العلاقات بين بلدين شقيقين؟ وكيف يمكن احتواء التوتر بينهما قبل أن تمتد شرارته إلى العلاقات الدبلوماسية؟... امتدت نيران الضغائن الكروية لتطال العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة والجزائر حتى بدت العاصمتان مقبلتين على أزمة سياسية تكاد تعصف بعلاقات تاريخية عريقة جمعتهما ووحدتهما أمام الكثير من التحديات، لكن لغة التحريض الإعلامي لعبت دورا كبيرا في الإساءة لهذه العلاقات إذ استدعت الخارجية الجزائرية سفير مصر لدى الجزائر وكلفته بأن ينقل إلى حكومة بلاده استغراب السلطات الجزائرية وانشغالها البالغ للحملات الإعلامية المناهضة للجزائريين كما استدعت مصر سفيرها في الجزائر للتشاور والسفير الجزائري في القاهرة للاحتجاج على الأحداث التي أعقبت مباراة الخرطوم.

[تقرير مسجل]

فوزي بشري: انتهت المعركة، كل شيء كان يقول إن ذلك هو الوصف الصحيح لها، في الظروف الطبيعية هي مباراة في كرة القدم بين مصر والجزائر لتحديد المتأهل لكأس العالم، في الظروف غير الطبيعية بدا اللقاء صراعا يتم فيه تمثل السيادة بأعلامها والتاريخ غابره وحاضره. في أرض الملعب يجد الأحد عشر لاعبا من كل بلد أنفسهم أمام مهمة تاريخية عليهم أن يستفرغوا من الجمهور المحبط كل مرارات الهزائم السياسية والاقتصادية والتنموية، ففي غياب الانتصارات الكبرى ليس في يد الدولة غير المراهنة على الانتصارات الصغيرة ودائما ما سارعت الحكومات إلى إيداع النصر في ميزان حسناتها السياسية أما إذا حصلت الهزيمة فاللاعبون ومدربهم من يتحمل المسؤولية، تنتصر مصر على الجزائر في القاهرة فينسى المواطن المصري كل همومه لكنه في غمرة النصر يمسك أحيانا بالمفارقة.

مشارك1: الشعب ده كله ما فيش حاجة بتفرحه غير الكرة.

فوزي بشري: إلى الخرطوم تنتقل حرب داحس والغبراء! الخرطوم أيضا تبيع وتشتري في سوق الرياضة السياسي فقد دخل مرافقو الفريقين يحملون صور الرئيس عمر البشير فالسياسة أيضا سلعة يعلن عنها، تباع وتشترى. عبس وذبيان أو مصر والجزائر في الخرطوم تستعيدان وقائع حرب رياضية أخرى جرت في العصر الجاهلي اسمها داحس والغبراء استمر القتال فيها أربعين عاما بسبب خسارة قبيلة عبس أمام قبيلة ذبيان في سباق المسافات الطويلة للخيول، بعد أكثر من 1500 عام تعيد القبيلتان الكرة تارة أخرى في السباق إلى كأس العالم، التاريخ يواصل استعاداته الماكرة فمرة أخرى يصادفنا اسم عنترة الفارس العبسي في الحرب الجاهلية، هنا في الخرطوم نجد عنترة الجزائري الذي تنتهي عند قدمه أحلام مصر في كأس العالم. في الظروف الطبيعية كان يمكن لكل شيء أن ينتهي هنا لكن لأن المشهد كله قادم من اختناقات السياسة فقد حدث ما هو غير طبيعي، تم استدعاء السفير المصري من الجزائر للتشاور معه، ذلك تعبير عن بوادر أزمة، في الخرطوم يتم استدعاء السفير المصري إلى الخارجية السودانية لاستيضاحه حول اتهامات الإعلام المصري للسودان بالتقصير في حماية الفريق المصري ومشجعيه.

محمد عبد المجيد/ الناطق باسم الشرطة السودانية: يمكن وصفوا البلد بعدم الأمن وفي تقديرنا أنه لو كانت أصلا البلد ما آمنة ما كانت أصلا اختيرت الخرطوم مكانا لإقامة هذه المناسبة.

فوزي بشري: من طريف خبر البلدين مصر والجزائر أن صحيفة اليوم "المصري" حملت في صفحتها الرئيسية خبرا يقول إن البلدين يتعادلان في الفساد وفقا لتصنيف منظمة الشفافية الدولية حيث يحتلان المركز الحادي عشر بعد المائة مشترك، تلك رياضة أخرى يغيب فيها الجمهور أما أبطالها فليس لاعبو كرة القدم.

[نهاية التقرير المسجل]

عوامل التوتر ودور الإعلاميين والسياسيين والمفكرين

جمانة نمور: ومعنا في هذه الحلقة من القاهرة الدكتور عمرو الشوبكي الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، ومن جنيف الدكتور حسني عبيدي مدير مركز الدراسات حول العالم العربي والمتوسط، أهلا بكما. دكتور حسني بعد أن انتهت المباريات كان من المفترض أن ينتهي هذا الجدل الذي رافقها، برأيك لماذا ازداد حدة بدلا عن ذلك؟

حسني عبيدي: أعتقد أن الآلة الإعلامية ذهبت أشواطا بعيدة جدا في أولا في هذا الشحن الإعلامي ثم تأجيج المشاعر ثم أن كما تعلمين يعني في الرياضة بصفة عامة الهزيمة دائما طعمها مر وبالتالي كان من الصعب القبول بها بروح رياضية إن صح التعبير وبالتالي أعتقد خاصة من إخواننا للأسف من الجانب الثاني من مصر العزيزة الانهزام لم يكن سهلا وبالتالي لا بد من إيجاد وسائل أخرى. لكن ما يؤسف هو ليس فقط الخسارة وإنما تحميل مباراة كرة قدم أكثر مما تتحمل يعني هي الرياضة هي أخلاق أو لا تكون فإذا حملنا كرة القدم أكثر مما تستطيع فتصبح بالتالي مباراة سياسية وكذلك مباراة كأنها يعني نهاية كرة القدم نهاية الماتش وكأنها مأساة وطنية هذا هو الذي في الحقيقة طغى على الحدث الرياضي.

جمانة نمور: دكتور عمرو أنت قلت في مقالة لك أو تساءلت كيف نجحت التعبئة الإعلامية بكل هذه السهولة في حشد جماهير مليونية في مصر والجزائر؟ هل وجدت إجابة على هذا التساؤل؟

عمرو الشوبكي: يعني أعتقد هناك درجة كبيرة من الإخفاق السياسي والاجتماعي ربما تكون موجودة في كلا البلدين، أيضا نحن شاهدنا ما يشبه الحرب الإعلامية الحقيقية التي بدأت قبل مباراة القاهرة وانتشرت في ما يعرف بالفضائيات الرياضية في مصر وأيضا كانت موجودة بصورة هائلة في الصحافة المكتوبة الجزائرية وبالتالي يعني هذا الشحن وهذه الحملات الإعلامية المتبادلة غابت عنه أبسط القواعد المهنية فإذا كانت تحدثت بعض الصحف الجزائرية عن حدوث قتلى في القاهرة فالمسألة ببساطة لا بد أولا من التحقق وإذا ثبت أن هذا الكلام ليس له أساس من الصحة فلا بد أن يكذب، ولكن كل هذا في الحقيقة لم يحدث. أيضا شاهدنا الكثير من الاتهامات المتبادلة وحملات التحريض كل ذلك في ظل واقع سياسي اختزل إنجازات كلا البلدين في 11 أو في أقدام 11 لاعبا فإذا وصل فريق إلى المونديال فهذا معناه أن كل مشكلات مصر أو الجزائر السياسية والاقتصادية والاجتماعية قد حلت وبالتالي حمّلت منذ البداية هذه المباراة بأعباء سياسية بالإضافة إلى تحريض إعلامي غير مسبوق ولم نر له مثيلا من قبل.

جمانة نمور: إذا كانت بعض وسائل الإعلام لم تتوخ الدقة وإذا كان هناك من وقع في فخ ربما التعبئة، ماذا عن السياسيين، لم وصل الأمر إلى حد توتير العلاقات بين البلدين؟ دكتور حسني برأيك.

حسني عبيدي: مشكلة ثانية يعني بالإضافة إلى الآلة الإعلامية المهولة يعني وهي كما قال زميلي عمرو في القاهرة إنها تفتقد إلى أبسط المهنية، أصبح مدربو كرة القدم لاعبون سابقون أصبحوا اختصاصيين في السياسة في العلاقات الدولية بالإضافة إلى الرياضة، ثم كذلك الاستقالة -مش الغياب- استقالة جماعية للسياسيين، أنا أستغرب في بيانات بعض وزارات الخارجية تقول نطالب الحكومة، المفروض رجل السياسة الحاكم في مصر او الجزائر لديه يعني نظرة ثاقبة والمفروض أن يحتسب كل الأمور قبل إجراء المقابلة، هذه مقابلة مهمة جدا وبالتالي لا بد من على الأقل أخذ إجراءات احتياطية، وبالتالي الغياب، استقالة السياسيين ولا تصريح واحد من أعلى سلطة في البلدين على الأقل لتلطيف الأجواء لتطييب الخواطر في البلدين مما أوحى كأن هناك يعني بابا مفتوحا طريقا سريعا سيارا أمام كل هذه الآلة الإعلامية التي لعبت دورا فعلا جد سلبي وبالتالي أعتقد أن غياب السياسيين غياب النظرة الثاقبة غياب.. بالعكس الطبقة السياسية التي رأت وكأن هذه الأحداث هي نوع من امتصاص الغضب الجماهيري على الفساد السياسي والاقتصادي على فشل السياسات فرأت في تلك المباراة ومعاقبها بالعكس ممكن أن تكون خدمة للنظامين، هذا للأسف ما حدث.

جمانة نمور: دكتور عمرو لا أدري ما رأيك في هذه النقطة تحديدا، هذا الشحن الإعلامي التعصب الكروي كيف تحول إلى سبب يوتر علاقات بلدين شقيقين يجمعهما تاريخ طويل؟

عمرو الشوبكي: يعني أعتقد كما شاهدنا في كثير من مباريات الكرة ليس فقط العربية والعالمية ربما شاهدنا قتلى في مباراة شهيرة بين بريطانيا وإيطاليا في قلب الاستاد ورغم ذلك ظل ما يعرف بعموم الناس أو جمهور الرأي العام يعني بعيدا عن هذه الأحداث، هي قلة من المشجعين في كلا الجانبين قامت بأخطاء أو بتجاوزات لكن الذي حدث في الحالة المصرية الجزائرية أن هذا التعصب الموجود وهؤلاء المتعصبين من كلا الجانبين نجحوا في أن يسيطروا على الشارع في كلا البلدين، وهنا في الحقيقة مكمن الخطر الحقيقي، لا يزعجني أن يكون هناك متعصبون في مصر أو متعصبون في الجزائر في مباراة كرة قدم وأن تحدث مناوشات هنا وهناك لكن أن ينعكس هذا الأمر على عموم الرأي العام ونستطيع أن نتحدث عن أزمة حقيقية وعن مرارة وعن شحن ليس فقط في الحقيقة نتيجة خسارة الفريق المصري وهي مسألة طبيعية في كرة القدم وأن ربما الإعلام المصري تعامل معها باعتبار أن الفوز بالجيب لكن أيضا نتيجة اعتداءات حصلت على اللاعبين والجماهير المصرية في الجزائر وأيضا اعتداءات على الجالية المصرية في الجزائر، إذاً نحن أمام انتقال من حالة التعصب التي يمكن أن توجد في هوامش البلدين إلى عموم الرأي العام وإلى حالة احتقان حقيقية غذتها كما يعني تم الإشارة من الدكتور حسني من تغذية سياسية واستفادة سياسية وتوظيف سياسي بالإضافة لتحريض إعلامي غابت عنه أبسط القواعد المهنية.

جمانة نمور: يعني دكتور حسني تحدثنا عن الإعلاميين والسياسيين، أيضا كان هناك بعض منظري الوحدة العربية -إن صح التعبير يعني بين هلالين- دخلوا في هذا الجدل بعدما كنا تعودنا سماع آرائهم بضرورة أن يكون هناك وحدة عربية قومية عربية فجأة أصبح الخطاب في نفس هذا السياق الذي أشرنا إليه، كيف تفسر هذه الظاهرة التي وصلت حتى إلى بعض المثقفين؟

حسني عبيدي: هو للأسف هذه المباراة يعني فعلا هي مقياس يعني بارومتر لحالة التردي العربي حالة النظام الإقليمي العربي الذي وصل إلى مرحلة من الانحطاط لم يعشها العالم العربي في الماضي يعني رأينا كيف أن النظام السياسي يعني بطرق عديدة استخدم المثقفين استخدم الإعلاميين، النخبة -كما أشرت- منظري الوحدة العربية إلى غير ذلك دخلوا في هذه العملية. فقط إن سمحت أنا قبل الوصول إلى الأستوديو كنت أشاهد قناة المصرية وأنا مواظب على قناة المصرية، مهرجان السينما وكانت السينما الجزائرية هي ضيف الشرف في هذه السنة، أحمد راشدي مخرج جزائري مكرم هذه السنة، للأسف كل الفنانين الذين تناوبوا على الميكروفون قالوا لا بد من الثأر لكل قطرة دم لا بد من الثأر الجزائري، هل النخبة الصفوة الفنانون الذين يصنعون الرأي العام مع الإعلاميين يتحدثون بهذه العبارة؟ لكن جاء فاروق حسني وزير الثقافة وقال هذا مهرجان هو مهرجان للسينما هو مهرجان للثقافة دعنا ودعوا شؤون السياسة، وفاروق حسني لم ينس موقف الجزائر التي تخلت عن مرشحها الوحيد وزير الخارجية السابق محمد بجاوي الذي ترشح لرئاسة اليونسكو قال له الرئيس بوتفليقة قالت له الجزائر لن ندعمك سندعم المرشح العربي فاروق حسني، هذه مفروض تكون مواقف العالم العربي مواقف ما بقي من الوطن العربي وليس الالتهاء بمعارك وهمية معارك هامشية ستأخذ كل طاقاتنا المالية والنفسية والعلمية، للأسف وصلنا إلى هذه الدرجة.

جمانة نمور: ولكن ما دامت الأمور وصلت إلى هذه الدرجة التي أشرت إليها وإلى درجة التظاهر أمام السفارات واستدعاء السفراء وبوادر أزمة دبلوماسية يبقى التساؤل كيف يمكن احتواء هذا التوتر قبل أن تمتد شرارته إلى العلاقات الدبلوماسية؟ تابعونا بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

التداعيات على العلاقات الدبلوماسية وسبل تجاوز الأزمة

جمانة نمور: أهلا بكم من جديد في هذه الحلقة التي نناقش فيها تداعيات الأحداث التي أعقبت مباراة منتخبي مصر والجزائر في الخرطوم على مستقبل العلاقات بين البلدين. دكتور عمرو كيف يمكن احتواء تداعيات هذه المباراة على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين؟

عمرو الشوبكي: يعني أولا أعتقد أنه من المهم أن يحاسب أي طرف مخطئ في تلك الأحداث سواء كان من الجماهير أو من الإعلام أو من الصحف التي قالت أخبارا كاذبة أو تلك التي مارست تحريضا إعلاميا قاده مجموعة من لاعبي كرة القدم في مصر ليس لهم علاقة بالقضايا السياسية وشنوا حملة قبل مباراة 14 نوفمبر واسعة على الطرف الآخر، بالمقابل بعد 14 نوفمبر رد الجانب الجزائري أيضا بنفس الطريقة في العديد من الصحف وتحدث عن أشياء كثيرة تأكد أنها لم تكن صحيحة، دون أن يعني ذلك عدم وجود أحداث مؤسفة حدثت أيضا في القاهرة. من هنا لا بد حتى لا نتحدث عن عودة العلاقات كما كانت من قبل، لا بد أن نغلق صفحة الماضي وصفحة الماضي كان فيها أخطاء كبيرة قبل الماتش وأثناء مباراة القاهرة، أما علامة الاستفهام الكبرى والتي بالفعل أثارت الرأي العام وجزءا كبيرا من النخبة في مصر حول مسؤولية الدولة الجزائرية عن إرسال بعض الخارجين عن القانون في طائرات عسكرية إلى السودان من أجل اعتداء متعمد على المصريين، هنا في الحقيقة نحن أمام علامة استفهام بالتأكيد لا أملك إجابة قاطعة ولكن في الحقيقة هذه المسألة تحتاج إلى توضيح قطعي من الجانب الجزائري لأنها تنقلنا من الأخطاء التي يمكن أن تحدث والحملات الإعلامية السيئة التي يمكن أن تجري رغم إدانتنا لها إلى مستوى آخر هو تعمد طرف إيذاء طرف آخر مع سبق الإصرار والترصد كما يقال.

جمانة نمور: هل تتوقع أن يكون هناك فعلا قد جرى توضيح بعض الأمور في المحادثة الهاتفية اليوم بين وزيري خارجية البلدين؟

عمرو الشوبكي: يعني المحادثة يعني أمامي الآن هي تؤكد على عمق العلاقات بين البلدين وأيضا على حرص مصر وحرص الجزائر على حماية مصالح كلا البلدين، وخاصة تعليقا على التظاهرات التي حدثت أمام السفارة الجزائرية بالأمس في القاهرة، وهنا أكد الجانب المصري على حرصه الشديد بحماية المصالح الجزائرية والجانب الجزائري أيضا أكد على نفس الشيء، أما أي حديث آخر على مراجعة ما جرى في الماضي أو معرفة مسؤولية كل طرف هذا في الحقيقة لم يتم التطرق له إلى الآن وأعتقد أنه شرط أسياسي للحديث عن مستقبل أو محاولة إعادة اللحمة في علاقات البلدين، ربما نحتاج إلى بعض الوقت، ربما نترك الأمور لبعض الوقت لكن أعتقد أن لغة العقل ومعرفة الأخطاء والسلبيات التي حدثت وخاصة فيما يتعلق بالحقل الإعلامي ومسألة تسييس مباراة كرة قدم بهذه الدرجة وبهذا الشحن أنا أعتقد أن هذه كارثة وصلت إلى درجة الجريمة طوال الفترة الماضية.

جمانة نمور: دكتور حسني هل إطفاء الحرائق يمكن أن يكون بالسهولة التي يتم إشعالها فيها؟ ما المطلوب برأيك؟

حسني عبيدي: والله أنا أكثر تشاؤما يعني من زميلي الدكتور عمرو لأنه في استغلال للأسف الآن واستغلال سياسي كبير لما وقع في القاهرة وما وقع كذلك في الخرطوم، فقد أريد أن أذكر أن استقبال الإخوة المصريين الأعزاء في الجزائر كان استقبالا جيدا بشهادة الجميع، لكن للأسف يعني في القاهرة حسب كل الروايات، يعني حسب روايات الصحفيين الأجانب أن ثمانين ألف متفرج مصري في فقط ألفي مشارك جزائري..

جمانة نمور (مقاطعة): لكن يعني بغض النظر عن ذلك، الدكتور عمرو تحدث عن تجاوزات ولكن السؤال الآن إلى أين من هنا؟ كيف يمكن احتواء الأزمة هذه؟

حسني عبيدي: لا بد من تدارك الوضع يعني قبل فوات الأوان وهذا يتم فقط من قبل السياسيين، أعتقد هم فقط النظام السياسي في مصر وفي الجزائر فقط هم الذين لهم القدرة على ضبط الأمور ووضع حد لهذه المهزلة. أما في قضية تحقيق، لجنة تحقيق سواء كان فيها الفيدرالية الدولية لكرة القدم أو أي جهة أخرى بالتعاون مع الإخوة السودانيين فأعتقد يمكن يعني إيضاح أو لجنة برلمانية أو لجنة تقصي حقائق لما وقع في الخرطوم، لكن أعتقد ولا بد على المستوى السياسي هل هذا الحدث يستدعي استدعاء سفير؟ المطالبة بغلق سفارة الجزائر وهي من أولى السفارات اللي فتحت في الجزائر قبل أن تستقل الجزائر؟ هذا فعلا أمر مؤسف وأعتقد يجب ألا تصل هذه المرارة في كرة القدم في الرياضة إلى السياسة.

جمانة نمور: نعم. الجزائر أيضا استدعت السفير.

حسني عبيدي: نعم، نعم، يعني في مستوى المطالبة بغلق السفارة..

جمانة نمور (مقاطعة): السودان أيضا دخلت في هذا الموضوع، الخارجية السودانية استدعت أيضا السفير المصري، كان هناك يعني إذا أردنا أن نسميها ظاهرة استدعاء السفراء.

حسني عبيدي: يعني تسابق، أصبحنا يعني الشوفينية وصلت إلى مزايدة تقريبا من يزايد على الثاني في قضية وطنيته وقضية انتمائه للوطن، وهذا للأسف في قضية لا أصلا يعني ما تستاهلش أن نصل إلى هذه الدرجة من الغلو الرياضي والغلو السياسي، فأعتقد أن القضايا التحديات اللي أمام الشعب المصري وأمام النظام المصري وأمام الجزائر أكبر بكثير من أن فقط أن نلهي أنفسنا في استدعاء سفير والاحتجاج ومطالبة الفيفا، يعني البارحة ماتش يعني رياضة بين إيرلندا وفرنسا في هدف أدخل من قبل تيري هنري بيده وبعد نهاية المقابلة رغم تدخل الوزير الأول كل اللاعبين يقبلون أنفسهم ويهنئون أنفسهم لأنهم تأهلوا إلى المونديال، أتمنى أن نصل إلى هذه الدرجة من الوعي وألا نحمل الرياضة كل هذا الاحتقان وكل هالمشاغل وكل الفشل السياسي الذي وصلنا إليه وأن نحمله.. الرياضة المفروض أن تكون فعلا لديها قبل كل شيء روح رياضية.

جمانة نمور: دكتور عمرو يعني حتى الصحافة الإسرائيلية طالبت من مصر والجزائر القيام بضبط النفس، ما تعليقك على هذا؟

عمرو الشوبكي: يعني هو بالتأكيد شعور بالخجل بالأسى وبالفعل نحن في حاجة إلى قطيعة حقيقية مع هذا النمط من التعامل مع مباريات الكرة، بالتأكيد إذا كان هناك مصري رشق حافلة الفريق الجزائري بالحجارة فهو في الحقيقة لا يمثلني ونفس الشيء إذا كان هناك اعتداءات حدثت على المصريين في الخرطوم فأنا متأكد أن هؤلاء لا يمثلون زميلي الدكتور حسني، وبالتالي علينا أن نكون أكثر جرأة في التعامل بطريقة البتر في الحقيقة مع تلك النماذج السرطانية وهذا النمط من التفكير الذي جعل آخر دولة احتلال في العالم وهي إسرائيل تعطي لبلدين قادا التحرر الوطني في العالم العربي وهما مصر والجزائر، أصبحت إسرائيل بكل أسف تعطينا دروسا في تهدئة النفس ورغم ذلك المسلسل مستمر وحملات التحريض مستمرة وسباق سحب السفراء مستمر، وهذا في الحقيقة أمر في غاية الأسف وفي غاية الخجل وحان الوقت في الحقيقة أن نتوقف وأن نبحث عن الأسباب الحقيقية سواء في السياسة أو في الاقتصاد أو في الإعلام التي أدت إلى تحويل مباراة كرة قدم إلى يعني ما يشبه الحرب الحقيقية بين البلدين.

جمانة نمور: شكرا لك الدكتور عمرو الشوبكي الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية من القاهرة، ونشكر من جنيف الدكتور حسني عبيدي مدير مركز الدراسات حول العالم العربي والمتوسط، ونشكركم على متابعة هذه الحلقة من ما وراء الخبر، تعليقاتكم ننتظرها على موقعنا الإلكتروني، indepth@aljazeera.net إلى اللقاء.