- أبعاد الهوس الشعبي وعوامل التعصب الرياضي
- تداعيات التعصب ونتائج التوظيف السياسي

ليلى الشيخلي
صالح الداوود
عبد الله السناوي
ليلى الشيخلي: شهدت مباراة كرة القدم بين المنتخبين الجزائري والمصري استقطابا شعبيا واسعا وسجالات حادة عبر وسائل الإعلام والإنترنت أيقظت النعرات القطرية وفجرت أعمال عنف وشغب في أكثر من مكان وسط هوس شعبي متنام لرياضة باتت ترسم شطرا من العلاقات العربية العربية... ونتوقف مع هذا الخبر لنناقشه في محوريين رئيسيين، ما أبعاد الاستحواذ المتزايد لكرة القدم على الاهتمام الشعبي في الدول العربية؟ وما التحديات التي يثيرها هذا التعصب الرياضي خاصة لجهة توظيفه سياسيا؟... حياكم الله، انشغلت الساحتان الجزائرية والمصرية طيلة الأسبوعين الأخيرين بالمباراة التي جمعت فريقي البلدين أمس وسط حالة من الشحن الإعلامي المتبادل، صحيح أن المباراة كانت مصيرية لجهة من يتأهل لكأس العالم لكنها بدت وكأنها مصيرية لمستقبل البلدين بالمطلق وفيما قد يبدو هذا الولع مبالغا فيه يحذر البعض من مخاطر توظيفه سياسيا على حساب قضايا أخرى أكثر أهمية.

[تقرير مسجل]

ماجد عبد الهادي: تستيقظ الحميات الوطنية والإقليمية إذاً عند صراع الأقدام على الكرة، فيحدث أن يضرب اللاعبون الجزائريون في مصر أو يضربون أنفسهم لا فرق كي يبلغ تجييش مشاعر الغضب على الجانبين حدا طالما افتقده كل منهما مثلما افتقده العرب أجمعين في مواقف تاريخية كثيرة من تلك التي يمس عارها الجباه لا الأرجل وما دونها. هنا تقفز إلى الذهن مثلا صور الحروب الإسرائيلية المتتالية على قطاع غزة ولبنان كما يعود إلى الذاكرة مشهد سقوط العاصمة العراقية بغداد وكذا جوع الأطفال في بلدان عربية أخرى بوصفها أحداثا جرحت وفق رأي أكثرية العرب كرامتهم القومية وظلت ردود فعلهم عليها أقل حدة بكثير مما يفعله مواطنون مصريون وجزائريون الآن بسبب مباراة بين فريقي بلديهما لكرة القدم. وواقع الأمر أن بعض عشاق الرياضة يعتبرون  هذا الذي حدث ويحدث تنافسا طبيعيا مشروعا على طريق التأهل لتصفيات كأس العالم لما لها من أهمية دولية بالغة، كما يشيرون وبحق ربما إلى أن سحر كرة القدم لم يعد يستثني اليوم أمة من الأمم على وجه الأرض بما فيها الأوروبية المتحضرة، لكن هناك من يعتقد في المقابل بأن الساحرة المستديرة وفق التسميات الرياضية الشائعة ما أخذت بألباب بني العالم المتقدم إلا بعد عقود من إنجاز مشاريعهم التحررية والتنموية على الأرض ثم غزوهم الفضاء في حين يجري العرب وراءها لاهثين ومعهم طبعا بعض شعوب العالم الثالث رغم عدم تعافيهم من آثار الهزائم السياسية والعسكرية التي ما انفكت تلاحقهم منذ عقود على أيدي أعدائهم القوميين وبالتوازي مع عجزهم بالمعنى الاقتصادي التنموي حتى عن صنع الفناجين التي يشربون فيها قهوتهم على ما قال مفكر عربي مرموق ذات مرة. أما اللافت في تاريخ الولع في كرة القدم فهو أن ضجيجها كثيرا ما استغل لتنفيذ مآرب أخرى، حدث ذلك عندما شنت إسرائيل الحرب على لبنان وحاصرت العاصمة اللبنانية بيروت عام 1982 بينما كان العرب وشعوب العالم قاطبة منشغلين بمتابعة تصفيات كأس العالم، وحدث أيضا يوم تزامن الاحتفالات بافتتاح الحدث الرياضي نفسه عام 2006 مع قصف إسرائيلي على شاطئ غزة تبدد دويه خلف أصوات المشجعين وتبددت معه صرخات طفلة تدعى هدى غالية وهي تنادي عبثا أباها المسجى على ظله في مهب الغياب.

[نهاية التقرير المسجل]

أبعاد الهوس الشعبي وعوامل التعصب الرياضي

ليلى الشيخلي: معنا في هذه الحلقة من القاهرة عبد الله السناوي رئيس تحرير صحيفة العربي الناصرية، من عمان معنا صالح الداوود رئيس صحيفة الملاعب الأردنية. أبدأ معك أستاذ صالح الداوود يعني إذا انطلقنا من هذه اللعبة بالتحديد بين مصر والجزائر لموضوع أكبر وأشمل، كيف يختلف التوتر الذي صاحب هذه المباراة عن توتر يصاحب أي مباراة كبيرة بين خصمين معروفين في أي جزء من العالم؟

صالح الداوود: يعني في البداية مساء الخير لك ولجميع المستمعين، وشكرا جزيلا على التقرير الذي قدمتموه قبل قليل، فهذا التقرير يظهر مدى ولع العالم بكرة القدم ومدى ترك هذه القضايا الأساسية في الحياة لأجل متابعة هذه اللعبة، مباراة الجزائر ومصر كان لا يجب أن تأخذ هذا المنحنى ولا تأخذ هذا.. تسير في هذا السياق تحت أي ظرف من الظروف مهما كانت الأمور لأننا نتحدث عن مباراة بكرة القدم الخاسر يغادر كأس العالم وهذا أمر ليس بغريب، فمصر لم تشارك في كأس العالم منذ سنوات وكذلك الجزائر، فهل أصبحت الآن كأس العالم أهم من حياة شخص يعيش في مصر أو في الجزائر؟ هذه المباراة حملناها أضعاف أضعاف ما تستحق وأعتقد أن السبب في ذلك أن الدولتين تعتبران من الدول الضعيفة اقتصاديا والتي تعاني من أزمات داخلية لذا فإن الحكومات في تلك الدول تبحث عن أي إنجاز حتى لو كان هذا الإنجاز رياضيا أو حتى ما نسميه بالإنجاز الوهمي من أجل الإثبات لشعوبها أنها تقدمت كثيرا أو أنها تسير بالطريق الصحيح وبالتالي أعطت هذه المباراة أكثر مما تستحق كثيرا.

ليلى الشيخلي: توافق على ذلك أستاذ عبد الله السناوي يعني حالة ربما من الفراغ السياسي التي يعيشها الشباب في البلدين هروب من مشاكل في الفقر والبطالة هي التي أدت إلى هذا التوتر الذي شهدناه؟

عبد الله السناوي: أنا بأعتقد أن الأجواء التي صاحبت واستبقت مباراة مصر والجزائر هي أجواء مشحونة بالتوتر ومشحونة بمبالغات إعلامية وهناك شحن إعلامي وسياسي، غير مسبوق لم يسبق لي على وجه الإطلاق أن رأيت مثل هذا الشحن الإعلامي والسياسي من على الجانبين، فبدا أن مصر والجزائر على وشك أن تدخلا حربا كأننا ندخل حربا عسكرية أو حرب حياة أو موت وهذا يتجاوز طبيعة الرياضة وطبيعة المنافسة في المستطيل الأخضر، من حق الشعبين ومن حق البلدين أن يطمحا للوصول إلى المونديال أو أن يحتفلا، أما الذي حدث فهو أن الأمر قد تجاوز الرياضة إلى لغة سباب ولغة تجاوز وطعن في العلاقات التاريخية والمؤكدة والمشتركة وهي علاقة يعني فيها دم، مصر دعمت الجزائر وثورتها في فترة الرئيس جمال عبد الناصر، دورها رئيسي في انتصار الثورة الجزائرية وكان ذلك من أسباب حملة السويس على مصر والجزائر أيضا في عهد الرئيس هواري بومدين يعني لعبت دورا جوهريا في تدعيم السلاح المصري وقت حرب 67 وشاركت قواتها وقدمت شهداء في حرب أكتوبر فإذا بنا يعني نرى حالة تعبئة شعبية وسياسية كأننا نحارب إسرائيل وهذا تجاوز سياسي وهذا ينم عن عجز سياسي وخواء وانهيار للمشروع القومي العربي إلى درجة خطيرة لدرجة يعني أنا قد سمعت في مظاهرات وأنا يعني أقدر طبيعة هذه المظاهرات والتي جرت عندكم في الدوحة قالت مصر والدوحة أخوات والجزائر أيضا أخوات يعني الجزائر ليست خصما للدوحة وليست خصما لمصر، الجزائر من حقها أن تطمح للعب في كأس العالم كما أن مصر من حقها ذلك ومن حق الجمهور المصري أن يصعد لكن التجاوز خطير خطير خطير.

ليلى الشيخلي: خطير. صالح الداوود يعني وكأن كل هذا التاريخ الجميل بين البلدين يكاد يلقى به هكذا بلمح البصر بل على العكس يظهر الجانبان نوعا من الندم على الوقوف إلى جانب بعضهم البعض في مرحلة من المراحل وتخوين أيضا لمن يدافع عن البلد الآخر كيف تفسره، رعاية رسمية لهذا؟

صالح الداوود: يعني في البداية ما كان يجب أن نتطرق لهذا الموضوع، موضوع الثورة الجزائرية أو غيره من الثورات لأن الاسناد العربي العربي هو واجب على كل من يعيش في هذا الوطن العربي، وبالتالي سواء ساعدت مصر الجزائر في تحريرها أو غير ذلك، نحن نتحدث عن موضوع أقل بكثير نتحدث عن مباراة كرة قدم ما بين 22 لاعبا في الملعب لا يجوز أن تتخطى أي حدود لها. مشكلتنا سيدتي في هذا العالم العربي أننا إلى الآن لم نصل إلى المعنى الثقافي لكرة القدم والثقافي للرياضة، الرياضة بالعالم هي ثقافة، العالم عندما يريد الرجل في أوروبا أن يذهب ويستمتع هو وزوجته وأبناؤه يذهبون إلى المسرح يذهبون إلى السينما يذهبون لمشاهدة كرة القدم وبالتالي هي جزء مثل المسرح ومثل أفلام السينما لكن نحن في الوطن العربي بسبب الفراغ السياسي بسبب ما نسميه الفقر المدقع الذي يعيشه بسبب الجهل هناك أناس يستطيعون أن يسيروا هذه الشعوب وبالتالي يستغلون كرة القدم ويستغلون أشياء أخرى كتغطية للوجود للمشاكل السياسية التي لا يستطيع أن يعبر عنها هذا الشعب ويستغلون أيضا لعدم وجود القدرة الاقتصادية، المناسبة إضافة إلى شيء آخر أن الجمهور الذي لا يستطيع أن يعبر عن نفسه سياسيا أو أن يخرج في مظاهرات اعتراضا على الوضع السياسي أو الوضع الاقتصادي يجد متنفسا كبيرا في ملاعب كرة القدم يستطيع أن يشتم يستطيع أن يسب يستطيع أن يفعل ما يريد تحت عنوان واحد هو مصلحة الوطن.

ليلى الشيخلي: طيب يعني عبد الله السناوي حتى لا نحمل أنفسنا أكثر من طاقتها هذا أيضا يحصل في دول أخرى يحصل في أوروبا يحصل في اسكندنافيا بين الدنمارك والسويد، يحصل عندما تلعب إنجلترا مع فرنسا أو ألمانيا ويحصل بالتحديد أيضا في دول أميركا اللاتينية، بل إن هناك حربا شهيرة قامت عام 1969 بالتحديد حرب كرة القدم كما عرفت دامت لمدة أربعة أيام بعد مباراة بين هندوراس والسلفادور وكان هناك جرحى وقتلى ولكن كانت هناك أسباب أخرى كان هذا متنفسا لها، هل يمكن أن تصل الأمور إلى هذا الحد؟

عبد الله السناوي: نعم، هذا صحيح في إجماله بمعنى أن كرة القدم لها شعبيتها ولها سحرها والشعوب تعبر وساعات تشتط في تعبيرها عن سعادتها أو غضبها ولكن ما حدث في الأجواء التي صاحبت مباراة مصر والجزائر تجاوزت كل الحدود التي يمكن تقبلها لأننا دخلنا فيما يمكن أن نسميه الفتنة الكبرى بين شعبين شقيقين يعني، وعندما نتحدث عن التاريخ المشترك فنحن نتحدث عن حقائق، نحن نهدر التاريخ المشترك لأننا قد أهدرنا في حقيقة الأمر المشروع الوطني، لا يوجد لدينا تعليم متقدم أو بنية صحية يعتد بها يعني هناك تدمير ولا ديمقراطية ولا حرية تداول سلطة فبات المصير الوطني معلقا بين أقدام اللاعبين، الكرة لها سحرها لكن عندما تصل إلى حد تهديد العلاقات العربية العربية بهذا الشكل الفادح وبين الجانبين فنحن أمام أمة في أزمة وأمة في أزمة عميقة وأمة لديها مشكلة مع نفسها ومشكلة مع قضاياها ومشكلة مع أولوياتها ثم أن هناك من يحاول أن يوظف ذلك كله سياسيا، أنا رأيت في الزمالك حشودا عسكرية وسيارات أمن مركزي لحماية السفارة الجزائرية، أنا لم أر مثل هذه الحشود أمام سفارة الدنمارك في فترة أزمة الرسوم، هذا معناه أننا قد تجاوزنا حدود الرياضة والمنافسة الشرعية فيها وحق السعادة وحق الطموح إلى حدود خطيرة تنذر بانهيارات أكبر في حقيقة الأمر، ثم إننا أمام شعوب لا ترى أن لديها فرصة للفرح أو السعادة أو الإنجاز في غير ملاعب كرة القدم بينما أوضاعها الاقتصادية والسياسية متردية بصورة خطيرة، هناك من يحاول أن يوظف ذلك، أنا لفت نظري أن أحمد عز أمين لجنة تنظيم في الحزب الوطني أعلن أن هناك 11 طائرة سوف تسافر مجانا إلى السودان، ماله هو ومال كرة القدم؟ هذه أمور لا تتعلق بالحزب الوطني فقط لكن تتعلق بالدولة المصرية وعليها أن تذهب إلى هناك بجماهيرها وأن تشجع كما من حق الجزائر أن تذهب وأن تشجع بروح رياضية، لكن هذا توظيف سياسي..

ليلى الشيخلي (مقاطعة): نعم، هذا ما يجعل البعض يقول إن رياضة كرة القدم في الغالب تخرج من أرحام السلطة، سلطة الدولة ومؤسساتها السياسية بل إن البعض يذهب إلى القول إن كرة القدم حصلت على الجنسية السياسية في عالمنا العربي، هذا ما سنناقشه بعد فاصل قصير أرجو أن تبقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

تداعيات التعصب ونتائج التوظيف السياسي

ليلى الشيخلي: أهلا من جديد إلى حلقتنا التي تتناول أبعاد الهوس الشعبي المتنامي بكرة القدم والتحديات التي يمثلها ذلك، طبعا هناك جانب إيجابي ربما يصعب على البعض أن يتصوره ولكن قبل أن ننتقل إلى الجانب الإيجابي سيد صالح الداوود أريد أن أسألك تعليقك على ما جاءت به صحيفة الغارديان في حديثها عن هذه المباراة بالتحديد بين مصر والجزائر، تساءلت الصحيفة إذا كانت هذه التوترات تكتنف كرة القدم وحدها أم أن هذه اللعبة الجميلة تستغل كحرب بالوكالة، أو بمعنى آخر صارت كرة قدم سياسية تعبيرا عن ضغائن أعمق؟

صالح الداوود: يعني ما بين مصر والجزائر كرة القدم سياسية وكرة اليد سياسية فعندما يتقابل المنتخب المصري والجزائري بكرة اليد تتحول إلى ما أشبه بالمعركة، ما أريد أن أقوله إن هناك أشياء مخفية في العلاقات ما بين الدولتين ولا يستطيع أحد أن يعلنها للعلن وبالتالي فإن الصحافة السياسية لا تستطيع الخوض في هذه المواضيع فتجيرها للصحافة الرياضية لتخوض فيها وإذا علمنا أن الصحافة الرياضية في العالم بشكل عام هي الأقل تثقيفا بين الصحفيين فبالتالي هم يسارعون إلى إثارة الفتنة بشكل أكثر، أنا عندما أسمع أحد الصحفيين يتحدث وبالحرف ويقول مثلا مصر.. يعني مثلا الجزائر ستهزمنا ونحن من حررناها من الفرنسيين، تداخل في المواضيع بشكل كبير سواء من الصحفيين الرياضيين أو السياسيين يؤدي إلى هذه المواجهة. ذكرت نقطة مهمة جدا أن للرياضة وجه جميل، كرة القدم لها وجه جميل هذا الوجه لم نشاهده في هذا اللقاء، خاضت مباراة والجميع يتذكرها ما بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، تخيلي كان هناك حرب ما بين الدولتين، حرب معلنة أو غير معلنة ولكن كانت هناك مواجهات شديدة ما بين الدولتين والتقوا في كأس العالم في لقاء فازت فيه إيران 2/1 ومع ذلك لم يخرج لاعب بالبطاقة الحمراء، لم تشهر البطاقة الصفراء سوى مرتين، الجماهير تعاملت بكل أريحية مع هذا اللقاء. إذاً ما بين مصر والجزائر..

ليلى الشيخلي (مقاطعة): نعم، على ذكر هذا ولقاءات مشابهة أيضا، عبد الله السناوي، كان هناك لقاء بين العراق وإيران بعد سنوات من الحرب، هناك أيضا لقاء شهير بين الأرجنتين وإنجلترا بعد حرب الفوكلاند وأقرب يعني في التاريخ أقرب بكثير لقاء كروي بين أرمينيا وتركيا بعد توقيع اتفاقية أنهت مائة عام من الخلاف، يعني أليس هذا جانب يستحق أن نوليه بعض الاهتمام، لماذا لا يحصل هذا عندنا؟ كيف نستطيع أن نوظف الكرة إيجابيا؟

عبد الله السناوي: نعم، يعني دعيني أقل أولا إن الجماهير المصرية التي احتشدت  في الاستاد كانت أكثرا وعيا وأكثر تحضرا من الإعلام السائد الذي سبق المباراة فيعني بشكل أو بآخر جرى تشجيع الفريق المصري بروح رياضية ولم تحدث مشادات أو مشاحنات أو انفلات أعصاب أو قصف حجارة فهذه شهادة للجمهور المصري وإدانة للإعلام في نفس الوقت وإدانة للتوظيف السياسي في الوقت ذاته. لكن أنا بأعتقد أن أحد أسباب المشكلة هو أنه كان لكل من مصر والجزائر مشروع وطني كبير، الجزائر صنعت واحدة من أعظم الثورات في العصور الحديثة ثم تحطم مشروعها الوطني ودخلت في حرب أهلية ومصر كانت لديها ثورة كبرى ومشروع قومي ثم انتهت التجربة كما نعرف جميعا إلى ما يسمى الآن يعني انهيارا واسعا، أنا أعتقد أن عددا كبير من الجماهير في البلدين بيعتقدوا بالخطأ أن لعبة كرة القدم أو الانتصار في مباراة كرة القدم هي بديل عن انهيار المشروع الوطني أو هي التعبير الوحيد عن الانتماء، وهذه مصيبة وهذه كارثة حقيقية لأن أيا ما كانت نتيجة مباراة كرة القدم فهي مباراة في كرة القدم بينما الحقائق على الأرض أن كلا البلدين في حالة انهيار عملي من الناحية السياسية والاجتماعية.

ليلى الشيخلي: طيب يعني صالح الداوود هل ربما أيضا المتعة تكمن في هذا الجانب في أن هناك دولة أصغر أو أفقر يمكن أن تقلب الموازين وتتغلب على دولة يعني لها مكانة سياسية واجتماعية أكبر كما حصل  عندما مثلا فازت اليونان عام 2004 ببطولة أوروبا، هل هذا هو الجانب الذي يحرك الناس مثلا يحرك الطموح الموجود عند الشباب بأن الفقر يمكن الخروج منه ويمكن تحقيق حالة أكبر وأهم؟

صالح الداوود: يعني لو سألت أي طفل ما اللعبة التي تريد أن تمارسها سيكون رده واضحا كرة القدم وبالتالي هي معشوقة للجميع منذ البداية، منذ صغر هذا الإنسان حتى كبره بالعمر لأسباب كثيرة منها الإثارة الموجودة فيها، كرة القدم عبارة عن show كبير هذا الـ show يحمل المفاجآت يحمل أشياء غير متوقعة يحمل أهدافا غير متوقعة يحمل من العروض الجميلة ما يجعل الشخص يستمتع به، هذه كرة القدم التي نتحدث عنها هي تلك كرة القدم الموجودة في الغرب بينما كرة القدم الموجودة لدينا لا زالت تحتاج إلى الكثير عدا عن مفاجآت وإن كانت تكون بالعادة محصورة ومحدودة وبالتالي تفقد رونقها لذا يكون التركيز على شيء هام جدا لأنه.. أريد أن أضيف معلومة هامة وبعدها أكمل لك، هناك من يريد أن يساهم في إثارة هذه الفتنة بطريقة أخرى غير السياسة والاقتصاد هناك المعلن وهناك من يبيع التذاكر هؤلاء الأشخاص يريدون كل أن يستفيد بطريقته وبالتالي هذه الطريقة تجلب المنفعة للجميع، وكما ذكرت لك كرة القدم show متكامل العالم تعامل معها بشراء المواهب ونحن تعاملنا معها باختراع المصائب، هذه كرة القدم لدينا وهذه كرة القدم لدى الغرب.

ليلى الشيخلي: يعني ذكرت ربما أيضا أشرت إلى جانب اقتصادي مهم، عبد الله السناوي، لا يمكن أن نغفله في هذه اللعبة يعني الأرباح الهائلة الأموال التي تجنى من خلال المبارايات إلى أي حد تلعب دورا في هذه اللقاءات موازيا للجانب السياسي؟

عبد الله السناوي: نعم نعم. يعني بطبيعة الحال مثل أي صناعة وكرة القدم صناعة كبرى هناك خروقات وهناك انحرافات وهناك محاولات للاستفادة في السوق السوداء أو ما شابهها من بيع التذاكر بتقريبا كما حدث في مباراة الجزائر بل أكثر من عشرة أضعاف السعر الرسمي لكن ليست في حقيقة الأمر هذه هي القضية الرئيسية، القضية الرئيسية أن هناك شحنا إعلاميا تجاوز كل الحدود، هناك أزمات سياسية وجدت متنفسها الوحيد بين أقدام اللاعبين، هناك خرق للعلاقات التاريخية المصرية الجزائرية بصورة يصعب ترميمها بالمدى المنظور، هناك توظيف سياسي أنا لاحظت على سبيل المثال هذه أول مرة تقريبا يعني أرى وجه السيد جمال مبارك مبتسما والمذيع يقول افرح افرح يا جمال، يعني هذا كلام توظيف سياسي فج ومباشر لأن جمال شأنه كشأن أي مصري يمكن أن يسعد بهدف إنقاذ في اللحظات الأخيرة..

ليلى الشيخلي (مقاطعة): طيب حتى لا نوظف هذه الحلقة أيضا توظيفا سياسيا، اسمح لي، نريد أن نتكلم بشكل أعم، سيد صالح الداوود العلاقة بين الإعلام الرسمي وكرة القدم إلى أي حد لعبت هنا يعني هذا التأجيج الذي حصل هل هناك تقصير من السياسيين من المثقفين هل كان أداؤهم باهتا هذه المرة؟

صالح الداوود: الإعلام كأي مهنة أخرى يبحث أيضا عن التسويق وجزء من هذا التسويق هو الإثارة والتشويق للقاء كبير كهذا اللقاء سواء كان هذا الإعلام المصري أو الجزائري وبالتالي فإن زيادة الإثارة ستكون جزءا هاما جدا لجميع الإعلاميين وهنا يتسابق الإعلام، الإعلامي الصغير يريد أن يكبر بسرعة وكلما زاد على النار أدار وقود فهذا يعني أنه سيرتفع شأنه أكثر وبالتالي يبدأ بتجاوز الخطوط الخضراء والصفراء والحمراء حتى يصل إلى ما يسمى بالانشقاق العربي من أجل لقاء كرة قدم، كنا نتوقع أن يكون هناك إعلام منضبط فكريا هذا الإعلام لا يوظف هذا اللقاء إلا لذاته، لقاء في كرة القدم يجمع بين منتخبين شقيقين أحدهما سيغادر إلى كأس العالم والآخر سيشارك في بطولة أمم أفريقيا أكثر من ذلك اللقاء لم يكن يحتاج ولو تم هذا الأمر لكان اللقاء جميلا وكانت المحبة ظاهرة بدلا من المناظر التي أشرتم إليها مناظر العنف.

ليلى الشيخلي: طيب عبد الله السناوي لم يبق لي إلا دقيقة، لقاء الأربعاء يعني لا يفصلنا عنه الكثير ما الذي يمكن أن نفعله لنتجنب ما حدث البارحة؟

عبد الله السناوي: يعني أنا بأتمنى على الإعلام العربي والجزائري والمصري بصفة خاصة قدرا من الانضباط في استخدام العبارات، من حق يعني الإعلاميين هنا أو هناك يعني أن يشجعوا فريقهما بالطريقة المناسبة أما الانفلات فلا بد أن يقمع، أنا أقولها بدقة لا بد من أن يقمع من رأي عام يقظ، نحن أمام مباراة في كرة القدم سوف نقول للفريق الفائز مبروك وسوف نقول للفريق المهزوم hard luck وأخشى أن نقول للأمة كلها hard luck لأننا في حالة انهيار حقيقي لأن بعض ما يكتب وبعض ما يذاع لا يصح أن يقال إطلاقا.

ليلى الشيخلي: شكرا جزيلا لك السيد عبد الله السناوي رئيس تحرير صحيفة العربي الناصرية من القاهرة وشكرا لصالح الداوود من عمان رئيس صحيفة الملاعب الأردنية وشكرا لكم مشاهدينا الكرام على متابعة هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر، ننتظر طبعا مساهماتكم في اختيار مواضيع الحلقات القادمة بإرسالها على بريدينا، indepth@aljazeera.net

شكرا وفي أمان الله.