- المواقف الأوروبية من الأزمة وحجم التأثير الأوروبي
- التصور الأوروبي للحل وأوراق الضغط على إسرائيل

محمد كريشان
مصطفى البرغوثي
ماثيو قويدر
محمد كريشان: أهلا بكم. نتوقف في هذه الحلقة عند الدور الأوروبي في الأزمة التي أثارها العدوان الإسرائيلي على غزة في ضوء الجولة التي يقوم بها وفد رفيع المستوى من الاتحاد الأوروبي. وفي حلقتنا محوران، ما هي الرؤية الأوروبية للعدوان الإسرائيلي على غزة وبالتالي للصيغة التي يجب أن تنهيه؟ وما هو حجم التأثير الذي تملكه أوروبا في توجيه دفة الأحداث خلال الأزمة الحالية في غزة؟... الدعوة لوقف إطلاق النار فورا والعمل على بلورة مبادرة أوروبية مصرية لتحقيق ذلك، كان هذا أبرز ما حمله أعضاء الوفد الأوروبي رفيع المستوى الذي وصل إلى المنطقة بعد عشرة أيام على إشعالها من قبل إسرائيل خاصة وأن الأوضاع في غزة تزداد سوءا وخاصة اليوم بالذات حيث بلغ عدد الشهداء رقما قياسيا وزادت الغارات والخسائر بشكل ملفت للنظر.

[شريط مسجل]

نيكولا ساركوزي/ الرئيس الفرنسي: أوروبا تتحمل مسؤولية تجاه المنطقة ولها دور تريد أن تضطلع به وتريد إحلال السلام، أدنا الهجوم البري الإسرائيلي وسوف أذهب إلى القدس لألتقي بالمسؤولين الإسرائيليين هناك وسأكرر لهم أن العنف يجب أن يتوقف وأن المساعدات يجب أن يفتح لها المجال إلى غزة. إسرائيل دولة ديمقراطية ولذلك لن يفهم العالم كيف تترك إسرائيل الوضع في غزة يزداد مأسوية فلا يمكن لإسرائيل أن تترك الوضع الإنساني على ما هو عليه. حركة حماس إذ قررت استئناف إطلاق الصواريخ على إسرائيل إنما تصرفت بشكل غير مسؤول ولا يغتفر فهي فعلت ذلك دون النظر إلى مصلحة الفلسطينيين، حماس تتحمل مسؤولية كبيرة في معاناة الفلسطينيين في غزة.

خافيير سولانا/ مفوض الشؤون الخارجية الأوروبي: نود أن نتوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار وسيكون التعاون مع مصر في ذلك أساسيا، تعلمون أننا كنا موجودين في رفح في وقت سابق ونحن الآن مستعدون للعودة والمصريون يعلمون ذلك وفي حال تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار سنعود إلى هنا للتعاون والتنسيق بشكل بناء.

بينيتا فيريرو فالدنار/ مفوضة شؤون العلاقات في المفوضية: نحن منشغلون بعمق حول الوضع الإنساني في غزة وسنحاول القيام بأي شيء لمساعدة السكان بالغذاء، الماء والوقود وكل ما تحتاجه المستشفيات. سياسيا نحن نعمل على إيجاد حل لوقف إطلاق النار بأسرع وقت ممكن ولذلك نحن نجري محادثات مع أصدقائنا لجعل ذلك ممكنا.

كارل شوارزنبرغ/ وزير الخارجية التشيكي: أطلعنا وزيرة الخارجية الإسرائيلية على رؤية الاتحاد الأوروبي بضرورة التوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار وأيضا بالطبع إلى وقف لإطلاق الصواريخ على إسرائيل.

توني بلير/ مبعوث اللجنة الرباعية إلى الشرق الأوسط: كنت شخصيا على اتصال مع جميع الأطراف خلال هذه الأيام ونحن نعمل كل ما بوسعنا في محاولة إيجاد حل للمعاناة والحرمان اللذين يعاني منهما الناس، هناك ثلاثة أشياء مهمة أولها أن بيان اللجنة الرباعية أوضح أننا نريد وقفا فوريا لإطلاق النار تحترمه كل الأطراف وثانيها أننا وعلى المدى البعيد نحتاج إلى التأكد من أن هناك قاعدة مناسبة للوحدة الفلسطينية بحيث يتم إعادة توحيد الضفة وغزة لأنه يجب أن تكون هناك دولة فلسطينية واحدة، وثالثها هو أنني ناقشت بإسهاب مع السيد عباس مسألة إدخال أكبر قدر من المساعدات الإنسانية إلى غزة مثل الوقود والطعام والمستلزمات الطبية فضلا عن معالجة المسائل الأساسية التي تهم حياة الناس.



[نهاية الشريط المسجل]

المواقف الأوروبية من الأزمة وحجم التأثير الأوروبي

محمد كريشان: ومعنا في هذه الحلقة من رام الله الدكتور مصطفى البرغوثي أمين عام المبادرة الوطنية الفلسطينية، ومعنا أيضا من العاصمة الفرنسية باريس ماثيو قويدر الباحث في قضايا أوروبا والشرق الأوسط، أهلا بضيفينا. نبدأ من رام الله والدكتور برغوثي، دكتور هل تعتقد بأن هناك فهما أوروبيا مشتركا لطبيعة ما يجري في غزة؟

مصطفى البرغوثي: لا، في الواقع لا يوجد مثل هذا الفهم بشكل كامل والدليل على ذلك التناقضات التي رأيناها في المواقف الأوروبية لأنهم اضطروا أن يتراجعوا عن التصريح الذي صدر عن الجانب التشيكي والذي ادعى في بداية تسلمه لرئاسة الاتحاد الأوروبي أن ما تقوم به إسرائيل في غزة عملية دفاعية ثم اضطروا أن يعدلوا ذلك التصريح وينفوه، اليوم رأينا تناقضات أخرى، مندوب الاتحاد الأوروبي يقول إننا لا نوافق على ما تطرحه إسرائيل من شروط لوقف إطلاق النار، ساركوزي يعلن مرة أخرى تحميل الجانب الفلسطيني مسؤولية الدمار الجاري وهذا طبعا خطأ كبير ولا يجب أن يصدر عن شخص يأتي للوساطة أو لحل المشكلة. جوهر الأمر هنا أنه لولا الصمت الدولي والأوروبي والدعم الأميركي لإسرائيل لما تجرأت إسرائيل أن تصل إلى هذه الدرجة من الإمعان في جريمتها الوحشية التي ترتكبها الآن في قطاع غزة، هذا أمر يجب أن يكون واضحا، والأمر الثاني الذي يجب أن يكون واضحا أننا اليوم استمعنا إلى أكاذيب لا أول لها ولا آخر من السيدة ليفني وهي تتحدث أمام مندوبي الاتحاد الأوروبي، أنا لم أكن لأقبل لهم أن تتصرف بهذه الدرجة من الوقاحة أمامهم عندما حاولت أن تصور أن هذه ليست حربا على غزة فقط وعلى الشعب الفلسطيني وليست إعادة احتلال فقط لغزة بل أصبحت الآن كأنها معركة ضد الإرهاب العالمي، وقالت شيئا خطيرا جدا، كل من هو ليس مع إسرائيل هو الآن إرهابي وكل من هو لا يقف إلى جانب إسرائيل هو الآن مع معسكر الإرهاب. هذا شيء خطير جدا وهذا يدل على أن هناك تواطؤا إسرائيليا مع الإدارة الأميركية الحالية لمنع حتى حدوث مواقف مستقبلية مختلفة من جانب أوباما، الذي يجري خطير جدا ويمس ليس فقط الشعب الفلسطيني بل يمس كل الوضع في المنطقة وإسرائيل مرة أخرى تهدد بالخطر كل الاستقرار، والأوروبيون برأيي حتى الآن غير قادرين على أن يوحدوا موقفا حازما بهذا الشأن رغم أننا نضغط ونتصل بهم على مدار الساعة.

محمد كريشان: سيد ماثيو قويدر في باريس، إذا سلمنا بما قاله الآن دكتور برغوثي، لماذا لا يوجد صوت أوروبي واحد؟

هناك وجهتا نظر فيما يخص أزمة غزة، الأولى تفهم الوضع الإسرائيلي وتفهم أن يكون لإسرائيل إمكانية الدفاع عن نفسها، والثانية تنظر إلى الوضع الإنساني للفلسطينيين في قطاع غزة
ماثيو قويدر: المشكلة اليوم مع أوروبا هي أن هناك وجهتي نظر فيما يخص هذه المشكلة، هناك جانب أول يتفهم الوضع الإسرائيلي ويتفهم أن تكون لإسرائيل إمكانية الدفاع عن نفسها أمام حماس وهناك الوضع الآخر الذي هو ينظر إلى الوضع الإنساني خاصة وإلى وضع الفلسطينيين في قطاع غزة وهذا الصنف هو الذي تقوده فرنسا، فعدم إمكانية توحيد الموقف اليوم ناتجة عن تاريخ العلاقات الأوروبية الأميركية وقد وجدت مثلا فيما يخص العراق نفس الشيء يعني حصل في كل مرة عندنا صنفان تتعلق بطبيعة العلاقة الموجودة بين البلد الأوروبي وخاصة تشيكيا الآن وفرنسا من ناحية أخرى.

محمد كريشان: في السابق كان يقال بأن الدور الأميركي يكون طاغيا في أزمات كهذه، هذه المرة بحكم انتقال السلطة في نوع من الفراغ، بين قوسين، هل معنى ذلك بأن أوروبا أصبحت في الصدارة وبالتالي أصبحت مكشوفة أكثر من السابق في أزمات جرت في السابق؟

ماثيو قويدر: نعم أظن أننا لا بد أن ننظر إلى الوضع الإستراتيجي الحالي، تم خطأ إستراتيجي فادح من طرف حماس وهو أنها لم تنتظر أن يأخذ أوباما رئاسته ويتسلم مقاليد الحكم في الولايات المتحدة الأميركية، هذا الفراغ الأميركي حاليا يجعل أوروبا في الواجهة ولكن رأيناه..

محمد كريشان (مقاطعا): عفوا سيد قويدر، ما هو الخطأ الفادح هذا؟ حتى نفهم يعني.

ماثيو قويدر: الخطأ الإستراتيجي هو تم من حيث أن حماس لم تمدد الهدنة حتى تدخل الإدارة الأميركية الجديدة في السلطة ولو انتظرت قليلا يعني وقبلت بتمديد هذه الهدنة ولو لمدة بعض أشهر لأمكنها أن تكون المواضيع بصفة مختلفة بما أننا نعلم أن الإدارة الأميركية الجديدة إدارة أوباما لها وجهة نظر ولها تصور مختلف بعض الشيء عن إدارة بوش فهذا الفراغ الموجود حاليا استغلته إسرائيل وفي نفس الوقت لم تتمكن حماس من استغلاله لتوظيفه سياسيا وهو ما يجعل أوروبا ملزمة بعض الشيء بالتدخل فهي الوحيدة القادرة حاليا على أن تلعب دورا ما ورأينا ذلك أيضا في الأزمة الجورجية مثلا حيث ان أوروبا بقيادة ساركوزي وفرنسا تمكنت من أن تلعب دورا وأن تصل إلى إيقاف الحرب والنيران رغم أن روسيا كانت وبوتين كان مصمما بنفس تصميم إسرائيل حاليا في الوصول إلى أهدافه السياسية التي سطرها من قبل.

محمد كريشان: نعم ولكن إذا كانت أوروبا متشرذمة ولا تملك تصورا واحدا، دكتور برغوثي، هل يمكن لها والحالة تلك أن تقدم تصورا واحدا وواضحا وعمليا للحل؟

مصطفى البرغوثي: أولا دعني أجب على ما ذكره ضيفك قبل قليل وهو ذكر بأن حماس أو الجانب الفلسطيني هم المسؤولون عن خرق التهدئة، هذه كذبة كبرى إسرائيلية للأسف يكررها بعض المسؤولين الدوليين وحتى أحيانا نسمعها في أصوات عربية..

ماثيو قويدر (مقاطعا): وهي مخالفة كليا للواقع.

مصطفى البرغوثي: الذي قامت به إسرائيل هي نفسها خرقت التهدئة، الذي نعرفه جيدا أن شروط التهدئة كانت أن يرفع الحصار عن غزة، الحصار لم يرفع أبدا بالكامل عن غزة وكان مطبقا بالكامل على غزة في الأشهر الأخيرة، هذه النقطة الأولى. النقطة الثانية الذي خرق التهدئة مباشرة هي إسرائيل التي قامت بعمليات اعتداء نذكرها في شهر نوفمبر وقتلت ستة فلسطينيين واعتدت على خان يونس وعلى رفح والآن الصحافة العالمية تؤكد ذلك، عادوا إلى وثائقهم وأكدوا ما حذرنا منه في ذلك الوقت بأن إسرائيل تتلاعب بالتهدئة وتحاول أن تنسفها. هناك أكاذيب إسرائيلية كثيرة منتشرة في الإعلام وأنا أرجو أن يربأ الناس وخاصة المسؤولين الدوليين عن الوقوع فيها. الكذبة الأكبر اليوم سمعناها على شاشة الجزيرة من شمعون بيريز، كنتم تظهرون صور الأطفال وهو يدعي بأن إسرائيل لم تقتل أي طفل! من قتلهم؟ يعني اليوم إسرائيل تقوم بعملية إعادة احتلال كاملة لغزة ويخرجون ليقولوا نحن لا نريد أن نحتل غزة! إلى متى سيسمع الإعلام الدولي هذه الأكاذيب من قبل إسرائيل؟ وليجيبونا لماذا يمنعون أصلا الصحافة من الوصول إلى غزة؟ لأنهم يريدون أن يخفوا معالم الحقيقة. لكن عطفا على سؤالك حول الشرذمة، طبعا الشرذمة موجودة ولكن أنا أعتقد أنها لا تمنع الاتحاد الأوروبي إن أراد أن يتخذ موقفا، أنا تحدثت مع عدد كبير من وزراء الخارجية الأوربيين وقبل قليل تحدثت مع اثنين منهم بالهاتف وأعتقد أننا قدمنا لهم صورا صادقة حقيقية عما يجري، هم لا يستطيعون أن يقولوا إنهم لا يعرفون ما الذي يجري على الأرض بما في ذلك الكارثة الإنسانية الجارية. السؤال المركزي هنا، هل تستطيع أوروبا أن تتجرأ وتتخذ موقفا مناقضا لما تقوم به إسرائيل؟ هنا الاختبار الحقيقي. وهل تدرك أوروبا الآن في هذه اللحظة خطورة اللعبة التي تلعبها إسرائيل مع إدارة بوش الأميركية بمحاولتها بناء ثلاثة جدران ضخمة في وجه أوباما قبل أن يأتي إلى الحكم؟ أنا طبعا لا أعرف إذا كان أوباما سيأخذ موقفا مختلفا أم لا، هذا ما سنراه، ولكن هو قال أريد أن أنسحب من العراق، قال أريد أن أنشئ حوارا مع دول المنطقة التي هو في مواجهة معها مثل سوريا..

محمد كريشان (مقاطعا): موضوع أوباما يعني موضوع مختلف يعني طالما أن محور حلقتنا هو التحرك الأوروبي. طرحت سؤالين هامين، لنر ما إذا كان سيد قويدر لديه على الأقل إجابة عن الأجواء الأوروبية المتعلقة بهما.

ماثيو قويدر: فيما يخص التحرك الأوروبي أظن أن هذا التحرك في حد ذاته هو نجاح كبير بالنسبة للفلسطينيين، لا ننس أن حاليا أمام المجتمع الدولي ليس هناك تحركات كبيرة إلا فيما يخص أوروبا وفيما يخص الرئيس ساركوزي، أمام العالم -رغم ما يقوله ضيفكم فيما يخص هذه المسألة- الإعلام العالمي والرأي العام العالمي هو أمام وجهة نظر من الصعب تغييرها اليوم، وهي أن هناك من بعث بعض الصواريخ كاتيوشا وقذائف كاتيوشا على إسرائيل ثم إسرائيل أبرزت نفسها على أنها تدافع عن نفسها فأمام هذا الموقف أي تحرك ليس مسألة أنه أمام أميركا أو ضد أميركا هو أن هذا التحرك لا بد أن يقنع الرأي العام الأوروبي وأن تقنعه بضرورة التحرك للدفاع عن الفلسطينيين وهذا هو الموقف الأوروبي الأهم، هو أن أوروبا حاليا تحاول أن تفصل المشكلة السياسية من المشكلة الإنسانية. فيما يخص المشكلة السياسية أي علاقة إسرائيل بحماس، هذه المشكلة عويصة جدا ومختلفة كثيرا ولا يمكننا أن نحلها اليوم باتفاقية أو بمجرد مبادرة سياسية، أما فيما يخص المسألة الإنسانية.



التصور الأوروبي للحل وأوراق الضغط على إسرائيل

محمد كريشان (مقاطعا): على ذكر الجانب الإنساني سيد قويدر، على ذكر الجانب الإنساني، عندما تابعنا مختلف الكلمات للمسؤولين الأوروبيين في بداية الحلقة بدءا من ساركوزي إلى آخر منهم، الكل يركز على البعد الإنساني، هل أوروبا تريد أن تبرز هذا الجانب على حساب الجانب السياسي المتعلق بضرورة مواجهة إسرائيل لبعض الاستحقاقات؟

ماثيو قويدر: لا، المسألة ليست أن تبرزه على حساب الجانب السياسي، هو مجرد أن تبرز هذا الجانب أن تبرز الجانب الإنساني في هذه الحرب القائمة هو في حد ذاته نجاح دبلوماسي هام جدا، لا ننس أن الإعلام العالمي وخاصة الإعلام الأميركي والإسرائيلي قدم هذه الحرب على أنها حرب دفاع إسرائيلي ضد هجوم بصواريخ كاتيوشا ضد شعبه فمجرد إدخال اللعبة الإنسانية في هذه المسألة هو نجاح دبلوماسي هام في حد ذاته وإن لم نفصله عن المسألة السياسية فلا يمكن أن نجد أي حل لهذا، وهذه هي الخطوة التي قرر الرئيس ساركوزي أن يتبناها وأن ينتهجها وإلا فلا يمكن كما رأينا في نطاق مجلس الأمن الدولي لا يمكن الوصول إلى اتفاق سياسي حول المسألة حول هذه الحرب.

محمد كريشان: سيد برغوثي، يعني هل يمكن أن يكون الأمر بهذا الشكل في علاقة الإنساني بالسياسي في أزمة غزة تحديدا وهذا التصور الأوروبي لهما؟

التركيز على الجانب الإنساني أمر إيجابي وضروري خاصة أن إسرائيل تدعي أنه لا توجد كارثة إنسانية في غزة، لكن هذا لا يعفي أحدا من المسؤولية السياسية، لأن ذلك يعتبر تهرب من اتخاذ موقف ناقد  وضاغط على إسرائيل
مصطفى البرغوثي: لا، لا، التركيز على الجانب الإنساني أمر إيجابي ومهم وضروري خاصة أن إسرائيل تدعي أنه لا توجد كارثة إنسانية في غزة لذلك هذا أمر لا خلاف عليه لكن أخذ الجانب الإنساني لا يعفي أحدا من المسؤولية السياسية وإذا كان البعض يظن أنه بأخذه الموضوع الإنساني يعفى من الدور في الجانب السياسي فهذا طبعا ليس سياسة في نهاية المطاف وهو تهرب من اتخاذ موقف فيه نقد مباشر وضغط مباشر على إسرائيل. على كل حال أنا أعتقد أنه حتى يكون الحراك الأوروبي إيجابيا ومؤثرا لنسأل ما هو الأمر الأساسي اليوم؟ الأمر الأساسي أن نوقف هذه الحرب أن نوقف هذا العدوان الإجرامي. وأنا اعتقادي الرواية الإسرائيلية نقضت حتى في داخل وسائل الإعلام الأميركية الآن بدأت تتفكك بحكم الوقائع التي يراها الناس، لكن الأمر الأهم كيف نجعل هناك ضغطا لإيقاف هذه الحرب؟ كيف نجبر إسرائيل على قبول وقف إطلاق النار والخروج من غزة؟ هذا يتطلب أن تدفع إسرائيل ثمنا سياسيا أو أن تشعر أنها ستدفع ثمنا سياسيا، هل يمكن تحقيق ذلك؟ نعم، ولكن هذا لن يكفي فيه موقف أوروبي، يجب أن يتضافر موقف فلسطيني وعربي وأوروبي، يجب أن يقول الفلسطينيون دون أن ندخل في الموضوع بالتفصيل، سنوقف المفاوضات، سنوقف التنسيق الأمني وسنعود إلى الوحدة الوطنية، هذا ثمن عدوانكم. يجب أن يقول العرب سنفتح المعابر من جانب واحد بقرار عربي جماعي من 22 دولة، هذا ثمن عدوانكم، سنبدأ بفرض عقوبات على إسرائيل، سنطرد سفراءكم إن واصلتم هذا العدوان ولم توقفوه فورا. يجب أن يقول العالم إن هناك عقوبات ستفرض على إسرائيل إن لم توقف هذه الحرب ويوقف هذا العدوان ويجب أن يقف العالم إلى جانب..

 محمد كريشان (مقاطعا): ولكن عفوا بالنسبة لأوروبا تحديدا هل من الدقة أن نتحدث عن تحرك أوروبي؟ لأنه واضح أن فرنسا هي الأبرز وحتى صحيفة لوموند اليوم أشارت إلى أن فرنسا هي التي تملك أوراقا وصداقات أكثر من غيرها في حين مثلما قالت هاآريتس إن ألمانيا تبدو عاجزة، بريطانيا أضاعت فرصة حسب تعبير الصحيفة الإسرائيلية، هل يمكن القول الآن التحرك الأوروبي هو تحديدا التحرك الفرنسي؟ نريد أن نسأل سيد قويدر في هذه المسألة.

ماثيو قويدر: طبعا حاليا التحرك الأوروبي هو تحرك فرنسي قبل كل شيء، رأينا أن زيارة الترويكا الأوروبية هي التي يعني حركت الأمر وهي التي بدأت بتهيئة الأمور ولكن زيارة الرئيس ساركوزي هي التي ستمكن من تحريك الأمور شيئا ما، لا ننس أن الرجل السياسي الوحيد الذي حاليا يتمكن من أن يتناقش مع الجانب العربي وهو اليوم سوف يرى أيضا رئيس الوزراء الإسرائيلي ثم سوف يرى محمود عباس إلى آخره هو الرئيس الفرنسي، فهناك حاليا الورقة الوحيدة التي يمكن أن يلجأ إليها الفلسطينيون وأن تلجأ إليها رابطة الدول العربية هي فرنسا وتحت المظلة الأوروبية طبعا فإن بدأنا بأن نقول إن هذه الورقة..

محمد كريشان (مقاطعا): ولكن سيد قويدر عفوا، ألا توجد حلقة مفقودة في السلسلة التي ذكرت وهي فصائل المقاومة أو حماس أو غيرها التي هي عمليا هي المحركة للأحداث في غزة إذا ما أريد لتسوية معينة أن تكون؟

ماثيو قويدر: طبعا الفصائل الموجودة على الميدان هي المحرك الفعلي ولكن هذه ليست سياسة هذه الحرب، هذه الحرب فإما أن نقبل بالمبادرة الأوروبية ونعتبرها كلعبة سياسية داخلة في اللعبة السياسية وإما أن نقول إن الميدان، نترك الميدان ونترك الحرب تدور مجاريها ثم ننتظر ما سيخرج منها، وهذا غير مقبول من الناحية الإنسانية، لا يمكننا أن نترك الفلسطينيين في قطاع غزة بين نارين، بين يعني نار الإسرائيلي وبين نار المقاومة، وهذه هي الوجهة التي اتخذتها المبادرة الأوروبية وعلى رأسها الرئيس ساركوزي.

محمد كريشان: ولكن إذا أرادت فرنسا أن تنجح أو الاتحاد الأوروبي أن ينجح، دكتور البرغوثي، أي صيغة أي تسوية مهما كانت لإنهاء ما يجري في غزة يستلزم بالضرورة شئنا أم أبينا تنسيقا ما واتصالا ما مع حماس بشكل أو بآخر، هل هذه العقدة محلولة بالنسبة لأوروبا؟

مصطفى البرغوثي: المشكلة في الأوروبيين الرسميين أنهم يتحدثون لإسرائيل ثم يتحدثون للطرف الذي لا يخوض المعركة في غزة وبالتالي هم الآن قالوا إنهم يتفاوضون مع حماس عبر وسطاء آخرين عبر تركيا وعبر روسيا، وفعلا طبعا أنا أريد أن أشيد بالدور التركي في هذا المجال وتركيا أخذت موقفا ليس فقط مهتما ومؤثرا بل وأيضا أخذت موقفا فيه وضوح من الناحية السياسية. لا شك أن التدخل الأوروبي يجب أن نشجعه ونقويه ولكن يجب أن يترافق ذلك مع موقف سياسي، هناك فراغ صحيح يستطيعون أن يعبئوه ولكن أنا أريد وأحب أن أرى تعاونا أكبر بينهم وبين تركيا في هذه الظروف ونريد أن نرى موقفا قادرا على أن يقول ليس فقط نريد وقف هذه الحرب بل أيضا إذا لم تقبل إسرائيل بوقف هذه الحرب سيترتب على ذلك إجراءات معينة. بدون أن يكون هناك شيء يلوح به العالم وتلوح به أوروبا ويلوح به العرب والفلسطينيون أيضا في وجه إسرائيل، إسرائيل ستمعن وستذهب وتتكئ على الولايات المتحدة وهي لديها الآن إدارة حتى عشرين الشهر بالمطلق مع إسرائيل وستستند إلى هذه الإدارة في رفض هذه الضغوط. ما أريد أن أقوله لا يكفي موقف سياسي خجول، يجب أن يكون هناك موقفا مدعوما بإرادة سياسية على ممارسة ضغط حتى يتم تحقيق ما نريد أن يتحقق وإلا يعني جهد دبلوماسي بدون قوة بدون أن يكون مسنودا بقوة وبإرادة لن يتحقق، ومن هنا أنا أرى الدور العربي والدور الفلسطيني الذي يمكن أن يكون مساندا بالتلويح لإسرائيل بأشياء يمكن أن تخسرها بخسائر سياسية، إما أن نواجه إسرائيل عسكريا أو نواجهها سياسيا، لا يوجد جيوش ستواجه إسرائيل إذاً علينا أن نقدم إرادة سياسية وقدرة على تكلفة إسرائيل بخسائر سياسية حتى تنجح المناقشات ويتوصلوا إلى قرار وإلا إسرائيل ستمعن في هذا العدوان..

محمد كريشان (مقاطعا): ولكن بالنسبة لأوروبا، يعني بالنسبة لأوروبا ما هي الأوراق التي يمكن أن تكون لها في تعاملها مع إسرائيل؟ يعني عندما جاءت ليفني في باريس وقالت لا لن نلجأ إلى أي وقف لإطلاق النار، ما الذي يحول دون أن تكرر نفس الموقف هي أو غيرها من المسؤولين سيد قويدر؟

ماثيو قويدر: فيما يخص المبادرة السياسية أو الموقف السياسي، ضيفكم ينسى نقطة هامة جدا، هو أننا في البلدان الأوروبية وفي أوروبا عموما هناك نعتمد في هذه المبادرات على مسائل شرعية ومشروعيات، وضيفكم ينسى أن حركة حماس سواء من الناحية الأوروبية أو من الناحية الأميركية موضوعة على لائحة المنظمات الإرهابية منذ سنوات، وهذه مشكلة قانونية مهمة جدا تجعل السياسيين في العالم الغربي وفي أوروبا خاصة تجعلهم لا يمكنهم أن يقوموا بمبادرات سياسية يناقشون فيها مع الطرف الميداني مباشرة وتجعلهم من الناحية الشرعية، مشروعية النقاش مشروعية المبادرة السياسية، تجعلهم عاجزين على وضع مبادرة سياسية تأخذ بعين الاعتبار الأطراف على الميدان. فلا يمكننا أن نقف في نطاق الشعارات يجب أن نتفهم أيضا موقف أوروبا عندما تحاول أن تتدخل، وحاليا تدخلها مبني فقط على إمكانية المبادرة الإنسانية وحماية المدنيين ضد الجانب الإسرائيلي وضد أيضا في نفس الوقت جانب حماس الذي هو لا يمكن أن ننساه لا يزال معتبرا من ناحية القانون الدولي كمنظمة إرهابية وهذه مشكلة عويصة جدا من الناحية السياسية.

محمد كريشان: نعم هذه المشكلة العويصة في نهاية البرنامج دكتور برغوثي، كيف يمكن لأوروبا أن تتجاوزها ضمانا لنجاعة التحرك الحالي؟

مصطفى البرغوثي: أولا نقطة نظرية يعني لو كانت الدول الأوروبية والغربية صادقة مع أنفسها ومع ميثاق جنيف ومواثيق حقوق الإنسان لاعتبرت أن ما تقوم به إسرائيل الآن ليس فقط جريمة حرب بل إرهاب دولة لأن قتل المدنيين بالطائرات والدبابات لا يعفي الدولة من أنه إرهاب وبالتالي الممارس الأكبر للإرهاب الآن هي إسرائيل، إرهاب الدولة الحقيقي. لكن أنا أعتقد أنه إما أن نرى تحركا سياسيا مع ثقل وقوة يؤدي إلى فرض قرار في مجلس الأمن أو سنرى -إذا لم يحدث ذلك- سنرى داخل المواقف الأوروبية تشققا وستخرج دول برأيي عن هذا الوضع اللي قائم حاليا، دول لا تستطيع أن تحتمل ما يجري للفلسطينيين بحكم مواقفها التقليدية والتاريخية، دول لا تستطيع أن تتحمل هذا الضغط الشعبي الجاري في بلدانها من خلال البرلمانات وغيرها وبالتالي أعتقد سيكون هناك ليس فقط تشرذما في الموقف بل انقساما كاملا في الموقف الأوروبي وهذا ثمن سياسي باهظ يمكن أن تدفعه أوروبا إن لم تتجرأ قليلا وتندفع بقوة أكبر في اتجاه وقف هذا العدوان. نقطة أخرى أريد أن أشير لها أنك ذكرت عن توني بلير، توني بلير يتحدث عن إقامة دولة فلسطينية، هل تقام الدولة بإعادة احتلال غزة؟ يعني الشيء الغريب أن لا أحد يتحدث عن إسرائيل لم تنه هذه الاحتلال على مدار 41 سنة بل توسعه اليوم، هذا هو الخرق الأكبر للقانون الدولي.

محمد كريشان: شكرا لك دكتور مصطفى البرغوثي أمين عام المبادرة الوطنية الفلسطينية كنت معنا من رام الله، شكرا أيضا لضيفنا من باريس ماثيو قويدر الباحث في قضايا أوروبا والشرق الأوسط. وبهذا مشاهدينا نكون قد وصلنا إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم، في أمان الله.