- أسباب انفجار الأزمة المالية وجدوى تدخل الدولة
- الآثار المترتبة على الاقتصاد العالمي

علي الظفيري
جودة عبد الخالق
كريستيان ويلر
علي الظفيري: أهلا بكم. نتوقف في هذه الحلقة عند الأزمة المالية التي هزت أسواق العديد من الدول ومسارعة المصارف المركزية للتدخل لإنقاذها من الانهيار وإزالة حالة الزعر التي اجتاحت النظام المالي العالمي. نطرح في الحلقة سؤالين رئيسيين، ما هي أسباب انفجار الأزمة المالية العالمية وهل يحول تدخل المصارف المركزية دون تفاقمها؟ وما هي الآثار المترتبة على هذه الأزمة على الصعيد الاقتصادي العالمي؟ دعا الرئيس الأميركي جورج بوش إلى التحرك الفوري لحل الأزمة المالية التي تواجهها بلاده وإقرار تشريع للتعامل مع الأصول المتعثرة، وأضاف بوش في حديث له في البيت الأبيض أن خطة الحكومة لمواجهة الأزمة ستكلف مبالغ طائلة.

[تقرير مسجل]

جورج بوش/ الرئيس الأميركي: إن اقتصاد الولايات المتحدة يواجه تحديات غير مسبوقة ونحن نرد بإجراءات غير مسبوقة وقد تحدث وزير الخزانة هنري بولسن ورئيس الاحتياطي الفيدرالي بن برنانكي أمام زعماء الكونغرس عن الحاجة العاجلة لإقرار تشريع يسمح للحكومة بشراء الأصول المتعثرة من المصارف والمؤسسات المالية الأخرى، هذه الإجراءات ستتطلب منا استخدام جزء منهم من أموال دافعي الضرائب وهو إجراء يتضمن المخاطرة ونحن نتوقع أن يتم رد هذه الأموال لاحقا.

محمد فاوي: إعصار مالي عالمي أصبحت فئته الأشد قسوة منذ قرن أما هديره فقد زلزل خريطة القطاع المالي في أكبر اقتصاد في العالم وكلفت خسائره الخزينة الأميركية ما يناهز التريليون دولار حتى الآن، فكيف وصلت دراما أزمة السيولة العالمية الراهنة إلى حد الحديث عن احتمال انهيار ألف مصرف خلال الأشهر المقبلة؟ ثمة من يقول إن ما نراه الآن من توالي نذر انهيار المزيد من المؤسسات المالية الغربية ليس المرض وإنما أعراض لما يوصف ببواطن خلل بنيوي في النظام الرأسمالي العالمي، فرأسمالية اليوم تختلف اختلافا جذريا عن الرأسمالية التجارية التي كانت سائدة في القرنين السادس عشر والسابع عشر إبان حركة الكشوف الجغرافية، كما أنها تختلف كليا عن الرأسمالية الصناعية التي انبثق فجرها في القرن الثامن عشر أنها رأسمالية مالية، ففي هذه المرحلة من مراحل تطور الرأسمالية تلعب المؤسسات المالية الضخمة مثل البنوك وشركات التأمين والسمسرة وأسواق الأسهم والسندات الدور الأكبر في توليد الثروات وليس مؤسسات الاقتصاد الحقيقي مثل المصانع والمزارع، ففي الوقت الذي يبلغ حجم إنتاج العالم كله من السلع والخدمات 48 تريليون دولار فقط فإن حجم الأصول المتداولة في الأسواق المالية يبلغ 144 تريليون دولار، هذا الانفصام الذي يبدو صارخا بين الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد الورقي صار يغذيه في رأي منتقدين مزيج مؤلف من المضاربات والفساد وتراخي الدور الرقابي للحكومات تحت شعار الرأسمالية التاريخي "دعه يمر دعه يعمل" ففي الحالة الأميركية فجرت المضاربات فقاعة العقارات فانفجرت معها أزمة القروض عالية المخاطر وأسواق السندات والأسهم المرتبطة بها، أما الفساد فتمثل في مغامرة حفنة من هذه المؤسسات في منح قروض عقارية سخية لعملاء غير قادرين أصلا على السداد طمعا في تحويل هذه القروض إلى سندات على أمل إغراق الأسواق بها، هذه الأزمة هزت أيضا على ما يبدو قدس أقداس الفكر الرأسمالي ألا وهو مبدأ عدم تدخل الدولة السافر في النشاط الاقتصادي وهو المبدأ الذي كسره إقدام الولايات المتحدة والاقتصاديات الكبرى في العالم على التدخل في الأزمة بضخ مئات المليارات في الأسواق وفي شرايين شركات ضخمة متعثرة. غير أن هناك من حذر بقوة من أن استخدام الأموال العامة في إنقاذ مؤسسات منهارة من شأنه أن يكون بمثابة مكافأة للمخطئين على أخطائهم الفادحة، كما يجادل هؤلاء بأن من شأن هذا التدخل أيضا أن يفاقم أزمة المديونية في دولة يبلغ حجم الدين العام فيها أكثر من تسعة تريليونات ونصف التريليون دولار وهو الأمر الذي قد يكبد دافع الضرائب ثمنا باهظا.



[نهاية التقرير المسجل]

أسباب انفجار الأزمة المالية وجدوى تدخل الدولة

علي الظفيري: ومعنا في هذه الحلقة من القاهرة الدكتور جودة عبد الخالق أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، ومن واشنطن الدكتور كريستيان ويلر الخبير الاقتصادي في مركز التقدم الأميركي، مرحبا بكما. أبدأ معك دكتور عبد الخالق في القاهرة، كيف تشخص الأسباب الكبرى الأسباب الرئيسية لهذه الأزمة التي تعيشها الولايات المتحدة والعالم من ورائها؟

قرار الولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي بفصل العلاقة بين الدولار والذهب الأميركي أدى إلى أن أسعار الصرف أصبحت متقلبة كذلك أسعار الفائدة ومع تقلب أسعار الصرف وأسعار الفائدة تنامت النزاعات نحو المضاربة
جودة عبد الخالق: السبب الرئيسي في الأزمة التي تعيشها الولايات المتحدة ومعها الاقتصاد العالمي من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب حاليا هو أن النظام الاقتصادي الذي ساد منذ بداية السبعينات من القرن الماضي حتى الآن تحديدا من 1971 هذا النظام يحمل في ثناياه مصادر الاختلال وعدم الاستقرار أنا أعني بذلك تحديدا القرار التاريخي الذي اتخذ في أغسطس 1971 أثناء حكومة نيكسون بفصل العلاقة بين الذهب والدولار الأميركي، هذا أدى إلى أن أسعار الصرف أصبحت متقلبة وأدى إلى أن أسعار الفائدة أصبحت متقلبة ومع تقلب أسعار الصرف وأسعار الفائدة تنامت النزاعات نحو المضاربة إما تحاشيا لمخاطر محتملة أو محاولة لجني أرباح من عملية المضاربة هذا هو السبب الحقيقي، وما أزمة القروض العقارية إلا المفجر الذي فجر الأزمة في مرحلتها الحالية. إنما في حقيقة الأمر أود أن أشير إلى أن هذه هي إحدى الحلقات في سلسلة الأزمات المالية التي تعرض لها النظام الرأسمالي العالمي منذ يوم الاثنين الأسود عام 1987 حتى الآن كان هناك أزمة في بريطانيا سنة 1992 أزمة في المكسيك في عام 1994 و1995 في شرق آسيا 1997 انتقلت إلى البرازيل وروسيا والأرجنتين في بدايات الألفية الجديدة وها نحن نعيش المرحلة الحالية لهذه الأزمة.

علي الظفيري: دكتور ويلر في واشنطن، هل تتفق مع ضيفنا في القاهرة في تشخيصه لأسباب هذه الأزمة أم أنك تراها من زاوية أخرى؟

كريستيان ويلر: إنما ما هو صحيح بالتأكيد هو أن الاقتصاد العالمي قد تعرض إلى تذبذبات كبيرة وأزمات مالية منذ نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات بالتأكيد هذا الكلام صحيح، ولكن ما ينبغي أن نفهمه هو أن هذه الأزمة في الولايات المتحدة هي مرة أخرى أزمة بدأت داخليا داخلية وهذه الأزمة بالنسبة للولايات المتحدة ليس سببها تضاؤل مضاربات السوق المالي وإن كان هذا جزء من الصورة العامة، ولكن إلى حد ما هناك فشل وإخفاق في السياسات الخاصة بمعالجة نقاط الضعف الأساسية في الاقتصاد الأميركي وخاصة عام 2001، فقد كان نمو الوظائف لدينا كبير ونمو العمالة قليل وهذا دفع الكثير من العوائل إلى الاقتراض وفي الوقت نفسه الكثير من الأموال تدفقت إلى الولايات المتحدة مثلا من الدول المصدرة للنفط الأوبيك ومن الصين واليابان وهذه الأموال كانت بحاجة إلى منافذ وهذا هو بالتالي هنا فشلت السياسة الأميركية إذ أنها سمحت للأموال المتدفقة إلى الولايات المتحدة بأن تدخل في مشاريع ذات مخاطر كبيرة وخاصة في سوق الرهن العقاري بإقراض النقود فيما يسمى بالأسواق الثانوية ذات المخاطر العالية وهذا أمر معروف لدى الكثير من الاقتصاديين منذ عام 2003/ 2004 على الأقل ولكنه جرى تجاهله من قبل الإدارة السياسية منذ 2007 وكثير من هذه الأزمة كان ممكنا تفاديها لو كان هناك انتباه جيد للمشاكل الاقتصادية التي كانت تغزو المجتمع الأميركي، والمشكلة الآن هي أن هذه المشاكل لم تعالج عندما بدأت والآن علينا أن نواجه قضية مسألة تبعات وعواقب هذه الأزمة التي لا سابق لها مما يعني أن الكثير من العوائل لم تستطع تسديد الرهن العقاري الذي أخذته والمصارف أصبحت في موقف ضعيف والأسواق المالية في حالة هلع وعلى الحكومة إذاً أن تتدخل في طريقة لا سابق لها كما شاهدنا أمس.

علي الظفيري: دكتور عبد الخالق في القاهرة، السيد ويلر حدد قضية السياسات وطريقة إدارة السياسة الاقتصادية منذ سنوات معدودة، البعض يرى الموضوع من زاوية أخرى وبعمق أكثر يربطه بالرأسمالية وبتطور الرأسمالية بشكل عام وقضية الفجوة الكبيرة جدا في العالم اليوم بين الإنتاج الحقيقي الملموس، السلع، ما تخرجه المصانع، المزارع إلى آخره وبين الأرقام الموجودة. تقريرنا أشار إلى أن الإنتاج الحقيقي أربعين تريليون دولار، المتداول الأرقام المتداولة 144 تريليون دولار، هل للأزمة علاقة بالرأسمالية بشكل عام باختبار تمر به الفكرة الرأسمالية بشكل عام؟

جودة عبد الخالق: أنا أعتقد ذلك وتعليقا على ما ذكره السيد كريستيان ويلر أود أن أقول إنه صحيح أن هناك خطأ في السياسات ولكن لا يمكن أن نمد خطأ السياسات إلى باقي بلاد العالم يعني قد يكون هناك خطأ في سياسات الإدارة الأميركية إنما ماذا عن السياسات التي اتبعتها العديد من الدول الأخرى التي أصبحت تكتوي بنار الأزمة حاليا عبر الأطلنطي في أوروبا وإلى آخر مدى في الشرق؟ بالتأكيد المسألة أعمق وأبعد من خطأ في السياسات وهناك مشكة جوهرية في النظام، الأرقام التي ذكرت حول حجم الأصول المالية 144 تريليون وحجم الناتج الحقيقي 48 مليون أنا أود أن أشير إلى رقم آخر له دلالة بما نناقشه الآن وهو حجم التعاملات في الأصول والمنتجات المالية بصورة غير رسمية أي بعيدا عن الرقابة التي تمارسها السلطة النقدية في أي بلد سواء كان في أميركا أو في غيرها هذا ما يعرف بـ OTC  اللي هو over the counter transactions في المشتقات وغيرها، الرقم هنا حوالي أربعة أمثال الرقم اللي ذكر اللي هو ستمائة تريليون دولار، ستمائة تريليون دولار حجم التعاملات المالية التي تتم بعيدا عن رقابة السلطات النقدية تماما، ومعنى هذا الكلام أنه من الممكن جدا ما أشار إليه السيد ويلر أن تمادي بعض المؤسسات في منح ائتمان ضاربا عرض الحائط بقواعد الحصافة والجدار الإئتمانية هذا ناتج عن أن الكثير من الأنشطة التي تتم في هذا السياق تتم بعيدا تماما عن رقابة السلطات المسؤولة وبالتالي أنا عايز أقول إن السياسات لن تحل المشكلة ولا بد من التعامل مع ثلاث قضايا أساسية هنا، ما يتعلق بأسعار الصرف وكيف تتحدد، ما يتعلق بأسواق المال وكيف تعمل، وما يتعلق بالإدارة الخارجية ومدى التحريك..

علي الظفيري (مقاطعا): سامحني لأن الوقت ضيق القضية تحتاج إلى تعمق كبير ولكن نريد أن نمر على جملة أسئلة بشكل سريع، دكتور ويلر في واشنطن، لماذا تتدخل الإدارة الأميركية والرأسمالية ترى دائما بعدم التدخل في عمل المؤسسات الاقتصادية والمالية لماذا تتدخل وهل تدخلها سيحل المشكلة؟

كريستيان ويلر: أنا أعتقد أنه ليس هناك تعريف واضح لشكل من أشكال الرأسمالية إذاً لدينا أشكال متعددة وأنواع مختلفة من الرأسمالية في العالم، إدارة بوش نعم انضمت إلى أحد أنواع الرأسمالية لعدد من السنوات وذلك كأنه أسلوب تطبيقي عملي فقط وأعتقد أن هذه الأزمة يعني تجريم لهذا الأسلوب أو الشكل من الرأسمالية وإن إدارة بوش خلال الأشهر التسعة أو الثمانية الماضية اضطرت إلى تغيير سياستها وعكست سياستها نحو الأسواق وظهر ذلك بشكل جلي خلال اليومين الماضيين، ما نشاهده الآن هو أسلوب ليس فقط تقديم الحكومة القروض إلى المؤسسات المالية هذا هو جزء كما هو الحال في مسألة شركة التأمين IAG  بل أيضا الحكومة تقول إننا سننفق بعض الأموال الأخرى سنعيد شراء بعض الأصول المتعثرة ونضع سياسات وآليات تأمين جديدة وسنوقف بعض النشاطات من العمل في الأسواق، إذاً هناك هذا الأسلوب الجديد التدخلي بشكل كبير وهو يتطلب في ظل بعض الفلسفات لا يتماشى مع فلسفة الحكومة الحالية في الحقيقة، والسؤال حاليا هو هل إن هذا سينجح أم لا؟ علينا أن ننتظر. المشكلة واضحة ولكن المصرف المركزي والحكومة ما يفعلانه منذ ثمانية أو تسعة أشهر لم ينجح أو علينا أن ننتظر لنرى مدى النجاح، كل شهر نجد أن هناك حالة تدخل جديد للحكومة تنفق الحكومة بين ثلاثين إلى 85 مليار دولار لمساعدة مؤسسات مالية والجميع يعلم أن هذا الأمر لا يمكن أن يستمر وأنه لا بد من محاولة طريقة أخرى وهذا هو ما يجري حاليا، والنقطة الأساسية هنا أن الحكومة أكثر تدخلا مما كانت تتمناه وعليها أن تفعل المزيد حاليا وخاصة مع ما حاول أن يفعله الرئيس بوش وحكومته خلال السنوات الماضية والرسالة الواضحة هنا أن ما حاولت أن تفعله الحكومة المحافظة في الولايات المتحدة لم ينجح ببساطة بل ساعد في وصول البنى إلى هذه الأزمة وهذا طبعا سيء جدا من وجهة نظر دافعي الضرائب في الولايات المتحدة.

علي الظفيري: محاضر محمد، مهاتير محمد، أياً كانت التسمية، رئيس وزراء ماليزيا السابق علق على هذه الأزمة قائلا "قبل 11 عاما طالبوا مننا أن لا نتدخل، الأميركيون والغرب، أن لا نتدخل في مساعدة المؤسسات المالية في إنقاذها من الإفلاس لكنهم اليوم يناقضون ما حاولوا فرضه علينا ويتدخلون بشكل سافر في عملية إدارة الاقتصاد" لهذه الكلمة أو لهذا التعليق دلالات كبيرة، بعد الفاصل سنقرأ في الآثار المترتبة على هذه الأزمة المالية، ابقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

الآثار المترتبة على الاقتصاد العالمي

علي الظفيري: أهلا بكم من جديد. وكما ذكرنا سابقا لمحاضر محمد كانوا يقولون كما الأنبياء افعل هذا ولا تفعل ذاك وها هم اليوم يقومون بما منعونا من فعله في السابق. هذه كانت كلمات رئيس الوزراء الماليزي السابق محاضر محمد على مخالفة الحكومة الأميركية لمبدأ حياد الدولة تجاه المجريات الاقتصادية واضطرارها إلى خطوة تفتح الجدل مجددا في الدروس التي من المفترض أن تستخلصها الرأسمالية من مأزقها الراهن.

[تقرير مسجل]

نبيل الريحاني: "دعها تشتد وسوف تمر" هكذا يفهم دعاة الرأسمالية تطورات الأزمة المالية الجارية في أميركا باعتبارها ثمنا تقتضيه الحركية الاقتصادية القائمة في تلك البلاد، يفخر هؤلاء المتفائلون بأن نظريتهم لم تستبق الواقع ولم تتعسف عليه وإنما جاءت وليدة لتقلباته مؤمنة بالحرية نهجا في إدارة شؤونه بخلاف الأطروحة الشيوعية التي يرون أنها فشلت لكونها سعت جاهدة لفرض قوالب جاهزة ناقضت في تقديرهم المجتمع والتاريخ، احتفظت أزمة 1929 التي كادت تعصف بالاقتصاد الأميركي بمكانة هامة في الجدل الرأسمالي الاشتراكي، فقد اعتبرها الإشتراكيون دليلا على وجود خلل هيكلي في الرأسمالية يجعلها محكومة بالأزمات فلا تكاد تخرج من واحدة حتى تقع في الأخرى بينما يستحضرها الرأسماليون كأكبر دليل على قدرة منظومتهم على تجديد نفسها بعيدا عن تدخل الدولة، انهار المعسكر الاشتراكي القائم على الاقتصاد الموجه ولم يقدر لتجربته العمر الطويل حتى يشهد أمنيته باضمحلال الرأسمالية وهي تتحقق، على العكس من ذلك استقام الأمر للولايات المتحدة وأصبحت سيدة العالم والعولمة. أسرعت كثير من الدول الخطا تنشد الفردوس الرأسمالي الموعود أما الصين فقد فضلت معادلة تتصالح فيها شيوعية الدولة مع رأسمالية السوق خلافا للنمور الآسيوية التي ذهبت بعيدا في الخيار الليبرالي فوقعت في أزمة مالية رفضت واشنطن تدخل الحكومات للمساعدة في حلها. طوت الأيام تلك الأزمة وأتت بغيرها، ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط وغلاء في الأسعار وأزمة غذائية مثيرة للقلق وصروح مالية عملاقة تنهار، مأزق دفع بالحكومة الأميركية للتدخل مطيحة بخط رأسمالي أحمر فاتحة المجال للحديث مجددا في طريق ثالث لا تغيب فيه الدولة ولا تجثم على صدر النشاط الاقتصادي.

[نهاية التقرير المسجل]

علي الظفيري: أهلا بكم من جديد وبضيفينا. دكتور عبد الخالق، أحد كبار الاقتصاديين السابقين في صندوق البنك الدولي علق قائلا " إن الأسوأ لم يأت بعد" برأيك ما هي الآثار المترتبة على الاقتصاد العالمي جراء ما يحدث في الولايات المتحدة الأميركية؟

جودة عبد الخالق: الآثار كثيرة وإذا استمر هذا النهج وهو نهج التدخل لإنقاذ الأسواق بضخ السيولة والمنحى الذي نراه أنا أتصور أنه سيترتب عليها زيادة عجز الموازنة الأميركية وزيادة الدين العام الأميركي وهو كبير بكل المقاييس، ابتداء سوف يترتب على ذلك موجات تضخمية جديدة وارتفاع أسعار الفائدة بكل ما يترتب على التدخل من ارتفاع أسعار الفائدة من أثر سلبي على الأسواق المالية وعلى مجمل النشاط الاقتصادي، باعتبارها.. بحكم أن الولايات المتحدة صاحبة أكبر اقتصاد في العالم فإن هذا لا بد أن يكون له تداعيات سلبية على باقي اقتصادات العالم، على الساحة الداخلية الأميركية نحن نلاحظ أن الأزمة يتم حلها الآن على حساب الفقراء لأنه كما نعلم أن الإدارة الأميركية الحالية فضلت فرض ضرائب على الطبقة الوسطى والفقراء مع إعطاء إعفاء الضريبة للأغنياء وبالتالي دافعي الضرائب في هذه الحالة في كلام الرئيس بوش هم دافعو الضرائب الأقل حظا في المجتمع الأميركي، وبالتالي هذه عملية إعادة توزيع لصالح الأغنياء وعلى حساب للفقراء في هذا المجتمع. ولكن دعونا نستشرف الأفق، بعد عدة سنوات من الآن تضخ الإدارة الأميركية القدر المناسب من السيولة يزداد العجز إلى كل هذه القصص ترتاح الأسواق إلى حين ولكن سنفاجأ بحلقة جديدة من الأزمات المالية، السبب كما قلت هو أن الموضوع يتعلق ببنية النظام الدولي في المجال النقدي في مجال أسعار الصرف ومداه. أنا أطالب بعقد مؤتمر دولي لأن القضية تتجاوز قدرة الولايات المتحدة وحدها، عقد مؤتمر دولي لمراجعة الأسس التي يقوم عليها النظام الاقتصادي الدولي الآن.

علي الظفيري: دكتور ويلر في واشنطن الولايات المتحدة الأميركية هي أكبر اقتصاد عالمي، الإدارة الأميركية تقدم أشكالا متناقضة ومتضاربة في إدارة السياسات الاقتصادية، السؤال الكبير الآن الذي يطرح في العالم، ما الذي سيترتب على هذا الأمر على الاقتصاد العالمي نتيجة ما يجري في أميركا؟

الولايات المتحدة تجد نفسها أمام خيارات صعبة فإما أن تترك السوق يستمر في انهياره وتترك الاقتصاد وسوق العمل يتعمق في الركود الاقتصادي أو تقرر استعمال موارد الحكومة لبضع سنوات لتضفي الاستقرار على الاقتصاد
كريستيان ويلر: أعتقد أن أول جزء هنا هو أن نفهم أن حكومة الولايات المتحدة والآخرين يجدون أنفسهم أمام خيارات صعبة فأما أن يتركوا السوق يستمر في انهياره ويتركوا الاقتصاد وسوق العمل يتعمق في الركود الاقتصادي أو أمام اختيار استعمال موارد الحكومة لبضع سنوات لتضفي الاستقرار على الاقتصاد، هنا القرار متخذ من الرئيس واضح ومن قبل وزرائه وفي الكونغرس بأن يقوموا بالتدخل في الاقتصاد لتفادي الأسوأ ولذلك لا أعتقد أننا سنشهد مرحلة ركود كبيرة في الولايات المتحدة بل سنجد أن هناك نوعا من الاستقرار أو الثبات في النمو الاقتصادي أي سيكون هناك زيادة بسيطة في النشاطات الاقتصادية واستقرار في سوق العمل وهذا سيعني في المستقبل المزيد من الواردات من بقية العالم وسيعني تهدئة أسواق المال في العالم، وفي كل حالة سيعتمد الأمر على مدى استثمار هذه الأسواق العالمية في أسواق الولايات المتحدة، مثلا بعض المصارف الألمانية ولكن النظام ككل لم يكن يعتمد على ما يجري في الولايات المتحدة ولكن هناك دول أخرى تعتمد أكثر على ما يحصل في الولايات المتحدة وبالتالي فإنها قد تأثرت بنفس هذه الموجة من الاضطراب والأزمة التي مررنا بها في الأشهر الماضية. ومرة ثانية أقول في الوقت الحالي أي من 6 إلى 12 شهر قادم النشاطات التي رأيناها على الأرجح سوف يكون تأثيرها مهدئا ولكن ذلك لا يعني نموا سريعا في الوقت القريب وأعتقد هذا ما ينبغي أن يقلق عليه بقية العالم، سنضفي الاستقرار على الموقف ولكن لحد الآن ليس هناك أي اهتمام بكيفية جعل الاقتصاد الأميركي ينمو نموا أسرع وهو ضروري جدا بالنتيجة لتحقيقه ودخول أفضل للعمال الأميركان وأيضا لبقية العالم، ذلك أن الولايات المتحدة مستورد كبير للمنتجات من العالم كله.

علي الظفيري: الدكتور كريستيان ويلر الخبير الاقتصادي في مركز التقدم الأمريكي من واشنطن، دكتور جودة عبد الخالق أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، شكرا جزيلا لكما. وإن كان هذا الموضوع بحاجة إلى وقت طويل جدا لمناقشة كافة تفاصيله إلا أن الحلقة من برنامج ما وراء الخبر تنتهي اليوم وكانت بإشراف نزار ضو النعيم. دائما بانتظار مساهماتكم عبر إرسالها على العنوان الإلكتروني

indepth@aljazeera.net

غدا إن شاء الله قراءة جديدة في ما وراء خبر جديد، شكرا لكم وإلى اللقاء.