- سلبيات وإيجابيات اتفاق أوسلو بعد 15 عاما
- الدور الأوروبي والأميركي وآفاق المفاوضات

جمانة نمور
 
يوسي بلين
بلال الحسن
غسان الخطيب
جمانة نمور: أهلا بكم. نتوقف في حلقة اليوم عن الذكرى الخامسة عشرة لاتفاق أوسلو الذي اعتبر نقطة تحول تاريخية ومنعطفا في مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وكان من المتوقع أن يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة. نطرح في الحلقة تساؤلين رئيسين، ما الذي تحقق من هذا الاتفاق بعد خمسة عشرة عاما على توقيعه وماذا تبقى منه؟ وما هو المخرج من متاهة المفاوضات الماراتونية بالنسبة للفلسطينيين؟. يصادف اليوم الذكرى الخامسة عشرة لتوقيع اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل وهي أول إتفاقية رسمية مباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين أدت إلى إقامة سلطة فلسطينية في الضفة الغربي وقطاع غزة، وبعد مرور 15 عاما على التوقيع يرى كثير من الفلسطينيين أن إنجازات هذه الاتفاقية أقل بكثير من الأضرار الناجمة عنها.

[تقرير مسجل]

نبيل الريحاني: كان ذلك محفلا عامرا بالوعود المتفائلة صفق فيه الكثيرون للأيادي التي وقعت أول اتفاقية رسمية ومباشرة بين خصمي الدهر آنذاك إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، ما كان لحلم إدارة كلنتون أن يتحول حقيقة لولا محادثات احتفظت العاصمة النرويجية بسريتها قبل أن تخرج إلى العلن في الثالث عشر من شهر سبتمبر/ إيلول سنة 1993، قادت الاتفاقية إلى ميلاد سلطة وطنية فلسطينية تضم إضافة إلى أجهزة أمنية مؤسسة للرئاسة ومجلسا تشريعيا يستندان إلى الشرعية الانتخابية، وكان المفروض أن يمارسا دوريهما في الضفة والقطاع طيلة فترة انتقالية لا تزيد عن خمس سنوات تتوجها مرحلة أخرى من ثلاث سنوات للتوصل إلى حل لقضايا الوضع النهائي كالقدس واللاجئين. تحولت سنوات الفترة الانتقالية إلى وضع مزمن رسخه فشل مفاوضات كامب ديفد الثانية عام 2000 بعد رفض الراحل عرفات التنازل عن القدس وعودة اللاجئين، فعزل وحوصر ومات متهما إسرائيليا بعرقلة مسار السلام، أزال الموت العثرة المزعومة وهبت رياح التفاؤل مجددا مع وصول محمود عباس إلى رئاسة السلطة الفلسطينية إلا أن مسار التسوية راوح مكانه في ظل اختزال إسرائيل للمفاوضات في أجندة أمنية ماضية في بناء جدار الفصل العنصري ورافضة وقف النشاط الاستيطاني. نعت كثير من الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية الاتفاق فقد اعتبره العديد من الفلسطينيين شقا لصفهم الوطني وتنازلا عن الثوابت دون مقابل يستحق الذكر، بينما تحدثت الأوساط الإسرائيلية عن غياب القيادة التاريخية القادرة على صنع السلام مع الفلسطينيين، مأزق لم تستطع معه خارطة الطريق التي أتى بها مؤتمر أنابوليس أن تعيد قطار أوسلو إلى سكته بل على العكس من ذلك يبدو الاتفاق المثير للجدل حملا كاذبا للدولة الفلسطينية المرتقبة يلزمه اليوم الكثير كي يعود الناس إلى تصديقه مجددا.

[نهاية التقريب المسجل]

سلبيات وإيجابيات اتفاق أوسلو بعد 15 عاما

جمانة نمور: ومعنا في هذه الحلقة من باريس الكاتب والمحلل السياسي بلال الحسن، ومن رام الله الدكتور غسان الخطيب مدير مركز القدس للإعلام والاتصال وهو مفاوض فلسطيني سابق. ولكن نبدأ بهذه المداخلة الهاتفية من تل أبيب مع يوسي بلين مندوب إسرائيل الرئيسي في مفاوضات أوسلو، سيد يوسي بلين بعد خمسة عشرة عاما ما الذي تبقى برأيك من اتفاقية أوسلو؟

السلطة الفلسطينية ولدت بعد اتفاقية أوسلو بوزاراتها وبمؤسساتها إذاً هذا كان ثمار هذه الاتفاقية

يوسي بلين:
أعتقد أننا الآن ما زلنا نعيش حسب الاتفاقية فالسلطة الفلسطينية ولدت بعد اتفاقية أوسلو بوزاراتها وبمؤسساتها إذاً فهذا كان ثمار هذه الاتفاقية. المشكلة الكبيرة هي بدلا من أن يكون هناك اتفاقية مؤقتة لخمسة أعوام، هذه العملية لم تنته بعد وعلينا أن نفعل ما بوسعنا لإنهاء المرحلة المؤقتة والانتقال إلى المرحلة الدائمة.

جمانة نمور: لو عدت خمسة عشر عاما إلى الوراء هل كنت لتحاول أن تغير شيئا ما في صياغة هذه الاتفاقية كان يمكن أن يؤدي إلى تفادي أن تمر خمسة عشر عاما دون أن تحقق تلك الاتفاقية أهدافها؟

يوسي بلين: عندما بدأت عملية أوسلو اعتقدت أنها قد تؤدي إلى اتفاقية مؤقتة ودائمة ولكن للأسف من كلا الطرفين القيادة لم تكن جاهزة لكي تسير في اتفاقية دائمة لحل كل القضايا العالقة كالقدس واللاجئين والحدود وفضلت اتفاقية مؤقتة لخمسة أعوام، أنا أتفهم لماذا كان هناك شعور للوصول إلى جوهر المشكلة ولكنني أخشى أننا ندفع الثمن لاتفاقية مؤقتة طالت لأنه على كل الطرفين الاتفاقية انتهكت، ونحن نلوم بعضنا بعضا على مدى الأعوام بدلا من أن نجلس مع بعضنا بشكل جديد وأن نكون جاهزين على دفع الثمن المتمثل في الحلول الوسط.

جمانة نمور: قلت بأن القيادة السياسية لم تكن جاهزة حينها لاتفاقية دائمة، هل ترى بأن القيادة السياسية الإسرائيلية، لنكن أكثر تحديدا، الآن هل لديها رغبة حقيقية في تسوية شاملة؟

يوسي بلين: للطرفين هناك من هم مستعدون لدفع الثمن وهو الحل المبني على الدولتين بتقسيم القدس حسب 67 وهناك من يؤمن أن اتفاقية كهذه لا تفي الناس حقوقهم سواء كان في إسرائيل أو في حماس، والقضية هي بين هذين التحالفين، تحالف أوسلو وتحالف جنيف وتحالف غير الموقعين على اليمين، وإن سألتموني إن كانت القيادة جاهزة، أعتقد أنه اليوم القيادة الإسرائيلية والتي أنا في المعارضة ضدها أكثر من أي وقت مضى هي مستعدة وأيضا القيادة الفلسطينية المتمثلة بعباس أيضا جاهزة.

جمانة نمور: شكرا لك يوسي بلين مندوب إسرائيل الرئيسي في مفاوضات أوسلو. سيد بلال الحسن، إذاً سيد يوسي بلين يرى بأن هناك جهوزية تامة لدى القيادة الإسرائيلية وكذلك لدى السلطة الفلسطينية للتوصل إلى تسوية شاملة وإلى اتفاق وبالتالي إكمال مسيرة أوسلو ولكن ماذا عن إحدى نتائج أوسلو هل فعلا كان الازدياد أو زيادة الشرخ الفلسطيني والانقسام الفلسطيني والموقف من أي تسوية ممكنة؟

بلال الحسن: أولا أريد أن أعبر بوضوح أنني في هذا البرنامج لأقول وأعبر عن رأي فلسطيني ولست معنيا على الإطلاق بأن أرد على كلام يوسي بلين. ثانيا أقول إن اتفاق أوسلو في وجهة نظري أصبح الآن اتفاقا منتهيا، اتفاق أوسلو يقوم على قاعدتين، قاعدة زمنية أن مدته مرحلية خمس سنوات، وقاعدة تفاوضية تقول إنه سينتهي بتفاوض نهائي حول القضايا الأساسية، الخمس سنوات مضت ومضت سبع سنوات فزمنيا انتهى أوسلو، وبالتفاوض جرت مفاوضات حول الحل النهائي في كامب ديفد، فشلت المفاوضات، فالقاعدتان الأساسيتان اللتان قام عليهما اتفاق أوسلو انتهتا أو انهارتا، ما بقي من أوسلو هو النتائج العملية القائمة على الأرض، أي سلطة إدارية، أجهزة أمن، وزارات شكلية، انتهاكات إسرائيلية دائمة، استمرار الاعتقال، استمرار الاستيطان، هذا ما بقي من أوسلو.

جمانة نمور: لنر رأي الدكتور غسان الخطيب في هذا الموضوع، اتفاق أوسلو هل فعلا ما نتج عنه من سلبيات كان أكثر مما أنجزه؟.. دكتور غسان الخطيب هل تسمعنا؟.. إلى أن يصل صوتنا إلى الدكتور غسان الخطيب أعود إلى السيد بلال الحسن، قلت بأن أوسلو انتهى زمنيا ولكن هناك حقائق، الواقع الموجود على الأرض هذه السلطة التي أفرزها اتفاق أوسلو نرى الآن بأن الطرف الفلسطيني هناك تنافس ربما شهدناه في السنوات الأخيرة على هذه السلطة وكانت إحدى إفرازات أوسلو، هل فعلا غرق الفلسطينيون في إفرازاته؟

منذ اتفاق أوسلو كان تغييب القضايا الأساسية في بنود الاتفاق هو المأزق الذي دخل إليه الفلسطينيون وكان القادة الفلسطينيون يظنون أنهم ببراعتهم وبتلاحمهم مع شعبهم سيستطيعون تطويع الموقف الإسرائيلي

بلال الحسن:
الفلسطينيون غارقون في مأزق أوسلو وليس في إفرازات أوسلو لأن أوسلو كان مأزقا حقيقيا منذ بدايته، منذ أن وقع اتفاق أوسلو في 1993 كانت يعني، كان تغييب القضايا الأساسية في بنود الاتفاق هو المأزق الذي دخل إليه الفلسطينيون وكان القادة الفلسطينيون يظنون أنهم ببراعتهم وبتلاحمهم مع شعبهم سيستطيعون تطويع الموقف الإسرائيلي، الذي حصل هو العكس أن الإسرائيليين أصروا ويعني جمدوا عند الموقف الذي يرفض فكرة إنشاء دولة فلسطينية وفاوضوا على هذا الأساس من البداية إلى النهاية، لذلك..

جمانة نمور (مقاطعة): ولكن مجرد توقيع اتفاقية أوسلو شكلت اعترافا، سيد بلال يعني توقيع الاتفاقية شكل اعترافا بالشعب الفلسطيني من قبل الإسرائيليين وأعاد للفلسطينيين حوالي 40% من أرض فلسطين وعاد بموجبه حوالي ربع مليون فلسطيني إلى تلك الأرض.

بلال الحسن: أيوه، اتفاق أوسلو لم يعترف بالشعب الفلسطيني اعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية، اتفاق أوسلو لم يتضمن أي إشارة للاحتلال لم يتضمن أي إشارة لإنشاء دولة فلسطينية لم يتضمن أي إشارة لتجميد المستوطنات وحدود المستوطنات، كما أن الذين عادوا يقاربون الخمسين ألف وليس ربع مليون نسمة وهذه العودة عودة إدارية وليست عودة سياسية بمعنى إقرار إسرائيل بحق العودة، هؤلاء دخلوا حسب بنود أوسلو على أنهم القوى الأمنية المرافقة للقيادة والتي ستتولى موضوع الأمن، على كل وبالنسبة للأراضي المسيطر عليها ليس 40% كما تقولين بل 18%  لأن 22% الأمن فيها لإسرائيل والإدارة فيها للفلسطينيين، انتهى بـ 18% و 18% الآن تنتهك يوميا والدبابات تصل إلى حدود مكتب أبو مازن تعتقل الناس وتخرج، فهذه هي نتائج أوسلو على الأرض. وأريد أن أقول..

جمانة نمور (مقاطعة): على كل لنر رأي الدكتور غسان، الدكتور غسان الآن سامعنا، يعني البعض يرى دكتور غسان أنه في تلك الفترة بالفعل انسحب الإسرائيليون من مساحة ربما 40% ثم عادوا واحتلوا تلك الأراضي من جديد بعدما حسم بعض الفلسطينيين خيارهم بأن يكون مقاومة والخيار العسكري والبعض يرى بأنه لو تمسك الفلسطينيون بخيار التفاوض وتركوا الخيار الآخر ربما كان الوضع أفضل، هل ترى منطقا في ذلك التحليل؟

غسان الخطيب: يعني حتى نفهم الأمور بدقة أكثر يجب أن ننطلق من أن أوسلو ليس اتفاقا وإنما هو مسيرة مكونة من مجموعة من الاتفاقات، أربعة أو خمسة اتفاقات وكذلك هو مجموعة من العلاقات وهو أيضا تطبيق أو كيفية تطبيق هذه الاتفاقات. وأوسلو بدأ بطريقة معينة وانتهى بطريقة مختلفة ونصوص أوسلو تختلف عن كيفية تطبيقه وأوسلو إعلان المبادئ أي الذي كان يسمى أوسلو واحد يختلف كثيرا عن أوسلو  الاتفاقية الانتقالية أو أوسلو اثنين التي جرى على أساسها الاتفاق على تطبيق إعلان المبادئ. في البداية اتفاق إعلان المبادئ بالرغم من كثير من النواقص فيه والتي أشار لها الأخ بلال قبل قليل إلا أنه كان يفتح آفاقا وقيل في ذلك الوقت إنه يمكن أن يفتح آفاقا إلى الدولة الفلسطينية إذا أحسن تطويره وتطبيقه ويمكن أن يؤدي إلى الجحيم كما قال في حينها، لكن للأسف بعد الوصول إلى هذا الاتفاق وتوقيعه حصل تغيير كبير جدا في الموقف والمسلك الإسرائيلي ونقطة التحول كانت اغتيال رابين، بعد ذلك المجتمع الإسرائيلي والقيادة الإسرائيلية أصبحت مترددة كليا ومرة كانوا ينتخبون اليمين المتطرف مثل نتنياهو ومرة يعودون لانتخاب باراك ثم يعودون لانتخاب شارون وهكذا، ولكن المجمل أن الرأي العام الإسرائيلي والقيادة الإسرائيلية لم تعمل على تطبيق هذا الاتفاق على الإطلاق واستغلت حالة الحصار للقيادة الفلسطينية واستغلت تبعية القيادة الفلسطينية التي نتجت عن كيفية تطبيق أوسلو لكي تطبق المثل الإنجليزي القائل إنهم يحاولون الاحتفاظ.. أكل التفاحة والاحتفاظ بها في نفس الوقت، حاولوا الجمع بين الحصول على إنجازات أوسلو لإسرائيل مثل فتح الآفاق للعلاقات بين الدول العربية وغير ذلك من المكاسب الإسرائيلية وفي نفس الوقت دون أن يقدموا الثمن الذي يفترض أن يقدم كما أشارت له اتفاقيات أوسلو أي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وبالتالي تحول هذا الاتفاق من نقطة انطلاق للسلام إلى نقطة انطلاق لحرب جديدة هي الانتفاضة الثانية وما نجم عنها من صراعات عنيفة وشاملة أدت في نهاية المطاف إلى أوضاع لا تمت لاتفاق أوسلو بصلة، يعني الواقع الذي نعيشه الآن لا يمت لاتفاق أوسلو بصلة، لا من حيث إيجابيات أوسلو ولا من حيث سلبيات أوسلو، نحن الآن نعيش حالة من الاحتلال ونحن نعيش..

جمانة نمور (مقاطعة): إذاً تتفق مع السيد بلال بنعي تلك الاتفاقية؟

إسرائيل قتلت هذه الاتفاقية عندما لم تلتزم ببنودها ولم تعمل على تطبيقها بل عمدت على عمل العكس من خلال توسيع السياسة الاستيطانية

غسان الخطيب:
يعني أنا أعتقد أن إسرائيل قتلت هذه الاتفاقية مرتين على مرحلتين، المرحلة الأولى عندما لم تلتزم ببنودها ولم تعمل على تطبيقها بل عمدت على عمل العكس من خلال توسيع السياسة الاستيطانية التي تتعلق بتكريس الاحتلال في حين اتفاقيات السلام وعمليات السلام يجب أن تتعلق بإنهاء الاحتلال، والمرحلة الثانية التي جاءت في أثناء الاجتياحات الإسرائيلية أي إعادة الاحتلال الإسرائيلي ابتداء من عام 2002 والتي أنهت كل الأسس التي جاءت بها عملية السلام، وبعد ذلك المرحلة الثالثة التي قسمت فيها الأراضي الفسلطينية إلى قطاع غزة والضفة الغربية وتتعاطى مع قطاع غزة بطريقة مختلفة عن الطريقة التي تتعاطى فيها مع الضفة الغربية لأنها ترى مستقبل كل من هذين الجزأين من الوطن الفلسطيني مختلفا عن الآخر.

جمانة نمور: إذاً هذا على الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، أيضا اتفاقية أوسلو لم تكن لتحدث لولا دور أوروبي كان موجودا في حينها، أين هو الاتحاد الأوروبي من هذه الاتفاقية ومما وصلت إليها؟ نطرح السؤال بعد هذه الوقفة فكونوا معنا.

[فاصل إعلاني]

الدور الأوروبي والأميركي وآفاق المفاوضات

جمانة نمور: أهلا بكم من جديد في هذه الحلقة التي نحاول أن نقرأ فيها ما أنجز وما لم ينجز من اتفاق أوسلو بعد خمسة عشر عاما على توقيعه. سيد بلال الحسن أنجز ذلك الاتفاق في إطار ظروف إقليمية ودولية معينة طبخ سريا في أوسلو تم توقيعه علنية في واشنطن، هذه الظروف الإقليمية والدولية تغيرت كثيرا، تغيرت المعطيات بعد أوسلو كانت خارطة الطريق والرباعية الدولية وما إلى هنالك، حاليا هذا الدور الأوروبي الأميركي وموازين القوى الموجودة هل تسمح بمفاوضات جديدة واتفاقيات قد يكون مصيرها أفضل من أوسلو برأيك؟

بلال الحسن: أولا لا يوجد دور أوروبي سياسي في عملية المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، منذ أوسلو 1993 كان هناك دور أوروبي اقتصادي، تقديم مساعدات للتجربة الجديدة وهذه المساعدات كان هدفها بناء أجهزة عندما تهيأ الدولة الفلسطينية عندما تنتهي المفاوضات حول القضايا الأساسية، لكن حصل أن إسرائيل غيرت موقفها وبدأت تتصرف أنها لا تريد إنشاء دولة فلسطينية، وحصل هنا أمران، الأمر الأول تحول في الموقف الأوروبي ثم تحول في الموقف الأميركي، التحول في الموقف الأوروبي كان بمحاولة تعظيم شأن الاقتصاد واعتبار أن الاقتصاد يمكن أن يكون بديلا عن السياسة أو هو الذي يقود السياسة، يعني قلب الموضوع وهذه العملية هي التي حاول أن يؤطرها توني بلير بترؤسه للجنة الرباعية ثم جاء رئيس وزراء بريطانيا براون إلى القدس وطرح في الكنيست نظرية تقول بالسلام الاقتصادي أي مشاريع اقتصادية مشتركة مع الزمن نصل إلى العلاقات الجيدة ونصل إلى السلام السياسي. بالنسبة لأميركا فعلت ما هو أفدح عندما قدمت لإسرائيل نظرية تقول إن إسرائيل يجب أن لا تتراجع أمام الفلسطينيين يجب أن تكون قوية وأن تختار ما تريد في عملية التسوية تأخذه لنفسها وتترك الباقي للفلسطينيين وللعرب، هذا الكلام الذي أقوله هو وثيقة رسمية قدمها المحافظون الجدد إلى نتنياهو عام 1996 ثم طبقت عمليا على الأرض بعد عام 2001 ثم جاء الرئيس بوش وقدم إلى شارون وثيقتين، الوثيقة الأولى تتحدث عن ضرورة تغيير القيادة الفلسطينية، تغييرها كأشخاص، تغيير عقليتها ثم قدم له ضمانات بأن الأمور لن تعود إلى ما كانت عليه لا بالحدود ولا بالمستوطنات ولا بعودة اللاجئين وقضية الحدود تشمل قضية القدس. أمام هذا الدعم الأميركي لم يعد هناك مجال للتفاوض إلا بكسر الإرادة الأميركية ولا يستطيع المفاوض الفلسطيني أن يكسر الإرادة الأميركية ويتسلح المفاوض الإسرائيلي بالإرادة الأميركية ويحاول أن يفرض هذه الأمور على الفلسطيني لذلك هذا المجرى في التفاوض لا نتيجة له سوى الرضوخ الفلسطيني للإدارة الإسرائيلية وقبول أن نصبح إدارة ذاتية تعمل لدى المحتل الإسرائيلي، وأنا أرجو أن لا يعتبر كلامي هذا تطرفا، هذه حقيقة واقعية، حتى شخص مثل الدكتور سيرن سيبي المعروف بحماسه الشديد للتسوية أعلن أمام براون أن على الدول الأوروبية أن توقف مساعداتها للسلطة الفلسطينية لأن هذه المساعدات أصبحت أداة لإدانة الاحتلال.

جمانة نمور: دكتور غسان الخطيب، إذاً أمام انعدام التكافؤ في موازين القوى ما بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي المدعوم أميركيا كما قال السيد بلال، ما هو المخرج من متاهة المفاوضات؟

غسان الخطيب: في المرحلة الحالية لا يوجد مخرج ولكن هذا يملي علينا العمل على تقليل المخاسر قدر الإمكان وتعظيم المكاسب قدر الإمكان، في المرحلة الحالية يوجد انعدام في موازين القوى ويوجد ضعف فلسطيني ناتج عن الانقسام الفلسطيني الداخلي ويوجد لحظة تاريخية فيها توافق بين أكثر قيادة يمينية أميركية في التاريخ وأكثر قيادة يمينية إسرائيلية في تاريخ إسرائيل وكذلك يوجد حالة تفتت عربي وضعف عربي شديد جدا وبالتالي الحالة العامة ليست مهيأة لتحقيق مكاسب، إنما في هذه الحالة يجب على الفلسطينيين أن يمنعوا المخاسر ويحدوا من الضرر وأحد المتطلبات الأساسية من ذلك هي توحيد الموقف الفلسطيني والخروج من حالة الانقسام الحالية لأن حالة الانقسام الحالية تستغلها إسرائيل يوميا لتغير الوقائع على الأرض من خلال السياسة الاستيطانية وللتعاطي مع الأراضي الفلسطينية كقطعتين منفصلتين وكقيادتين منفصلتين مما يؤمن لإسرائيل مكاسب يومية على المستوى السياسي وعلى مستوى الأرض وعلى المستوى الأمني وبالتالي إعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية ربما من خلال الانتخابات أو ربما من خلال الحوار أو غير ذلك هي المسألة الأساسية أو التحدي الأساسي الآن..

جمانة نمور: الانتخابات وفق أوسلو نعود لأوسلو يعني؟

غسان الخطيب: لا، لا، الانتخابات لا هي الانتخابات الأخيرة أي الثانية التي حصلت لم تحصل على اتفاق أوسلو وإنما المجلس التشريعي أجرى عددا كبيرا من التعديلات في قانون الانتخابات ونظامه وعدد المنتخبين وعدد المجلس التشريعي وغير ذلك التي خرجت كليا عن أسس اتفاق أوسلو أو أسس الانتخابات التي حددت في اتفاق أوسلو، ثانيا..

جمانة نمور (مقاطعة): باختصار.

غسان الخطيب: نعم، من المهم جدا أن لا يسمح الجانب الفلسطيني بتخفيض سقفه السياسي وأكثر ما يخشاه الفلسطينيون الآن من هذه المفاوضات الجارية أن يكون هناك بعض التخفيض في السقف السياسي الفلسطيني سواء دخل الفلسطينيون في مفاوضات أو أحجموا عن ذلك، هذا ليس الأساس من وجهة نظري، الأساس هو كيف يفاوضون وكيف يكون الموقف السياسي، يجب التمسك في حدود الـ 67 كحدود للدولة الفلسطينية وهذا يشمل القدس وكذلك وحدة الأراضي الفلسطينية إضافة إلى موضوع اللاجئين وحل موضوع القدس واللاجئين على أسس الشرعية الدولية التي تضمن عودتهم، أي سماح باستغلال الضعف الحالي لتخفيض السقف التفاوضي الفلسطيني يعد خسارة كبيرة لها أبعاد مستقبلية.

جمانة نمور: شكرا لك الدكتور غسان خطيب من رام الله، ومن باريس نشكر الكاتب والمحلل السياسي بلال الحسن، ونشكركم مشاهدينا على متابعة هذه الحلقة من ما وراء الخبر، إلى اللقاء.