- دلالات الاعتراف الروسي باستقلالية الإقليمين
- الانعكاسات على مستقبل العلاقة بين روسيا والغرب

 
خديجة بن قنة
فيتالي نعومكن
جوناثان كلارك
خديجة بن قنة:
مشاهدينا أهلا وسهلا بكم. نتوقف في حلقتنا اليوم عند إعلان روسيا اعترافها باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا عن جورجيا. وفي حلقتنا محوران اثنان، ما هي دلالة الاعتراف الروسي بوضع الإقليمين كدولتين مستقلتين؟ وما هي انعكاساتها بهذه الخطوة على مستقبل العلاقات الإستراتيجية بين روسيا والغرب؟... خطوة تصاعدية أم تصفية حسابات؟ قراءات متعددة في مغزى ومدلول الاعتراف الروسي باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، ولكن الرئيس ميدفيديف كان حازما وواضحا في رده عندما قال إن الكرة في ملعب الأوروبيين وإذا كانوا يريدون تدهورا سيحصلون عليه، وإن أعقب ذلك بالقول إن بلاده ستفعل ما بوسعها لتجنب قيام حرب باردة جديدة وأنها لا تسعى للتصعيد.

[تقرير مسجل]

نور الدين العويديدي: سريعة عاجلة جاءت استجابة الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف لطلب برلمان بلاده الاعتراف باستقلال الإقليمين القوقازيين، اعتراف اعتبره الكرملين الخيار الوحيد للمحافظة على أرواح الناس في الإقليمين. هذه الاستجابة السريعة تعني فيما تعنيه أن الحرب التي فجرتها جورجيا باجتياحها لأوسيتيا الجنوبية لم تنته بعد، فالحرب في وجهها السياسي لم تضع بعد أوزارها، وتطوراتها لا تزال مفتوحة على احتمالات كثيرة تتجاوز الإقليم لتضيف جديدا إلى المشهد الدولي، جديد يعيد رسم خارطة العلاقات الروسية الغربية عامة والروسية الأميركية خاصة. وجد الروس في الحرب التي فجرتها جورجيا فرصة سانحة لهم لقول كلمتهم في ملفات كثيرة مفتوحة أمامهم تبدأ بزحف حلف الأطلسي نحو حدودهم ولا تنتهي بنصب درع صاروخية أميركية قرب أنف موسكو، يعرف الروس أنها تستهدف شل قدرتهم الصاروخية فضلا عن إحساس الدب الروسي بأنه قد جرى إذلاله وتهميش دوره في القضايا الدولية، وآخر مظاهر ذلك الإذلال دعم الغرب انفصال إقليم كوسوفو عن صربيا حليف روسيا الأهم في البلقان. أخرجت سنوات حكم فلاديمير بوتين الثمانية الروس من عهد التبعية للغرب التي عرفوها مع بوريس يلتسين وجاء ديمتري ميدفيديف ليحصد الثمار حتى قبل أن يتم سنته الأولى في الحكم. طاقات نفطية هائلة تدر على روسيا نحو مليار دولار يوميا، تحكم في أكثر من ثلث كمية الغاز التي تدفئ بها أوروبا شتاءها وتحرك به آلاتها الاقتصادية، ورطة أميركية غير مسبوقة في حربين داميتين في أفغانستان والعراق، كل ذلك كان حاضرا لدى المخطط السياسي والعسكري الروسي حين أطلقت جورجيا شرارة الحرب في أوسيتيا الجنوبية وكان رده حاسما مدويا. تهديدات الغرب بعزل موسكو وحرمانها من الانضمام لمنظمة التجارة العالمية ووقف التعاون بينها وبين حلف الأطلسي لم تقلق سكينة المسؤولين الروس فالتعاون مع الحلف يفيد الغرب أكثر من مما يفيد روسيا.

ديمتري ميدفيديف/ الرئيس الروسي: عمليا التعاون وبالدرجة الأولى في مصلحة دول الناتو وليس روسيا فإذا قطعوا هذه العلاقة فلن يصيبنا أذى بسبب ذلك.

نور الدين العويديدي: أبعد من ذلك يذهب السفير الروسي في كابول إلى أن وجود الناتو في أفغانستان قد يصبح جحيما حقيقيا إذا ما أوقفت موسكو تعاونها معه، تصريح يبطن أكثر مما يظهر لكنه يكشف أن ما فجرته الحرب في أوسيتيا الجنوبية قد يمتد بعيدا إلى ساحات كثيرة تمر بأفغانستان وإيران وسوريا وكوريا الشمالية ولا تقف عند الإقليمين الصغيرين أوسيتيا وأبخازيا.

[نهاية التقرير المسجل]

دلالات الاعتراف الروسي باستقلالية الإقليمين

خديجة بن قنة: ومعنا في هذه الحلقة من موسكو فيتالي نعومكن مدير المركز الروسي للدراسات الإستراتيجية والدولية ومعنا من واشنطن البروفسور جوناثان كلارك الخبير في العلاقات الأميركية الروسية في مجلس كارنيغي للسلام العالمي، أهلا بكما. أبدأ معك في موسكو فيتالي نعومكن ماذا يعني اعتراف روسيا بأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية دولتين مستقلتين؟ ما هي الرسالة التي تريد إرسالها للغرب من وراء هذا القرار؟

فيتالي نعومكن: بالنسبة لهذا القرار هو قبل كل شيء الاعتراف بالأمر الواقع برأيي لأنه لا يمكن بعد كل ما حصل بعد كل ما حدث بعد هذه المجزرة التي قام بها السيد سكاشفيلي لا يمكن أن يعيش الشعب الأوسيتي والشعب الأبخازي مع جورجيا. وبالنسبة للرسالة فالرسالة واضحة يجب أن يعود التوازن في العلاقات الدولية، التوازن الذي أصبحت الولايات المتحدة أو تحاول أن تغيره إلى، تحوله إلى نظام قطب واحد، فلا يمكن أن يتحول مثلا البحر الأسود إلى بحيرة أميركية، لا يمكن أن تحاط روسيا بقواعد الحلف الأطلسي، الناتو. روسيا ستدافع عن مصلحتها، وأظن أن هذا القرار جيد بالنسبة للسلام العالمي لأن هذا التوازن سيساعد أوروبا، سيساعد..

خديجة بن قنة (مقاطعة): كيف يكون جيدا بالنسبة للسلام العالمي سيد نعومكن وهو من منظور القانون الدولي انتهاك كبير للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بوحدة الأراضي الجورجية وهي القرارات التي أقرتها روسيا نفسها؟

فيتالي نعومكن: نعم، روسيا كانت تعمل طبقا لهذه القرارات كلها ولكن جورجيا هي التي في الحقيقة خالفت هذه القرارات كلها وشنت حربا ضد الشعب الأوسيتي وحربا ضد أيضا قوات حفظ السلام الروسي وضد المواطنين الروس ولذلك لا عودة إلى هذا المنطق القديم، أما الانتهاكات فالدول الغربية، حلف الناتو، الولايات المتحدة الأميركية هي التي انتهكت السلام العالمي عندما مثلا قامت بقصف يوغسلافيا أو بالحروب وقصف الدول الأخرى في الشرق الأوسط، وأظن أن روسيا قامت بعمل جيد..

خديجة بن قنة (مقاطعة): بروفسور جوناثان كلارك، روسيا قامت بعمل جيد وأصدرت هذا القرار بالاعتراف بأوسيتيا الجنوبية وبأبخازيا دولتين مستقلتين ما رأيك؟

جوناثان كلارك: لقد كان هناك رد فعل حاد في واشنطن وإن عدتم إلى ليلة الأمس فإن الرئيس بوش في البيت الأبيض أصدر بيانا بشكل محدد طلب فيه من الرئيس ميدفيديف أن لا يتخذ هذه الخطوة ولا أن يستمع إلى الدوما بإعلان استقلال هذين الإقليمين إلا أن ميدفيديف مضى بقراره والوزيرة رايس أدانته وقالت إن هذا العمل ملغي وباطل، موقف الولايات المتحدة هو أن الاستقلال ووحدة الأراضي لجورجيا هذا أمر مؤصل في القانون الدولي ولذا فإن الرد الروسي يخالف القانون الدولي في هذه المرحلة. إذاً ما نراه هنا هو تصعيد خطير في التوترات بين روسيا والولايات المتحدة وأيضا هناك مشاركة لشخصيات هنا وهذا أيضا تطور خطير فإذاً فواشنطن لن تقبل هذا العمل من الروس بأي شكل أو صيغة.

خديجة بن قنة: لكن بروفسور جوناثان يعني واشنطن أليست هي التي استفزت روسيا؟ هي التي ترغب في ضم أوكرانيا وجورجيا إلى حلف الناتو؟ هي التي توقع اتفاقية مع بولندا لنشر الدرع الصاروخية عند أنف موسكو؟ ذلك كله تعتبره موسكو استفزازيا في نظرها.

جوناثان كلارك: إن هناك فرقا في الآراء هنا، فالولايات المتحدة وروسيا تنظران إلى المستجدات في القوقاز وأوكرانيا من عيون مختلفة، الولايات المتحدة ترى أنها اتخذت عددا من الإجراءات للتواصل مع موسكو ولتحاول أن تفسر لموسكو بأنه بالنسبة لتوسع الناتو ما تحاول من خلاله أن تفعله ليس إحاطة وتطويق روسيا بل توسيع نفوذ الديمقراطية ورقعتها وسوق رأس المال، إذاً فهذه الدول عليها أن تستمتع بهذه المنافع. وبالنسبة للمنظومة الصاروخية في بولندا وجمهورية التشيك كان هناك مشاورات مكثفة بين موسكو وواشنطن بهذا الصدد ويجب أن يكون واضحا للطرفين بأن هذه ليست مصممة بأي شكل من الأشكال لأن تستفز روسيا، إلا أن ما يجري هنا هي أن الطرفين يسمحان لنفسيهما بأن يستفزا وهذا بحد ذاته تطور خطير وأيضا لا يجعل الطرفين يسيطران على عواطفهما وهذا من شأنه أن يتطور إلى أزمة أكبر مما هي عليه الآن.

خديجة بن قنة: طيب سيد نعومكن، هذا القرار الروسي هل له علاقة بمسألة نشر قوات حفظ سلام دولية داخل الإقليمين في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية؟

القوقاز والبحر الأسود كانتا دائما منطقة نفوذ روسية، ولا يمكن تغيير هذا الوضع بخطوات توجه ضد روسيا ومصالحها القومية
فيتالي نعومكن: لا في أي حال من الأحوال، حتى لو لم يكن هناك مثلا هذا الاعتراف الرسمي، روسيا لم تكن مثلا سوف تسمح بتغيير صلاحيات قوات حفظ السلام أو تكونها من القوات الروسية إلى القوات الدولية، فهناك حجج مضحكة من قبل الولايات المتحدة بأن هذا الدرع الصاروخي في بولندا أو ربما كان مخططا في جورجيا أيضا بعد قبولها إلى حلف الناتو كأنه موجه ضد إيران، هو موجه ضد روسيا وروسيا كان ضروريا عليها أن ترد على مثل هذه الخطط، وروسيا كانت هناك منطقة القوقاز ومنطقة البحر الأسود دائما منطقة نفوذ روسيا ولا يمكن مثلا تغيير هذا الوضع بخطوات توجه ضد روسيا وضد مصالحها القومية وضد مصلحة الشعوب وأرواح الناس التي يعني هددها السيد سكاشفيلي بهذه المؤامرة التي حرضته ودفعته الولايات المتحدة إليها.

خديجة بن قنة: نعم ولكن سيد نعومكن في خضم هذه الأزمة الآن وهذا القرار الذي جاء من روسيا أيضا، هناك تصريحات نارية من الطرفين، الرئيس الروسي يقول سنفعل ما بوسعنا لتجنب قيام حرب باردة جديدة ولكن في هذه الحال الكرة في ملعب الأوروبيين ولكنه يقول إن كانوا يريدون تدهورا فسيحصلون عليه. ألا يؤدي هذا إلى تصعيد أكبر، ألا تخشى موسكو إجراءات عقابية أكثر؟

فيتالي نعومكن: لا أعتقد، الشيء الذي قاله ميدفيديف إننا لا نخاف من هذه العقوبات، ولكن في نفس الوقت لننظر إلى القرار الذي اتخذه الرئيس الروسي هو مواصلة الشراكة مع حلف شمال الأطلسي في أفغانستان، هذا ضروري هذا مهم للدول الأوروبية والولايات المتحدة ولذلك روسيا ستواصل هذا التعاون مهما كان الوضع في القوقاز ولذلك هناك طرق تؤدي إلى التفاهم وإلى عودة الهدوء في العلاقات بين روسيا والغرب في رأيي.

خديجة بن قنة: بروفسور جوناثان، يعني هل تتوقع أن تأخذ الأزمة الآن في ظل هذه التصريحات المتبادلة بين الطرفين، كوندليزا رايس قالت إن روسيا تتصرف وكأنها الاتحاد السوفياتي، وتصريحات ميدفيديف أيضا التي يقول فيها إن أرادوا تدهورا فليكن، بمعنى أنهم لا يخشون أي شيء، إلى ماذا يؤدي كل هذا؟

جوناثان كلارك: أعتقد أن هناك خطر كامن هنا لأن هذه المسألة تسيطر عليها هذه التصريحات النارية، وإذا نظرتم إلى الرد الأولي الأميركي لما حدث في جورجيا فقد كان هناك إحساس بأن الجورجيين أنفسهم يشاركون في المسؤولية عما حدث، وعندما ذهبت الوزيرة رايس إلى تبليسي للقاء سكاشفيلي تحدثت إليه بلهجة صارخة بأنه يجب أن يهدئ الأمور مع روسيا، بشكل خاص تحدثت إليه، رغم أن اللهجة كانت حادة من الولايات المتحدة إلا أن الولايات المتحدة كانت تهدف إلى إيجاد حل مبكر هادئ للمسألة ولكن ما نراه الآن هو أن الطرفين يزيدان من نارية تصريحاتهما..

خديجة بن قنة (مقاطعة): ولكن بروفسور جوناثان عفوا على المقاطعة، ولكن الحديث شيء والفعل شيء آخر، يعني ألا يجدر بالغرب اليوم أن يتوقف عن استفزاز روسيا أن يبتعد عن مجالها الحيوي لتجنب المزيد من التصعيد في هذه الأزمة؟

جوناثان كلارك: أعتقد أن هذا بالضبط ما تحاول الولايات المتحدة فعله وقد قلت في المراحل الأولى لهذه الأزمة كان هناك جهد قوي بذل وذلك للتوضيح للجورجيين بأنهم تمادوا وفي تلك المرحلة أعتقد أن إمكانية الحل الهادئ للأزمة، قد تجاوزنا تلك المرحلة، ولكن الآن هناك عدم رد على طلب بوش بأن لا يكون هناك اعتراف باستقلال هاتين المنطقتين وهذا زاد التوترات ما جعل الطرفين يتحدثان بحدة تجاه بعضهما البعض وإن استمر هذا التصعيد الكلامي فإن خطر زيادة الأزمة سوف يكون أعظم بكثير.

خديجة بن قنة: لكن أين تتوجه العلاقات إذاً بين روسيا والغرب في ظل هذا التصعيد؟ نتعرف على ذلك بعد وقفة قصيرة فلا تذهبوا بعيدا.

[فاصل إعلاني]

الانعكاسات على مستقبل العلاقة بين روسيا والغرب



خديجة بن قنة: أهلا بكم من جديد في هذه الحلقة التي نناقش فيها دلالة الاعتراف الروسي باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا وانعكاسات ذلك على علاقات موسكو مع الغرب. أنتقل إلى موسكو وفيتالي نعومكن، أريد أن نقرأ قليلا ما قاله الرئيس الجورجي ميخائيل سكاشفيلي اليوم قبل قليل، قال هذه أول محاولة في أوروبا بعد ألمانيا النازية والاتحاد السوفياتي بزعامة ستالين يتم فيها تركيع دولة مجاورة وتغيير حدود أوروبا بالقوة. إذاً هذا القرار هدفه تغيير حدود أوروبا بالقوة، هكذا قال سكاشفيلي، ما رأيك في هذا الكلام؟

فيتالي نعومكن: رأيي واضح أن السيد سكاشفيلي هو الذي حاول حل النزاع بينه وبين الشعبين الأوسيتي والأبخازي بالقوة، بقتل الناس والمذبحة والمجزرة وأما روسيا فهي اعترفت، كما قلت، بالأمر الواقع بعد هذه الفترة الطويلة، 17 عاما من الوجود المستقل الحقيقي لهذي الإقليمين. والدول الأخرى هي التي غيرت خارطة أوروبا السياسية، مثلا لنأخذ الاعتراف باستقلال كوسوفو وإذا كان الشعب الألباني في كوسفو له الحق في هذا فلماذا لا يكون هناك حق للشعب الأوسيتي والشعب الأبخازي؟ فالقانون لا بد أن يكون قانونا واحد للجميع، والعالم تغير الآن وهذا التغير واضح وروسيا كما قلت دافعت عن أرواح الناس في كل من أبخازيا وأوسيتيا ومنعت سكاشفيلي من القيام بمجزرة أخرى في هذين الإقليمين.

خديجة بن قنة: بروفسور جوناثان، ما هي انعكاسات هذه الخطوة برأيك الآن على مستقبل العلاقات بين روسيا والغرب، يعني هل ستؤدي إلى علاقات مختلة بين روسيا والغرب، يعني ستزيدها تعقيدا أم أنها ستؤدي إلى توازن في العلاقات؟

جوناثان كلارك: علينا أن نتذكر أنه الآن هناك حملة انتخابات رئاسية تجري في الولايات المتحدة وهذا قد يعني أن شؤون السياسات الخارجية تبسط هناك ولا ينظر الناس إلى هذه الأمور بطريقة معقدة ولكن ينظرون إليها بطريقة مبسطة، وما يرى هنا في الولايات المتحدة هو أن روسيا الآن تزيد التصعيد بالنسبة لمطالبها وبالنسبة، أو تجاه دولة مستقلة هي جورجيا، ولكن إن تحدثنا عن سكان south أوسيتيا وأبخازيا وأنهم بحاجة إلى معاملة خاصة وأن هذا الأمر يمكن أن يخاض بالنقاش بشأنه على فترة من الزمن إلا أن الرد الروسي الحاد الذي أتى بعد طلب من الرئيس بوش يأخذ الأمور إلى مستوى أعلى من التوترات. ولكنني أقول إن كان هناك عودة عن شفا هذه الحفرة من قبل الروس فإنني أعتقد أنه ستكون هناك علاقات مختلفة بين واشنطن وموسكو إن تراجعت موسكو عن قرارها.

خديجة بن قنة: هل تتوقع أن تتراجع نعومكن؟

فيتالي نعومكن: لا ما أظن، أظن أن روسيا في القريب العاجل ستوقع على اتفاقية الصداقة مع كل من أبخازيا وأوسيتيا وستكون مسؤولة على الدفاع عن استقلال هذين الإقليمين، وحتى أن يكون الأمر يتمثل في بناء قاعدة عسكرية في أوسيتيا أو قاعدة بحرية في أبخازيا لا نعرف الآن ولكن الواضح أن موسكو ستتحمل كل المسؤولية للدفاع عن استقلال هذين الإقليمين على أساس هذه الاتفاقية للصداقة التي سيتم التوقيع عليها، وكلف ميدفيديف وزارة الخارجية الروسية بتحضير مشروع مثل هذه الاتفاقية.

خديجة بن قنة: يعني كل هذا سيد نعومكن يطرح تساؤلا يطرحه جميع المراقبين، ما سر هذا العناد الروسي الكبير؟ يعني ما الذي أعاد روسيا إلى موقع التحدي اليوم؟ يعني من يعرف روسيا زمن يلتسين يتساءل إن كانت قوة بوتين هي التي أعادت روسيا إلى هذا الموقع؟ هل هي بين قوسين رعونة بوش كما يقول البعض؟

فيتالي نعومكن: يعني كله مع بعض، كما قلت العالم تغير هناك يوغسلافيا هناك العراق هناك أفغانستان يعني كل هذه الأحداث أثرت على روسيا تأثيرا كبيرا وهناك رغبة واضحة للدفاع عن مصالح روسيا، كان هناك بصراحة حل بسيط، كنا دائما نكلم الأميركان ونقول لهم إنهم لا بد أن يمنع مثلا قبول جورجيا وأوكرانيا في حلف الناتو لأن هذا تهديد واضح بالنسبة لروسيا، كان يمكن أن تكون مثلا جورجيا دولة محايدة مثلما كانت فنلندا أثناء حياة الاتحاد السوفياتي وكانت دولة مسالمة وتعيش على، يعني سلميا وبشكل في إطار التعاون مع الاتحاد السوفياتي.

خديجة بن قنة: طيب بروفسور جوناثان كأن الرسالة التي نفهمها، الرسالة التي ترسلها روسيا إلى الغرب، إلى واشنطن خصوصا إلى القوة العظمى الوحيدة في العالم الولايات المتحدة أنه عليك أن تدركي أنه يجب أن تكون العلاقات مع روسيا علاقات ندية وأن لا تستفردي بكل القضايا الدولية في العالم. هل أدركت واشنطن هذه الرسالة؟

حكومة روسيا متماسكة واقتصادها متين ولديها موارد عظيمة، والغرب يدرك أنها اليوم يجب أن تعامل كندّ وشريك
جوناثان كلارك: أعتقد أن واشنطن بدأت تفكر أن موسكو تتصرف بشكل غير حكيم وهي تفرط بما تقوم به وهناك إدراك عريض في واشنطن بأن الأيام الأولى بعد انحطاط الاتحاد السوفياتي روسيا عوملت بشكل مجحف ولكن الآن هي تعود كقوة عظيمة، حكومة روسيا متماسكة والاقتصاد متين ولديها موارد عظيمة، إذاً فهناك إدراك أن روسيا يجب أن تعامل كند وكشريك هذا يعني أن الفرصة قائمة لروسيا لكي تتشارك بطريقة وشراكة مربحة مع الغرب ولكن بأخذ هذا النوع من الإجراءات وبزيادة التصعيد في المطالب وباتخاذ مطالب كهذه، والرئيس ميدفيديف يقول إن كنتم تريدون حربا باردة جديدة فستحصلون عليها، هذا إساءة قراءة للأوضاع هنا في واشنطن فلا أحد يريد أن يقدم حربا باردة جديدة ولكنهم يريدون لموسكو أن تكون شريكا جديدا ولكن إن استمرت موسكو بالتصعيد الكلامي فإن خطر هذه الأزمة أن تتصاعد هو قائم وخطير للغاية.

خديجة بن قنة: نعم ولكن بروفسو جوناثون أنت كأميركي هل ترى ما يراه الكثيرون بأنه فشل كبير للرئيس بوش وإدارة بوش على مدى الولايتين الرئاسيتين لبوش أدى بالفعل إلى صعود قوة كبيرة لروسيا في عهد بوتين، وهذا ما تثبته روسيا حاليا من خلال الأزمة الجورجية؟

جوناثان كلارك: أعتقد أن هناك فهما شاملا هنا وهو أن الولايات المتحدة بسبب ما تقوم به في العراق وأفغانستان وبسبب شعبيتها المنحطة في كل أرجاء العالم هي أمر ليس في صالح أميركا وخاصة في القوقاز ولكن ما يحدث هنا هو أن روسيا توسع هذا الجدل ليتجاوز القوقاز فهي تطالب بضمانات لأوسيتيا الجنوببة وأبخازيا وبعض الصيغ للتفهم بالنسبة لتوسيع الناتو فإن موسكو ستصل إلى أهدافها ولكن من خلال ما قامت به والمبالغة بما تقوم به فإنها توحد الغرب ضدها، وهذا لا يمكن أن يكون في صالح موسكو.

خديجة بن قنة: شكرا جزيلا لك البروفسور جوناثان كلاك الخبير في العلاقات الأميركية الروسية في مجلس كارنيغي للسلام العالمي، وشكرا أيضا لفيتالي نعومكن مدير المركز الروسي للدراسات الإستراتيجية كنت معنا من موسكو، شكر جزيلا لكما. بهذا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر، أطيب المنى والسلام عليكم.