- أسباب الظاهرة وأبعاد التحذيرات
- التداعيات المحتملة على الاستقرار الاجتماعي والسياسي


 محمد كريشان
دورج كونكو
مجدي صبحي
حسن الخليل

محمد كريشان: السلام عليكم. نتوقف في هذه الحلقة عند تحذيرات البنك الدولي من أن موجة غلاء الأسعار العالمية ليست ظاهرة وقتية وأن هذه الموجة ستستمر على الأرجح حتى عام 2015. ونطرح في الحلقة تساؤلين، لماذا يقف النظام الاقتصادي العالمي عاجزا تماما عن مواجهة ظاهرة الغلاء واحتواء آثارها؟ وما هي الآثار المتوسطة والطويلة التي سيخلفها هذا الغلاء على الاستقرار السياسي والاجتماعي الدولي؟... ما قاله البنك الدولي بصورة غير مباشرة هو أن غلاء الأسعار أصبح قدرا محتوما ينبغي التسليم به وأن أمام دول العالم سبع سنوات عجاف أخرى، البنك الدولي وصّف المشكلة واقترح للخلاص منها بعض العلاجات، غيره من المؤسسات الدولية وصف المشكلة ووضع الإصبع على بعض مسبباتها بعضها بنيوي متصل بالفكر الاقتصادي العالمي والآخر إجرائي يمكن علاجه بمراجعة بعض السياسات والتشريعات.

[تقرير مسجل]

إيمان رمضان: من بين ظروف سياسية دولية معقدة تبرز اليوم أزمة اقتصادية عالمية لتزيد الحلقة المفرغة استحكاما حول فقراء هذا العالم، سبع سنوات عجاف تنتظر الجميع شعوبا وحكومات لا سيما في دول العالم الثالث في تحد سافر ينذر بتقويض جهود بذلتها مؤسسات أممية وحكومات للحد من الجوع والفقر وسوء التغذية. في السنوات القادمة قد يكون رغيف الخبز هذا حلما يستنزف جزءا كبيرا من دخل الفقراء وكذلك سلع غذائية أخرى تحيا بها الشعوب. انسداد في الأفق، كان هذا أهم ما حمله تقرير أخير للبنك الدولي قد يعتبر إنذارا أكثر منه دراسة دقيقة للخط البياني المتصاعد لأسعار المواد الغذائية الأساسية خاصة الحبوب والتي ستستمر في الارتفاع بلا هوادة حتى عام 2015. ففي العامين الماضيين ارتفعت أسعار القمح وفقا لمنظمة الأغذية والزراعة الدولية بنسبة 200%، كما ارتفعت أسعار سلع أخرى بنسبة 75% فزادت عدد الفقراء مثلما زادت عدد الأغنياء المستفيدين من الأزمة، تلك المعادلة المختلة فكل ما يربط الأغنياء بالفقراء في هذا العالم مجرد علاقة طردية عددا. أسباب الكارثة الغذائية المتوقعة والإنسانية المترتبة عليها كثيرة تتصدرها زيادة الطلب على الوقود الحيوي من الإيثانول والذي يعتمد في إنتاجه على الذرة والقمح وفول الصويا وقصب السكر، زيادة أسعار النفط، موجات الجفاف والفيضانات والانحباس الحراري التي عصفت بالمحاصيل الزراعية. وبينما يتراجع المخزون العالمي من المحاصيل الأساسية تطرح المؤسسات الأممية المعنية بالأمر حلولا واقتراحات مدروسة لحل المعادلة الصعبة، توفير الأمن الغذائي للفقراء في ظل ارتفاع جنوني في الأسعار مع تفادي أزمات سياسية قد تترتب على هذه الأزمة العالمية. وفي ذلك يطرح البنك الدولي اقتراحاته، اتباع سياسة تحويل دعم السلع إلى دفعات نقدية للمستهلكين، تبني برامج العمل مقابل الغذاء في الدول الفقيرة، خفض الرسوم الجمركية والضرائب على المواد الغذائية الأساسية. حلول تبدو منطقية وفاعلة غير أنها تفقد جدواها عندما يكتنفها الفساد والصراعات السياسية وسوء الإنفاق، أذرع الأخطبوط التي دائما ما تلتف حول برامج التنمية والإصلاح في الدول النامية والفقيرة فتخنقها قبل أن ترى النور.



[نهاية التقرير المسجل]

أسباب الظاهرة وأبعاد التحذيرات

محمد كريشان: ومعنا في هذه الحلقة من واشنطن دورج كونكو الباحث في معهد المشاريع التنافسية Competitive Enterprise Institute، ومن القاهرة مجدي صبحي الخبير الاقتصادي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، ومن لندن الدكتور حسن الخليل الخبير المالي والاقتصادي وناشر جريدة الأخبار اللبنانية، أهلا بضيوفنا الثلاثة. لو بدأنا من واشنطن وسيد كونكو، هل نحن أمام استمرار ظاهرة الغلاء حتى عام 2015 كقدر محتوم فعلا؟

دورج كونكو: إن ما نراه الآن هو تداخل عدة تيارات طويلة المدى وبعض الصدمات قصيرة الأمد من حيث معادلة العرض والطلب، هناك بعض الأمور التي يمكن أن تتم على المدى القصير والتي قد تخفف من عبء المشكلة على مدى العام أو العامين القادمين لكننا لن نستطيع تجاهل تداعيات ذلك على المدى البعيد مثل التأثير في عدد السكان في الهند والصين مثلا يسيرون على خطى التصنيع ويحتاجون ليس فقط إلى الغذاء بنسبة تتناسب مع احتياجاتهم السكانية لكنهم يحتاجون إلى متطلبات مثل مشتقات الحليب واللحوم ويحتاجون إلى أعلاف للحيوانات أيضا، هذه تتطلب حلولا بعيدة المدى. بعض الحلول على المدى القصير تتطلب زيادة في تنويع منتجات الحبوب مثل الذرة التي تستخدم في إنتاج الوقود الإحيائي العضوي، بعضها طبعا يتطلب زيادة لا يستهان بها الآن لتغطية الزيادة الهائلة في أسعار هذه الحبوب التي تؤدي بنا إلى الحاجة الماسة للتعامل مع المشكلة وأيضا ربما تخفيف دعم إنتاج الذرة لأغراض إنتاج الوقود سيكون له أثر طيب.

محمد كريشان: ولكن سيد كونكو ما هي الحكمة في تحديد تاريخ 2015؟ ما معنى ذلك بالضبط؟

دورج كونكو: لكي أكون صادقا ونزيها هذا مجرد تاريخ عشوائي وقع الاختيار عليه من قبل الخبراء الاقتصاديين لأنه يعطينا نقطة تركيز في المستقبل نستطيع أن نسقط عليها توقعاتنا المستقبلية لكي ننجح في وضع تخمينات أو توقعات، لا يوجد أي مغزى خاص للعام 2015 بل هو مدى بعيد نسبيا تاريخيا ونحن غير مستيقنين من حيث أي التيارات ستحدث أو تسود بعد ذلك التاريخ. ربما من الممكن أنه لن يتغير شيء بحيث يؤثر على المحفزات القصيرة المدى والبعيدة المدى ربما سنستمر في رؤية نقص في المواد وزيادة في الأسعار حتى ما وراء العام 2015. أنا آمل أن ما نراه الآن على مستوى الاقتصاد العالمي وما يقوم به السياسيون في أميركا الشمالية وأوروبا أن يستطيعوا البدء بإحداث تلك التغييرات التي من شأنها أن تخفف من عبء هذه الأسعار المرتفعة قبل حلول العام 2015.

محمد كريشان: ولكن حتى عام 2015 وهنا أسأل سيد مجدي صبحي في القاهرة، حتى ذلك التاريخ هل سيقف العالم مكتوف الأيدي ينظر إلى هذا السهم التصاعدي في الغلاء دون أن يستطيع فعلا أن يؤثر فيه؟

"
انخفاض المخزون العالمي من الغذاء حفز موجة من المضاربة على السلع الغذائية وبالتالي أصبحنا في دائرة مغلقة حيث تؤدي المضاربة إلى دورات متصاعدة من ارتفاع الأسعار
"
 مجدي صبحي

مجدي صبحي: الحقيقة أنا لا أرى ذلك بل أرى أن ما ذكره تقرير البنك الدولي شديد التشاؤم، نحن هنا إزاء سلع غذائية زراعية الدورة فيها دورة قصيرة للغاية قد تستغرق أقل من عام وبالتالي التعديل في السياسات يمكن تنفيذه فورا، لسنا بصدد قضية تصنيع وبالتالي نحتاج إلى فترة إبطاء طويلة لإنشاء مصانع أو غيرها، نحن أمام سلع زراعية يمكن إنتاجها فورا. وأتصور هنا أننا أمام عدة ظروف أدت إلى هذا الارتفاع البالغ في الأسعار ربما يأتي على رأسها فعلا موضوع إنتاج الوقود الحيوي ولكن إلى جانب ذلك هناك أيضا جفاف شديد في أستراليا لا أتصور أنه قد يتكرر بنفس الدرجة مرة أخرى، هناك فيضانات شديدة في آسيا أدت إلى انخفاض في المحصول، هناك ظروف جوية معاكسة في وسط أوروبا أدت أيضا إلى انخفاض في المحصول، والأكثر أهمية من كل ذلك أن انخفاض المخزون العالمي من الغذاء قد حفز موجة من المضاربة على السلع الغذائية إلى جانب المعادن والنفط وبالتالي أصبحنا في دائرة مغلقة حيث تؤدي المضاربة إلى دورات متصاعدة من ارتفاع الأسعار هذه المضاربة قد ترتد عكسيا بمعنى أنه قد يتخلى المضاربون عن هذه السلع فورا إذا ما حدث بعض الارتفاع ولو الجزئي في إنتاجها في العالم وانخفاض ولو جزئي في أسعارها. وأنا أتصور أن العديد من دول العالم بما فيها بعض البلدان التي أضيرت بشدة من هذه الشدة مثل مصر ستعدل من سياساتها الزراعية لإنتاج المزيد من القمح والذرة على حساب محاصيل أخرى كانت تقوم بتصديرها في السابق، وبالتالي أنا أتصور أن نفس الأسلوب في تعديل التركيب المحصولي في عدد كبير من دول العالم سيتم حتما مع ارتفاع أسعار كل من القمح والذرة وفول الصويا إلى آخره.

محمد كريشان: ولكن المشكلة وهنا أسأل الدكتور حسن خليل في لندن، المشكلة أنه حسب الصندوق الدولي للتنمية الزراعية أنه يعني حتى ارتفاع مستوى المعروض من السلع الغذائية لن يؤدي بالضرورة إلى تراجع الأسعار، وهنا مشكلة حقيقية أيضا.

حسن الخليل: لا هذا يعني أمر طبيعي إذا كان في زيادة في العرض سيكون هناك انخفاض في الأسعار، إنما المشكلة أنه..

محمد كريشان (مقاطعا): يعني الصندوق يقول لا نستطيع أن نجزم بأن ارتفاع المعروض سيؤدي بالأسعار إلى التراجع.

حسن الخليل: اللي ذكره الزميل من القاهرة كان صحيحا، المشكلة أن هناك عاملين رئيسيين يتجاذبان موجة ارتفاع الأسعار، العامل الأول هو موضوع ما يسمى بالأزمة الغذائية نتيجة يعني بلا ما نعود إلى موضوع العولمة وما أدت إليه العولمة والنمو السكاني الذي نتج عن الازدياد في مستوى الدخل الفردي، ما حصل في الصين والهند وبعض الدول الناشئة له أثر كبير على أزمة ليس فقط السلع الغذائية والاستهلاكية فقط إنما على السلع المعدنية. ما أود أن ألفت له أن هناك فرقا كبيرا بين ما حصل في السلع الغذائية وما حصل في السلع الصناعية حيث أن موضوع النفط كان أساسيا بسبب أزمة الشرق الأوسط وعدم الارتياح إلى الوضع الإيراني الأميركي أدى ارتفاع النفط من غير حروب مجرد ارتفاع النفط إلى مائة دولار هذا كان نتيجة عاملين إما إكمال بعض الدول الصناعية والتي لها علاقة بإمكانية حصول أزمة في الشرق الأوسط ببناء مخزون إستراتيجي قوي من النفط وهذا جذب المضاربة بحيث كما ذكر الزميل أصبحت العملية يعني متلاحقة مع بعضها البعض، المضاربة مع بناء المخزون أدى إلى ارتفاع النفط، ارتفاع النفط أدى إلى مخاوف من حصول تضخم بسبب أن النفط هو المادة الأساسية التي تتعلق بالحياة البشرية، إمكانية الخوف من التضخم أدت إلى ارتفاع الذهب وقد شاهدنا الذهب يعني اقترب لأول مرة وتخطى ألف دولار ثم عاد وتراجع بعض الشيء، ارتفاع سعر الذهب أدى إلى ارتفاع في الفضة والبلاتينيوم وكل المعادن التي نعرفها. أما في موضوع السلع الغذائية فهناك يعني مشكلة رئيسية بسبب التخوف وبسبب ازدياد الهوة ما بين الدول الفقيرة والغنية وسبب الطلب على هذه السلع الغذائية من دول جديدة أتت إلى الساحة الدولية بنتيجة انضمامها إلى ظاهرة العولمة مثل الهند والصين وكما ذكر تقريركم عملية التصحر وعملية ازدياد الفيضانات بحيث غطت المياه بعض الأراضي فحيث هناك تقلص في الأراضي الصالحة للزراعة كل هذه الأمور مجتمعة أدت إلى أزمة عالمية نشهدها اليوم..

محمد كريشان (مقاطعا): ولكن عفوا سيد خليل المشكلة أن الناس قد يتابعون كل هذا التحليل ويتفهمون الظروف ولكن ما لا يتفهمونه، وهنا اسمح لي أن أعود إلى واشنطن مع السيد كونكو، ما لا يتفهمونه هو كيف يمكن أن تقف الدول والمؤسسات الدولية وغيرها عاجزة عن تغيير اتجاه هذا السهم الذي سيظل متصاعدا إلى غاية 2015؟

دورج كونكو: نعم أنا أتفق ولو على الأقل جزئيا مع ما قاله الضيفان في القاهرة وفي لندن، ما نراه الآن هو حقيقة تداخل عدد من المصادر المختلفة للنقص في المواد الغذائية مثل العوامل المناخية السيئة التي أثرت سلبا في المحاصيل وزيادة التصنيع في بعض أجزاء آسيا وخاصة في الهند والصين مما أدى إلى زيادة في الطلب وأيضا ارتفاع في أسعار الوقود. أعتقد أنه من الأهمية بمكان أن نميز بين تلك التيارات التي لها تأثير للمدى القصير من تلك التي سيكون لها تأثيرات على المدى البعيد مثل زيادة عدد السكان وزيادة التصنيع في أجزاء من آسيا وأيضا لكي نضمن أننا نفهم طبيعة كل مشكلة من هذه المشكلات عندما نتعامل معها، فعلى سبيل المثال فيما يتعلق بتحويل الذرة لإنتاج الوقود هذه قضية ينبغي أن نتعامل معها الآن وعلى المدى القريب، المفارقة هنا هو أنه في أميركا الشمالية وفي أوروبا الوقود الإحيائي هذا يحظى بدعم وبدعم كبير سياسي واقتصادي لأن النظرة إليه أنه لا يضر في البيئة لكن من المفارقة أنك تحتاج إلى كمية من النفط لا تقل عن الاستعمالات الأخرى لإنتاج الذرة التي تنتج منها هذا النوع من الوقود، إذاً 80% من الطاقة نحتاجها لتنتج تقريبا نفس الكمية من الوقود، إذاً الفوائد التي نجنيها على صعيد البيئة قد تكون أقل أو ربما حتى ينظر إليها بأنها سلبية وأعتقد أن حركة المدافعين عن البيئة تزداد في درجة وعيها وبمرور الزمن يمكن أن تنقلب ضد هذا النوع من الوقود المنتج من الذرة وهذا قد يساعدنا على التقليل من الدعم الذي يقدم لها. لكن مع ذلك هناك تلك المشكلات طويلة الأمد التي ينبغي أن نتعامل معها بما في ذلك حقيقة أن الناس الأغنى في الهند والصين يطالبون ليس بالمزيد من الغذاء نسبة إلى الزيادة في عدد السكان ولكن بزيادات أكثر وما بحثناه أو ربما لم نبحثه بعد في هذا البرنامج اليوم حقيقة أن الزيادة السنوية في محاصيل الحبوب تزداد بشكل أكثر بطئا اليوم...

محمد كريشان (مقاطعا): على كل سيد دورج كونكو شكرا جزيلا لك وهو الباحث في معهد المشاريع التنافسية كان معنا في هذا الجزء الأول من البرنامج شكرا جزيلا له، فيما سنخصص نقاشنا بعد هذه الوقفة القصيرة للتداعيات المحتملة لهذا الغلاء المستمر على الاستقرار الاجتماعي والسياسي في بعض الدول لا سيما الدول العربية، نعود إليكم بعد قليل.



[فاصل إعلاني]

التداعيات المحتملة على الاستقرار الاجتماعي والسياسي

محمد كريشان: أهلا بكم من جديد وحلقتنا تتناول التحذير الخطير الذي وجهه البنك الدولي من أن موجة الغلاء في العالم ستستمر على الأرجح إلى غاية عام 2015. سيد مجدي صبحي في القاهرة، حسب البنك الدولي هناك 33 دولة مهددة باضطرابات اجتماعية، وحسب منظمة الغذاء العالمية في روما الدول التي يتوجه دخلها ما بين 50 و 60% من دخلها إلى الغذاء أيضا مرشحة لاضطرابات من هذا القبيل. ما خطورة هذا الأمر؟

مجدي صبحي: أعتقد أنه من الطبيعي في حالة ازدياد أسعار السلع الغذائية الرئيسية خاصة في البلدان الفقيرة أن يصل هؤلاء إلى حد الكفر بكل ما حولهم والتمرد على الحكومات كما حدث في هاييتي وكما حدثت بعض الأمور في مصر في أعقاب زيادة أسعار السلع الغذائية الرئيسية، نحن نتحدث عن فقراء من المعروف أن معظم دخلهم ينصرف إلى الغذاء وبالتالي في حالة ارتفاع أسعار الغذاء لا يستطيعون حتى أن يجدوا الدخل الكافي لإقامة أودهم وبالتالي أتصور أن عدم الاستقرار والفوضى ربما السياسية في بعض البلدان مرشحة للتزايد إذا لم يتم تدخل حاسم على المستويات المحلية وعلى المستويات الدولية. أعتقد على المستويات الدولية لا بد من توجيه معدل أعلى من السلع في شكل معونات غذائية وخاصة لبلدان أفريقيا جنوب الصحراء وأيضا في البلدان التي تتمتع بوفرة نسبية في إنتاج المحاصيل الزراعية لا بد أن تعيد التفكير والتوجه إلى إنتاج تلك المحاصيل التي ازدادت أسعارها حتى يمكن العمل على خفض أسعارها، وأعتقد أن هنا لدينا خبر جيد وهو اتجاه عدد من الدول العربية لاستغلال الإمكانيات الزراعية الوفيرة في بلد مثل السودان لإنتاج المزيد من الحبوب تحديدا ولا سيما القمح وهناك خطط مشتركة الآن بين مصر والإمارات والسودان لإنتاج القمح من حوالي ستة مليون فدان وأنا أتصور أن هذا بحد ذاته كافي لتغطية حاجات البلدان الثلاثة ويزيد بحيث يمكن تصدير البقية إلى بقية أجزاء الوطن العربي التي تحتاج إلى هذه المحاصيل. وبالتالي هذه الأزمة قد تبشر في الحقيقة بتوجه جديد بإدراك أعلى لخطورة التعرض للأمن الغذائي لأن عدم الاستقرار السياسي قد يقلق الحكومات ربما يدفعها أتمنى إلى التحرك بسرعة لمحاولة مواجهة الوضع الصعب الحالي.

محمد كريشان: هل يدفعها وهنا أسأل الدكتور حسن الخليل،هل يدفع هذا الأمر بعض الحكومات إلى مراجعة سياسة رفع اليد عن دعم السلع الأساسية؟ في السنوات الماضية كان هناك رفع تدريجي للدعم الحكومي للقمح لغيره لمشتقات الألبان وغيرها، هل هذه الصيحة من البنك الدولي يجعل كثير من الحكومات تفكر قبل أن ترفع ولو مليم واحد عن الدعم؟

حسن الخليل: المشكلة أن أكثر الحكومات اللي عم تتكلم عليها هي حكومات في دول فقيرة فهي طبعا بين نارين، بين أن مسؤوليتها المالية بأن تصحح أوضاع ميزانيتها ومسؤوليتها من جهة ثانية أنه كمان لا تسبب مشاكل اجتماعية يعني في مجتمعاتها. أنا أعتقد أنه يعني بتأسف أن أقول إنه أنا غير متفائل في حل الوضع الحالي، أظن هذا ثمن على العالم أن يدفعه نتيجة غياب أو إطلاق اليد لما يسمى اقتصاد السوق وأنا لا أدعو إلى العودة إلى لا سمح الله إلى الاشتراكية أو الشيوعية وإنما أقول إن إعطاء الحرية الكاملة لما يسمى اقتصاد السوق سيؤدي إلى كوارث كما نشهدها اليوم ولا أظن أننا شهدنا...

محمد كريشان (مقاطعا): هي وزيرة فرنسية، سيد خليل، دعت إلى ضرورة تصحيح العولمة، تصحيح العولمة استعملت..

"
هناك صراع بين قوتين قوة التضخم وقوة الركود، لذلك يجب عقد اتفاقية دولية تضبط إمكانية التوزيع العادل خاصة أن الدول بسبب العولمة أصبحت مجتمعا واحدا
"
  حسن الخليل

حسن الخليل (متابعا): هذا اللي بأقوله، يعني هناك صراع كبير حتى اليوم في المجتمعات الغربية ما بين أن هالغلاء هيدا سيسبب تضخما ولكن إن لم يتم تدارك الوضع سيؤدي إلى ركود فهناك صراع ما بين قوتين قوة التضخم وقوة الركود، وإذا لم يتم وجود نوع من اتفاقية دولية تضبط أن يكون هناك نوع من إدارة صحيحة وليس إدارة إعلامية فقط لموضوع البيئة لموضوع مساحة الأراضي الزراعية لموضوع إمكانية التوزيع العادل في لأنه اليوم الكرة الأرضية بسبب العولمة أصبحت كمجتمع واحد، لا يمكن أن نظل على مجتمع أن يكون هناك دول فيها ترف ودول فيها فقر وفيها مجاعة، هذا الأمر سيؤدي بالنهاية إلى نوع من ذوبان اجتماعي في بعض الدول الفقيرة لا بد أن تطال شرارته بعض الدول يعني القريبة من تلك الدول الفقيرة، لا يمكن إيجاد حل..

محمد كريشان (مقاطعا): هو حتى الدول العربية يعني عفوا، حتى الدول العربية ما حصل في مصر ما حصل في موريتانيا ما حصل في أكثر من دولة عربية وهنا أعود إلى السيد مجدي صبحي في الدقيقة الأخيرة..

حسن الخليل (مقاطعا): لا، معلش بس لو سمحت لي بس، موضوع مصر..

محمد كريشان (متابعا): لا الدقيقة الأخيرة فقط مع السيد مجدي صبحي لو تكرمت فقط يعني سؤال سريع وإجابة سريعة، هل الدول العربية ستتعظ بما جرى وقد تراجع بعض السياسات؟

مجدي صبحي: أنا أتصور حتمية ذلك لأننا نرى في ذلك الآن اتفاقات سريعة ما بين مصر والسودان والإمارات. نحن ندعو إلى الاكتفاء الغذائي العربي منذ أكثر من ثلاثة عقود دون أن نجد أي صدى في الواقع، الآن ربما نجد اتفاقات واضحة بتمويل واضح لإنتاج كميات محددة من عدد محدد من الفدادين، هذا الأمر لم يكن مطروحا في السابق، وأتصور أنه إذا لم تفعل هذه الحكومات ذلك الآن وبسرعة فعليها ألا تلوم إلا نفسها في الحقيقة.

محمد كريشان: شكرا لك سيد مجدي صبحي الخبير الاقتصادي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، شكرا أيضا لضيفنا الدكتور حسن الخليل الخبير المالي والاقتصادي كان معنا من لندن ومعذرة هناك فقط ضغط الوقت أيضا إلى جانب ضغط الأسعار، شكرا جزيلا لكما. وبهذا نصل إلى نهاية هذه الحلقة من البرنامج بإشراف نزار ضو النعيم، غدا بإذن الله قراءة جديدة في ما وراء خبر جديد، أستودعكم الله.