- عوائق تحقيق (التعليم للجميع) في العالم العربي والإسلامي
- التفاوت بين المناطق الحضارية والريفية

محمد كريشان
: السلام عليكم. نتوقف في هذه الحلقة عند تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة_اليونيسف خلص إلى أن نحو 93 مليون طفل في مختلف أنحاء العالم لا يتلقون أي درجة من التعليم، وأن عدد الأطفال الذين لا يتلقون تعليماً رسمياً انخفض بنسبة 20%. وفي حلقتنا هذه محوران، ما هي العوائق التي تحول دون توسيع فرص الحصول على التعليم الأساسي لجميع الأطفال، خاصة في البلاد العربية؟ وكيف يمكن تحسين نوعية التعليم في البلدان العربية، وجَسر الفجوة بين مناطقه الحضارية والريفية؟... بعد خمس سنوات على اجتماعٍ عقده زعماء العالم، في دورة الجمعية العامة الاستثنائية للأمم المتحدة، المعنية بالأطفال، أطلقت منظمة اليونيسف تقريراً تحت عنوان، التقدم من أجل الأطفال. وتضمّن التقرير إحصائيات وتقييماً شاملاً للنتائج التي تم تحقيقها حتى الآن في مجالي التعليم والصحة، وذلك من أجل عالم يليق بالأطفال.

 

[تقرير مسجل]

 

نبيل الريحاني: بدأ العد التنازلي لاقتراب موعد 2015، ودول العالم لم تف بوعود قطعتها لفائدة الطفولة. استنتاجٌ أساسيٌ خلص إليه آخر تقرير لمنظمة اليونيسف، رصد ما تحقق وما لم يتحقق من خطة التقدم بالأطفال. تلك الخطة التي اتفقت دول العالم على تجسيد أهدافها، فوفّقت في البعض وأخفقت في البعض الآخر. ثمّن التقرير انخفاض وفيات الأطفال بنسبة 60% قياساً لما كانت عليه في ستينيات القرن الماضي، مُسجّلاً تراجع وفيات الأطفال، دون الخامسة، إلى أقل من 10 ملايين، سنة 2006. تقدُّمٌ يرجعه التقرير إلى اتساع نطاق عمليات التطعيم ضد أمراض، كانت إلى وقت قريب تفتك بكثير من الأطفال، رغم ذلك لم تنقذ الجهود المبذولة قرابة 10 ملايين طفل دون الخامسة من براثن الموت الذي يصطادهم لعلّة أو لأخرى. حتى أولئك الذين تُكتب لهم الحياة يترصد سوء التغذية 143 مليون منهم، بينما يفتقد زهاء 900 مليون طفل خدمة الصرف الصحي. بعد الحفاظ على الأرواح يأتي الدور على التعليم كمدخل لحياة كريمة، هي نظرياً حقٌ لكل أطفال العالم. كسبت البشرية جولات من معركة تعميم التعليم على الجميع، فقد أضحى مزيد من الدول قادراً على توفير التعليم الابتدائي للجميع، النتيجة أكثر من 90% من الأطفال، أغلبهم بنات، يلتحقون بالمدارس. إنجاز لم يخف التقرير وجهه الآخر، فنسبة الأطفال الذين لا يتلقون تعليماً، وإن انخفضت بـ 20%، إلاّ أن نحو 93 مليون طفل في مختلف أنحاء العالم لا يتلقون إلى الآن أي درجة من التعليم، كما أن 60% من الذين هم في سن التعليم الثانوي لا يلتحقون بالمقاعد الدراسية. أرقامٌ يرسم المسافة المتبقية بين دول العالم والهدف المأمول، تعليم للجميع. خصّ التقرير العالم العربي بشيء من أرقامه التي لم تفلت من نفس الاستنتاج، فتونس ومصر والأردن حققت التحاقاً شبه كامل بالتعليم، لكن أكثر من 8 ملايين طفل في العالم العربي يفوتهم قطار التعليم، سيما في المناطق الريفية. بلغة النِسب، لا يلتحق بالمدرسة في جيبوتي سوى 34%، وفي السودان 48%، وفي اليمن 46%، 60% من العراقيين أميون، و 25% من أطفال العراق لا يلتحقون بالمدارس أصلاً. مؤشراتٌ تقول، ومن مواقع مختلفة، إن البشرية كسبت جولات هامة، لكنها لم تربح بعد حرب التقدم من أجل الأطفال.

 

[انتهاء التقرير المسجل]

 

عوائق تحقيق (التعليم للجميع) في العالم العربي والإسلامي

 

محمد كريشان: ومعنا في هذه الحلقة من دمشق السفير محمد أنيس سالم مدير المكتب الإقليمي لليونيسف في دمشق، ومن الرباط الدكتور خالد الصمدي الخبير في شؤون التربية والتعليم في المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم الأيسيسكو، أهلاً بضيفينا. نبدأ بالدكتور محمد أنيس سالم في دمشق، التقرير يتضمن بعض الأرقام التي تدعو فعلاً إلى القلق في مجال التعليم، ما سببها؟

"
من أهم أسباب الأمية غياب الرؤية السياسية الشاملة والإرادة الفاعلة
"
محمد أنيس سالم
محمد أنيس سالم: الحقيقة هناك حركة مستمرة في هذه المعركة، نأخذ خطوتين إلى الأمام ثم خطوة إلى الخلف. لدينا تحديات كبيرة في تحقيق هدف التعليم للجميع، أولها غياب الرؤية السياسية الشاملة، والإرادة الفاعلة في إعطاء هذا الموضوع حقه في مجال الفكر الإنمائي، خاصة في العالم العربي. لدينا أيضاً مشكلة الفقر، إذا نظرنا إلى العالم العربي فنحن دائماً كنا نتحدث عن 13 مليون طفل عامل، بالتأكيد هذه فرصة ضائعة من رصيد العالم العربي، وقدرته على الاستعداد للتنافس العالمي. أيضاً لدينا العديد من المنازعات المسلحة، سبع منازعات مسلحة تخرج أعداد كبيرة من الأطفال العرب من مجال المدرسة. إذاً هناك مجموعة من التحديات الكبيرة التي تحتاج إلى إرادة سياسية، وتحتاج إلى حركة مستمرة حتى نتغلب عليها.

محمد كريشان:نعم، إذاً هناك الرؤية السياسية، هناك الفقر، وهناك النزاعات المسلحة. دكتور خالد الصمدي، ما رأيك في هذه الأسباب، هل لديك إضافة بالنسبة إليه؟

خالد الصمدي: بدايةً أنا خبير متعاون مع المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ومع منظمات أخرى، وأرأس المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية الإسلامية. بدايةً أشكر المنظمة على استضافتها، وأعتقد أن هذه الإحصاءات التي استمعنا إليها تحتاج إلى أن نضعها في إطارها العام، لأنه أزمة تمدرس الطفل لا تنفك عن الأزمة العامة التي يعيشها نظام التربية والتكوين، في العالم بصفة عامة، وفي بلدان العالم العربي والإسلامي التي هي جزء من العالم النامي بصفة خاصة، فإذا ما علمنا مثلاً أن حوالي 700 مليون و74 شخص يعانون من الأميّة، في آخر تقرير أصدرته منظمة اليونيسكو، بشأن المعرفة للجميع، أو التعليم للجميع، المتوقع أن يصدر قريباً سنة 2008. وإذا ما اعتبرنا أن الدول الإفريقية الآن دخلت القرن 21 وهي تجر ذيول حوالي 168 مليون أمّي، وطبعاً من ضمنها كثير من بلدان العالم العربي والإسلامي، إذا ما علمنا أن العالم العربي والإسلامي دخل إلى القرن الـ 21 وهو يعاني من حوالي 60 مليون أمّي، فأشك أن كل هذه الأشياء تفسر طبيعة الأزمة التي يعيشها النظام التربوي والتعليمي في بلدان العالم العربي والإسلامي. لكن دعنا نركز الآن بشكل أكثر تدقيقاً على مشكلة التمدرس بالنسبة للأطفال، صحيح أن قضية التشغيل هذه والتي شغلت الدنيا والناس، وتفوّت على الأطفال كثير من فرص التمدرس، تشكل هاجساً، حقيقةً، للمنظمات، سواء الوطنية أو الدولية المعتنية بشؤون الطفولة، وخاصة منظمة اليونيسف، على سبيل المثال، أو بعض المنظمات الأخرى. لكن رغم الإيجابيات التي سجلتها التقارير الدولية، خاصة تقارير التنمية البشرية والتي بيّنت أن نسبة الالتحاق بالمؤسسات التعليمية وصل الآن إلى حوالي 89% في العالم أجمع، لكن نسب احتساب تمدرس الأطفال لابد وأن نأخذ فيها بعين الاعتبار الهدر المدرسي أو الأطفال الذين ينقطعون في سن مبكرة عن الدراسة......
محمد كريشان (مقاطعاً): دكتور من بين، يعني لو سمحت لي، من بين الأرقام المخيفة فعلاً في هذا التقرير، وهنا أعود إلى السفير محمد أنيس سالم، من بين الأرقام المخيفة، أن 93 مليون طفل في العالم لا يتلقون أي درجة من التعليم. إذا أردنا أن نعرف، ولو على سبيل التقريب، النسبة في الدول العربية أو العدد في الدول العربية هل الشكل يبدو مخيفاً أيضاً؟

محمد أنيس سالم: نحن كنا نتحدث منذ سنوات قريبة عن حوالي 10 مليون طفل عربي خارج المدرسة، ثم بدأنا اليوم نتحدث عن حوالي من ستة إلى سبعة مليون، لا شك أن هناك بعض الدول العربية التي نجحت في توسيع نطاق التعليم الأساسي، ومن بينها مثلاً اليمن، لكن أيضاً نتحدث عن دول مثل سورية، دول مثل المغرب، بالتأكيد إنها نجحت في توسيع نطاق التعليم الأساسي بمعدلات جيدة جداً، حوالي 10% سنوياً، هذه معدلات طيبة للغاية، لكن لا يزال لدينا عدد كبير خارج نطاق الدراسة، كما أن لدينا مجموعة من المشكلات، سوف نعود إليها في هذا الحديث، وهو كيف تصبح العملية التعليمية غير جاذبة، أو أحياناً طاردة للطالب، بحيث أنها فيها هدر كبير، فيه تساقط كثير من الطلبة، وبالتالي يزداد عدد الطلبة أو الأطفال الموجودين خارج المدرسة.

محمد كريشان: من بين الـ 10 ملايين التي ذكرتها، سيد سالم، معظمهم في مصر والعراق والمغرب والسودان، حسب التقريب. ولكن هناك دول، مثلما أشرت، حققت معدلات التحاق شبه كاملة بالتعليم الأساسي، من بينها تونس، إيران، الأردن، مصر. هنا أسأل الدكتور خالد الصمدي، عما يمكن فعله حقيقة للحد من حدة هذه العوامل التي تعيق التحاق أوسع بالمدارس في البلاد العربية.

خالد الصمدي: يا سيدي دعني في البداية أقول، أن الإحصاءات التي تذكرونها، هي إحصاءات تسير في اتجاه الكم أكثر مما تسير في اتجاه النوع وفي اتجاه الجودة، على اعتبار أن الكثير من الذين يلتحقون الآن بالتعليم الأساسي لا شك أنهم يعانون، في المؤسسات التعليمية، من اكتظاظ كبير، يعانون من انقطاع مبكر عن الدراسة، يعانون أيضاً من سوء التغذية، يعانون من إشكالية التنقل إلى المؤسسات التعليمية وخاصة في القرى. فرغم أنه من الممكن أن نسجل هذه النسب المرتفعة التي تصل، كما قلت، إلى 90-95%، عندنا في المغرب مثلاً، وصلت إلى هذه النسبة منذ حوالي 2005. لكن الإشكال يكمن في النوع، بحيث أن الكثير من الأطفال الآن، هم موجودون في المؤسسات التعليمية لكنهم لا يتلقون تعليماً جيداً بالشكل المطلوب، الذي يؤهلهم للانخراط في التنمية، ويؤهلهم في الاستمرار في التعليم الذاتي. فأكيد أن هذه هي الإشكالية الكبرى، وليست الإشكالية في الأرقام التي تُسجل هنا وهناك والتي، على كل حال، تعطي وجه مشرق متفائل. لكن التحديات الكبرى، في اعتقادي، تكمن في الجودة، تكمن في النوعية، تكمن في الاستمرار في المراحل التعليمية المتقدمة إلى التعليم الجامعي. دعني أقل لك على سبيل المثال، أن الأطفال الذين يُسجلون في بلدان العالم العربي الآن، من أصل 100 لا يصل إلى التعليم الجامعي إلاّ 1 أو 2% وهذا إشكال كبير جداً. يعني أشك أن النسب التي تلتحق بالتعليم الأولي إذا لم تجد هذا الاستمرار، وإذا لم تجد هذه الضمانة للاستمرار، فلا يمكن في حال من الأحوال أن ننظر إلى هذه الأرقام بشيء من التفاؤل ثم...

محمد كريشان (مقاطعاً): طالما التقرير يتحدث عن عالم يليق بالأطفال، نسأل الدكتور محمد أنيس سالم عن هذه المسألة التي أشار إليها الدكتور صمدي، هل التقرير ركز، ربما، على الأرقام أكثر من النوعية الخاصة بالتعليم؟ لأنه يمكن أن تكون الأرقام مرتفعة أو منخفضة في حين أن النوعية قضية أخرى.

محمد أنيس سالم: التقارير التي تتابع أهداف التعليم للجميع، هذه أهداف موضوعة منذ التسعينيات، تتضمن النظر إلى موضوع الالتحاق، ولكن أيضاً تحلّل مسألة الجودة. نحن دائماً يعني لتسهيل الأمر، نحن نبدأ من الناحية الإحصائية حول الالتحاق، لأنه إذا كان الطفل غائب عن المدرسة أصلاً، فكيف نبدأ الحديث عن الجودة في التعليم؟ لكن بالتأكيد، وأنا أتفق مع زميلي المتحدث السابق، الحقيقة فيه مشاكل كثيرة خاصة بالجودة، ولكنها تحتاج أيضاً إلى طرح موسّع. نحن نتحدث عن نسب معينة، هناك مؤشرات أيضاً.. التقارير الدولية تتحدث عن مؤشرات، مثلاً، نسبة الطالب إلى المدرّس، نسب توفر المواد التعليمية، توفر الكتاب المدرسي، نسبة المعلمين المدرّبين، نسبة المعلمين من حَمَلة الشهادات الجامعية. إذا نظرنا إلى كافة هذه المؤشرات، بالتأكيد في حالة العالم العربي، فهي مؤشرات تدعو إلى القلق، ويمكن في بعض الأحيان تدعو إلى قلق أكبر من موضوع الالتحاق. لكن أنا أعتقد أنه الموضوع ينبغي أن يبدأ بأن نعالج مشكلة الالتحاق ثم ننتقل إلى مشكلة الجودة.

محمد كريشان: على كلٍ سنتابع النقاش حول هذا الموضوع، لاسيما كيفية النهوض بالتعليم، خاصة في ظل هذا التفاوت القائم بين المناطق الحضارية والمناطق الريفية في البلاد العربية، ولكن بعد وقفة قصيرة، نرجو أن تبقوا معنا.



 

[فاصل إعلاني]

التفاوت بين المناطق الحضارية والريفية

 

محمد كريشان:أهلاً بكم من جديد. وحلقتنا هذه تناقش نتائج تقرير لمنظمة اليونيسف حول ما تم إنجازه حتى الآن عالمياً، من أجل عالم يليق بالأطفال. نسأل الدكتور خالد الصمدي في الرباط، عندما نتحدث عن البلاد العربية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حسب تقرير اليونيسف هناك 140 مليون طفل دون سن 18، يعني تقريباً 40% من السكان، عندما نتحدث عن تفاوت بين المناطق الحضارية والمناطق الريفية، فيما يتعلق بالتعليم، هل تراها قضية نوعية هامة عند النقاش في هذا الموضوع؟

"
من أسباب التفاوت في التعليم بين المناطق الحضارية والمناطق الريفية ضعف التجهيزات التحتية والمواصلات وعزوف كثير من المدرسين عن الالتحاق بالمناطق الريفية
"
خالد الصمدي

خالد الصمدي: أكيد لأنه الآن الهدر المدرسي الذي نتحدث عنه، أو التسرب المدرسي الذي نتحدث عنه، هو يختلف من الحاضرة إلى المناطق الريفية، على اعتبار أن هناك إشكالات مشتركة بين المنطقتين، لكن هناك أيضاً مجموعة من الإشكالات التي تميّز كل منطقة على حِده. فحينما نتحدث مثلاً عن ضعف في البنيات والتجهيزات التحتية، من أقسام، من تجهيزات معلوماتية، على سبيل المثال، من أطر كوادر تربوية وإدارية، أكيد أن الأمر مرتبط بالبادية ومرتبط بالريف، لكن الإشكال يتعمق أكثر حينما يتعلق الأمر بالبادية، لأن الأمر يتجاوز ذلك إلى قضية التغذية والمطاعم المدرسية، إلى قضية الإشكال في التنقل إلى المناطق البعيدة، إشكالية استثمار تكنولوجيا العلوم والاتصال، على اعتبار أن هذا الأمر متاح في الحاضرة ولكنه غير متاح بشكل كافٍ في البوادي، عزوف كثير من المدرسين عن الالتحاق بالمناطق الريفية، الشيء الذي يجعل الكثير من المنظمات الدولية تقدم منح لمساعدة هؤلاء على الاستقرار في البوادي، ضعف الإمكانات التي تتاح لهؤلاء المدرسين حتى يقوموا بواجباتهم التعليمية، فأبسط الوسائل حقيقةً التي يمكن أن تتوفر في المناطق الحضارية لا تتوفر في مناطق البادية، أضف إلى هذا إشكالية حقيقية في بعض الأرياف، وتتعلق بإشكالية الأمان التعليمي الذي يعاني منه المدرسون، بحيث أن العنف في المؤسسات التعليمية وعلى المدرسين أيضاً وعلى رجال الإدارة التربوية، يمكن أن يكبر وتكثر خطورته في المناطق الريفية أكثر من المناطق الحضارية....

محمد كريشان (مقاطعاً): ولكن عفواً، هذا التفاوت بين المناطق الحضارية والمناطق الريفية، السفير محمد أنيس سالم، هل هو مرتبط بإمكانيات كل دولة؟ بمعنى أن، ربما، هذه المشاكل ليست بالحدة الفظيعة في بعض الدول الميسورة في دول الخليج العربي أو غيره، بينما في مناطق أخرى أو دول عربية محدودة الإمكانيات، القضية مطروحة بحدّة؟

محمد أنيس سالم: بالتأكيد هي مرتبطة بقضية التفاوت، التفاوت في العالم العربي ينعكس بين الدول الغنية والدول الفقيرة، ولكن أيضاً داخل الدول ذاتها بين مناطق مميزة ومناطق أكثر فقراً، وإذا نظرنا إلى كل مؤشرات العملية التعليمية من ناحية توزيع المعلمين، تأهيل المعلمين، حالة المدارس، حالة المواد التعليمة، قوة الدعم والإشراف، كل هذه المُدخلات، كلها أكثر فقراً في المناطق الريفية. هذا لا يمنع أن هناك مبادرات تستأهل الإشارة إليها، مبادرات تركّز على توفير التعليم في مناطق فقيرة، مناطق ريفية، وهناك مجموعة من المبادرات العربية طيبة جداً، نذكر منها، أخيراً، مبادرة مؤسسة سمو الأمير محمد بن راشد، للتركيز على توفير التعليم لعدد ضخم من الأطفال، أعتقد أنها مبادرة جيدة جداً، ونموذج طيب لإمكانية التعاون العربي في هذا المجال.

محمد كريشان: هل تلاحظون سيد سالم، فيما يتعلق.. هناك بعض الدول العربية التي استثمرت منذ البداية في قطاعي التعليم والصحة بشكل كبير، في حين أن دول عربية أخرى، لظروف خاصة أو لخيارات خاصة، توجهت أكثر للجيش وغيره، هل تشعرون بأن الدول التي استثمرت في التعليم الآن تقطف نتائج أفضل من سابقاتها؟

محمد أنيس سالم: بالتأكيد الاستثمار في التعليم، والنظر إليه على إنه موضوع له عائد اقتصادي حقيقي في حدود 7% سنوياً، هي نظرة متطورة، لدينا تجارب عالمية كثيرة تدل على ذلك، عندما نتحدث عن قضية وقصة النمور الآسيوية، بالتأكيد استثمارها في التعليم في السبعينيات والثمانينيات انعكس إلى معدلات إنمائية مرتفعة جداً، فوق 10% سنوياً في التسعينيات وفي بداية هذا القرن. ولذلك بدأت حديثي بالإشارة لأهمية وجود رؤية شاملة، مشروعات قومية شاملة تضع التعليم على رأس سلم الأولويات الاستراتيجية للدول، وبالتالي نستطيع أن نقتحم هذا المجال ونحصل على عائد طيب، لأن مردود العملية التعليمية ينعكس في مجال الصحة، ينعكس في مجال المشاركة السياسية، ينعكس في مجالات كثيرة، ينعكس في معدلات التنمية الاقتصادية، وبالتالي هو متعدد العائد في المدى المتوسط والمدى البعيد.

محمد كريشان: نعم، في هذه الحالة وفي نهاية البرنامج نسأل الدكتور خالد الصمدي، هل يمكن أن تكون نظرتنا إلى المستقبل، في ضوء بعض هذه المؤشرات،نظرة أكثر تفاؤلاً في قطاع التعليم في البلاد العربية؟

خالد الصمدي: ما دام هناك حراك سياسي واقتصادي واجتماعي، ودخول مؤسسات المجتمع المدني من جمعيات ومنظمات وهيئات، أكيد أن هذا يمكن أن يحمل بشارات في المستقبل القريب، بالنسبة لتطور التعليم في بلدان العالم العربي والإسلامي. لو أخذنا على سبيل المثال، كما أشار زميلي الأستاذ محمد أنيس سالم، لو أخذنا على سبيل المثال التجربة الماليزية التي، إلى حدود بداية التسعينات لم تكن بلداً منتجاً للنفط وكانت تعتمد بشكل كبير جداً على التنمية البشرية وعلى تنمية القدرات الذاتية لها في هذا الاتجاه، لكن حينما اكتشفت النفط أكيد أنها عاشت قفزة نوعية جداً، ونحن نرى الآن ما تعيشه ماليزيا وما تعيشه بعض البلدان المماثلة. فهذا النموذج يمكن أن يفتح آفاقاً، حقيقةً، قد تدعو إلى التفاؤل بالنسبة لمستقبل التعليم في بلدان العالم العربي والإسلامي، ولكن بشروط. أعتقد أن الشرط الأول هو، ينبغي أن تنظر بلدان العالم العربي والإسلامي إلى ملف التعليم على أنه ليس قطاعاً اجتماعياً ولكنه قطاع إنتاجي، حينما تنظر بلدان العالم العربي والإسلامي إلى التعليم على أنه قطاع اجتماعي فإنها تشعر الدولة، أو النظام يشعر أنه يقدم خدمة للطفل أو للمتمدرس، لكن حينما ينظر إليه أنه قطاع استثماري، فلا أشك أنه ينظر في المستقبل البعيد إلى العائدات التي يمكن أن يجنيها. دعنا نقارن بين تكلفة التمدرس وتكلفة الأمية لكي نقارن الانعكاسات الإيجابية والسلبية على مستوى التنمية في كل بلد من البلدان، الشق الثاني، وأعتبره مهم جداً....
محمد كريشان (مقاطعاً): باختصار شديد.

خالد الصمدي (متابعاً): باختصار شديد، المنظمات الغير حكومية التي تشتغل في قطاع الإغاثة وفي قطاع العمل الخيري والاجتماعي، تولي الاهتمام للمساعدات المادية ولكنها لا تولي الاهتمام الكافي لتنمية المهارات والقدرات التي تؤدي بهذا الشخص إلى أن ينخرط ذاتياً في التعليم، وينخرط ذاتياً في التنمية.

محمد كريشان: شكراً لك دكتور خالد الصمدي الخبير المتعاون مع منظمة الإيسيسكو في شؤون التربية والتعليم، وشكراً لضيفنا من دمشق السفير محمد أنيس سالم مدير المكتب الإقليمي لليونيسف في دمشق، وبهذا نصل إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم، غداً بإذن الله لقاء جديد مع خبر جديد في أمان الله.