- أسباب الاعتراضات التي يواجهها ساركوزي
- أبعاد سياسة ساركوزي تجاه العرب

محمد كريشان: السلام عليكم. نحاول في هذه الحلقة التعرُّف على ما وراء الجدل المحتدم في باريس حول زيارة الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي إلى فرنسا، استجابة إلى دعوة من رئيسها نيكولا ساركوزي. وفي حلقتنا محوران، مامدى جدية الاعتراضات التي يواجهها ساركوزي بسبب زيارة القذافي إلى باريس؟ وهل تُقرأ هذه الزيارة، وزيارات ساركوزي العربية، في سياق سياسة فرنسية جديدة تجاه العرب؟..في باحة الإليزيه، التي يعود إليها بعد أربعة وثلاثين عاماً، ضرب الزعيم الليبي معمر القذافي خيمته مثيراً الكثير من الجدل حول الزيارة. فقد فرّقت الشرطة تجمعاً لعدد من المحتجّين على هذه الزيارة في ساحة تروكاديرو في باريس، بينما تجمّع عدد من مناصريه، مناصري القذافي بالطبع، في ساحة الكونكورد وهتفوا بالتأييد لمواقفه. لكن الجدل حول زيارة القذافي إلى العاصمة الفرنسية لم يتوقف عند معارضيه ومؤيديه من غير المعنيين بتوجيه الدعوة إليه أصلاً، بل تعداهم إلى داخل الحكومة الفرنسية نفسها.

[تقرير مسجل]

تقرير نور الدين العويديدي/ قراءة أمير صديق: دبلوماسية الصفقات التي تستقبل فرنسا في ظلّها الزعيم الليبي معمر القذافي تثير ضجة هائلة في باريس، وينقسم الرأي العام في شأنها معسكرين متقابلين. صحفٌ كثيرة رأت فيما يجري مساساً غير لائق برصيد فرنسا الأخلاقي والدولي، وأخرى لم تر بأساً في واقعية الرئيس ساركوزي، التي تدافع عن مصالح فرنسا التجارية مهما كانت الانتقادات. الانقسام ضرب أيضاً أوساط السياسيين في الحكم والمعارضة، سيغولين رويال الزعيمة الاشتراكية ومنافسة ساركوزي على كرسي الرئاسة، اعتبرت زيارة القذافي مدعاة للصدمة، والاشتراكيون أعلنوا رفضهم استقبال القذافي في الجمعية الوطنية، في حين رفض فرانسوا فيون رئيس الحكومة الفرنسية تلقّي الدروس من أحد، ورأى في الأيام الخمسة التي يقضيها القذافي في فرنسا فرصةً للتصالح بين باريس وطرابلس. البيت الحكومي ذاته لم يكن على وفاق تام في التعامل مع الزيارة، فالرئيس ساركوزي يعلن ترحيبه الحار بالقذافي ضيفاً على بلاده، أما وزير الخارجية برنارد كوشنير، ذو الخلفية الحقوقية، فقد دافع عن الزيارة لكنه بدا مستاءاً من وقوعها في الذكرى السنوية لتبنّي الاعلان العالمي لحقوق الإنسان، وزيرة الدولة لحقوق الإنسان راماياد أعربت عن انزعاجها من الزيارة، محذّرةً من تحويل فرنسا إلى ممسحة أرجل بإمكان أي زعيم استخدامها في مسح رجليه من دم مجازفاته، على حد قولها. الزيارة بدأت والجدل مهما احتدّ سينتهي قريباً، لكن الحصيلة علاقات أقوى مع دولة نفطية، وصفقةٌ بعشرة مليارات يورو يسيل لها اللعاب، تبيع باريس بمقتضاها، فيما تبيع، مفاعلات نووية مدنية وطائرات قتالية، لم تنجح فرنسا في تصدير أي واحدة منها لأي بلد. تلك هي رهانات ساركوزي وقد أثمرت، رغم الاعتراضات الأخلاقية التي لم تصمد طويلاً أمام بريق المال.

[نهاية التقرير المسجل]

أسباب الاعتراضات التي يواجهها ساركوزي

محمد كريشان: ومعنا في هذه الحلقة من باريس الدكتور عمر الطاهر أحمد رئيس الجمعية الفرنسية للتضامن مع ليبيا، ومن باريس أيضاً الكاتب بصحيفة لوفيغارو اليومية بيير روسلان أهلاً بضيفينا. نبدأ بالسيد بيير روسلان، هل تعتقد بأن كل هذه الاعتراضات على زيارة القذافي داخل الحكومة الفرنسية، ومنظمات حقوق الإنسان، وجزء كبير من الطبقة الفرنسية، يمكن أن تؤثّر في ساركوزي؟

بيير روسلان: لا، لا أعتقد ذلك. إن الرئيس ساركوزي نفسه قدّم موقفاً حازماً بشأن هذه الزيارة، وكذلك وضع المسائل في نصابها، كذلك فإن كافة الانتقادات تأتي من اليسار ومن بعض أعضاء الحكومة، أعتقد أنه فيما يتعلق بالوزراء، فإن الأمر كان مقرراً إنها طريقة لإسكات الانتقادات، لكن ساركوزي قرّر منذ البداية، منذ انتخابه تحديداً، على إعادة العلاقات مع طرابلس، زار طرابلس وعاد من هناك بنيّة واضحة لإعادة علاقات بنّاءة مع ليبيا.

محمد كريشان: ولكن ساركوزي قال أنه لا يساوم في مسألة حقوق الإنسان. ولكن الذين انتقدوه بسبب هذه الزيارة اعتبروها صفقة ومهادنة على حساب سجل ليبيا السيئ في مجال حقوق الإنسان، كما يقولون.

بيير روسلان: صحيح، لكن ساركوزي راهن على أن ليبيا في طريق التحول، وكذلك فإن ليبيا توقفت عن دعم الإرهاب، وتخلت عن أسلحة الدمار الشامل، وبالنسبة لساركوزي فإن استقبال القذافي هي طريقة لتشجيع ليبيا على هذا المنحى.

محمد كريشان: دكتور عمر الطاهر أحمد، رغم أن باريس قدمت تفسيراً معيناً على أساس أن فعلاً هناك محاولة لتشجيع ليبيا للدخول مرة أخرى في الأسرة الدولية، كما يقولون. ألا تعتقد بأن هذا، ما جرى من اعتراضات، هو محرج للزعيم الليبي في زيارة بعد كل هذه السنوات من الغياب؟

"
القذافي تربطه بفرنسا علاقة روحية وأقام معها علاقات اقتصادية قوية واستطاع أن يحرر مدام كلوستر التي اختطفها الرئيس التشادي السابق حسين حبري، واليوم يتحول المحرر إلى إرهابي، يعني العالم يسير على رأسه
"
عمر أحمد الطاهر
عمر الطاهر أحمد: الزعيم الليبي أو القائد معمر القذافي تربطه بفرنسا نوع من العلاقة الروحية تعود إلى أيام صباه، وأنا شخصياً كتبتُ كتاباً عن القذافي والثورة الفرنسية تناولت فيه هذه الجوانب. وأعرف إلى حدٍ بعيد هذا الارتباط. كان هذا الرجل عندما بدأ، إثر الثورة مباشرة، جاء إلى فرنسا بعد سنتين من استلامه الحكم، وأقام الندوة المشهورة في باريس للنقاش مع رجال الفكر، ثم أقام كل تلك العلاقات القوية الاقتصادية وغيرها مع فرنسا، واستمر في ذلك إلى أن وصل إلى حد أنه عندما حدثت لفرنسا أول كارثة فيما يتعلق بحقوق الإنسان، أي عندما قام حسين حبري بخطف مدام كلوستر لم تجد فرنسا من وسيلة، رغم كل الابتزاز الذي تعرضت له، إلا وسيلة واحدة وهي أنها لجأت إليه وحرر لها هذه المرأة. فأنا أتعجب اليوم أن يتحول هذا المحرر لأول أسيرة من محرر إلى إرهابي. بل الأنكى من هذا يا أستاذنا، أن الخاطف والذي هو حسين حبري بعد خطفه وقتله للفرنسيين وإبتزاز أموالهم جاؤوا به إلى هنا واستقبله الرئيس ميتيران في المنصّة الرسمية لأربعة عشر يوليو العيد الوطني. يعني العالم يسير على رأسه..

محمد كريشان(مقاطعاً): ولكن عفواً دكتور يعني أنت هنا تستحضر واقعة محدودة، ربما لا يتذكرها كثيرون ولكن صورة الزعيم الليبي في فرنسا..

عمر الطاهر أحمد (مقاطعاً): هي واقعة تاريخية..

محمد كريشان(متابعاً): يعني عفواً، صورة الزعيم الليبي في فرنسا وفي أوروبا تُصوَّر دائماً، عن حق أو عن باطل لا يهمنا، ولكن تُصور دائماً على أنه صورة الديكتاتور الذي يعتقل الناس، الذي ينتهك حقوق الإنسان، حتى أن منظمات حقوق الإنسان AMNESTY INTERNATIONAL وHUMAN RIGHTS WATCH ومنظمات فرنسية أخرى، أدانوا هذه الزيارة واعتبروها تخالف العرف الفرنسي في التعامل مع الديموقراطية.

عمر الطاهر أحمد: والله.. ولماذا لم نر هؤلاء عندما زار حسين حبري فرنسا؟ ولماذا لم نر هؤلاء عندما جاء رؤساء آخرون قد تكون سجلاتهم أكبر لدى هؤلاء الأطراف، أكثر مما يسجلونه على القذافي؟ المسألة يا أخي تتمثل في أن هناك مشاكل داخلية في فرنسا، صراع داخلي بين اليمين واليسار، صراع بين الحزب الذي حصل على الأغلبية والحزب الذي لم ينجح في الانتخابات، وأصبحت الوسائل كلها تُستخدم في سبيل الوصول إلى تحقيق بعض المكاسب الانتخابية، وخاصة بانتخابات البلدية القادمة مستخدمةً القضايا الخارجية وخاصة قضية ليبيا وزيارة القذافي. زار...

محمد كريشان(مقاطعاً): يعني عفواً لنسأل سيد روسلان عما إذا كانت فعلاً الحسابات السياسوية، كما توصف، داخل الساحة الفرنسية هي التي أجّجت هذا النقاش، وليس موضوع ليبيا وسجلّها وتعاملها في قضايا حقوق الإنسان.

بيير روسلان: نعم أعتقد أنه إذا كان اليسار في السلطة فإنه إذا كانت تستقبل القائد الفرنسي فلن تفعل نفس الانتقادات التي تقوم بها الآن. وأعتقد حقيقةً أن المسألة تعود إلى أسباب سياسية داخلية وهي لمهاجمة ساركوزي فيما يتعلق بسياسته الخارجية، لأسباب.. فعلاً لديهم مشكلة في مواجهة ساركوزي في القضايا الداخلية. كانت هناك إضرابات لم تنجح إن ساركوزي حقق نجاحاً كبيراً في المجال الدبلوماسي وعلى مجالات متعددة. لهذا فإن اليسار يريد أن يؤذيه وذلك من خلال التنديد بزيارة طبيعية لرئيس دولة في فرنسا ككل زعامات الدول الأخرى.

محمد كريشان: ولكن مع الاحترام لهذا المنطق، هي زيارة عادية لرئيس دولة صحيح، ولو أن القذافي لا يقدم نفسه رئيس دولة على كل.. عندما يُقدَّم شخص لمدة سنوات كشيطان، بين قوسين، ثم يُسوق مرة أخرى كرجل يجب التعامل معه بواقعية، ألا يبدو هذا مربكاً حتى للإرث الفرنسي في التعامل في قضايا مشابهة؟

بيير روسلان: أنا أعتقد أن فرنسا دولة ليست بحاجة إلى أن تتلقى هجمات من هذا النوع، فرنسا تحمي مصالحها الخاصة، وقضايا الاستقرار في المغرب وأفريقيا والعالم العربي، وأعتقد أن إعادة علاقاتٍ مع ليبيا هي قضية مهمة بالنسبة للمغرب وأفريقيا والعالم العربي وكذلك فرنسا.

محمد كريشان: على كلٍ بغض النظر عن تقييم الزيارة هناك تساؤل يطرح نفسه وهو، إلى أي مدى دعوة ساركوزي للقذافي إنما تدخل في إطار جولات الرئيس الفرنسي أيضاً في المنطقة، زار المغرب، زار الجزائر، هناك زيارة إلى تونس، زار ليبيا، هل هناك سياسة فرنسية جديدة مع ساركوزي تجاه العرب؟ هذا ما سنبحثه بعد الوقفة القصيرة، نرجو أن تبقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

أبعاد سياسة ساركوزي تجاه العرب

محمد كريشان: أهلاً بكم من جديد. الجدل الذي أثارته زيارة القذافي إلى باريس لم يغب بلا شك عن حسابات ساركوزي قبل قدوم ضيفه إلى مضارب الإليزيه. لكن حسابات معينة ربما دفعت الرئيس الفرنسي إلى تحمّل كل ماقد يأتي من انتقادات، في سبيل الوصول إلى بغية يراها من وراء دعوته العقيد لزيارة فرنسا.

[تقرير مسجل]

إيمان رمضان: حِراك فرنسيٌ على طول خط الساحل المتوسطي الممتد من سورية إلى المغرب. هل هي عودة للحضور الديغولي على الضفة المقابلة من المتوسط، ولكن على الطريقة الساركوزية؟ اتفاقات وصفقات بالمليارات، هي ملمح لتقارب فرنسي عربي يسير بخطى تبدو واسعة وسريعة. ولعل ارتباكاً سياسياً أمريكياً في المنطقة قد شجّع فرنسا على الانطلاق نحو الشرق الأوسط، محاولةً، في طريقها إليه، طي صفحات سوداء من ماضيها فيه. ولما كان لبنان تاريخياً، ولايزال، يتصدر أولويات الاهتمام الفرنسي، باعتباره بوابة فرنسا الشرقية إلى المنطقة، تحرك ساركوزي باتجاهه آخذاً بعين الاعتبار أن التنافس عليه مع واشنطن قد يكون أمراً محفوفاً بالعقبات. وبعد انعقاد قمة بوش_ ساركوزي في واشنطن، واتساع هامش الحرية التي منحتها واشنطن لباريس في الملف اللبناني، لم تؤجل فرنسا انفتاحاً على سورية، باعتبارها ذات دور فاعل في الانتخابات الرئاسة اللبنانية، مدفوعة برغبتها في إنجاح مبادرةٍ، قد تعلّق عليها آمالاً كبيرة في إنهاء الأزمة اللبنانية غرباً لم يكن ساركوزي أقل انفتاحاً،ً فمشروعات بنىً تحتية، وصفقات غاز طبيعي وطاقة نووية تقدر بالمليارات، تستحق التنديد بفظاعة الاستعمار. وهنا يبدو ساركوزي وكأنه يتحدى حالة الفتور الذي خيم على أجواء لقائه الأول بالرئيس بوتفليقة، والحذر الذي تبديه الجزائر حيال محاولات التقارب الفرنسي وتجاوز الماضي، أمام حاجزٍ من الثوابت، على رأسها اعتذار فرنسا لها عن ممارسات الاستعمار الفرنسي في الجزائر. وبينما تحتدّ الانتقادات داخل باريس على زيارة القذافي للإليزية، يؤكد ساركوزي، من خلال رئيس وزرائه، حُسنَ النية من جانب ليبيا، مفنّداً مواقفها السياسية في الفترة الأخيرة، بدءاً من تخليها الطوعي عن برنامجها النووي، وانتهاء بإبدائها كثيراً من التعاون، على حد قوله، في قضية الممرضات البلغاريات، والتي لعبت سيسيليا ساركوزي الزوجة السابقة للرئيس الفرنسي، دور الوساطة فيها.

[نهاية التقرير المسجل]

محمد كريشان: دكتور عمر الطاهر أحمد، هل ترى فيما يُسمى الآن بدبلوماسية الصفقات، هي المحرّك الرئيسي لهذه السياسة الفرنسية الجديدة تجاه دول المنطقة خاصة العربية المتوسطية؟

عمر الطاهر أحمد: لها دور بالتأكيد ولكن ليست هي الأساس. لها دور كبير جداً لحد أن هناك بدأ يظهر خوف من مزاحمة ألمانية وإسبانية للإرث الديغولي الفرنسي في البلاد العربية، وظهر هذا في عدة منشورات. مصالح فرنسا هي المحرك الأساسي لسياستها الداخلية والخارجية بالتأكيد، لكن هناك أيضاً تصوّر جديد لإعادة بناء هذه العلاقات من خلال رؤية جديدة للدور الفرنسي في أفريقيا، من خلال رؤية جديدة للدور الفرنسي في البحر المتوسط، وهذان الأمران يسببان لفرنسا نفسها بعض المشاكل مع بعض الدول المشاركة في السوق الأوروبية المشتركة. مجمل القول، نستطيع أن نقول، أن هناك رغبة لإعادة توزيع الأوراق، وإعادة رسم خطط التحرك الفرنسية، وإعطاء فرنسا أكبر قدر ممكن من الفوائد من هذا التحرك. ولازالت المسألة في طور البناء، وهذا يتلاقي أيضاً مع التوجه الليبي، توجه العقيد القذافي، لإعادة بناء أفريقيا أصلاً، ثم البحر المتوسط وليبيا كهمزة وصل بين الطرفين...

محمد كريشان: هذه الصفقات، وهنا أسأل السيد بيير روسلان، هذه الصفقات وصفقات ضخمة يعني عشرة مليار يورو في زيارة القذافي، خمسة مليار يورو في زيارة ساركوزي إلى الجزائر، تقريباً ثلاثة مليار دولار في زيارة ساركوزي إلى المغرب، أيضاً صفقات هامة في زيارته إلى تونس. هل منطق الصفقات هذا سيعطي الحق والحجة القوية لساركوزي في ما يمكن اعتباره سياسة جديدة تجاه هذه المنطقة؟

"
سياسة الصفقات أصبحت مهمة للدول فالرئيس الفرنسي ما إن يذهب إلى بلد إلا ويعقد صفقات مهمة، الأهم من ذلك مواجهة الآثار التاريخية بين الدول وهو التحدي الذي اتخذه ساركوزي على نفسه
"
بيير روسلان
بيير روسلان: أعتقد أن سياسة الصفقات أصبحت قضية مهمة مهما كانت الدولة المعنية التي تربطنا بها علاقات، فالرئيس الفرنسي والمستشارة الألمانية وقادة آخرون ما إن يذهبوا إلى بلد آخر إلا ويدافعون عن صفقات صناعية لدولهم ويعودون بأرقى مما تظهرها وسائل الإعلام، ولكن المهم من الدبلوماسية هو أننا نشاهد الآن انطلاقة جديدة للدبلوماسية الفرنسية باتجاه المغرب، وأعتقد أن ساركوزي نشيط فعلياً في هذا الاتجاه، هذا بالرغم من المشاكل التي نعرفها في علاقتنا بالجزائر، والتي هي ليست وليدةً للساعة ولم تنته فعلاً، وهو أمر طبيعي، وأنها مسألة تتعلق بالتاريخ، وأعتقد أن ساركوزي اتخذ قراراً على نفسه بمواجهة هذه المشاكل، والعمل على تحسين هذه العلاقات، فعلاً هناك مشاكل مشتركة بالنسبة لمستقبل فرنسا لكن أيضاً مستقبل الدول الأخرى المتوسطية ونسعى إلى حلها معا.ً

محمد كريشان: سيد روسلان، باختصار، هل ترى مفارقة بين صورة ساركوزي التي أُعطيَت عنه في البداية والصورة التي بات يمثلها الآن في علاقاته مع دول المتوسط العربية؟

بيير روسلان: نعم أعتقد أن ساركوزي دائماً تم تصويره بشكل غير حقيقي. أراد إعادة الثقة مع أمريكا وتم اعتبار ذلك بأنه تحالفٌ مع بوش والذي ستنتهي رئاسته بعد سنة. علينا أن نعرف أن فرنسا لم تتغير، وأنه ليس فقط لأن ساركوزي في الحكم فهذا يعني أن فرنسا علاقاتها بالعالم العربي أو المغرب أنها تغيرت بشكل جذري. أعتقد أي رئيس للجمهورية سيسعى إلى إقامة علاقات قوية مع الدول العربية وبالخصوص المغرب العربي.

محمد كريشان: دكتور عمر الطاهر، هل تعتقد بأن فرنسا مع ساركوزي انتقلت من فرنسا المتضامنة مع العرب شعوريا،ً إن صح التعبير، وعاطفياً إلى فرنسا المتضامنة في عملية التنمية وفي مصالح مشتركة، وهذا البُعد لم يكن، ربما، موجود بهذا الوضوح على الأقل.

عمر الطاهر أحمد: صدقت. هذا البعد لم يكون موجود بهذا الوضوح، ولكن هذا الذي سيحصل الآن، علماً بأن الجانب الأخلاقي والروحي يبقى دائماً لدى الفرنسيين أمرٌ لا تفريط فيه. هذا هو التوجه الجديد وقد أشرت إليه بشكل دقيق.

محمد كريشان: ولكن ألا يُخشى دكتور، بأن ليبيا من خلال العشرة مليار يورو وكأنها صفقات ترضية وكسب ود لفرنسا أكثر منها صفقات بالمعنى الاقتصادي الناجع، الذي يتم فيه تبادل المنافع بين طرفين؟

عمر الطاهر أحمد: لمدة طويلة، خلال الخمسة عشر سنة الماضية، وباستمرار_وبإمكان كائن من كان أن يراجع ذلك_ كانت صادرات فرنسا إلى ليبيا تعادل الصفر وكانت وارداتها منها بالمليارات من الدولارات، وذلك طبعاً استيراداً للنفط. فتوازن الميزان التجاري بين البلدين كان لصالح ليبيا خلال العشرين سنة، على الأقل خلال فترة الحصار ومابعد الحصار. فالعلاقات الإقتصادية الفرنسية كانت بشكل جاف ويكاد يكون ميت، والشركات الفرنسية التي يكاد لا يكون لها وجود في ليبيا، باستثناء بعض شركات قطاع النفط. فالآن ربما هناك إرادة لإعادة لأمور إلى ماكانت عليه في السبعينيات ولكن بشكل مفاجئ وقوي. لو أخذنا هالعشر مليارات دولار أو الخمسة عشر أو حتى العشرين مليار دولار وقارنّاها بالعجز التجاري الفرنسي في اتجاه ليبيا لوجدنا أن ليبيا لازالت مستفيدة أكثر مما تستفيد منه فرنسا، ولكن مع ذلك يبقى هناك سؤال كبير، ليبيا يُراد إعادة بنائها الآن، هناك مشاريع كبرى بُدئ فيها، هناك مؤسسات تبحث عن.. وهناك الرغبة بها لحاجة شديدة..

محمد كريشان(مقاطعاً): شكراً جزيلاً لك الدكتور عمر الطاهر أحمد رئيس الجمعية الفرنسية للتضامن مع ليبيا، شكراً أيضاً لضيفنا الثاني من العاصمة الفرنسية الكاتب لصحيفة لوفيغارو اليومية بيير روسلان، وبهذا مشاهدينا الكرام نكون قد وصلنا إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج ماوراء الخبر بإشراف نزار ضوّ النعيم، في أمان الله.