- الحصيلة: إنجازات وإخفاقات وثوابت
- نظرة إلى المستقبل

محمد كريشان: السلام عليكم. نتوقف في هذه الحلقة عند الذكرى العشرين لتأسيس حركة المقاومة الإسلامية حماس، ونرصد إنجازاتها وإخفاقاتها خلال هذين العقدين. وفي حلقتنا محوران، هل تستطيع حماس إعادة الوهج لمشروعها الوطني، بعد العقبات التي حالت دون تحقيقه حتى الآن؟ وكيف يبدو مستقبل الحركة، في ضوء الحصار المضروب عليها والتجاذبات الإقليمية والدولية؟... في الذكرى العشرين لتأسيسها جددت حركة المقاومة الإسلامية حماس التأكيد على حق المقاومة وعدم الاعتراف بإسرائيل، كما أكدت على الثوابت الوطنية، وفي مقدمتها القدس وحق العودة لكافة اللاجئين. جاء ذلك خلال مهرجان حاشد، هو الأكبر من نوعه، منذ سيطرت الحركة على قطاع غزة قبل ستة أشهر. عشرون عاماً إذاً من عمر الحركة كانت حافلة بالكثير من الأحداث، بدءاً بالانتفاضة الأولى وانتهاءً باشتباكات غزة. التقرير التالي يعرض لأهم المحطات والتحولات في مسيرة العمل السياسي لحركة حماس.

 

[تقرير مسجل]

 

إيمان رمضان: مع اندلاع الانتفاضة الأولى كان الظرف الفلسطيني مواتياً لظهور حركةٍ تقاوم الاحتلال الإسرائيلي، في وقت باتت فيه إسرائيل واقعاً مُعتَرفاً به، بينما القضية الفلسطينية مغيّبة عن الساحات السياسية والإعلامية العربية والدولية. وفي قلب هذه الأحداث وجدت حماس مكانها، حركةً مقاومةً تنتمي أيديولوجياً لجماعة الإخوان المسلمين. سنوات أمضتها حماس في نشاط مكثف شمل مستويات سياسية وعسكرية واجتماعية، فكان لها نصيب من التعاطف في الشارع الفلسطيني، ولا شك أن مذبحة الحرم الإبراهيمي كانت نقطة تحول في استراتيجية الحركة، إذ توالت بعد الحادث عملياتها الفدائية، والتي بدأت بعملية تفجير حافلةٍ للركاب في القدس عام 1993. بهذا الإرث، وبخبراتها التي اكتسبتها من الانتفاضة الأولى، دخلت حماس انتفاضة الأقصى وقد باتت أكثر تصميماً على مواصلة استراتيجية العمليات الفدائية كأحد الخيارات الهامة في مقاومة الاحتلال، فلم يؤثر توجه السلطة الفلسطينية نحو اتفاقات التسوية، سواء في أوسلو أو مدريد أو غيرها في منهجها، وتوالت ضربات حماس، وأشهرها عملية ناتانيا في مارس من عام 2002 والتي كبّدت إسرائيل خسائر فادحة. ضربةٌ موجعة تلقّتها حماس في الفجر من طائرات أباتشي إسرائيلية، ليسقط مؤسسها وأبوها الروحي أحمد ياسين تاركاً خلفه تركةً ثقيلة، حملها بعده عبد العزيز الرنتيسي، الذي اغتيل أيضاً بعد فترة قصيرة. ولعل اغتيال الشيخ ياسين كان حلقة أخرى في سلسلة اغتيالات مثّلت استراتيجيةً إسرائيليةً تهدف إلى اجتثاث المقاومة المسلّحة من غزة وسائر الأراضي الفلسطينية. وتوالت الاغتيالات ضربة تلو الأخرى تردّ عليها حماس بضربات أخرى، أبرزها إطلاق صورايخ القسّام على المستوطنات الإسرائيلية. وكان العام 2006 عندما وصلت حركة حماس إلى السلطة، من خلال انتخابات لم يُشكّك في نزاهتها أحد، واعتُبرت وقتها مؤشراً على ثقة تتمتع بها الحركة في الشارع الفلسطيني. وهنا دخلت حماس مرحلة جديدة تختلف كل الاختلاف عن مرحلة الانتفاضتين، فاليوم حماس تجمّد نشاطها المسلح، وإن مؤقتاً، لتدخل معترك الحياة السياسية، بكل ما تحمل من تحديات، في محيطين، إقليمي لم يُبدِ ارتياحاً لوصولها إلى الحكم، وآخر دولي صدمَته نتائج الانتخابات الفلسطينية. وبدأت التحديات وتضافرت الجهود لشل حركة الحركة، التي كانت تتعلم أولى خطواتها على الساحة السياسية، فضُرب الحصار الاقتصادي على الحكومة الجديدة لتأليب الداخل الفلسطيني عليها، وعلى خطٍ موازٍ لتحركات مكوكية غربية لإجهاض تجربة حماس السياسية، تحركت حماس في محيطها العربي بحثاً عن دعم سياسي ومادي لقضيتها، حماس في إيران نتاج طبيعي لمواصلة حصار اقتصادي وسياسي عليها، زيارة أثارت المخاوف عربياً ودولياً من اتساع دائرة النفوذ الإيراني في المنطقة. وبعد فشل المساعي في الداخل والخارج لخلق توافق فلسطيني فلسطيني في حكومة وحدة وطنية، انقسم الصف الفلسطيني بين الضفة الغربية وغزة، لتكون الأخيرة ساحةً لاشتباكات دامية بين فتح وحماس، أحداثٌ تتفرق المسؤولية عنها بين الأطراف الفلسطينية كافةً، سياسية وأمنية. ولعل محاولة حماس استعادة السيطرة على الأجهزة الأمنية في قطاع غزة قد وضعت نقطة النهاية في التجربة السياسية للحركة، فداخلياً أقيلت حكومة حماس واستُبدلت بحكومة سلام فياض، أما خارجياً فقد انعكست أحداث غزة على المقاربة العربية لحماس لتثير المخاوف مجدداً تجاهها على المستوى الرسمي العربي، بينما قدمت تلك الأحداث الذرائع للغرب على طبق من فضة.

 

[نهاية التقرير المسجل]

 

الحصيلة: إنجازات وإخفاقات وثوابت

 

محمد كريشان: ومعنا في هذه الحلقة من بيروت أسامة حمدان ممثل حركة حماس في لبنان، ومن القاهرة الدكتور حسن أبو طالب رئيس تحرير التقرير الاستراتيجي في مركز الأهرام للدراسات، أهلاً بضيفينا. نبدأ بأسامة حمدان في بيروت، يعني بوقفة صريحة مع النفس، طوال هذين العشرين عاماً أين محطات النجاح وأين محطات التعس؟

أسامة حمدان: بسم الله الرحمن الرحيم، بوقفة صريحة مع النفس أقول، نحن لا نحتاج أن نصل إلى الذكرى العشرين لنقرر أين نجحنا وأين فشلنا، فعملية التقييم في أداء الحركة في داخل مؤسساتها تتم بشكل دائم. أعتقد أن حركة حماس نجحت في أن تعيد فرض برنامج المقاومة بعد أن جرى دحره على يد الإسرائيلي عام 1982 في بيروت، استعادت الحركة العنوان السياسي القائل بتحرير الأرض بعد أن وضِع عنوان سياسي آخر عام 1984، عنوانه الأرض مقابل السلام، في اتفاق عمان، وأيضاً نجحت الحركة في أن تقدم إضافة إلى تجربة النضال والمقاومة الفلسطينية العسكرية أو المسلحة، وقدمت الحركة نموذجاً في التاريخ الفلسطيني يقول، إن نهاية التاريخ أو بداية التاريخ لا ترتبط بحركة حماس، فلم نقل أن النضال الفلسطيني يبدأ من عندنا، ولم نقل أنه سينتهي عندنا، بل قلنا أنها فرصة لتحقيق توازن في الساحة الفلسطينية، أنا أعتقد أن هذه هي جملة أساسية من النجاحات التي حققتها الحركة. لا شك أن التجربة التي أعقبت الانتخابات الفلسطينية لم تكن تجربة كما اشتهت الحركة، ولم تكن موفّقة كما أرادت الحركة، لأكثر من عامل ربما بعضها عوامل داخلية فلسطينية، وبعضها عوامل خارجية، لكنني أعتقد أن هذه التجربة كشفت مسألتين، الأولى أن الواقع الفلسطيني لازال حتى الآن يعيش تحت دائرة هيمنة معينة لا يمكن أن يخرج منها بسهولة، والمسألة الثانية أن في إطار النضال الفلسطيني للتحرير يصعب الحديث عن الواقع السياسي كواقع مستقل شأن الدول التي يتم تداول السلطة فيها، لعل هذه التجربة بحاجة إلى قراءة أكثر خلال المرحلة القادمة.

محمد كريشان: بالطبع هذه النظرة من الداخل، ماذا عن نظرة المراقب المحايد أو المتابع للشأن الفلسطيني من خارج الدائرة الفلسطينية؟ الدكتور حسن أبو طالب.

حسن أبو طالب: في الحقيقة أنا أشكر السيد أسامة حمدان على هذا التقييم الإيجابي والمثالي للغاية، والذي لا يضع في اعتباره أن أي تجربة هي لها جوانبها السلبية ولها جوانبها الإيجابية، وأن أي حركة فعّالة وحقيقية وذات صلة بالواقع يجب أن تضع الأمور النقدية أكبر بكثير من الأمور ذات الطابع المثالي والإيجابي. لا شك أن حركة حماس حركة مقاومة نشأت في ظل ظروف معينة ومعقدة للغاية، وقدمت الكثير من التضحيات، قدمت نموذجاً فريداً في إطار العملية السياسية الفلسطينية، سواء ما قبل التسوية أو ما بعد التسوية، لها إسهاماتها في الواقع السياسي الفلسطيني، والواقع النضالي الفلسطيني، كل هذه الأمور لا شك فيها لكن، كما يقال، دائماً العبرة بالخواتيم. السؤال الذي يطرح نفسه الآن، ليس فقط على حركة حماس وإنما على حركة النضال الوطني الفلسطيني، ماذا قدمت هذه التضحيات، ماذا قدمت هذه التجارب، ماذا قدمت هذه النماذج؟ الهدف الأساسي والبسيط للغاية هو الاستقلال الفلسطيني، هل نحن اقتربنا بالفعل، خطوة تلو الأخرى، نحو الاستقلال الفلسطيني، نحو الحرية الفلسطينية، نحو الدولة الفلسطينية المستقلة، نحو الوفاق الوطني الفلسطيني، أم أننا ابتعدنا؟ أنا أتصور، إذا يعني أجبنا بنعم أو لا في نفس الوقت على هذه الأسئلة البسيطة والمباشرة، نستطيع أن نقول أن تجربة النضال الوطني الفلسطيني في ظل الظروف الحالية هي أتت بعكس ما كنا نأمل لها قبل خمس سنوات أو قبل عشر سنوات، رغم التضحيات الكبيرة التي يقدمها الفلسطينيون من كل الاتجاهات في سبيل هذا المشروع التحرري الاستقلالي. إذاً السؤال هنا من المسؤول......
محمد كريشان (مقاطعاً): عفواً حتى السيد أسامة حمدان، وهنا اسمح لي أن أعود إليه، تحدث عن حماس، إن صح التعبير، ما قبل الدخول في تجربة الانتخابات والسلطة ثم ما بعد ذلك، هل فعلاً دخول معترك الحياة السياسية بالمعنى المؤسساتي، ضمن مؤسسات السلطة،كان منعرجاً كبيراً، لأن البعض يعتقد بأن حماس خسرناها كمقاومة ولم نكسبها كسلطة، هل يمكن النظر إلى التحدي بهذه المعايير؟ سيد أسامة حمدان تفضل.

"
حركة حماس عندما دخلت إلى مؤسسة الانتخابات أو السلطة لم تخسر نفسها كمقاومة، على العكس تماما لازال برنامج المقاومة قائما
"
أسامة حمدان
أسامة حمدان: نعم، يعني أولاً أخ محمد،أشكرك على إثارة هذا الأمر، لكن أود أن أقول، نحن لم نصل إلى الخواتيم حتى نقول بأن العبرة في الخواتيم. الأسئلة التي طرحها الأخ العزيز ليست أسئلة بسيطة، وإن بدت بسيطة. حركة حماس عندما دخلت الانتخابات لم تكن حديثة عهد بالعملية السياسية، ربما مارست دورها السياسي كمعارضة، معارضة مسؤولة، الحقيقة عندما عارضت أوسلو عارضته في إطار الموقف الوطني الفلسطيني الموحد، لم تسعَ إلى خلق حالة انقسام وطني فلسطيني، وأيضاً عندما جرى تهديد القيادة الفلسطينية من خلال حصارها على يد الإسرائيلي، ومحاولة البعض الانقلاب عليها، انحازت حماس إلى القيادة الفلسطينية، التي تختلف معها سياسياً، لكنها رأت أن تغيير القيادة الفلسطينية يجب أن يتم من خلال الداخل الفلسطيني وليس بإرادة أميركية أو إسرائيلية أو خارجية أياً تكن. حركة حماس عندما دخلت إلى مؤسسة الانتخابات أو السلطة لم تخسر نفسها كمقاومة، على العكس تماماً، لازال برنامج المقاومة قائماً، وأنا أذكّر هنا أن سنوات 1996 إلى 1999 كانت سنوات تعذّر فيها العامل المقاوم نتيجة الظروف الموضوعية والميدانية، ولم يقل أحد أن المقاومة قد انتهت، وثبت هذا في عام 2000 وما تلاه. اليوم هناك محاولة لإعادة ترميم الوضع الفلسطيني، أدرك تماماً أن حركة حماس لا تستطيع وحدها أن تنجزها، لا بد من تكاتف فلسطيني بين كافة القوى. هذه المعادلة تقول لقد خضنا التسوية، وحتى الآن التسوية لم تحقق لنا شيئاً بل خسرنا الكثير، آن الأوان كي نقول أننا ندير صراعاً مع الاحتلال، هذا الصراع يحتاج إلى كل أدوات العمل ولكن على قاعدة الصراع مع الاحتلال وليس على قاعدة بناء سلام مع الاحتلال، هذه التجربة التي تخوضها حماس الآن من خلال العمل السياسي بعد فوزها بالانتخابات، والتي أقول، لن تنجح فيها وحدها بل إن النجاح منوط بتكاتف جهد فلسطيني، وتجاوب فلسطيني من الجميع.

محمد كريشان: ولكن سيد أسامة حمدان يعني المتابعة اليوم لكلمة السيد إسماعيل هنية، يُلاحظ أن الجرعة الدينية كبيرة جداً، يعني مثلاً، أن الحركة حركة ربانية، بأن حماس هي دعوة لله، بأن السلطة عندنا أتفه من أن نخوض من أجلها معركة، شعارات، هي لله لا سلطة ولا لجاه، يعني عندما تكون حركة تحرر وطني يُفترض أن تكون المهام التي لديها بعيدة إلى، حد ما، عن هذا الإطار الأيديولوجي ذو توجه معين، ربما غير مناسب لهذه المرحلة.

أسامة حمدان: يعني أخ محمد، نحن لا نخفي أننا حركة إسلامية، والكل يعرف أن حركة حماس نجحت، رغم كونها حركة إسلامية، في أن تحمل مشروعاً وطنياً تحررياً فلسطينياً. ما تفضلت وأشرت إليه في الحديث، أننا لا ننازع على كراسي ولا على مناصب يأتي في سياق ما يُقال، باتهام الحركة بأن وقفها لعملية التدهور الأمني في غزة، إنما هي في إطار صراع سياسي على مكاسب ومصالح، فنحن ندرك أننا مازلنا تحت الاحتلال وأننا في ظل الاحتلال لا يمكن أن نتحدث عن كيان سياسي ذو سيادة كما الدول الأخرى. أما الجانب الثاني في الحديث عن بعض الثوابت في ارتباطنا الإيماني، كأشخاص وكأبناء هذه الحركة، فهذا موجّه لأبناء هذه الحركة، الذين ينبغي عليهم أن يدركوا، أن النضال لم ينته، وأننا ندخل مرحلة جديدة، نقطع عشرين عام من عمر الحركة، لازالت المسيرة متواصلة، ولا زالت أمامنا مهمات وطنية تقتضي التضحية وتقتضي، ربما، الشهادة، والمقاومة ضد الاحتلال في ظل تهديدات وحصار، أنا أعتقد أن هذه الخطاب في التعبئة وشحذ الهِمم لا يمكن أن يُعاب على أحد، ولا يمكن أن يُعاب على حركة حماس، التي يعرف الجميع أنها حركة إسلامية، وهي لم تخف ذلك، ولم تحاول أن تتنصل من ذلك...

محمد كريشان: عفواً، لو سمحت لي، فقط وعلى ذكر العشرين عاماً، إسماعيل هنية اليوم اعتبر هو هذا العمر المُعلن للحركة، وإنما العمر الحقيقي هو أكثر من ذلك، ارتباطاً بحركة الإخوان المسلمين، وذَكرَ حسن البنا وعمر المختار وغيره. هنا أريد أن أسأل الدكتور حسن أبو طالب، ارتباط الحركة بحركة الإخوان، وأسامة حمدان يقول نحن لا نخفي في الحقيقة أننا حركة إسلامية، إلى أي مدى سرّع وأكسب الحركة نجاعة في العمل أو بالعكس أثبطها في ظل الظروف الدولية والإقليمية الحالية.

حسن أبو طالب: أنا أستطيع ببساطة شديدة أقول، من خبرة ارتباط كافة الحلقات ذات الطابع الإسلامي، ذات الصلة الروحية، والصلة الفكرية والأيديولوجية بحركة الإخوان المسلمين، أنه كلما كانت تلك الحركات بعيدة عن السلطة وممارسة متطلباتها اليومية، كلما كانت أكثر ارتباطاً بحركة الشارع وبحركة الناس، وربما كانت أكثر تعبيراً عن طموحات الغالبية العظمى من المواطنين. والعكس صحيح، كلما كانت أكثر ارتباطاً أو تمارس السلطة، ربما انفضّ عنها بعض الناس، ربما وضعت في حالة قسوة، في حالة صعوبة، واجهت الكثير من المصاعب التي لم تجد لها مخرجاً، وخصوصاً أن الوضع الدولي الآن وضع لا يتعامل بسهولة أو بيسر أو بشيء من التبسيط مع أي طرف يطرح شعارات إسلامية، ونحن نعلم ذلك منذ الـ 11 من سبتمبر عام 2001. حركة حماس الآن هو مزيج ما بين بُعد أيديولوجي وحركة ذات بُعد إسلامي، ولكنها في نفس الوقت تمارس سلطة في ظل ظروف معقدة للغاية. هي لديها خطاب تعبوي، كما استمعنا وأنا أوافق عليه بهذا المعنى، ولكن مثل هذا الخطاب التعبوي في ظل الظروف التي تحيط بالحركة الآن، باعتبارها سلطة وتمارس سلطة في ظل ظروف غير طبيعية. ما هو السؤال؟ السؤال هنا، كيف يقدّم هذا الخطاب التعبوي خطوة للأمام، سواءً على صعيد تمتين الحركة نفسها، تمتين خطابها النضالي والمقاوم، وفي نفس الوقت أن تُقنع الطرف الآخر بأن برنامجها هو البرنامج الأنجع لمواجهة الاحتلال، طالما في ظل معادلة الصراع مع الاحتلال وليس التسوية مع الاحتلال.

محمد كريشان: على كلٍ نظرنا بشكل عاجل للحصيلة، ولكن أيضاً النظرة إلى المستقبل مهمة جداً، هذا ما سنحاول أن نتطرق إليه بعد هذه الوقفة القصيرة، نرجو أن تبقوا معنا.

 

[فاصل إعلاني]

 

محمد كريشان: أهلاً بكم من جديد. رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، أكد أن الشعب الفلسطيني قادر على إطلاق انتفاضة ثالثة ورابعة حتى النصر. وأكد في الذكرى العشرين للحركة، أن التمسك بالثوابت والحقوق الوطنية الفلسطينية، مع خيار المقاومة، هو ما يكفل هذا النصر للفلسطينيين في المستقبل.

 

[شريط مسجل]

 

خالد مشعل/ رئيس المكتب السياسي لحركة حماس: شروط النصر للمستقبل أن نتمسك بثوابتنا وحقوقنا الوطنية ولا نساوم عليها، وليس أحد مفوّض بالمساومة على الحقوق الفلسطينية. ثانياً، أن نتمسك بخيار المقاومة. هذا خيارنا الاستراتيجي، هذه ورقة القوة الحقيقية التي تجبر العدو على الخضوع لنا. والأمر الثالث، أن نتمسك بوحدتنا الوطنية.



 

[انتهاء الشريط المسجل]

 

نظرة إلى المستقبل

 

محمد كريشان: سيد أسامة حمدان، يعني جيد أن يقع الإعلان عن التمسك بالثوابت، ولكن الحركة الآن في معترك عملية سياسية، وسبق لها، حتى في ظل تفاهمات مع حماس ومع بقية الأطراف، أن أقرّت بمبدأ التسوية وبمبدأ التفاوض، ولو كانت قيادة المنظمة هي التي تتكفل بذلك، وحل الدولتين. كيف يمكن التنسيق أو التوفيق بين إعلان التمسك بالثوابت والقبول بدخول معركة تفاوضية أو سياسية معينة بشروط معينة؟

أسامة حمدان: الحقيقة أخ محمد، الكل يعرف أن حركة حماس، رغم تفاهماتها التي حصلت مع أبو مازن وحصلت في اتفاقات مختلفة، إلا أنها لم تتنازل عن الثوابت الوطنية الفلسطينية، وهي قالت أنها تحترم ما يخدم أهداف الشعب الفلسطيني، قد يبدو هذا الكلام غير مقبول عند البعض، لكن التجربة أثبتت أن التمسك بالثوابت هو الذي يحمي القضية. وأنا هنا أريد أن أقول وبوضوح، إن حركة حماس قد وافقت على أن يكون الهدف الوطني الفلسطيني خلال المرحلة القادمة، هدف الإجماع الوطني، هو إقامة دولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران، مع تفكيك الاستيطان وعودة اللاجئين، دون أن يعني هذا اعترافاً بإسرائيل، إذا كان هناك من يريد أن يعترف بإسرائيل فنحن قلنا دائماً أننا لن نعترف بهذا الكيان. قد تبدو هذه اللغة عند البعض لغة غير قابلة للتطبيق في واقع السياسة، لكن مشاهدتنا للّغة الأخرى التي استُخدمت، من اعتراف بإسرائيل، ورضوخ لكل الشروط والإملاءات، لم تؤد في نهاية المطاف حتى إلى تسوية، ولا حتى إلى الحصول على بعض الوعود التي كانت تقوم. إذاً في ظل هذا المشهد، التمسك بالثوابت، رغم الصعاب، هو المَخرج، في تقديري، وهو الذي يحمي الحقوق الوطنية، وهو الذي يفتح آفاقاً، وبالعكس مما يظن الكثيرون، أن تقديم التنازلات هو الذي يضيّق الأفق، لكن الذي يريد أن يفتح الأفق أمامه عليه أن يتمسك بثوابته.

محمد كريشان: دكتور حسن أبو طالب، هل ترى هذا الطرح متماسك؟ لأن القبول بمبدأ الدولتين، القبول بحدود الرابع من حزيران، يعني ضمنياً، شئنا أم أبينا، الاعتراف بكيان مجاور. هل هناك مأزق على الصعيد الأيديولوجي أو السياسي عند حماس، في هذه النقطة تحديداً؟

"
حماس لديها مأزق فكري وسياسي وإذا أرادت أن تتعامل مع الواقع الدولي والإقليمي والواقع الفلسطيني نفسه فيجب أن تكون لها القدرة على تعظيم الموارد الذاتية والقدرة على إدارة الأزمة مع الذات
"
حسن أبو طالب
حسن أبو طالب: بالتأكيد هناك مأزق فكري، وهناك مأزق سلوكي، وهناك مأزق سياسي. أنا يمكن أتفق من حيث الإجمال مع الشروط الثلاثة التي قال بها السيد خالد مشعل، ولكن أقول أنها ليست كافية، هناك شروط أخرى إذا أرادت حماس أن تتعامل مع الواقع الدولي والإقليمي والواقع الفلسطيني نفسه، ولكي تكون لها دور، دور حتى على صعيد تثبيت وتمتين هذه الثوابت. أنا أقول أن بناء التحالفات مسألة أساسية، أن القدرة على تعظيم الموارد الذاتية مسألة أساسية، القدرة على إدارة الأزمة مع الذات ومع الغير مسألة أساسية، البعد الجماهيري والشعبي مسألة أساسية، كل هذه أمور لا بد أن نضعها في الاعتبار عندما ندير أزمة كبيرة ومعقدة، في مثل هذا الوضع الذي تعيشه القضية الفلسطينية، سواءً مابين الأطراف الفلسطينية بعضهم مع بعض، وما بين الفلسطينيين بشكل عام وما بين أعدائهم وخصومهم ومنافسيهم في الطرف الآخر. إذاً التمسك بالثوابت الوطنية ليس كافياً، خيار المقاومة، وإن كان فاعلاً، ولكنه في ظل ظروف معينة يصير لديه سؤال آخر، متى نقاوم؟ وبأي شكل نقاوم؟ ثم متى نتوقف عن المقاومة؟ ثم متى ندخل في عملية المفاوضات؟ ثم ما هي الثوابت التي نتمسك بها في عملية إدارة المفاوضات؟ هذه الأمور كلها تدخل في إطار مستقبل حماس ومستقبل القضية الفلسطينية، ولا يكفي الشروط الثلاثة التي قال بها السيد خالد مشعل.

محمد كريشان: سيد أسامة حمدان، في نهاية البرنامج، هل ترى الحركة مهيأة لإجابة صريحة على هذه الأسئلة الملتهبة، إن صح التعبير؟

أسامة حمدان: أنا أعتقد نعم، الحركة مهيأة، والحركة قدمت كثير من الإيجابيات وكانت إيجابياتها دقيقة وجاءت بنتائج إيجابية. نحن قلنا أن المطلوب هو إدارة للصراع، وهذا يعني أداءً سياسياً وأداءً عسكرياً أيضاً، لكن على قاعدة إدارة المواجهة مع الاحتلال. التعامل مع الواقع عندنا هو بقراءة كل شيء ولكن ليس على قاعدة الاستسلام له، وإنما على قاعدة العمل من أجل تحقيق مكاسب وتغيير هذا الواقع بالتدريج. لن يكون هذا سهلاً، وهو بالتأكيد أمر صعب في ظل الظروف الراهنة، لكن من يتقدم نحو هدف كبير، كتحرير فلسطين وعودة الشعب الفلسطيني إليها، يحتاج إلى أن يكون أكثر صلابة وأكثر قدرة على العمل من أجل تغيير الواقع بدل الاستسلام له، أو الانكسار أمامه نتيجة تصلب غير عقلاني أو الخوض في معارك غير منطقية.

محمد كريشان: دكتور حسن أبو طالب، تعليق أخير حول هذه الرؤيا التي تفضل بها الآن السيد أسامة حمدان.

حسن أبو طالب: أنا أتصور أن مرور 20 عاماً على عمر حركة حماس المُعلن هو مناسبة مهمة جداً لعملية نقد ذاتي، لتقديم قراءة دقيقة وغير عاطفية للّحظة التاريخية التي تمر بها القضية الفلسطينية، للتقدم إلى الأمام نحو وفاق وطني فلسطيني حقيقي، لعدم التشبث بالسلطة من أجل السلطة، وأيضاً إعادة النظر، مرة أخرى، فيما يمكن أن نسميه بالإرث الأيديولوجي الذي كان، في لحظة معينة، دافعاً إلى الأمام ربما، في لحظة أخرى، يكون عائقاً ولن يسمح بالتقدم خطوة إلى الأمام.

محمد كريشان: شكراً جزيلاً لك دكتور حسن أبو طالب رئيس تحرير التقرير الاستراتيجي في مركز الأهرام للدراسات، شكراً أيضاً لضيفنا من بيروت أسامة حمدان ممثل حركة حماس في لبنان. وبهذا مشاهدينا نكون قد وصلنا إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر بإشراف نزار ضو نعيم. كالعادة نذكّركم بإمكانية إرسال بعض المقترحات لحلقات مقبلة على هذا العنوان الإلكتروني الظاهر الآن على الشاشة

indepth@aljazeera.net

غداً بإذن الله قراءة جديدة في ما وراء خبر جديد، في أمان الله.