- النتائج المبدئية للانتخابات ومواقف المعارضة منها
- انعكاسات النتائج على التركيبة السياسية الروسية

- احتمالات المستقبل السياسي لبوتين

- آفاق السياسة الروسية الدولية



النتائج المبدئية للانتخابات ومواقف المعارضة منها

ليلى الشيخلي: حياكم الله. نحاول في هذه الحلقة قراءة انعكاسات الانتخابات البرلمانية في روسيا على تركيبة الحكومة، وموقع الرئيس فلاديمير بوتين في التشكيلة التي ستقود الدب الروسي خلال السنوات المقبلة. ونطرح في الحلقة تساؤلين، ما هي التغييرات التي يمكن أن تحدثها نتائج الانتخابات البرلمانية على تشكيل هرم القيادة في روسيا؟ وكيف ستنعكس هذه التغييرات على مواقف روسيا الدولية؟ وما هو موقع الرئيس فلاديمير بوتين منها؟.... إذاً أكثر من 62 في المائة من مقاعد الدوما حصدها حزب روسيا الموحدة بقيادة الرئيس بوتين حسب استطلاعات الرأي. ومعنا من أمام أحد مراكز الاقتراع الآن مراسلنا جمال العرضاوي. جمال، استطلاعات الرأي الأولية جاءت بنتائج كانت متوقعة إلى حد كبير، 62.3 بالمائة لروسيا الموحدة بقيادة بوتين، ولكن جاءت طعون من جانب الحزب الشيوعي، ما هو الموقف حالياً؟

جمال العرضاوي: نعم، النتائج التي بلغتنا حتى الآن هي نتائج فرز 12 بالمائة من الأصوات فقط. هذه النتائج كانت منتَظرة، وهي تتطابق إلى حد كبير مع نتائج استطلاعات الرأي التي جرت قبل الانتخابات. ليس الحزب الشيوعي وحده هو الذي طعن في الانتخابات، ولكن منذ بداية التصويت في هذا اليوم، كثير من الأحزاب الأخرى، بما فيها الأحزاب اليمينية المعارضة، حاولت أن تطعن وقالت أن لديها ما يثبت ذلك. الحزب الشيوعي طوّر المسألة أخيراً، قبل ساعة من الآن، أعلن مسؤوله القانوني أنه سيطعن رسمياً في هذه النتائج نظراً لما شابت عملية التصويت من خروقات فجة، كما صرّح هذا المسؤول.

ليلى الشيخلي: وصِفَت الطعونات بأنها فوق مستوى المقبول تماماً، ماذا يقصدون بذلك؟ أنت من خلال زيارتك لمواقع الاقتراع، هل لمست شيء من هذا؟

جمال العرضاوي: المعارضة تقول هذا الكلام، ولكن نحن لحد الآن لم نحصل على رأي المراقبين الدوليين. يُنتظر أن يُدلوا بآرائهم في عملية الانتخاب وفي نزاهتها وفي عدم نزاهتها، بعد ساعة أو بعد ساعتين من الآن. الأحزاب المعارِضة تقول أن لديها ما يثبت ذلك. نحن الآن زرنا بعض المراكز الانتخابية ولاحظنا أن هناك من يشكك في نزاهة الانتخاب، وهناك من يشكك في الحملة الانتخابية أساساً منذ بدايتها لأن الرئيس ألقى بكل ثقله إلى جانب حزب واحد، وهو حزب روسيا الموحدة، في حين لا ينبغي له ذلك. فيما يخص اطّلاعنا على حيثيات الخروقات الأخرى يجب أن ننتظر قليلاً المؤتمرات الحزبية لكي نطّلع عليها بشكل واضح.

ليلى الشيخلي: طيب جمال، في بلد مثل روسيا، ما قيمة هذه الطعونات؟ هل هناك فعلياً قيمة حقيقية، هل يمكن أن تغيير شيء؟

جمال العرضاوي: يعني الحقيقة لو نظرنا إلى النتائج، وهي أمامي الآن، حزب روسيا حصل على حوالي 63 بالمائة، لو أضفنا إليها ما لدى الحزب الليبرالي الديموقراطي، وحزب روسيا العادلة، وهما حزبان حليفان للرئيس بوتين، سيصلوا إلى حوالي 80 بالمائة، من هنا يمكن أن نقول أن الطعون قد تملك قوة أدبية ولكنها يبدو أنها لن تؤثر في سير العملية الانتخابية.

ليلى الشيخلي: يعني بشكل عام، في النهاية، هذه النسبة ستعطي بوتين الغلبة التي يحتاجها، والتي كان يتوقعها الجميع؟

جمال العرضاوي: طبعاً الرئيس بوتين كان ينتظر لحزبه بالذات أكثر من هذه النسبة، كان ينتظر نسبة ربما تقارب الـ 70 بالمائة. وهو دعا أنصاره إلى الحضور بشكل مكثف لأنه كان يريد كثافة الحضور باعتبار أنه كان يعلم منذ البداية أنه سيفوز في هذه الانتخابات، الآن لا بدّ له من استعمال أصوات أحلافه، بما في ذلك الحزب الليبرالي الديموقراطي وحزب روسيا العادلة، لكي يستطيع أن يجري التغييرات أو التحويرات التي يريدها. يعني يمكن أن نقول أن نتائج هذه الانتخابات لا تترك الباب موارباً فقط أمام الرئيس بوتين لكن تجعله مفتوحاً على مصراعيه أمامه.

ليلى الشيخلي: طبعاً لا ننسى أن ما تم جرده حتى الآن هو 12 بالمائة فقط من الأصوات، وهي نتائج أولية على العموم. شكراً جزيلاً لك، جمال عرضاوي موفدنا إلى روسيا، من أمام أحد مراكز الاقتراع كما شاهدنا.... في هذه الحلقة، يسعدنا أن نستضيف من القاهرة الدكتورة نوهان الشيخ، أستاذة العلوم السياسية في جامعة القاهرة والمتابعة للشأن الروسي. وعبر الهاتف من أبو ظبي الدكتور فيكتور ليبدييف، مراسل وكالة نوفوستي الروسية، وعبر الهاتف من موسكو المحلل السياسي ليونيد سيوكانن. ونعتذر طبعاً لازدحام حجوزات الأقمار الاصطناعية من موسكو مما تعذّر استضافة السيد سيوكانن عبر الأقمار الاصطناعية. والآن نتابع مجريات هذه الانتخابات التشريعية التي عرفتها روسيا والتي ليست كغيرها من الانتخابات التشريعية في تجاربها السابقة مع صناديق الاقتراع، هكذا يقول المراقبون عن انتخابات هذا العام. أما العنصر الذي أضاف ربما نكهة مختلفة إلى اقتراع عام 2007 هو أن مصير الرجل المثير للجدل، فلاديمير بوتين، معلّق، نوعاً ما، بما سيصدر عنها.

[تقرير مسجل]

إيمان رمضان: قد يكون استفتاءً على شعبية بوتين أكثر منه انتخابات نيابية. فبينما يتوجه الناخب الروسي إلى صناديق الاقتراع، يحمل وعيه صورة روسيا وقد انتعشت ملامحها في عهد بوتين، ليصعب عليه بذلك إدراك الخيط الرفيع الفاصل بين التصويت لحزب بوتين، روسيا الموحدة، وفلاديمير بوتين نفسه. الحدث يبدو، العام، مختلفاً، وتعكس الأرقام مدى اختلافه عن انتخابات 2003، 108 ملايين ناخب لـ 4600 مرشح عن 11 حزباً، أما ميزانية الانتخابات فتفوق مثيلتها لعام 2003 بمليار روبل على الأقل. في الأول من أكتوبر الماضي أعلن بوتين تزعّمه قائمة مرشحي حزبه، روسيا الموحدة، بهذا القرار قد تتغير الخارطة السياسية الروسية فيقترب حزب روسيا الموحدة أكثر فأكثر باتجاه الدوما، لا سيما بعد أن أكد بوتين رفضه إجراء تعديلات دستورية تتيح له الرئاسة لفترة ثالثة، قائلاً إن دستور بلد لا يُعدَّل نزولاً عند رغبة شخص واحد. غير أن الخارطة السياسية في روسيا لا تقف عند حد أحد عشر حزباً سياسياً، إذ تتقاطع فيها وتتداخل عواملٌ ومؤثرات تساعد إلى حد بعيد في رسم ملامح روسيا السياسية. المال ورجاله أو مافيا اقتصاد الظل، كما يطلق عليها الإعلام الروسي، عاملٌ مؤثرٌ لم يغفله بوتين في السنوات الثماني الماضية، عندما حاول دائماً تكريس بسط الدولة سيطرتها على الاقتصاد، وتقليص وجود رجال الأعمال على الساحة السياسية، داعياً إلى تجنب التداخل بين السلطة والمال. قطاع النفط والغاز الروسي، خط عريض آخر في خارطة روسيا السياسية، فالدولة الروسية لا تملك سيطرة كاملة على قطاع النفط، كما أنها لا تملك السيطرة على أعمال شركات النفط بما يجعل من توظيفه لخدمة أجندة سياسية بعينها أمراً شديد الصعوبة. تحسّنٌ في الاقتصاد الروسي، ارتفاعٌ في أسعار النفط، روسيا تتصدر دول العالم من حيث التنمية، حسب تقرير الكومنولث، شعبية واسعة. كل الرياح إذاً تدفع سفينة روسيا الموحدة إلى الأمام، بينما يبدو بوتين منتصراً وكأنه يستبق الأحداث.



[نهاية الشريط المسجل]

انعكاسات النتائج على التركيبة السياسية الروسية

ليلى الشيخلي: ولنبدأ مع ليونيد سيوكانن من موسكو، يعني كل المؤشرات تدل على أن بوتين سيكون سيد روسيا الأول، سواء كان رئيساً للوزراء أم رئيساً للبلاد، هل يعني هذا بالضرورة أن الديموقراطية تراجعت في روسيا؟

ليونيد سيوكانين: لا شك أنه بالنسبة لمصير مستقبل الرئيس بوتين، فهو واضح مبدئياً، وغير واضح من ناحية كيفية تحقيق هذا الغرض، وهو بقاء الرئيس الحالي في الحياة السياسية الروسية. هل يعني ذلك تراجعاً عن مسيرة الديموقراطية في روسيا أو لا؟ السؤال واضح ولكن الجواب على ذلك غير واضح. هنالك يعني تبعاً، الملامح التي تدل على سير روسيا في نهج الديموقراطية في الآونة الأخيرة، في السنوات الأخيرة، ولكن إلى جانب ذلك هنالك من يقول أن هنالك بعض القيود للديموقراطية، وبعض الحدود، اللي هي المعارضة، والخروقات والانتهاكات والتجاوزات في عملية التصويت للانتخابات الجارية. وطبعاً بقاء الرئيس بوتين في الحياة السياسية بمنصب رئيس الحكومة، أو بصفة أخرى، لا يعني تلقائياً تراجعاً عن الديموقراطية، ولكن روسيا حالياً في مفترق الطرق بالنسبة لاتخاذ الخطوة الجديدة في الطريق نحو الديموقراطية، والمستقبل لما بعد الانتخابات التشريعية الحالية والانتخابات التشريعية القادمة سيُظهر ويجيب على هذا السؤال. هل ستقدر روسيا على اتخاذ هذه الخطوة أو لا.

ليلى الشيخلي: دكتورة نورهان، يعني ربما قد يستغرب البعض هذه الخروقات إلى حد ما، لأن بوتين كما قد قدم نفسه كرجل روسيا القوي، كان قد حجّم وقزّم أعداءه ونجح في أن يقنع الشعب الروسي بأن يلتسين، سنواته العجاف قد ولّت، وهاجمه بضراوة، فقط مؤخراً، يعني هل فعلاً أقنع بوتين الشعب الروسي بأن روسيا فعلاً بحاجة لرجل قوي وأنه هو هذا الرجل القوي؟

"
الشعب الروسي وفق استطلاعات الرأي يؤكد أنه حريص على استمرار نهج بوتين لأن نهجه أدى إلى تحسن واضح في مستويات المعيشة وانخفاض في عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر
"
نوهان الشيخ: بالطبع، لأن اللي حدث في روسيا على مدى 8 سنوات يعتبر طفرة بكل المعايير، طفرة اقتصادية، طفرة في قدرات روسيا العسكرية، طفرة أيضاً في مكانتها الدولية، وهذا كان واضحاً وانعكس في مواقف روسيا في العديد من القضايا، التي شهدت طبعاً تأكيد على الدور الروسي وعلى مكانة روسيا كقوة كبرى. لكن الحقيقة هو ليس في حاجة لتأكيد أن روسيا في حاجة ماسة إلى استمراره، لأن الحقيقة الشعب الروسي نفسه، وفق استطلاعات الرأي، يؤكد أنه حريص على استمرار نهج بوتين لأن هذا النهج أدى إلى تحسن واضح في مستويات المعيشة، انخفاض في عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر، أيضاً مثلما قلت، مكانة دولية متميزة لروسيا. وبالتالي المواطن الروسي العادي يأمل أن يستمر هذا النهج. والحقيقة أن الرئيس بوتين أكد في عدد من المناسبات أنه حريص على استمرار النظام الرئاسي القوي في روسيا، حتى بعد رحيله في 2008، وهذا ربما يفسر صعود رئيس الوزراء المفاجئ في سبتمبر الماضي، يعني هناك تغيير كان من الواضح منه أن الرئيس بوتين يقدم زيبكوف رئيس الوزراء كخليفة له، وهذا كان أيضاً واضح في الرضى والثناء والإطراء الذي قدمه الرئيس بوتين على رئيس الوزراء وسياساته حتى الآن، وواضح أيضاً من نهج رئيس الوزراء أنه سيكون خليفة بوتين المحافظ على نهجه وسياساته الداخلية والخارجية.

ليلى الشيخلي: يعني ولكن، فيكتور ليبدييف، في كل هذا بوتين نجح في أن لا يتجاوز الدستور. يعني إلى أي احتمال سيستغل شعبيته ليعدل الدستور فيما بعد ليحكم فترة أخرى رئاسية؟

فيكتور ليبدييف: أنا أظن قرار الرئيس بوتين بعدم تغيير الدستور هو قرار صحيح وجيد، وعلى كل حال هو لا يحتاج إلى أي تعديل دستوري، لأنه نحن شايفين، على أساس هذه الانتخابات، أن الرئيس الحالي يحظى بتأييد أكثر من 60 بالمائة من المواطنين الروس، وهذه نتائج الانتخابات هي تقريباً توازي لشعبية بوتين في روسيا الاتحادية. وعلى كل حال، نجاح حزب روسيا الموحدة هو نجاح باهر لهذا الحزب في هذه الانتخابات، على كل حال ظهر في روسيا كحزب الأغلبية الساحقة، وإذاً، هذا البرلمان الروسي سيكون برلمان قوي لأنه عنده أنصار أيضاً بصفة نواب، بصفة حزب العدالة مثلاً، والحزب الليبرالي الديموقراطي الذي يؤيد غالباً النهج الرسمي للرئيس بوتين. ولذلك أنا أظن البرلمان الروسي سيكون قوي، وسيؤيد الخطوات والاجراءات التي يقترحها الرئيس بوتين على الشعب الروسي.

ليلى الشيخلي: شكراً لك، إذاً يعني ربما السؤال هنا أيضاً هو، أي مسار ستتخذه سياسات روسيا الخارجية في الفترة المقبلة؟ وأي مستقبل ينتظر الرئيس بوتين؟ نتابع هذه المسألة بعد وقفة قصيرة، أرجو أن تبقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

احتمالات المستقبل السياسي لبوتين

ليلى الشيخلي: أهلاً بكم من جديد. رغم تباين زوايا النظر ومنطلقات تحديد المواقف، يمثل المستقبل السياسي للرئيس فلاديمير بوتين مصدر قلق واهتمام للكثيرين، داخل روسيا وخارجها، فبوتين الذي من المفترض أن يغادر الكريملين في مارس المقبل، لن يحجم عن مواصلة التأثير في السياسة الروسية، حسب ما يشبه الإجماع من مختلف المحللين. أما مثار الخلاف فهو فقط حول طبيعة العودة.

[تقرير مسجل]

ميا بيضون: ليس ثمة خلافٌ في أن الانتخابات الرئاسية، المُزمع إجراؤها في مارس القادم، قد لا تكون بأي حال نهاية سياسية للرئيس فلاديمير بوتين، لكن ما يشكّل موضوعاً للاختلاف والتكهن هي الصورة التي سيعود بوتين من خلالها إلى ممارسة دوره القيادي والمؤثر في ميزان السياسة الروسي. ثمة سناريوهات عديدة تحاول التكهن بطريقة عودة بوتين، أهمها إعادة انتخابه رئيساً في إطار الاحتمالات التالية، فالدستور يمنع الترشح لولاية ثالثة في الانتخابات القادمة، لأنه أكمل دورتين متتاليتين، لكن يمكنه أن يترشح بعد أن يكون رئيس غيره قد تولى الرئاسة، أن يستقيل الرئيس القادم سريعاً لأسباب صحية مثلاً، تتم الدعوة إلى انتخابات رئاسية جديدة يحق لبوتين الترشح فيها. يستقيل بوتين قبل موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، ويعيّن رئيساً آخر بالوكالة ثم يترشح هو من جديد. وهذا خيار استبعده بوتين بنفسه وإن بطريقة غير مباشرة. السيناريو الثاني أن يصبح رئيس حزب أو زعيم الغالبية البرلمانية، فبوتين يتزعم حزب روسيا الموحدة، التي يُرجّح أن يحصل على أغلبية في البرلمان القادم، ويمكن للحزب بعد ذلك أن يُقيل رئيس البلاد، إذا حصل على غالبية الثلثين في البرلمان، وهو سيناريو مُرجّح نوعاً ما بحسب نتائج استطلاعات الرأي. السيناريو الثالث أن يصبح بوتين رئيساً للوزراء، في الأول من أكتوبر الماضي عندما أعلن أنه سيتزعم لائحة روسيا الموحدة في الانتخابات التشريعية قال بوتين، إن ترؤسه الحكومة اقتراح واقعي جداً. وقد ذهب البعض إلى أن بوتين قد يُقدِم على إجراء تعديلات دستورية توسّع صلاحيات رئيس الوزراء على حساب صلاحيات الرئيس، لكن مسألة التعديلات تبدو، بالنظر لمجريات الأحداث، أمراً مستبعد الحدوث.

[نهاية التقرير المسجل]

ليلى الشيخلي: دكتورة نوهان، تحدثتِ عن النجاح الباهر الذي حققه الرئيس بوتين في مجال الاقتصاد، الذي هو قائم بشكل أساسي على النفط. إذا لم يتم توزيع عادل للثروة على المواطن الروسي، هل سيخفت بريق بوتين في المرحلة القادمة برأيك؟

نوهان الشيخ: الحقيقة لا. أنا أعتقد أن دور الرئيس بوتين سيستمر بشكل أو بآخر في النظام الروسي. وأنا الحقيقة لي تعليق بسيط على مسألة تعديل الدستور، وأيضاً الأغلبية التي حظي بها حزب روسيا الموحدة. حزب روسيا الموحدة يشكل الأغلبية منذ البرلمان الماضي، اللي هو كان 2003، 2007، وكان يشغل 68 في المائة من المقاعد، بما يعادل 306 مقعد من إجمالي مقاعد الدوما، وبالتالي إذا أراد بوتين تعديلاً للدستور كان من السهل عليه أن يقوم به في فترة رئاسته، لأن الأغلبية فعلاً في البرلمان كانت موالية له من خلال حزب روسيا الموحدة، وبالتالي أنا أستبعد مسألة تعديل الدستور، وأيضاً حتى تعديل هيكل النظام السياسي الروسي، لأن الرئيس بوتين نفسه استبعد هذا لمّا أثير الحديث عن أن تتحول روسيا إلى نظام برلماني يحكم فيه، أو يكون هناك سلطات واسعة لرئيس الوزراء، وأكد أن روسيا تحتاج إلى نظام رئاسي قوي يظل قابضاً على مقاليد الأمور في روسيا، حتى يضمن النجاح والاستمرار للسياسات التي قام بها خلال فترة رئاسته. وبالتالي السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن يتولى أو يكون زعيم حزب الأغلبية في البرلمان أو الدوما وأن يتولى، ربما، رئاسة مجلس الدوما فيما بعد ليكون صمام أمان يستطيع من خلاله أن يحكم السيطرة على نهج الرئيس القادم وسياساته ونهج الحكومة أيضاً، والحقيقة يكون هناك برلمان فعّال ورقابة برلمانية فعالة.



آفاق السياسة الروسية الدولية

ليلى الشيخلي: بكل ما يعني هذا من انعكاس على السياسة الخارجية، ليونيد سيوكانن، يعني لعل أبرز ما قاله بوتين هو أن انهيار الاتحاد السوفياتي هو أكبر كارثة جيوسياسية في القرن الماضي، هل حلم بوتين هو إنشاء روسيا قوية تواجه الغرب كما كان حال الاتحاد السوفياتي؟ هل هذا فعلاً ما يسعى إليه بوتين؟

"
الأهداف الرئيسية الإستراتيجية للرئيس بوتين تكمن في طرحه أن تكون روسيا دولة كبرى ذات إمكانيات، وتفوق سياسي وعسكري واقتصادي في العالم
"
ليونيد سيوكانين

ليونيد سيوكانين: لا أعتقد ذلك، بالنسبة لي أن سعي أو طموح بوتين لكي تكون روسيا دولة كبرى، دولة ذات إمكانيات، والتفوق السياسي والعسكري والاقتصادي في العالم، نعم، هذا هو من الأهداف الرئيسية الاستراتيجية للرئيس بوتين، أما بالنسبة للعودة إلى عهد الاتحاد السوفياتي بما في ذلك المواجهة المباشرة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية وكذلك الحرب الباردة، فلا أعتقد أن هذه الأمور كلها كانت أو سوف تكون ضمن طموحات الرئيس بوتين. روسيا القوية نعم، ولكن لا عودة إلى الحرب الباردة والمواجهة مع الغرب.

ليلى الشيخلي: ولكن بوتين يمسك أوراق قوية جداً في يده، النفط، الغاز، الترسانة النووية. كل هذه، كيف سيستثمرها بوتين، برأيك، في المرحلة القادمة، خصوصاً أن هناك تخوّف كثير في الغرب من ذلك؟

ليونيد سيوكانين: هذه الإمكانيات العسكرية والاقتصادية طبعاً يمكن استعمالها بطرق مختلفة، وهنالك الكثير من المشاكل القابلة لعلاجها داخل روسيا حتى الآن، ويجب أن لا ننسى أن الرئيس بوتين هو قد حدد أولويات سياسة النصوص التشريعية بعد هذه الانتخابات، وهو سمّى في طليعة هذه الأولويات، مكافحة الفقر، وهنالك الكثير من الفصائل الاجتماعية الروسية تعيش تحت درجة خط الفقر، وهنالك الأمور الأخرى التي تحتاج أو تتطلب المخصصات والتمويل البالغ، وعلى هذا الأساس مثل هذه الإمكانيات والقدرات الاقتصادية والعسكرية يجب استعمالها لصالح روسيا، للاستمرار في السير نحو الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي وليس في المواجهة مع الدول الأخرى.

ليلى الشيخلي: طبعاً فيما يتعلق بالعرب، دكتورة نورهان، نعرف أن موسكو ستستضيف مؤتمر موسكو للشرق الأوسط. يعني لسنوات والعرب ربما هربوا للغرب على أساس هناك بريق أقوى تكنولوجي وما إلى ذلك، الآن نلمح بداية عودة لروسيا، ما شكل هذه العودة؟ وإلى أي حد يلعب بوتين، بنفسه، دوراً كبيراً في استقطاب العرب من جديد؟

نوهان الشيخ: الحقيقة يجب علينا أن نعي أن الاتحاد السوفياتي قد انتهى، يعني العودة الروسية الجديدة لا تعني عودة الدور السوفياتي القديم الموازن أو المناوئ للدور الأمريكي، روسيا تنطلق من وجود شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية ومع الغرب بصفة عامة، وأن كل ما يحدث من خلافات هو في إطار المظلة و الشراكة الاستراتيجية معها، وكل ما يحدث أيضاً على صعيد التدخل في مفاوضات السلام العربية الإسرائيلية هو أيضاً تحت هذه المظلة. عودة جديدة لروسيا يكون فيها تأكيد على دور الشراكة الاقتصادية مع الدول العربية بصفة عامة، روسيا تقدم نفسها كشريك جيد بالذات في مجال النفط والكشف والتنقيب على النفط في كل الدول العربية، أيضاً في مجال تقديم التقنيات والتكنولوجيات بمختلف أنواعها، سواء ما تعلق منها بتكنولوجيات نووية أو سلمية بالطبع أو حتى تكنولوجيا وأسلحة عسكرية، وهذا كان واضح الحقيقة في زيارة ولي العهد السعودي الأخيرة لموسكو والتي هي فعلاً شهدت الاتفاق على مجموعة من الصفقات العسكرية للمملكة العربية السعودية، وكأن هناك شراكة جديدة وعهد جديد. روسيا تفتح أو تمد يدها بكل العون التقني والاقتصادي والفني للدول العربية، وذلك في إطار مظلة لا تعني بها على الإطلاق أي مناوأة للولايات المتحدة الأمريكية. أما عن دور الرئيس بوتين فطبعاً من..

ليلى الشيخلي (مقاطعةً): عفواً ولكن أدركنا الوقت، شكراً جزيلاً لك أستاذة العلوم السياسية في جامعة القاهرة والمتابِعة للشأن الروسي دكتورة نوهان الشيخ، وشكراً للمحلل السياسي ليونيد سيوكانن الذي كان معنا عبر الهاتف من موسكو، وأيضاً شكراً للدكتور فيكتور ليبدييف مراسل وكالة نوفوستي الروسية الذي كان معنا على الهاتف في الجزء الأول. شكراً لكم مشاهدينا الكرام في نهاية هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم، في أمان الله.