- قراءة في رسالة بوش الموجهة لسوريا
- تغيّر الموقف الأميركي ومستقبل العلاقة مع سوريا

جمانة نمور: أهلاً بكم، نتوقف في حلقة اليوم عند الانتقادات الحادة التي وجهها الرئيس الأميركي جورج بوش إلى القيادة السورية متهماً إياها بزعزعة الاستقرار في لبنان، ودعم حزب الله، وتسهيل عبور المقاتلين الأجانب إلى العراق. نطرح في الحلقة تساؤلين رئيسيين، ما هي خلفيات هذا التصعيد الأمريكي تجاه دمشق، وأي رسالة أراد بوش توجيهها إلى القيادة السورية؟ كيف يمكن قراءة الموقف الأمريكي من سورية، لا سيما وأن انطباعات الأسابيع الأخيرة أوحت بتقارب مع دمشق؟.... انتقادات بوش للأسد كانت حادة ومباشرة دون مواربة، أعادت إلى الأذهان أجواء التأزم الأميركي السوري حين كان ملفا العراق ولبنان أكثر ما يرسما تفاصيل العلاقة بين واشنطن ودمشق، هجوم بوش بدّد في نتيجته الأولية والمباشرة الانطباعات التي طغت على المشهد الإعلامي حول توجه أمريكي للتقارب مع دمشق، تقارب بدا أن مدخله اجتماع أنابوليس وخاتمته صفقة تعالج كافة الملفات، لبنان وإيران والعراق وفلسطين.

[شريط مسجل]

جورج بوش/ الرئيس الأمريكي: لقد نفذ صبري من الرئيس الأسد منذ زمن طويل وذلك لأنه يؤوي حماس ويقدم التسهيلات لحزب الله، والانتحاريون يذهبون من بلاده إلى العراق كما أنه يزعزع استقرار لبنان. إذا كان يستمع فهو ليس بحاجة إلى اتصال هاتفي مني فهو يعرف بالضبط ما هو موقفي.



[نهاية الشريط المسجل]

قراءة في رسالة بوش الموجهة لسوريا

جمانة نمور: ومعنا في هذه الحلقة من واشنطن صبحي غندور مدير مركز الحوار العربي، ومن دمشق الكاتب والمحلل السياسي الدكتور أحمد الحاج علي، أهلاً بكما. دكتور أحمد، إذاً صبر الرئيس الأميركي بدأ ينفذ من الرئيس السوري، ما هي قراءتكم لهذا التصريح؟

"
أميركا تريد نقل سوريا من منطق المنفذ الملتزم الذي قدم للبنان كل شيء إلى منطق المتهم الذي يعمل على إعاقة الانتخابات وتصدير الأزمات وتصدير المقاتلين
"
أحمد الحاج علي

أحمد الحاج علي: نعم، الرئيس الأمريكي لا يعرف قيمة الصبر أصلاً، إن نفذ صبره أو لم ينفذ فهذا شأنه وهذا هو ما يتصل به شخصياً، أما بالسياسة ومصائر الشعوب والمحاور الكبرى فتحتاج إلى رجال من طراز مختلف تماماً. الآن علينا في المقدمة أن نؤكد على مستويين اثنين في السياسية الأمريكية، كما تجري الآن في ظل قيادة الرئيس جورج بوش والمجموعة التي تحيط به، في المستوى الأول هناك شيء ثابت يقوم على منطق القوة، ومنطق العمل الاستباقي، ومنطق الهروب إلى الأمام، ومنطق الاستهانة بالآخرين، واعتقاد دائم بأن الحق مع أمريكا وفي ركابها، وحيث وجدت يجب أن يكون الحق ويجب أن يلتحق العالم كله فيما اختارته وفيما قدّرته وقررته. والمستوى الثاني هو الحالة التطبيقية لهذا النسق من التفكير الخطير الذي يستبد الآن بصانعي الفلسفة والفكر والسياسية الأمريكية معاً، هذا للحالة التطبيقية هي التي تبحث عن مواقع، عن بيئات عملية، تُحدث فيها كل الإشكالات، كل الاختناقات، وتحاول من خلال هذا الجو المضطرب ومن خلال هذه العلاقات المضطربة، لا سيما حين يكون الشأن من خلال حدثنا الآن وهو لبنان، والانقسام حاد فيه، أفقياً وعمودياً، نرى أن هذه السياسة الأمريكية بمستوييها الفكري من جهة والتطبيقي من جهة أخرى، لا بد أن تبقى في لبنان لا تغادره وإن غيّرت أحياناً وإن بدّلت. ولذلك نرى هناك ثلاثة نقاط أساسية في السياسة الأمريكية بالشأن اللبناني، أولاً أن لبنان يجب أن يكون في أزمة دائمة لأن الوظيفة السياسية لمّا تنته بعد، وهناك أشياء كثيرة مطلوبة من هذه الأزمة في لبنان. ثانياً لا بد من التعامل مع سورية من خلال الأزمة اللبنانية، بمعنى أن منطق الاتهام هو الخيار الكبير والأساسي في يد أمريكا، التي تتوهم الآن بأنها بذلك تستطيع أن تقف أمام الموقف السوري، وأن تقتل هذه العلاقة الطيبة بين سورية ولبنان، وأن تنقل سورية من منطق المنفذ الملتزم الذي قدم للبنان كل شيء إلى منطق المتهم الذي يعمل على إعاقة الانتخابات وتصدير الأزمات وتصدير المقاتلين..

جمانة نمور: والنقطة الثالثة، باختصار لو سمحت دكتور؟

أحمد الحاج علي: وأما النقطة الثالثة، فهي تريد الآن أن تضحك على نفسها بأنها صاحبة مبادرة، وأنها تأتي في اللحظة المناسبة لتنقذ ولديها المَخرج، فالناس تتقاتل وهي تأتي في اللحظة الأخيرة لتمد يدها باعتبارها المنقذ الأساسي المصلح الذي لم ينله أي شبهة بعد.

جمانة نمور: سيد صبحي، برأيك هل فعلاً هذه هي الرسالة التي أراد الرئيس بوش إرسالها إلى سورية، يعني هل قرأها، إذا كان فعلاً السوريون قرؤوها، كما يشرحها لنا الدكتور أحمد الحاج علي؟

صبحي غندور: طبعاً أخت جمانة أنا أتحدث هنا من واشنطن، كقراءة لتصريحات الرئيس بوش وليس كمعلومات عن كيف تفسر هذه الإدارة تصريحاتها، لكن في هذه القراءة أقول أنه كان هناك يبدو تقديرات أمريكية، كما أنت أشرت أخت جمانة في المقدمة، كان هناك تقديرات أن تكون فرصة مؤتمر أنابوليس بداية لزيادة وتيرة التقارب بين دمشق وواشنطن، هذا لم يحدث. حدث العكس إلى حد ما، رأينا الرئيس الأميركي يستقبل وفد من المعارضة السورية، رأينا هناك مجموعة من المعروفين بأنهم وسط معارضة في أوروبا بدأت تتحرك من جديد إعلامياً وتبرز، وجدنا هناك تصريحات تتحدث، كما جاء في تصريحات بوش حول ما لم تقم به سورية في خارج لبنان، وأعتقد هذا في حد ذاته يفسر أن ما يحدث الآن في الموضوع اللبناني هو نتيجة وليس سبب، يعني أنا لا أتفق مع من يعتبر الآن أن الخلاف بين دمشق وواشنطن هو سبب التأزم الراهن، أنا أجد ذلك حالة معاكسة، أن التأزم الراهن في لبنان أجده نتيجة لما يحدث من عدم توافق على قضايا إقليمية اخرى، كان في اعتقاد واشنطن أنها ستحدث بعد مؤتمر أنابوليس. هناك مراهنة أمريكية، كما يعلم الجميع، أن مشاركة سورية في مؤتمر أنابوليس يجب أن تؤدي إلى تخفيف علاقات دمشق مع طهران، يجب أن تؤدي إلى تخفيف دعم دمشق للقوى الفلسطينية المعارضة للسلطة الفلسطينية، يجب أن تؤدي إلى نوع من التحولات السياسية، هذا الأمر لم يحدث، وهي في رأيي مراهنة خاطئة من إدارة بوش، ولا تعلم بدقة، يبدو، هذه الإدارة كيف تسير عليه القيادة السورية في هذه المسائل. سورية كانت في فترة الحرب اللبنانية في السبعينات تتفق مع واشنطن على قضايا معينة في لبنان لكنها كانت في الوقت نفسه في حالة تحالف استراتيجي مع الاتحاد السوفيتي، الذي كان خصم واشنطن في ذلك الوقت، يعني ليست المسألة هي إمّا أن تكون معنا أو ضدنا كما يطرحها الرئيس بوش. هذه المراهنات برأيي لهذه الإدارة لم تتحقق، واعتقادي الآن أن لبنان هو ساحة التعبير عن هذا التأزم وليس هو سبب التأزم بين البلدين.

جمانة نمور:  دكتور أحمد، البعض نظر إلى مشاركة سورية بأنابوليس بأنها كانت فقط من أجل كسب الوقت، بمعنى آخر أن سورية كانت تعلم بأنه لا نتيجة من هذه المشاركة بالشكل الذي تريده هي، وكانت أخذت مسبقاً قرار عدم الابتعاد عن إيران كما تشتهي واشنطن، وهي أرادت فقط أن تحضر شكلياً لكي تكسب الوقت، وهي لعبة اشتهر بها السوريون من الآن وإلى عام 2009 بعد.. إلى أن ينهي الرئيس بوش رئاسته، هل هذا فعلاً صحيح؟ وهل ما قاله الرئيس بوش بالأمس هو جواب على هذا الموضوع؟ بمعنى آخر مازال أمامي عام ولا زلت قادراً على التصرف.

أحمد الحاج علي: نعم، لا بد أن أشير إلى نقطتين، أنا فعلاً أتفق مع الأستاذ غندور من واشنطن، بأن الوفاق لم يتحقق قط بين دمشق وواشنطن، جرت حالات عملية، جرت استطلاعات، وجرت حوارات، وجرت عمليات عرض آراء ومواقف، لكن ذلك لا يجوز، ولا بشكل من الأشكال، احتسابه على أساس أنه درجة في التقارب أو في التراجع. ولكن النقطة التي أختلف معه فيها، هي أنه لا يجوز أخذ الطرفين بمعيار واحد، أمريكا تريد من لبنان أن يبقى أزمة بلا ضفاف زمنية وبلا حدود يعني..

جمانة نمور (مقاطعة): يعني عفواً، عفواً دكتور أحمد، يعني ما نحاول اليوم مناقشته في هذا الوقت المخصص للحلقة، العلاقة السورية الأمريكية، الآن، مستقبلها، ولو كان لبنان ساحة، كما ذكر السيد صبحي لها، ولكن ما يهمنا أبعد من ذلك الآن، ما وراء تصريحات الرئيس بوش، ماذا تعني؟ ماذا نستشرف منها؟ بالنسبة للعلاقة الأميركية السورية، وليس بالنسبة إلى رؤية ما يحصل في لبنان، قد نخصص لها حلقة أخرى.

أحمد الحاج علي: نعم، نعم.

جمانة نمور: تفضل.

أحمد الحاج علي: لقد فُهم خطأً وبدرجة كبيرة موضوع مشاركة سورية في أنابوليس، ونستذكر جميعاً الآن ومن خلال محطتكم بالتحديد، أن هناك أحوال كثيرة وتفاعلات كثيرة حدثت، وسورية حينما حضرت، حضرت وهي صادقة وهي تحمل النوايا السليمة بحثاً عن الحوار وبحثاً عن الحل، ولكن الولايات المتحدة الأمريكية كانت لها مآرب أخرى، وأهداف أخرى، هذا كنا نعيه في سورية ونعرفه تماماً. وهو ما طُرح فعلاً كما قال الأخ من واشنطن، نعم يتطلعون إلى حالات تكتيكية أخرى وكأن سورية هي حقل تجارب، أو كأنها يمكن أن تشتغل بمنطق المقايضة، نجعل سورية تحضر ونطالبها بالتنازل عن أشياء أخرى، هذا الأمر لم يحدث قط، بقي الموقف السوري قبل أنابوليس ومع حضور أنابوليس وبعده الآن كما هو تماماً. الشيء الأساسي الهام هو السياسة الأمريكية بجوهرها وآلياتها وطريقة تعاملها مع سورية، إن كان عبر لبنان أو العراق أو عبر فلسطين أو عبر الصراع العربي الصهيوني بكامله، هنا المأزق. ولعلنا لاحظنا مؤشرات كثيرة في إيقاع الحديث الذي أدلى به بوش الآن، أنا الآن لا استطيع إلاّ أن آتي بمحلل نفسي، الاعتماد على التهديد وعلى الرؤية الذاتية وعلى نفاذ الصبرة وعلى هذا الكلام، الذي لا يقوم به أناس عاديون، بأنه الآن يسمع بالتلفون أو قد يشاهدني، هذا كلام ينم عن غرور، وينم عن جهل في السياسة، وينم عن أن السياسة الأمريكية استسلمت تماماً لمنطق القوة ومنطق إلقاء التُّهم على الآخرين بهذا الشكل المترهل وبهذا الشكل الذي لايوجد فيه منطق ولا يسعفه البرهان في الوقت نفسه، هنا تقع الأزمة. إذاً هناك سياسة الآن متناقضة لا يمكن أن تتفق وعلى أية مفردة، ما دامت النظرة لنا في سورية على هذا النحو فلن نتحول إلى مجرد أناس يطبقون ويقبلون ويبصمون لأمريكا، فعلها الآخرون، هذا شأنهم، عرب وغير عرب، فعلها شيراك بالأول، ثم جاء الآن ساركوزي ليفعلها، هذا شأنه، ولكن على الجميع أن يتحملوا مسؤولياتهم، ليس بهذا المنطق يتم طرح أي مشكلة ومناقشتها والوصول إلى حل عادل وطبيعي..

جمانة نمور(مقاطعة): على كلٍ، على ذكر السياسة الفرنسية والرئيس ساركوزي، كان البعض توقف في التحركات الفرنسية الأخيرة بأن هناك ملفات في الشرق الأوسط فوضت أميركياً للرئيس الفرنسي، وكانت قد يمكن أن تشكل مقدمة لصفقة ما بين الغرب وسورية. هل الآن حديث الرئيس بوش هو مؤشر إلى عودة واشنطن إلى الإمساك بزمام هذه الملفات؟ وهل هي مؤشر على استحالة عقد صفقة من هذا النوع؟ أم قد تكون مقدمة لها؟ نناقش هذا الموضوع بعد الفاصل، كونوا معنا.



[فاصل إعلاني]

تغير الموقف الأميركي ومستقبل العلاقة مع سوريا

جمانة نمور: أهلاً بكم من جديد، حتى قبل إدلاء الرئيس بوش بتصريحاته، بدا خيار انتخاب رئيسٍ للبنان بأغلبية الأصوات زائد واحد، خياراً تجاوزته الأحداث والمواقف، غير أن دعوته فريق الموالاة لتفعيل هذا الخيار إن تعذّر التوافق أعادت الأزمة إلى المربعات الأولى.

[شريط مسجل]

جورج بوش: بالنسبة للبنان، المهم نجاح الديموقراطية هناك، ثانياً فقد عملنا مع الفرنسيين على القرار 1559 لإخراج السوريين من لبنان، وعلى سورية البقاء خارج لبنان، يجب أن تدع العملية في لبنان تنجح وإن لم يصلوا لاتفاق، مع احترامي للجهود التي يبذلها الفرقاء للوصول إلى اتفاق، إن لم يصلوا لمثل هذا الاتفاق، فعلى قوى الرابع عشر من آذار انتخاب مرشحهم في البرلمان بالأغلبية زائد واحد، وعندما يحدث ذلك فإن على العالم الاعتراف بالرئيس.

[نهاية الشريط المسجل]

جمانة نمور:  سيد صبحي غندور، قيل، عندما لن تأخذ الأكثرية في لبنان هذا الخيار، الذي هو برأيها دستوري، كان خوفها من عدم تغطية ما من قِبل المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، وفي حينها كان هناك من يتحدث عن تفويض أميركي بالنسبة للملف اللبناني للرئيس ساركوزي، وحينها بدأت النقاشات وفتحت المباحثات مع السوريين، وقد تحدث البعض عن احتمال وجود صفقة ما. حديث الرئيس بوش، هل هذا يعني بأن التفويض الأميركي للفرنسيين انتهى، وبأن التدهور الأميركي السوري عاد إلى سابق عهده؟

"
تصريحات بوش تعبر عن موقف إدارته في ما يتعلق تحديدا بقضايا إقليمية مطلوبة من سوريا، وهي تصريحات تكتيكية تراهن على إمكانية إعادة خط التقارب من جديد بينهما
"
صبحي غندور

صبحي غندور: لا أعتقد ذلك، أنا طبعاً مع دكتور أحمد في رؤية تصريحات الرئيس بوش بأنها غير دبلوماسية ولا يجب أن تُقال بهذا الأسلوب، ولكن في رأيي كانت وما زالت هذه التصريحات تعبر عن موقف إدارة بوش بما يتعلق تحديداً بقضايا إقليمية مطلوبة من سورية، وليس الموضوع فقط لبنان وساحة لبنان. الشيء الذي أراه في هذه التصريحات أنها تصريحات تكتيكية، يعني لا تنال في رأيي من الهدف الاستراتيجي الموجود الآن في إدارة بوش بأن يكون لسورية دور فيما تقدم عليه هذه الإدارة في أشهرها الأخيرة، هناك دور مطلوب لسورية في لبنان، طبعاً صحيح، ولكن أيضاً هناك ضرورة للموقف السوري فيما يتعلق بالملف الفلسطيني، وأيضاً فيما يتعلق بالملف الإيراني مع واشنطن وفيما يتعلق بالعراق نفسه، وقد أشار بوش إلى هذه المسائل. لكن أجد أن هذه التصريحات السلبية هي تصريحات تكتيكية تراهن على إمكانية إعادة خط التقارب من جديد، هناك فترة من الأشهر الآن، قبل الربيع القادم، فيها حديث عن مؤتمر سيتم في موسكو ويكون الأساس فيه هو موضوع الجبهة السورية الإسرائيلية، وهذا يعني حتماً وحكماً الارتباط في موضوع الجبهة اللبنانية، ومصير المقاومة في لبنان ومصير مزارع شبعا إلى آخر هذه القضايا. لكن أيضاً أجد أن هذه التصريحات الآن مهما تعالت نبرتها غير قادرة للتطبيق العملي في لبنان الآن، لبنان في النتيجة الآن لا يمكن التراجع فيه عن ترشيح العماد ميشيل سليمان كمرشح لرئاسة الجمهورية، هذا الأمر حُسم من قِبل الموالاة ومن قِبل المعارضة، ما هو حاصل الآن من اختلاف على قضايا تتعلق بالحكومة أو في مرحلة ما بعد انتخابات الرئاسية. في رأيي ليست هي قضية تستحق ما يتم الحديث عنه الآن إعلامياً بين سورية والولايات المتحدة من أنها تأزم العلاقات في المنطقة، العكس صحيح، هذه قضايا، في رأيي، محلية لبنانية لكن توظف الآن في سياق الصراع المتأزم بين واشنطن ودمشق على قضايا إقليمية، أعتقد الآن على مستوى..

جمانة نمور (مقاطعة): ولكن البعض، يعني عفواً موضوع لبنان، كما قلت، هو مثال ربما أو مؤشر على السياسية الأمريكية تجاه سورية، البعض يرى فيه كذلك بغض النظر عن أمور أخرى، تحدث الرئيس بوش نفسه عنها، موضوع العراق وموضوع فلسطين. بما أنك تتحدث من واشنطن أيضاً لا يخفى على أحد بأن موضوع التطبيع مع سورية لا يتفق عليه الجميع في الإدارة الأمريكية، البعض يتحدث عن خلافات في وجهات النظر بين ما يُعرف بالصقور والحمائم داخل الإدارة نفسها، المجلس القومي ووزارة الخارجية، هذه التطورات الأخيرة هل تؤشر إلى أن الميزان يعود من جديد إلى مصلحة الصقور وليس الحمائم في الإدارة؟

صبحي غندور: لا ليس ذلك، أخت جمانة، يعني ليس هناك إمكانية الآن للعودة إلى الوراء في هذه الإدارة. هذه الإدارة، في رأيي، الآن تضطر إلى خيارات وضعت في توصيات بيكر هاملتون، وكان من هذه التوصيات آنذاك دعوة سورية إلى مؤتمر دولي والمفاوضات على موضوع الجولان، وأن ذلك سيؤدي إلى تخفيف الدعم السوري لإيران أو الدعم السوري لقوى المقاومة الفلسطينية المواجهة للسلطة الفلسطينية أو غير المتفقة معها، وأيضاً فيما يتعلق بلبنان. ولكن في تقديري، هذه الإدارة الآن أمامها خيارين لا ثالث لهما، أما استمرار حالة العجز الراهن والفشل الراهن في عموم الشرق الأوسط، أو أنها تأخذ بهذه التوصيات بمجالات مختلفة ولكن بأسلوب الجرعة الواحدة وليس قطرة قطرة كما يحدث منذ سنة، ويفقد هذا الدواء فعاليته كما يحدث من هذه الإدارة. أعتقد هذه تصريحات تكتيكية الآن، لا أستبعد حتى ربما غداً أن تحدث هذه الجلسة، المشكلة ليست في رأيي على المستوى اللبناني، الآن بشكل سريع أقول، ليست في هذه الصراعات بمقدار ما هي في المواقف اللبنانية نفسها، هناك حالة إحباط لدى الشارع اللبناني، هناك قوى سياسية عديدة لا تنتمي إلى الموالاة بشكل كامل ولا إلى المعارضة بشكل كامل، لا تريد أن تكون النتيجة على ما هي عليه الآن، أن يكون لبنان من جديد ساحة صراع لقوى دولية وإقليمية مهما كانت أحقيّة بعض الأطرف بمواجهة أطراف أخرى، ولكن واقع الحالة أن هناك حسم جرى في اختيار العماد ميشيل سليمان وهذا في رأيي مهم لأنه في النتيجة، على مستوى الشارع اللبناني، هناك ثقة في هذه القيادة وثقة في قائد المؤسسة العسكرية التي أثبتت جدارتها وكفاءتها في كل السنوات الماضية، وأعتقد أن الانطلاق من هذه النقطة لا يمكن التراجع عنه الآن، وكل ما هو يترتب على هذا الموضوع، في رأيي، يحتاج فعلاً إلى أن يكون هناك حسم لبناني أولاً لهذا الموضوع وإلغائه من لوحة الصراعات التي تحدث الآن بين قوى إقليمية ودولية عديدة.

جمانة نمور:  دكتور أحمد ولو ابتعدنا قليلاً عن الملف اللبناني، لنتحدث من جديد، نركز على مستقبل العلاقات الأمريكية السورية. في عام 2005 كان مطروحاً برأي المحللين موضوع تغيير النظام في سورية، ولكن الأمريكيين حينها لم يأخذوا بهذا الخيار، وحاولوا عبر استخدام سياسية العصا، كما توصف، بدفع سورية لترك المحور الإيراني، محور الممانعة، ما يُسمى كذلك، والانضمام إلى المشروع الأميركي والدول العربية المعتدلة، البعض رأى ربما في موضوع ما قبل أنابوليس وما بعده بقليل، محاولة إعطاء الجزرة إلى سورية، هل نحن نعود من جديد إلى موضوع العصا فقط من أجل دفع سورية إلى هذا المحور، محور الدول المعتدلة؟

أحمد الحاج علي: أولاً، سياسية العصا والجزرة كما تعلمين هي لكائنات حية معينة، ولا يمكن لهذا المفهوم أن يكون مقبولاً في السياسة وفي المجتمع..

جمانة نمور (مقاطعة): أصبح مفهوماً سياسياً على كلٍ دكتور أحمد، متعارف عليه صحفياً على الأقل.

أحمد الحاج علي: نعم، نعم، أعرف ذلك. حتى في هذا المنسوب على طريقة أخذ المعنى وإسقاطه غير صحيح، سورية، أولاً هي تؤمن بأمرين واضحين منذ زمن بعيد، تؤمن بالسلام، والغريب أن الآخرين لا يريدون لهذا الإيمان أن يتحرك ويصل إلى نتيجة، ثانياً، تؤمن بالحوار، وليست المسألة جديدة. في أشد الظروف وأقساها وفي أكثر اللحظات اضطراباً كنا نؤمن بالحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولعلّنا نذكر قول الرئيس بشار الأسد، أمريكا دولة عظمى بكل المقاييس، ولكن حينما يتصل الأمر بقضايانا تتحول إلى دولة صغرى، وهذا أمر له تفسيره من خلال الضغط الصهيوني بشكل عام والحسابات الإسرائيلية، ومن خلال أيضاً التوزيع القائم في المنطقة، لذلك رأينا أن العمل بطريقة تصنيف الوطن العربي سياسياً على أساس جبهة معتدلين وجبهة ناس خارجين أو مارقين، هذا الأمر لم يجدِ ولم يعطِ أي نتائج. أولاً المعتدلون هم مجموعة من الحكام..

جمانة نمور (مقاطعة): نعم، ولكن دكتور عفواً لم يتبق لدينا الكثير، ولكن تقول بأن سورية تؤمن بالسلام وهي تريد الحوار. من وجهة النظر الأمريكية الآن هي تقول إذا كانت تؤمن بالسلام لماذا لا تساعد الولايات المتحدة في العراق؟ لماذا تسهل عبور المسلحين عبر حدودها؟ ومن ناحية ثانية هل الحوار لمجرد الحوار؟ أم للمساعدة في تحقيق أهداف معينة؟ باختصار شديد لو سمحت.

أحمد الحاج علي: نعم، نعم، هذا ما قصدت تماماً، الإيمان السوري هو موقف عملي سياسي، ويعرف الأمريكيون أننا مع العملية السلمية في العراق، مع وحدته وسيادته ويعرف الأشقاء العراقيون ذلك، وهناك وقائع وهناك معاهدات وهناك قضايا متفق عليها، بل ساهمت السياسة السورية من خلال منطقها في العراق بتوفير الدم حتى على الأمريكيين أنفسهم، يعرف الأمريكيون ذلك، أننا زوّدناهم بمعلومات وقوائم وأشخاص وأحداث كثيرة، لكن الأمر لا يتصل بحقيقة الموقف السوري حينما تقدّره واشنطن وإنما برغبة أمريكا، برغبة واشنطن، بالرغبة الإسرائيلية ضمن هذه الرغبة، وبالمحصلة مهما فعلت سورية، فكلما أعطت أكثر كلما اتُهمت أكثر، وهنا بيت القصيد، وهذا الذي يجب أنت نتحاور عليه دائماً في الإعلام.

جمانة نمور: شكراً لك الدكتور أحمد الحاج علي من دمشق، ومن واشنطن نشكر السيد صبحي غندور، ونشكركم مشاهدينا على متابعة حلقة اليوم من ما وراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم. اقتراحاتكم ننتظرها على موقعنا الالكتروني indepth@aljazeera.net شكراً للمتابعة وإلى اللقاء.