- أبعاد قرار إسقاط التهم
- مستقبل العلاقة بين السلطة والإخوان


ليلى الشيخلي: حياكم الله، نتوقف في حلقة اليوم عند خلفيات إسقاط القضاء العسكري المصري تهم الإرهاب وتبييض الأموال عن أربعين من قادة جماعة الإخوان المسلمين، وتثبيت تهم الانتماء لجماعة محظورة. ونطرح في الحلقة تساؤلين رئيسيين، لماذا بدا قرار إسقاط تهم الإرهاب عن قيادات الإخوان المسلمين مفاجئاً للجماعة ولكثير من المراقبين؟ كيف سينعكس هذا الحكم القضائي على مستقبل الحركة المحظورة وعلاقتها بالسلطة في مصر؟... حتى محاموا الإخوان تلقوا بكثير من الدهشة قرار المحكمة العسكرية إسقاط تهم الإرهاب عن أربعين من أبرز قيادات الجماعة، وذلك بالنظر إلى الجدل والانتقادات التي أعقبت اعتقال المجموعة ورافقت جلسات محاكماتهم، وهي المرة الأولى التي تُسقط فيها محكمة عسكرية تهم عن أعضاء للجماعة، غير أن محامي المعتقلين دعوا إلى توخي الحذر في تحليل مضمون الخطوة وتداعياتها، لا سيما وأن المجموعة ما تزال تواجه تهم الانتماء إلى جماعة محظورة...

[تقرير مسجل]

إيمان رمضان: حالةٌ من الارتباك، لعلّها تكون أبرز ما يمكن استخلاصه من نتائج محاكمة المتهمين الأربعين من جماعة الإخوان المسلمين، بعد عام من الشدّ والجذب، تنقَّل خلالها ملف القضية بين المحاكم الجنائية والعسكرية، مثيراً انتقادات الرأي العام والمنظمات الحقوقية الدولية. قبل أيام أسقطت المحكمة العسكرية تهمة الإرهاب عن المتهمين، وعدّلت الاتهام الموجّه لكل من نائب مرشد الجماعة خيرت الشاطر ورجل الأعمال حسن مالك بقيادة جماعة محظورة، إلى عضوية جماعة محظورة. كما نفت المحكمة عن المتهمين تهمة جلب أموال من الخارج للإنفاق على الجماعة. غير أن كل ذلك لا يعني بالضروة إسدال الستار على محاكمة اعتبرها كثيرون مهزلة مخلّة بالعدالة، فلا تزال هناك تهمة غسيل الأموال، التي لم تُسقطها المحكمة رسمياً عن المتهمين، وإن اعتبر الدفاع أن هذه التهمة، غسيل الأموال، تسقط بسقوط تهمة الإرهاب. وكانت محكمة الجنايات قد ردت جميع التهم عن المتهمين وأمرت بالإفراج عنهم، إلاّ أن ملف القضية تحول، بأمر من رئيس الجمهورية، إلى المحكمة العسكرية في فبراير الماضي، وعلى الرغم من قرار محكمة القاهرة الإدارية ببطلان قرار رئيس الجمهورية إحالة الملف إلى القضاء العسكري، قد سارت القضية في طريقها إلى المحكمة العسكرية بحكم من المحكمة الإدارية العليا. وقد تجدد التوتر بين الإخوان المسلمين والسلطات المصرية أواخر العام الماضي، بعد تعرض عدد من عناصر الجماعة لحملة اعتقالات واسعة، على خلفية عرض تمثيلي قتالي قام به طلاب في جامعة الأزهر، استفزّ جهاز الأمن المصري الذي اعتبره استعراض قوة. غير أن هذا العرض التمثيلي وإن بدا سبباً واضحاً للأزمة فإنه يُعتبر في رأي الكثيرين من الإخوان المسلمين وغيرهم، مجرد حدث تذرّعت به السلطات المصرية لضرب العمود الفقري المالي للجماعة، إذ قامت الحكومة بتجميد أرصدة سبعين شركة حسب رواية الإخوان، كما جمدت أرصدة رجال أعمال من المنتمين للجماعة.



[ نهاية التقرير المسجل ]

أبعاد قرار إسقاط التهم

ليلى الشيخلي: ومعنا في هذه الحلقة من القاهرة الدكتور عصام العريان مسؤول القسم السياسي في جماعة الإخوان المسلمين المصرية، من القاهرة أيضاً معنا الدكتور وحيد عبد المجيد الخبير بمركز الأهرام للدارسات الاستراتيجية. نبدأ معك دكتور عصام العريان، يعني لا شك أن الكثير من الأوساط المصرية اعتبرت قرار إسقاط التهمة مفاجأة، ما تفسيرك أنت لهذه المفاجأة؟

"
الإخوان المسلمون هيئة شعبية إسلامية لا تنافس فردا في السلطة تمارس نشاطها الشعبي مستندة إلى ثقة الشعب، وهي جماعة معتدلة وسطية تقدم الإسلام بمنهج وسطي ولا تستخدم العنف
"
عصام العريان

عصام العريان: بسم الله الرحمن الرحيم، أنا أعتقد أن القرار يعكس حالة الإرتباك التي تعانيها طريقة تعامل السلطات المصرية مع الإخوان المسلمون. الإخوان المسلمون هيئة شعبية إسلامية لا تنافس أحداً على السلطة، لم تحصل برخصة حزب سياسي قانوني حتى الآن، وهي تمارس نشاطها الشعبي مستندةً إلى ثقة الشعب فيها وفي طرحها وفي برامجها وفي رجالها، وبالتالي الأصل الذي كان ينتظره الجميع الآن، أن لا يتم التعامل مع الإخوان لا كملف أمني ولا كخطر أمني، لأنها جماعة معتدلة وسطية تقدم الإسلام بمنهج وسطي، لا تستخدم العنف، ولم يثبُت عنها خلال الثلاثين سنة الماضية أو أكثر من ثلاثين سنة أنها استخدمت العنف أو لوّحت بالعنف إطلاقاً. اللجوء إلى القضاء الاستثنائي والعسكري بعيداً عن القاضي الطبيعي، كان هو الخطأ الكبير في هذه التعاملات مع الإخوان منذ عام 1995 وحتى يومنا هذا، الأصل أن يتم منافسة الإخوان شعبياً وأن لا يتم اللجوء إلى العصا الأمنية ولا إلى القضاء الاستثنائي بحال من الأحوال. هذا الإرتباك يعني حالة خلل في التعامل مع مجمل الحياة السياسية المصرية ومع فصيل شعبي قوي جداً موجود يشهد له الجميع بالوسطية والاعتدال، ماتم تضخيمه من أموال بعشرات الملايين، ثم كتبت جرائد شبه رسمية على أنها مليارات وغير ذلك، اتضح في النهاية في الأوراق أنها لا تتعدى عشرين أو خمس وعشرين مليون جنيه ملك الأفراد، أموالهم الخاصة.

ليلى الشيخلي: يعني أنت ترى أن إسقاط التهمتين إذاً مجرد تعبير أو انعكاس لحالة التخبط هذه، هذا هو تفسيرك؟

عصام العريان: أنا أعتقد أن أحد وجوه الأزمة هو حالة التخبط، لأنه لا توجد تهمة غسيل أموال، ولا توجد تهمة إرهاب، ولم يبق إلاّ الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين وهو ما حوكمنا عليه من قبل، وتم محاكمة المهندس خيرت الشاطر والمنهدس محمد بشر وآخرين من الذين يمثلون في هذه القضية على نفس الاتهامات من قبل، الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، هل الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين يؤدي إلى محاكم أو يؤدي إلى محاكم استثنائية؟! هذا شيء غريب جداً جداً وكان المُنتظر أن يصدر قرار بالإفراج الفوري بعد هذا العام من المعاناة الشديدة لأسر هؤلاء جميعاً.

ليلى الشيخلي: الفكرة وضحت. لنسأل الدكتور وحيد عبد المجيد، هل أنت مع هذه النظرية، نظرية التخبط أم يعني مع أيضاً، ما ذهب إليه البعض، من وجود دول أخرى، وبالتحديد الولايات المتحدة ربما تدخلت في هذا الملف؟

وحيد عبد المجيد: لأ، أولاً فيما يتعلق بأبعاد خارجية لهذا الموضوع،هي مُستبعدة، يعني ليس هناك ما يدل على تدخل أمريكي أو غير أمريكي، التدخل الأمريكي كان موجوداً في مرحلة سابقة، انتهى منذ ما يقرب من عامين لأسباب كثيرة، أهمها فشل المشروع الأمريكي في المنطقة بشكل عام. فلذلك التفسير العام جداً هو أنه بالفعل فيه حالة من الارتباك في أداء نظام الحكم في مصر، ليس فقط فيما يتعلق بملف الإخوان، وإنما على صعيد مختلف قضايا الحياة السياسية، وأيضاً حتى على مستوى الأزمة الاجتماعية، يعني لوحظ في الشهور الأخيرة هذا الارتباك بشأن مسألة الدعم المخصص للسلع والخدمات والطروحات المتعارضة فيها، إلى آخره. لكن فضلاً عن هذا، يعني هذا الارتباك الموجود ليس جديداً، هذا الارتباك ازداد في الفترة الأخيرة لكنه موجود وبالتالي لا يصلح وحده كتفسير، كمفسر لحالة محددة في لحظة معينة، لأنه كان موجوداً هذا الارتباك، عندما احيلت هذه القضية إلى القضاء العسكري، وكان موجوداً طول الفترة الماضية. هناك أيضاً يمكن أن نلاحظ أنه، في إطار الارتباك القائم داخل النظام، هناك نوع من التذبذب في المواقف نتيجة التفاعلات بين الاتجاهات المختلفة داخل النظام. هناك ما يدل أيضاً على أن هناك اتجاهاً، جزئياً على الأقل، إلى التهدئة في مختلف الملفات وليس فقط في ملف الإخوان. قبل أسابيع قليلة كان أحد الصحفيين ممن أحيلوا إلى القضاء، صدر قرار بإحالته.. بإحالة القضية في البداية إلى محكمة أمن الدولة، وهي محكمة استثنائية، ثم لم تمض أيام قليلة حتى عدّل قرار الإحالة إلى القضاء الطبيعي أو إلى المحكمة العادية، محكمة الجنح العادية التي يتبعها، فهناك بالفعل اتجاه ما إلى التهدئة، أيضاً على صعيد الأزمة الاجتماعية في مواجهة الاعتصامات والإضرابات المتوالية منذ أكثر من عام.

ليلى الشيخلي: نعم، إذا سمحت لي، كيف تفسر إذاً أنه بعد أيام فقط من إسقاط التهم هذه عن الأربعين شخصاً، تم القبض على 42 شخص اتهموا بأنهم تابعين لقيادة الإخوان المسلمين في الفيوم؟ هل هذا انعكاس للشد والجذب الذي تتحدث عنه؟

وحيد عبد المجيد: لأ، نحن لا نتحدث عن تغيير جذري أو عن مصالحة وإنما نتحدث عن تهدئة جزئية في بعض الملفات الكبيرة، إنما عمليات الاعتقال هذه ستستمر بمعدلات، مختلفة يعني لن تتوقف. ولكن نحن إزاء قضية كبيرة جداً، هذه القضية متهم فيها عدد من أهم وأكبر قيادات جماعة الإخوان وتحظى باهتمام كبير جداً، وتختلف تماماً عن حملة اعتقالات هنا أو هناك. لكن أيضاً لا بد أن نكون حذرين في هذا الموضوع لأنه ليس لدينا نص حتى الآن، ما لدينا هو كلام تلته هيئة المحكمة، لم يوزّع القرار حتى الآن لأنه كان قبل إجازة العيد مباشرة ولم يطّلع أحد، بما في ذلك هيئة دفاع الإخوان، على مضمون القرار وما ورد فيه على وجه الدقة. وبالتالي جزء من هذا الذي تم استنتاجه قد لا يكون دقيقاً تماماً، ولكن بالتأكيد هناك اتجاه ما إلى التغيير في طبيعة الاتهامات قد يترتب عليه عجز في التحقيق في القضية بأكملها، وربما إحالتها إلى دائرة أخرى في المحكمة، هذا سيتضح بشكل أوفر بعد إجازة العيد مباشرة..

ليلى الشيخلي (مقاطعةً): يعني دكتور لنسأل الدكتور عصام العريان، سامحني إذا قاطعتك. ولكن نريد أن نعرف أكثر عن الموجود أو داخل الجماعة الإسلامية، كيف تفكر الآن؟ يعني كما قيل، الأمر لا يدعو ربما إلى الإفراط في التفاؤل، كما علّق عبد المنعم عبد المقصود منسق هيئة الدفاع، قال إنه في النهاية الأمر لا يعني بالضرورة أن هناك فعلاً تغيير في السياسة تجاه الإخوان المسلمين، مالذي تتوقعونه؟ ما مصير الأموال التي جُمدت والشركات؟

عصام العريان: نحن كنا ننتظر أن يصدر قرار من محكمة الجنايات برفع التحفّظ عن أموال هؤلاء بعد ما قالته هيئة المحكمة بإسقاط تهمتي غسيل الأموال والإرهاب، وهما متلازمتين، للأسف لم تصدر المحكمة هذا القرار. ثم إن هناك أيضاً مطاردة أمنية ومتلاحقة منذ عام 1992 للإخوان، وصل عدد المعتقلين من الإخوان المسلمين خلال هذا العام فقط 2007، وفق تقرير لمرصد حقوقي إلى 3500 شخص، هذا رقم مهول من جماعة سلمية لا تستخدم العنف ولا تدعو إلى العنف، وكل تهمتها أنها تدعو إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة. نحن نريد سياسة واضحة من نظام الحكم،إذا أراد المنافسة السياسية فلينافس سياسياً، إذا أراد أن يغلق باب الحريات العامة والشخصية فليقل ذلك بصراحة، ليعلم الجميع طبيعة السياسية التي ينتهجها النظام. المحاكمات العسكرية والمحاكمات الاستثنائية والاعتقالات لن تثني أحداً عن المضي في خدمة فكرته، وعن الدفاع عن عقيدته، هذا شيء ثبت فشله، وإذا كانت الحكومة الآن تفرج، ونحن نرحب بإطلاق حرية كل مسجون لم يُحاكم محاكمة عادلة أو قضى مدة محكوميته بعد محاكمة عادلة، عن الذين اتهموا واشتبه في أنهم يلجؤون إلى العنف، فكيف تستقيم..

ليلى الشيخلي (مقاطعةً): يعني لا نريد أن نتحدث الآن عن.. يعني الحلقة ليست مخصصة للدفاع عن الإخوان المسلمين أو ذكر مآثرهم..

عصام العريان: لأ.. ليس.. أنا لا أتكلم عن الإخوان، أنا أقول لحضرتك إذا كان هناك إفراج عن الذين اتهموا بالعنف..

ليلى الشيخلي (متابعةً): لأنه في غياب الطرف الآخر، ليس هناك طرف حكومي معنا الآن، ولكن قد نتحدث عن قضية واحدة وهي إسقاط التهم. الآن السؤال هو ما تأثير هذا الموقف على مستقبل العلاقة بين الحكومة المصرية وجماعة الإخوان المسلمين. هذا ما سنطرحه بعد فاصل قصير أرجوا أن تبقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

مستقبل العلاقة بين السلطة والإخوان

ليلى الشيخلي: إذاً أهلاً من جديد. كيف سينعكس إسقاط تهم الإرهاب وغسيل الأموال عن قيادات الإخوان المسلمين على العلاقة بين السلطة والجماعة؟ هذا ما سنطرحه الآن، دكتور وحيد عبد المجيد، يعني ثالث محاكمة عسكرية وبهذه النتيجة، هل تعتقد أن الإخوان سيخرجون أقوى؟ يعني كما يقول المثل السم الذي لا يقتلك قد يقويك، هل ترى ذلك؟

"
أسلوب المواجهة الأمنية والملاحقات المستمرة لجماعة الإخوان يؤدي إلى تدعيمها أكثر مما يؤذيها، ويجلب إليها تعاطفا من قطاعات أخرى من الجمهور لم تكن تتعاطف معها
"
وحيد عبد المجيد

وحيد عبد المجيد: نعم، يعني هذا قيل مراراً، وقلته أنا شخصياً مراراً، أن هذا الأسلوب وأسلوب المواجهة الأمنية والملاحقات المستمرة لجماعة الإخوان يؤدي إلى تدعيمها أكثر مما يؤذيها، وهذا ما يحدث بالفعل، وكما أنه يجلب إليها تعاطفاً من قطاعات أخرى من الجمهور لم تكن تتعاطف معها، ولكن نتيجة هذه الملاحقات يزداد التعاطف معها، ويتعاطف أناس جدد معها في كل مرة. ولكن هذه مسألة ليست هي التي نعنيها تحديداً الآن عندما نتحدث عن المستقبل القريب، مستقبل العلاقة بين الجماعة والنظام، فيما يتعلق بتأثيرات هذه القضية تحديداً، ربما تتوقف على أمرين، الأمر الأول هو ما سيتلو هذا القرار، إذا تأكدت صحته، من إجراءات، الإجراءات التي ستُتخذ بعد إجازة العيد عندما تعود هيئة المحكمة إلى عملها، طبعاً نحن نتمنى بعد أن وصلت هيئة المحكمة إلى هذا الاقتناع أن توصي بإعادة القضية أو بإحالة القضية إلى القضاء المدني، بدلاً من إعادة التحقيق فيها أمام النيابة العسكرية مرة أخرى، تُحال إلى النيابة العامة لتحقق فيها باعتبار أنه ليست هناك تهماً خطيرة تستدعي، لأنه ما دام أنه لا توجد تهمة إرهاب وطالما أنه لا توجد تهمة تبييض أموال، وأن المسألة كلها تتعلق بالانضمام إلى جماعة محظورة هي مسألة تقليدية، كانت هناك عشرات القضايا من قبل بشأنها، فلتحال إلى القضاء الطبيعي ويتم التحقيق فيها بمعرفة النيابة العامة. لكن هذا ما نتمناه كنتيجة لما توصلت إليه هيئة المحكمة، لكن هذا ليس متوقعاً في المدى القصير على الأقل..

ليلى الشيخلي: طيب.

وحيد عبد المجيد (متابعاً): الأمر سيتوقف، يعني اسمحي لي دقيقة واحدة، على ما سيحدث، يعني هناك بعض المراقبين يتوقعون أو توقعوا عندما صدر هذا القرار أو إذا أعلنت هيئة المحكمة قرار إسقاط هاتين التهمتين، توقعوا أن تكون هذه بداية لنوع من المساومة بين النظام والجماعة فيما يتعلق بالانتخابات المحلية أو البلدية التي ستجرى في مصر بعد حوالي أربعة شهور أو ثلاثة شهور من الآن..

ليلى الشيخلي (مقاطعةً): في الواقع أوصلتني إلى النقطة التي أريد أن أسأل عنها تحديداً، فعلاً هذه الانتخابات المحلية، دكتور عصام عريان، التي ستجرى هل ستشاركون فيها؟ يعني ما هي نيتكم بهذا الخصوص؟

عصام العريان: نحن نرحب أولاً بأن نمثل أمام أي قاض طبيعي ونحن على ثقة تامة بعدالة قضيتنا، والقضاء الطبيعي هو حصن للمصريين جميعاً، وهناك درجات للتقاضي نحن نطمئن إليها تماماً. أما قضية الانتخابات المحلية، فحتى هذه اللحظة لم يصدر عن الإخوان المسلمين أي قرار بالمشاركة فيها، ومع ذلك تم القبض على أكثر من مائة شخص على ذمة الانتخابات المحلية من عدة محافظات، ثلاث محافظات على الأقل، وكان ما ينشر ويقال في التحقيقات أنه تم القبض عليهم لأنهم يفكرون ويدرسون فرص المشاركة في الانتخابات المحلية، هل هذا مناخ يسمح بأي منافسة في الانتخابات المحلية أو أي منافسة سياسية؟! أنا أعتقد أن المعادلة أوسع من علاقة الإخوان بالنظام أو النظام بالإخوان، المعادلة هي كيف يفكر البعض، والعقلاء بالذات داخل النظام الحاكم، في إدارة ملف الحياة كلها والحياة السياسية بالذات. نحن وصلنا إلى نتيجة مأساوية في الحياة السياسية، ركود شديد، والأحزاب محاصرة، والنقابات المهنية مجمدة، والجامعات لا تجري فيها انتخابات طلابية، والطلاب يضجون بالشكوى والجميع يضج، وموظفي الحكومة نفسهم الآن أصبحوا يبيتون في الشوارع من أجل حقوقهم، هذا الانسداد السياسي إلى ماذا سيؤدي؟ المشكلة ليست في الإخوان والإخوان ليسوا جزء من المشكلة، المشكلة في العقلية التي تدير الأوضاع، بأن العصا الغليظة الأمنية هي الحل، وأن الاستبداد يجب أن يستمر، هذه الأشياء لا يمكن أن تعيش الآن، وأي تدخل خارجي نحن نرفضه، ونحن نرفض أن نكون طرفاً في مساومة، مستقبل الوطن أهم لدينا من حرية الإخوان، وأمن الوطن أهم لدينا من أي مشكلة أو قضية تؤرقنا، ونحن قضينا سنوات من عمرنا في السجون وخرجنا أشد تمسكاً بمنهجنا المعتدل. لذلك نحن نريد من النظام سياسة واضحة وعاقلة، تريد أن تعيد الاطمئنان إلى كل مصري أن يشارك بحرية، أن يشارك في رسم المستقبل، أن يعيش آمناً، ألاّ يخضع لزوار الفجر، من الإخوان وغير الإخوان، أن يحصل على أجر عادل مقابل عمل يؤديه للحكومة أو عمل يؤديه للوطن، هذا شيء أبسط حقوق المواطنة التي يتشدق بها النا.. أما الاستمرار في السياسية الأمنية، والاستمرار في إمساك الأمور بعصا غليظة وسد كل الطرق أمام الإصلاح أو التغيير، والاستمرار في الاستبداد، هذا شيء لن يؤدي إلاّ إلى الكوارث.

ليلى الشيخلي: ولكن لا شك أن ما تلقيتموه هو ضربة.. ضربة مالية إن صح وصفها بذلك، ضربة مالية كبرى، والحديث عن التمويل بالنسبة للحركة، إلى أي حد تأثرت الحركة بما حدث؟

عصام العريان: المليارات التي تحدثوا عنها ومئات الملايين التي تحدثوا عنها اتضح في النهاية أنها لا تعدو،كما قال خيرت الشاطر المحبوس، شبكة يقدمها أحد رموز النظام الحاكم لابنته أو لابنه، عشرة ملايين، عشرين مليون أو ثمانية وعشرين مليون جنيه في الأوراق، هذا شيء بالنسبة لعالم الأعمال في مصر الآن لا يمثل قطرة في بحر، ونحن هذه أموالهم الخاصة، وخيرت الشاطر وحسن مالك هؤلاء تجار أولاد تجار أولاد تجار من عائلة تتاجر، يعني عائلة تعيش في التجارة منذ أكثر من سبعين سنة من الزمان، فلا يُستكثر عليهم أن يكون لديهم هذه الأموال، ونحن نفينا بكل قوة وحزم أن يكون لدينا أي تمويل خارجي أو يكون لدينا أي أموال غير أموال الإخوان أنفسهم، وعلى ماذا ينفق الإخوان؟!.. هذا هو السؤال المهم، ينفقون على أنشطتهم الخاصة..

ليلى الشيخلي (مقاطعةً): على العموم يعني.. ربما تجدر الإشارة، دكتور وحيد، أن هناك تهمة جديدة وجّهت للشاطر ومالك، وهي تهمة إدارة أموال الجماعة. هل تعتقد.. يعني إلى أي حد ستتأثر الجماعة بهذه التهمة؟ إلى أي حد سيتم السير بهذا الاتجاه؟

وحيد عبد المجيد: لأ، ما زال النص المحدد لما أُسقط من اتهامات وما أضيف لها.. هناك بالفعل اتهامين أضيفا، أو قيل أنهما أضيفا أو فُهما مما تلته هيئة المحكمة شفوياً أنهما أضيفا، لكن لا نستطيع أن نبني توقعات على كلام لم يُفهم بشكل واضح، أو لم يظهر مدلوله بشكل واضح حتى الآن. ما فهمناه مما تلته هيئة المحكمة، أنه بعد إسقاط التهمة الخاصة بتبييض الأموال وما يرتبط بها من تهمة الإرهاب، أضيفت تهمة ليست.. يعني ليست موجهة إلى أي من المقبوض عليهم، أي من المحبوسين الآن، وإنما هي تهمة موجهة إلى الخمسة متهمين الموجودين في الخارج، وهي إرسال أموال من الخارج إلى جماعة الإخوان المسلمين وبالتالي ستكون تهمة، في هذه الحالة ستكون تهمة خيرت الشاطر وإخوانه هي تلقي هذه الأموال وإدارتها، لكن هذا ما زال أمراً غير محدد بدقة حتى هذه اللحظة. طبيعة التهمة على وجه التحديد وتكيفها القانوني لن يتضح إلاّ في الأوراق، عندما يتم الحصول على هذه الأوراق بعد إجازة العيد، لكن إجمالاً التهمتان اللتان أسقطتا هما الأخطر على الإطلاق. هما، في الحقيقة كلنا كان يعرف، أن هاتين التهمتين لا أساس لهما وإنهما اتهامان سياسيان وليس قضائيين، وأنه حسناً انتبهت هيئة المحكمة إلى ذلك، وتعاملت مع هذا الأمر بأمانة، ونتمنى أن تواصل التعامل مع الملف بكامله بأمانة، إن لم تستطع أن تحيله إلى القضاء المدني فعلى الأقل أن تتعامل معه بنفس هذه الطريقة، أن تواصل هذه الطريقة في التعامل معه من أجل تهدئة الامور، لأن الوضع في مصر أصبح شديد التوتر على المستوى السياسي وعلى المستوى الاجتماعي، وإذا لم يقلق نظام الحكم من التوتر السياسي، فعلى الأقل لا بد أن يقلقه التوتر الاجتماعي الذي أنتج عشرات الاعتصامات والإضرابات والاحتجاجات المختلفة وسينتج أكثر منها في الفترة المقبلة.

ليلى الشيخلي: على العموم إلى أن يتوضح أكثر هذا القرار والإجراءات التي ستُتخذ ربما سيكون لنا وقفة أخرى عندها ربما أكثر تفصيلاً ودقة، شكراً جزيلاً لك دكتور وحيد عبد المجيد الخبير بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، وشكراً أيضاً للدكتور عصام العريان مسؤول القسم السياسي في جماعة الإخوان المسلمين، وشكراً لكم مشاهدينا الكرام في نهاية هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر. بإمكانكم كالمعتاد المساهمة في اختيار مواضع الحلقات القادمة بإرسالها على عنواننا الألكترونيindepth@aljazeera.net إذاً نقول لكن كل عام وأنتم بخير وفي أمان الله.