- لهجة جديدة في مخاطبة الأوروبيين
- تجاهل أنابوليس في الخطاب

- عن أفغانستان وطالبان


ليلى الشيخلي: حياكم الله، نتوقف في حلقة اليوم عند تسجيلٍ صوتي جديد، منسوبٍ لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، توجه فيه بالحديث إلى الشعوب الأوروبية، ودعاها للضغط على قادتها لوقف انجرارهم وراء الإدارة الأميركية ودعمهم لحربها في أفغانستان. ونطرح في الحلقة تساؤلاً رئيسياً، بعد رسالته التي عرض فيها الصلح على الدول الأوروبية، هل تجد رسالة بن لادن الجديدة صدىً لدى شعوبها؟... وجّه زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن رسالة جديدة إلى الشعوب الأوروبية، بشأن مشاركة دولها قي الحرب على أفغانستان، وطالب الأوروبيين بوضع حد لهذه المشاركة، وأكد بن لادن مجدداً مسؤوليته عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر وقال، أن الأفغان لم تكن لهم علاقة بها.

[شريط مسجل]

أسامة بن لادن: أن الحقيقة ما ذكرت سابقاً، أن أحداث منهاتن كانت رداً على قتل التحالف الأمريكي الإسرائيلي لأهلنا في فلسطين ولبنان، وإنني أنا المسؤول عنها، وأؤكد أن جميع الأفغان، حكومة وشعباً، لا علم لهم البتّة بتلك الأحداث، وأمريكا تعلم ذلك، فقد وقع بعض وزراء طالبان أسرى بيدها، وتم التحقيق معهم، وتم معرفة ذلك. ولذلك طالبت حكومة طالبان من أمريكا، سابقاً، بإظهار الأدلة على صدق دعواها قبل الغزو، فلم تقدم أي دليل، وإنما أصرت على الغزو وسارت خلفها أوروبا في ذلك، وليس أمامها إلا أن تكون لها تَبع، ويكفي للتدليل على هذا، دخولكم هذه الحرب، وكذلك إعفاء الجنود الأمريكيين من المحاسبة أمام المحاكم الأوروبية، ولذلك كان خطابي هذا لكم وليس لساستكم.

[نهاية الشريط المسجل]

ليلى الشيخلي: واتهم بن لادن الدول المشاركة في الحرب على أفغانستان بانتهاك أخلاق الحرب، باستهدافها النساء والأطفال والمدنيين.

[شريط مسجل]

أسامة بن لادن: إنكم في هذه الحرب لم تلتزموا بأخلاق الحروب وآدابها، فمعظم ضحاياكم نتيجة القصف، من الأطفال والنساء عن عمد، وتعلمون أن نساءنا لا يقاتلون وإنما تستهدفونهم، حتى في أيام الأفراح، عن علم وإصرار، رغبة في كسر معنويات المجاهدين، وهذا لن يجدي لكم نفعاً.

[نهاية الشريط المسجل]

ليلى الشيخلي: وذّكر بن لادن الأوروبيين بأن المد الأميركي آخذٌ في الانحسار، وطالب الشعوب الأوروبية برفض ساستها قبل أن يرحل الأميركيون من المنطقة.

[شريط مسجل]

أسامة بن لادن: وفي الختام أذكِّركم بأن المد الأمريكي آخذ ٌ في الانحسار بفضل الله، وسيرحلون إلى ديارهم وراء الأطلسي، ويتركون الجيران لتصفية حساباتهم مع بعضهم، فمن الخير لكم أن تأخذوا على أيدي ساستكم، الذين يتقاطرون على عتبات البيت الأبيض، وتعملوا جاهدين على رفع الظلم عن المظلومين، فالعدل صواب والظلم عذاب، والرجوع إلى الحق سمة أولي الألباب، والسلام على من اتبع الهدى.

[نهاية الشريط المسجل]

لهجة جديدة في مخاطبة الأوروبيين

ليلى الشيخلي: معنا في هذه الحلقة من لندن، فيل ريس، الكاتب الصحفي المتخصص بقضايا الارهاب، من القاهرة معنا الكاتب المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية ضياء رشوان. وسأسأل ضيفيّ، مالذي استوقفهما في هذا التسجيل الصوتي لابن لادن، وأبدأ معك فيل ريس.

فيل ريس: أعتقد أن بن لادن، وبالتأكيد تذكّروا، أنه كان هناك شريط وجِّه إلى الشعب الأمريكي في شهر سبتمبر، وأعتقد أن ما نحن إزاءه الآن، بن لادن بعد أن مارس خطابه السياسي المتعنت نوعاً ما، ينأى بذلك جانباً ويمد غصن زيتون ويقول، نعم أنا مسؤول عمّا حدث في سبتمبر، ولكن انظروا إلى المدنيين المسلمين الذين قُتلوا منذ ذلك الحين. يحاول إعادة صياغة نفسه بشيء يذهب بمنحى الاعتدال، الذي قد يقبله الغرب، وأنا واثق من أنه في هذا الشريط يحاول التمييز بين الغربيين من أمريكيين وأوروبيين، وأعتقد أنه ربما لن يجد صعوبة في ذلك.

ليلى الشيخلي: ضياء رشوان ما الذي استوقفك؟

"
خطاب بن لادن للأوروبيين ركز فيه على أفغانستان، لكنه لم يطلب منهم شيئاً يتعلق بفلسطين، على الرغم من أن القضية الفلسطينية في الأصل خلقها الأوروبيون، كذلك غابت مسألة العراق من الخطاب
"
         ضياء رشوان

ضياء رشوان: حقيقة الأمر، هذا ليس الشريط الأول الذي يوجهه أسامة بن لادن، كما نعلم، إلى الشعوب الأوروبية، هناك شريط آخر تلا تفجيرات مدريد التي وقعت في مارس 2004، ووجِّه بعدها بشهر واحد. وكان الشريط الآخر مختلف عن هذا الشريط، كان يحمل عرضاً من أسامة بن لادن للأوروبيين، بمهلة بثلاثة أشهر يوقف خلالها العمليات القتالية ضدهم، ومشروطة هذه المهلة أو استمرارها بانسحاب قواتهم من بلادنا، كما أسماها، وبلادنا في هذا الشريط انصرفت على ما يبدو إلى فلسطين والعراق وأفغانستان. لكن في هذا الشريط، هذه المرة يتحدث أسامة بدون أن يعطي مهلة، بدون أن يوجه تهديدات أو إنذارات، يصف الأوروبيين بالجيران، ويتحدث إلى الشعوب الأوروبية ويعرض عليهم ما أسماه هو، أن ينسحبوا قبل أن يوقعهم الأمريكان في حبائل الصراع بينهم وبين جيرانهم الآخرين المسلمين. إذاً نحن لدينا توجه أكثر سياسية من الشريط السابق، لدينا روح مختلفة عن الشريط السابق، الذي أتى كما ذكرنا بعد هجمات مدريد التي أوقعت نحو 200 قتيل، ويأتي ربما ضمن سياق أشمل من خطابات بن لادن الأخيرة، التي تحمل هذا المنحى السياسي، هذه النقطة الأولى. النقطة الثانية، أنه يركز على أفغانستان. لم يذكر فيما سمعناه أيّ شيء عن بلاد مسلمة أخرى محتلة، سوى فلسطين التي ذكرها في سياق تبريره لهجمات سبتمبر، لكنه لم يطلب من الأوروبيين شيئاً يتعلق بفلسطين، على الرغم من أن القضية الفلسطينية ،في الأصل، هي قضية خلقها الأوروبيون. كذلك غاب العراق، على الرغم من أنه أيضاً هناك دول أوروبية مشاركة في التحالف الأمريكي الغربي في داخل العراق. وبالتالي يبدو أن القضية الأفغانية وما يحدث على الأرض في أفغانستان، هو المهيمن على أسامة بن لادن، لسبب أو لآخر، قد يكون الانتصارات التي تحققها الطالبان يوماً بعد آخر على قوات التحالف، هي التي دفعته لذلك، قد يكون أيضاً المفاوضات التي بدأت طالبان تُدعى إليها وتدخل إليها مع الحكومة الشرعية في أفغانستان، هي التي دفعت له بذلك، والتي جعلته يؤكد مرة أخرى على براءة الحكومة الأفغانية والشعب الأفغاني من هجمات سبتمبر، كما قال في مقدمة هذا الخطاب.

ليلى الشيخلي: نقاط كثيرة، لنركّز على الموضوع الأوروبي أولاً، فيل ريس، يعني فرق كبير بين الطريقة التي عرض فيها الصلح على قادة أوروبا في أبريل 2004، وبين ما يطلبه اليوم من الشعوب الأوروبية، هل يتوقع أن تلقى أي صدى هذا الدعوة، وخصوصاً أنا أعرف ما حصل عندما دعا الشعب الأمريكي عشية الانتخابات، وكان الذي حصل هو العكس تماماً، وجادل البعض وقتها أن هذا هو ما أراده تماماً؟

فيل ريس: نعم في الحقيقة، نداءه الأخير جاء في أعقاب تفجيرات مدريد، أعتقد أن الأجواء مختلفة الآن، وفي الحقيقة كان هناك تقرير نشرته ترانس أتلانتك ترينز، وهي مؤسسة أبحاث ألمانية، قالت فيه، إنه قبل خمس سنوات، ثلثا الأوروبيين رحّبوا بقيادة أمريكا في شؤون العالم، هذا تراجع إلى نحو الثلث الآن. أعتقد أن بن لادن يقدم نفسه الآن باعتباره شخصاً يمكن التفاوض معه، وسائل الإعلام الأوروبية لم تنقل هذه الرسالة بهذه الطريقة، على الأقل الغالبية منها، لكن طيلة التاريخ الإنساني تم إسقاط الارهابيين باعتبارهم يقومون بأعمال عنف لا مغزى لها، والحكومات أسقطت من شأنهم، حتى بدأت بالتعامل معهم فتغير الوضع. ربما هو يقدم نفسه على أن الغرب سيتفاوض معه بشكل ما هذه المرة.

ليلى الشيخلي: يعني ضياء رشوان، في الواقع الأوروبيين، ربما أكثر من غيرهم، لعبوا دور كبير في تغيير قادتهم، سواء ما حصل في إسبانيا، في إيطاليا، وربما إلى حد ما، ما حصل في بريطانيا مع طوني بلير، يعني هل يتوقع أسامة بن لادن أن الأوروبي الذي يذهب إلى صندوق الاقتراع، ينتظر رسالة منه حتى يغيّر موقفه؟

ضياء رشوان: ربما كان هذا اعتقاده، لكنه ربما يكون أيضاً يعرف جيداً أن الانتخابات، عموماً البرلمانية، في الدول الأوروبية، تسيطر عليها الدول الغربية، عموماً تسيطر عليها القضايا الداخلية أكثر من القضايا الخارجية، بالطبع زادت أهمية القضايا الخارجية مؤخراً، ولكن لا يوجد أحداث دراماتيكية كبيرة، مثل تفجيرات مدريد أو تفجيرات لندن في السابع من يوليو 2005، لكي تؤثِّر كلمات أسامة بن لادن في الرأي العام الأوروبي فيغير توجهها السياسي. لكن أيضاً أسامة بن لادن ربما يكون يعرف الآن، أن خريطة القيادة السياسية في دول أوروبية مهمة و رئيسية قد تغيرت، لدينا الآن ألمانيا التي تغيرت إلى السيدة ميركل، ولدينا فرنسا إلى ساركوزي، ولدينا أيضاً بريطانيا إلى كولدن بروان. ويعرف جيداً أن فرنسا وألمانيا على الأقل قد تحولتا بشكل واضح عمّا كانتا عليه قبل هذا التغيير، ذهبتا أكثر إلى أحضان واشنطن، في حين أن بريطانيا ربما ظلت في نفس المسافة، ولكن ربما بشكل أقل حميمية ممّا كانت عليه في عهد طوني بلير، ربما يكون غرض أسامة بن لادن، بعد هذه التحذيرات، في أوروبا أن يوجه رسالة أكثر ليونة لمن هم قريبين من أمريكا. ومن الملفت مثلاً في هذه الرسالة، أنه يقول للأوروبيين إن أمريكا غزت أفغانستان وذهبتم وراءها، وهو هنا يتجاهل ربما حقيقة هو يعرفها جيداً، أن عدد القوات التابعة لحلف الأطلنطي الأوروبية في أفغانستان أكبر من عدد القوات الأمريكية، وأنه بهذا هو يعفيها من مسؤولية اتخاذ القرار، يحاول أن يقنع شعوبها بأن حكامها، وبخاصة ربما هؤلاء الحكام الجدد يسيرون وراء واشنطن لأنهم أقرب إليها، ويرمون بشعوبهم وبجنودهم إلى ما أسماه هو المحارق قبل ذلك، سواء في العراق أو في أفغانستان، ومن ثم أظن أنه راغب في التأثير على الشعوب، ولولا هذا ما كان وجه هذا الخطاب باسم الشعوب الأوروبية، المرة السابقة كان يتوجه للحكومات يعقد صلحاً، هذا المرة يتوجه إلى الشعوب، علّه ربما يتصور، أنه يحقق قدراً من التغيير والضغوط الداخلية على هذه الحكومات.

تجاهل أنابوليس في خطابه

ليلى الشيخلي: طيب يعني.. ذكرنا أشياء كثيرة في هذا التسجيل الصوتي، يأتي فقط بعد فترة قصيرة، يعني آخر تسجيل صوتي كان في 22 أكتوبر، بعد فترة صمت دامت تقريباً سنتين. فيل ريس، يعني هو الآن يتحدث واعتدنا أيضاً أن يتضمن خطابه إشارة زمنية لأحداث تدل أنه يواكب ما يحدث، هذه المرة مثلاً، أختار ألاّ يتحدث أبداً أو يشير، لا من قريب أو بعيد، لمؤتمر أنابوليس، رغم أن الحديث عنه بدأ منذ شهور عديدة، لماذا برأيك؟

"
بن لادن هدفه إقامة نظام خلافة إسلامي لكن هذا النظام أخفق في العراق ومجموعات المقاومة جعلته يعيش في عزلة لذلك وجد من الصعوبة إدارة شؤون العراق وأفغانستان
"
          فيل ريس

فيل ريس: ربما يعتقد أن أنابوليس حتى لا تستحق الإتيان على ذكرها، وأنا فقط أخمّن هنا ولست متأكداً. حسب فهمي، ما يحاول بن لادن _وأنا التقيت بأشخاص في أوروبا أطلعوني على هذه الأنباء_ أن بن لادن، وهدفه الأول هو إقامة نظام خلافة إسلامي، لكن هذا النظام أخّفق في العراق، دولة العراق الإسلامية تفقد الدعم، ومجموعات المقاومة الأخرى جعلته يعيش في عزلة، وجد من الصعوبة إدارة شؤون العراق وأفغانستان، وأعتقد أن طالبان يحققون نجاحاً الآن، وربما، حسب رأي بعض مراكز البحث، يسيطرون على 54 بالمائة من أراضي أفغانستان، ربما يريد الآن أن يُظهر نفسه مع طرف يستطيع أظهار القوة والتمسك، هذا رأيي الشخصي. لا تنسوا أنه ربما يوجّه خطابه إلى دولة باكستان المجاروة، التي تعيش في حالة من الصعوبات والفوضى، ويذكر بأنه ما زال موجوداً وربما يكون قادراً على إحداث التأثير في شؤونها، وأمّا إذا وقعت باكستان وأصبحت دولة إسلامية فهذه أكبر كارثة للغرب بالطبع.

ليلى الشيخلي: إذاً قراءة بين السطور للتسجيل الصوتي الأخير لابن لادن، سنعود ونكمل الحوار بعد فاصل قصير، أرجوا أن تبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

ليلى الشيخلي: أهلاً بكم من جديد في هذه الحلقة التي نناقش فيها ماجاء في التسجيل الصوتي الجديد المنسوب لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن. ضياء رشوان، يعني من جديد أسامة بن لادن يصر ويؤكد أنه هو الذي يتحمل المسؤولية كاملة عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ويصر على أن الشعب الأفغاني بريء تماماً وليس له دخل أبداً، يعني ما الذي يريد أن يقوله أسامة بن لادن هنا مرة أخرى؟

ضياء رشوان: حقيقة، أخت ليلى، قبل هذه المسألة أريد أن أضع فقط ملاحظة صغيرة على موضوع أنابوليس، أنا أتوقع أن يخرج شريط خاص، ربما ليس من أسامة بن لادن لكن من أيمن الظواهري، عمّا قريب، يتحدث فيه عن هذا المؤتمر، هذا المؤتمر فرصة تاريخية ومهمة للقاعدة لكي توجه نقدها للعدوين معاً كما تراهما، العدو البعيد، أي الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، والعدو القريب أي كل النظم العربية التي ترى أنها قد خرجت عن صحيح الإسلام وحضرت هذا المؤتمر، وبالتالي لم يتطرق إليه ربما لأن هناك شيء خاص سيخرج بعد ذلك. بالعودة إلى موضوع 11 سبتمبر..

ليلى الشيخلي (مقاطعة): طيب يعني برأيك، برأيك هل هذا الحديث..ربما.. يعني هناك من قال ربما هذا التسجيل حصل قبل أي إشارة لمؤتمر أنابوليس، هل تعتقد أن هذا مرجح؟ أم أنه تعمد أن لا يشير إليه من قريب ولا بعيد لأن رسالة مختلفة تماماً يوجهها للأوروبيين ويتحدث فيها عن الشأن الأفغاني خالصاً؟

ضياء رشوان: في رأيي أنهم الأمرين معاً، الشريط مخصص لقضية محددة، وأنابوليس قضية كبرى بالنسبة للقاعدة، ولم تكن بعد قد انعقدت فلم تظهر بعد نتائجها، فكان لا بد في تقديري من الانتظار حتى تظهر النتائج وربما إذا سجل شريط، سيكون قد سجل بعد انتهاء افتتاح المؤتمر وهو أمر كما ذكرت سابقاً، مهم للغاية لكي تفرد له القاعدة تسجيلاً خاصاً. بالنسبة لأفغانستان..

ليلى الشيخلي (مقاطعة): بس، يعني أكيد توافقني.. يعني الإشارة،إذا سمحت، للمؤتمر حصلت منذ شهور عديدة وكان يمكن، لو أراد، حتى يشير إلى موضوع الإقبال أو التهافت العربي يعني كما درجت العادة؟

ضياء رشوان:  نعم، ولكن أيضاً درج أسامة بن لادن على عادة أخرى، وهو أنه في رسائله، خاصة إلى الأوروبيين، الرسالة السابقة التي أشرنا إليها، وهي من صفحتين فقط، وبالرغم من سخونة الأحداث عندئذ في عام 2004 في العراق وغيره، إلاّ أنه تطرّق فقط إلى علاقة الأوروبيين في هذه الأحداث، لم يغرق في حدث منها إلاّ بقدر ما يخدم رسالته الأصلية، وهي عرض الصلح والهدنة عليهم، وبالتالي أنابوليس ستكون فرصة كبيرة للقاعدة لكي تتحدث عن خيانة العرب، وعن ما يقوم به الإسرائيليون والأمريكيون، عن تهافت منهج حماس ووصولها إلى هذا الحد مع فتح، وما قام به محمود عباس أبو مازن، هناك قضايا عديدة تهمه في أنابوليس وبالتالي أظن أنه سيتم إفراد شريط خاص لها، لكن بعد أن ظهرت أولى نتائجها. هل أستكمل أفغانستان؟

عن أفغانستان وطالبان

ليلى الشيخلي: لو سمحت، أنا آسفة يعني ربما خرجت عنه ولكن كان مهماً أن نحدد هذه النقاط تفضل، موضوع أفغانستان بالتحديد.

ضياء رشوان: لأ أبداً، هو مهم أيضاً. أفغانستان بالتحديد، كما لمحت سابقاً، وكما ذكر زميلنا من لندن، طالبان تحقق تقدماً مباشراً على الأرض الآن، ولدينا عرضين على الأقل، تقدم بهم الرئيس حامد قرضاي خلال الشهور الثلاث الماضية، أحدها صبيحة وصوله من واشنطن، بعرض التفاوض مع الملاّ محمد عمر زعيم الطالبان، والسيد غلب الدين حكمت يار زعيم الحزب الإسلامي، وهذه المرة الأولى التي يعرض فيها، وعندما سُئل قال نعم، لقد أخذت رأي الرئيس بوش في هذا الأمر. وبالتالي هناك على ما يبدو اتجاه الآن لإدخال طالبان بطريقة ما في الصياغة الأفغانية المستقبلية، هذا الأمر يعرفه أسامة بن لادن وربما يكون قد طُلب منه، أو عُرض عليه من حلفائه الأفغان في طالبان، أن يحاول قدر الامكان أن يخلي علَناً سبيلهم من جريمة سبتمبر 2001، وهو في كل الأحوال قال أنه قد فعلها، بالقطع في القانون الاعتراف ليس سيد الأدلة، هناك أدلة أخرى، لكنه بهذا الأداء الإعلامي، الموجه إلى الرأي العام الأميركي والغربي بشكل عام، هو يضع عن كاهل طالبان هذه المسؤولية، وربما يفتح الطريق أمامها لكي تدير ما تريده من تفاوض، ولكي تحقق لنفسها، وربما أيضاً لقطاعات من القاعدة، ما افتقدته خلال الأعوام الستة الماضية التي احتُلت فيها أففانستان من القوات الأمريكية والغربية.

ليلى الشيخلي: وربما، فيل ريس، بدأ أيضاً يشعر بضغط محلي، إنما.. يعني في أي مكان موجود فيه، يعني إذا كانت..يعني بدأ يشكل عبء أكبر على من يستضيفوه. عندما قال رأيت الضحايا من الأطفال والنساء، يعني هل هذا تلميح إلى أنه أصبح قريب من موقع الخطر، يعني مثلاً كانت هناك غارة أو قصف،هو كان قريب جداً منها، هل اعتراف هذا بشكل أو بآخر برأيك؟

فيل ريس: ربما هذا صحيح، بإمكان المرء أن يتكهن إلى ما لا نهاية حول ما قد يكون، لكن أقول نعم، أنا أرى أنه يحاول أن يُظهر نفسه وكأنه من جانب، أو هو من الضحايا، وأن المسلمين هم ضحايا، لينال بعض التعاطف. تذكروا أنه برّر قتل المدنيين واقتبس من القرآن وقال، العين بالعين والسن بالسن، وقال إن عدد المسلمين الذين قتلهم الغرب هم بالملايين، وعليه، فهو لديه الحق بقتل نفس العدد من الغربيين، هذا لم يرُق كثيراً للرأي العام الغربي والبريطاني. الآن نفس هذا الرآي العام يرى جنود الناتو وهم يقتلون، ويرون معركة ربما ليس بالإٍمكان كسبها، ويحاول أسامة استغلال ذلك، فيقول لهم، رغم أن قرار الحادي عشر من سبتمبر كان قراري، لكن كان هذا رداً لعدوان سابق، وأنتم الآن سمحتم للكثير من الأطفال العراقيين أن يموتوا أيام الحصار، أو موت الناس في فلسطين وأماكن أخرى، ربما هذه هي الأمور التي يحاول أن يفعلها، وربما قد ينجح في ذلك أيضاً.

ليلى الشيخلي: ضياء رشوان، هل لك تعليق على هذه النقطة بالتحديد، بسرعة لو سمحت؟

ضياء رشوان: لا أعتقد أنه.. يعني النقطة الرئيسية هي الحفاظ على أفغانستان والحفاظ على حكومة طالبان المتوقع وصولها إلى الحكم. أمّا بوجوده في موضع الخطر، نعم، هو يحاول أن يعطي صورة، لكن أيضاً يريد أن يقول للأمريكان تحديداً وليس للأوروبيين، أنه موجود بنفسه في أفغانستان، وأنه ليس منفصل عن الشعب الأفغاني. القول بأنه مسؤول وحده هذا لا يعني أنه غير متضامن وغير موجود في مواضع القتال مع الأفغان، إلى درجة أنه يرى بأمِّ عينيه هؤلاء الضحايا من الأطفال، كما يقول، والنساء والعجائز.

ليلى الشيخلي: طيب، يعني أنت تحدثت في البداية عن النبرة، أو عن لغة الخطاب، هل تشعر فعلاً أن أسامة بن لادن الذي نستمع إليه اليوم، في هذا التسجيل الصوتي، مختلف تماماً عن أسامة بن لادن الذي لطالما سمعناه في تسجيلات أخرى، سواء فقط بالصوت أو صوت وصورة؟

ضياء رشوان:  حقيقة الأمر، أسامة بن لادن، لا نستطيع أن نقول أنه تغيّر جذرياً، لكن هناك تغيرات واضحة بدأت معه، منذ خطابه الشهير الذي أشرت إليه في معرض حديثك في نوفمبر 2005..آسف، 2006، السابق على انتخابات الرئيس بوش 2004، وهذا الخطاب بدا فيه أسامة بن لادن لأول مرة يتخلى عن سلاحه وعن زيّه العسكري. تتابعت الخطابات، تغير الشكل، تغير المضمون، والمضمون آخذ أكثر في الاتجاه نحو السياسة، نحو التعامل مع بعض المعطيات الواقعية، بما في ذلك خطابه الأخير الأشهر، الذي انتقد فيه صفوف القاعدة وأدائها وممارساتها في العراق. هذه النوعية من الأحاديث لم تكن لتخطر ببال أحد أن تأتي على لسان أسامة بن لادن، وبخاصة أن العراق هو مكان الحرب الرئيسية، هناك قتال دائر في العراق فما كان يجب، حسب تقاليد أسامة بن لادن القديمة، أن يُُنتقد الرفاق والأخوة وهم يقاتلون، ولكنه فعلها. وأيضاً عندما يتحدث الآن عن صلح، ليس صلحاً، إنما يعرض على الأوروبيين عموماً أن يخلعوا أنفسهم من الأمريكيين ويتركوا الأمريكيين بمفردهم بهذه اللهجة الهادئة، وأظن أن هذا أيضاً يعكس تطوراً نحو الواقعية السياسية وحرصه حتى _وهذا بعيد عن الخطاب، هذا في تفسيراتي التي نحاول أن نقدمها معاً_ أنه في حرصه على حكومة طالبان وبقائها أو رجوعها إلى الحكم ولو بأي صياغة ممكنة، فهو يضحي بنفسه.

ليلى الشيخلي (مقاطعة): يعني في الحديث عن الواقعية، ربما يجب أن نشير، إذا سمحت لي، قضية أن المد الأميركي آخذ في الانحسار، فيل ريس، وأنه يحذر الأوروبيين بأن عليهم أن يبتعدوا أو ينأوا بأنفسهم عن الأمريكيين، إلى أي حد هذا واقعي؟ هو يطالبهم من جهة ولكن يهددهم بجهة أخرى، يقول لهم..يعني.. انتظروا ما سيحصل عندما يرحل الأميركيون، وقتها سيكون لنا مثلاً حساب آخر، هل هذا.. كيف سيلقى هذا صدىً عند الأوروبيين، برأيك؟

فيل ريس: هذه أول مرة حلف الناتو يضطلع فيها بمهمة مثل ذلك، الأمريكان لهم قوات من قبل في أفغانستان، وفقاً للإطار السابق في العمليات السابقة، لكن هذه المرة الأولى التي تخوض فيها قوات تابعة للناتو حرباً خارج أوروبا، ويبدو أن أميركا تقود الأوروبيين، لكن على أية حال، هذه العملية بحد ذاتها لا تبدو ناجحة. هناك أماكن مثلاً لا يخرج فيها الألمان خارج نطاق مدن أو مواقع معينة، والآخرون ينتقدون غيرهم، هناك مشاكل داخل حلف الناتو، وكان دائماً في أوروبا، والآن يحاول أن يجد لنفسه دوراً خارج القارة الأوروبية، إذاً هناك مشكلة من هذا الجانب. من جهة أخرى، نعم، القرن الأمريكي انتهى، أعتقد أنه لم يدم سوى ستين عاماً، الأمريكيون اعتقدوا أن لديهم الحق في حكم العالم، لكن هذا انهار، كما انهار الاعتقاد البريطاني الامبريالي السابق. أعتقد أنه يجب عليهم أن يعثروا على طرق جديدة للعب دور الشرطي في العالم، ربما من خلال تقوية الأمم المتحدة، ومحاولة حل مشكلات العالم بطريقة تختلف عن الخمس سنوات الماضية.

ليلى الشيخلي: فيل ريس الكاتب الصحفي المتخصص بقضايا الارهاب، شكراً لك من لندن، ومن القاهرة شكراً لضياء رشوان الكاتب المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية. وشكراً لكم مشاهدينا الكرام على متابعة هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر، بإشراف نزار ضو النعيم.