- الدور التركي الحالي في المنطقة

- حجم التأثير التركي في ظل الأوضاع الراهنة

 

لونه الشبل: أهلاً بكم. نحاول في هذه الحلقة التعرف على أبعاد الدور التركي في منطقة الشرق الأوسط، واتجاهات تأثيره المتنامي في الإقليم في ضوء زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي شيمون بيريز ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى أنقرة. ونطرح في الحلقة تساؤلين رئيسيين، أي دور تلعبه تركيا في الشرق الأوسط تحت حكم العدالة والتنمية وكيف توفّق بين مصالح القوى المتنافرة فيه؟ وكيف يؤثر الدور التركي المتنامي على أوضاع المنطقة في ظل الأوضاع المعقّدة التي تمر بها حالياً؟. تحت عنوان اقتصادي جمعت تركيا الرئيسين الإسرائيلي والفلسطيني على أعتاب اجتماع أنابوليس المُزمع عقده في الولايات المتحدة لمناقشة آفاق حلول القضية الفلسطينية نهاية العام الجاري. وتحت الغطاء نفسه فتحت تركيا أبواب برلمانها للرئيس الاسرائيلي شيمون بيريز كأول رئيس إسرائيلي يتحدث أمام برلمان دولة مسلمة. حديث بيريز أمام البرلمانيين الأتراك طغت فيه السياسة على الاقتصاد، مثلما هو الحال في حديث عباس الذي أعقب الرئيس الاسرائيلي على منبر البرلمان التركي. وهكذا يتكشّف الغرض الرئيسي من اجتماع أريد له أن يتم تحت ستار إنشاء منطقة صناعية، يفترض أن تُقام على أرض لاتزال الدبابات والجرافات الاسرائيلية تُعمل فيها ليل نهار!

[تقرير مسجل]

إيمان رمضان: انشطار بين الشرق أو جسر للربط بينهما؟ قدرٌ جغرافي مُنيت به أو حظيت به تركيا، ولعب دوراً في تحديد ملامح علاقتها بمحيطها الإقليمي على مرّ العصور. ولم يَحُل واقع كونها جزءاً من المنطقة الغربية الأطلسية من تقارب، وإن لم يكن سلساً باتجاه الجار العربي، تعثّر بصورة واضحة في أوائل التسعينات، تلك الحقبة التي شهدت تطويراً لعلاقات تركية إسرائيلية وكان التعاون العسكري أحد أبرز ملامحها. ولعل هذا التعاون قد انعكس سلباً على علاقة تركيا بمحيطها العربي، بعد أن أثار حفيظة الدول العربية رغم أن بعضها كانت له علاقات طبيعية مع إسرائيل. وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر حدثاً فارقاً بالنسبة لتركيا كغيرها لتفتح أمامها الباب للعب دور على الساحة السياسية الدولية، فكانت جزءاً من التحالف الدولي الذي شكّلته الولايات المتحدة لمحاربة ما يُسمى الإرهاب، وكانت القوات التركية أول من توجّه لأفغانستان لإسقاط نظام طالبان. ومع تغير الظرف السياسي الدولي الذي واكبه وصول حزب العدالة والتنمية ذي التوجهات الإسلامية إلى رأس السلطة في تركيا، وجد الأتراك أن الوقت قد حان للعب دور فاعل في الإقليم في مواجهة تحالفات وأدوار تجلّى تأثيرها في المنطقة بعد الغزو الأمريكي للعراق. وهاهو رئيس الوزراء التركي في سوريا يدرس مشروعاً لمدّ الغاز العربي إلى تركيا لنقل الغاز الطبيعي المصري إلى الأراضي التركية ومنها إلى رومانيا العام القادم. وهاهي تركيا تستضيف وللمرة الثانية مؤتمر دول جوار العراق في إطار المساعي الدولية المبذولة لضبط الأوضاع الأمنية فيه، كما لايمكن بحال غضّ الطرف عن موقف البرلمان التركي بقيادة حزب العدالة والتنمية الذي رفض انطلاق أي عمل عسكري أمريكي من الأراضي التركية باتجاه العراق أو مشاركة القوات التركية في تلك العمليات، رفض كان له صدى في الشارع العربي مثلما كان له أثره في توتير العلاقات الأمريكية التركية. غير أن انقسام الأتراك جغرافياً وسياسياً بين الشرق الأوسط وأوروبا، وحرصهم على تفعيل دورهم في المنطقة لإحداث توازن ما في وجه تحالفات إقليمية جديدة قد لايكون على حساب مصالحهم الدولية بينما الطريق إلى الاتحاد الأوروبي لايزال مليئاً بالعقبات.

[نهاية التقرير المسجل]

الدور التركي الحالي في المنطقة

لونه الشبل: ومعنا في هذه الحلقة من أنقرة الدكتور ابراهيم قالين رئيس مركز الأبحاث السياسية والاقتصادية في تركيا، ومن القاهرة الدكتور ابراهيم البيومي غانم أستاذ العلوم السياسية بالمركز القومي للبحوث في مصر والمتابع للشأن التركي. وأبدأ معك دكتور ابراهيم من القاهرة. ربما وجود عباس وبيريز في أنقرة يطرح تساؤلاً بات ملّحاً أكثر، وليس تساؤلاً جديداً الحقيقة، كيف نوصّف الدور التركي في الشرق الأوسط وقضايا الشرق الأوسط؟

إبراهيم البيومي غانم: أولاً وجود عباس وبيريز في وقت واحد في العاصمة التركية يشير إلى مؤشر مهم جداً بالنسبة للسياسة التركية ومحاولة إعادة رسم الدور التركي وإعادة توجيه السياسة الخارجية التركية إقليمياً بما يتناسب مع حجم تركيا بما يراه أو بما تراه القيادة السياسية التركية حالياً من دور يجب أن يكون أكثر فاعلية ويجب أن يكون أكثر تأثيراً مما كان عليه في الماضي. من هذا المنظور يجب أن ننظر إلى هذه الزيارة المزدوجة التي يشارك فيها رئيس السلطة الفلسطينية والرئيس الاسرائيلي في وقت واحد، عشية الحديث عن اقتراب وعقد مؤتمر أنابوليس وبالتوافق أيضاً مع نشاط آخر غير حكومي سيحدث خلال اليومين القادمين في اسطنبول وهو عقد مؤتمر، يمكن أن نقول أنه مؤتمر شعبي يضم قوى من المجتمع المدني وممثلين من الأحزاب وتيارات سياسية وفكرية مختلفة من أنحاء العالم الإسلامي والعالم العربي حول القدس وقضية الأقصى. من هذا المنظور يجب أن ننظر إلى هذا التحرك التركي الحريص على إعادة رسم الدور إقليمياً في المنطقة حتى يتناسب مع تركيا كقوة أو كدولة مركزية في المنطقة..

لونه الشبل (مقاطعةً): لكن هذا الدور التركي، اسمح لي دكتور، أتوجه إلى الدكتور قالين في أنقرة، هذا الدور التركي يطرح إشارة استفهام كبيرة حول قدرة تركيا، وهي حاصلة الآن، أن تجمع بين قوى متنافرة في المنطقة، نحن لانتحدث فقط الآن عن زيارة شيمون بيريز وعباس إلى أنقرة، بل تركيا تستطيع الجمع بين أكثر من دولة متنافرة فيما بينها، كيف تستطيع تركيا فعل ذلك؟

إبراهيم قالين: هذه القمة المصغرة قبل لقاء أنابوليس في الولايات المتحدة هامة، لأن تركيا تحاول أن تفعل شيئاً شلّ عمليات السلام للعديد من السنوات. والحقيقة أن تركيا وكما تعرفون.. أن أحد أكبر المشاكل في عملية السلام، كانت استبعاد اللاعبين الآخرين من العملية. الولايات المتحدة وإسرائيل والفلسطينيين كانوا هم اللاعبين الرئيسيين في العادة، وإسرائيل كانت ترفض التحدث لأي لاعب آخر عدا عن الولايات المتحدة، وهذا ترك الاتحاد الأوروبي والدول العربية الأخرى وروسيا والأمم المتحدة واللاعبين الآخرين في المنطقة خارج عملية السلام. الآن عند جلب هذين الزعيمين فإن تركيا في الواقع تحاول أن تجد طريقة لإشراك لاعبين آخرين في عملية السلام بطريقة يكون لها تأثير على عملية السلام. التصريحات الذي سمعناها اليوم من الرئيس عباس والرئيس بيريز كانت جيدة، ولم يكن فيها أي خطأ، وهي أظهرت أهمية التعاون الاقتصادي، تحسين ظروف المجتمعين، بيريز تحدث علناً عن دولة فلسطينية قابلة للحياة إلى جانب إسرائيل. كل هذا جيد ولابأس به، المشكلة أن هذا النوع من التصريحات أُدليَ بها في السابق وليس فيها شيء جديد، في الواقع الرئيس عباس تحدث عن مسائل أوسع، عن القدس، حدود 67 للاجئين، وعدد من المسائل الأخرى، هذه المسائل لابد من معالجتها في لقاء أنابوليس إن كنا سنحصل على نتيجة ملموسة. العنصر الثالث الهام هو الوضع المزري للسياسة الفلسطينية حالياً، الفجوة بين حماس وفتح جلبت فلسطين إلى حافة الحرب الأهلية، التفريق بين الضفة الغربية وغزة ستكون مسألة في لقاء أنابوليس، واليوم تحدث عباس كرئيس وناطق باسم الشعب الفلسطيني كله، ولكن إن استبعدت نحو نصف الناخبين الفلسطينيين من هذه المعادلة في عملية السلام فإن أي شيء سيخرج من لقاء أنابوليس سيكون له شرعية مشكوك بها.

لونه الشبل: نعم، ولكن سيد قالين رغم هذه التفنيدات لم تجبني بشكل واضح نستطيع أن نفهمه. تركيا، ربما الآن تحت مسمى اقتصادي تدير سياسة، وهذا قيل عن تركيا منذ فترة بأنها تحاول عن طريق الاقتصاد أن تجعل واقعاً سياسياً على الأرض. الآن كيف تستطيع.. فعلاً، ماهي مقومات تركيا لتلعب هذا الدور بين قوى _بين قوسين_ ربما تكون عدوة بين بعضها في المنطقة؟ إذا تحدثنا عن إسرائيل وتحدثنا عن سورية مثلاً نجد أن تركيا تستطيع الموازنة بين الإثنين.

"
حتى لو هناك اختلافات ونزاعات سياسية بين الدول فالعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والعلاقات على المستويات الأخرى يجب أن تستمر
"
        إبراهيم قالين

إبراهيم قالين: هذا صحيح، إن تركيا كانت تكسب ما يُسمى عمقاً استراتيجياً من خلال جهود دبلوماسية وأيضاً اقتصادية، وجود علاقات جيدة مع إسرائيل وعلاقات اقتصادية جيدة مع سورية ومع دول عربية أخرى في المنطقة وأيضاً مع إيران، فإن تركيا تقدم الفكرة بأنه حتى لو هناك اختلافات ونزاعات سياسية فالعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والعلاقات على المستويات الأخرى يجب أن تستمر. إن منتدى أنقرة، هذه حركة بدأتها مؤسسة غير حكومية، تحاول أن تفعل هذا بالتحديد. المنطقة الصناعية تم التوقيع عليها مع إسرائيل والفلسطينيين لدعم الاقتصاد الفلسطيني، هذه مساهمة صغيرة لكن هامة، فلابد من معالجة هذه الأمور ولكن مجرد التحدث في العلاقات الاقتصادية وتحسين العلاقات الاجتماعية لن يكفي، المسائل السياسية الجوهرية لابد من معالجتها..

لونه الشبل: وعند هذه النقطة، عذراً لمقاطعتك دكتور ابراهيم، أنتقل إلى دكتور ابراهيم البيومي غانم. في المنطقة هناك من يرى أيضاً، بالإضافة للقضايا الاقتصادية الهامة، بأن تركيا تستطيع أن تفعل ذلك لأنها تتمتع بعلاقات جيدة مع جيرانها خاصة بعد تولي حزب العدالة والتنمية الحكم، أضف إلى ذلك وجود فراغ في المنطقة العربية وتراجع دور دول كانت فاعلة مركزياً، وبالتالي أُتيح المجال لتركيا لتلعب مثل هذا الدور؟

إبراهيم البيومي غانم: هذا صحيح، لأن تركيا منذ عدة سنوات، وخاصة منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في نوفمبر 2002 استطاعت أن تُحدث نقلة نوعية كبيرة جداً إلى الأمام في المجال الاقتصادي على الصعيد الداخلي وكذلك في محيط علاقاتها بجيرانها أو في محيط العلاقات الدولية التي تنخرط فيها وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، وكما قلت وأكرر مرة أخرى أن تركيا أصبحت منذ عدة سنوات تدرك أنه من الضروري أن تقوم بدور أكثر فاعلية، لم تعد راضية بأن تكون مجرد هامش أو مجرد طرف أو تابع للسياسة الغربية باعتبارها عضو في حلف الأطلسي، أو باعتبارها دولة تابعة للولايات المتحدة مثل كثير جداً من الدول. لم تعد ترضى حتى بمجرد القيام بدور الجسر، هم يعترضون، كثير من الساسة الأتراك وكثير من مفكري الاستراتيجية في تركيا يعترضون على تعبير أنها دولة جسر، يقولون أن الجسر يدوس الناس عليه ويعبرون عليه من طرف إلى طرف آخر، ولكننا نقوم بدور أكثر من ذلك كطرف فاعل في قضايا المنطقة. من هذا الإطار استطاعت تركيا في خلال الخمس أو ست سنوات الأخيرة أن تصفّي العلاقات المتوترة والعلاقات الصراعية بينها وبين أغلب دول الجوار المحيطة بها، وخاصة سورية. ونتذكر أن الحلف العسكري أو التعاون العسكري التركي الاسرائيلي قد جاء في لحظة اتّسمت فيها العلاقات السورية التركية بتوتر شديد جداً، وكان من مصلحة تركيا أن تبحث عن حليف أو طرف آخر في مواجهة هذه الحالة المتوترة بينها وبين سورية، وكذلك كان من مصلحة إسرائيل بطبيعة الحال أن تدخل في هكذا تعاون. الآن أصبح هناك تغيّر في المعادلة الإقليمية بعد سقوط العراق، بعد تصحيح العلاقات بين سورية وتركيا، أصبح الآن من مصلحة إسرائيل أن تظل على مقربة من تركيا، أن تظل على علاقات وثيقة مع السياسة التركية في المنطقة، حتى لاتذهب بعيداً ضد المصالح الاسرائيلية في المنطقة.

لونه الشبل (مقاطعة): هذا ما تريده تركيا لكن سنحاول أن نفهم ماهو حجم التأثير التركي الفعلي في المنطقة في ظل أوضاع المنطقة الراهنة. نتابع هذه المسألة بعد وقفة قصيرة، ابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

حجم التأثير التركي في ظل الأوضاع الراهنة

لونه الشبل: أهلاً بكم من جديد. الدور التركي الذي يتعزز في المنطقة يوماً بعد يوم، نُظر له من زوايا متعددة في العالم العربي. لنستمع في هذا الصدد لقراءات عدد من المحللين السياسيين العرب.

[شريط مسجل]

د.سمير التقي/مدير مركز الشرق للدراسات في سورية: الدور التركي في منطقة الشرق الأوسط تتنازعه تناقضات. هو ينتقل من الدور الاقتصادي إلى دور سياسي فاعل. هو ينتقل من مرحلة كان يراهن فيها على العلاقة مع أوروبا والانتماء للاتحاد الأوروبي لكي يبدأ نفوذ في المنطقة، منطقة الشرق الأوسط. وفي هذا الإطار تراهن السياسة التركية بشكل أساسي على العمل على بناء ما يمكن من جسور بين الفرقاء دون المتنازعين والسعي إلى توصل اتفاقيات بين هؤلاء الفرقاء بغض النظر عن الممكن السياسي، يعني بغض النظر عن هل ستتوفر هذه الإمكانية أم لا، لكنهم يحاولون أن يوظفوا جهدهم الدبلوماسي في هذا الاتجاه. ولكن أيضاً الدور التركي ممكن أن نقول عنه أنه أحياناً يتخذ دوراً عسكرياً فاعلاً كما هو الأمر تجاه الوضع في شمال العراق.

د. علي الجرباوي/أستاذ العلوم السياسية بجامعة بيرزيت: القبول بتركيا من قبل الاسرائيليين ومن قبل الفلسطينيين والعرب، قد تصبح أنقرة محط للزيارات والأخذ والعطاء ولكن هل تستطيع تركيا أن تغير من موقف إسرائيل لتقبل إسرائيل ماهو مطلوب فلسطينياً؟ لا أعتقد ذلك. لكن نحن نرى الآن العديد من الأطراف العربية والفلسطينية والإسرائيلية تذهب إلى أنقرة، وهناك، أنقرة أصبحت وكأنها محط أو وجهة لكل هذه الزيارات لأن أنقرة وتركيا مقبولة عند جميع الأطراف فقد تصبح مكان لعقد اجتماعات، أما أن يكون لها دور مؤثر في صنع السياسة، لا أعتقد ذلك.

جواد الحمد/مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في الأردن: لاشك أن الدور التركي في المنطقة بشكل عام قد تصاعد وتزايد منذ استلام حزب العدالة والتنمية بتركيا لرئاسة الوزراء ومن ثم الآن لرئاسة الجمهورية. وموضوع الصراع الاسرائيلي يقع في دائرة الاهتمام الأولي بالنسبة لتركيا لاعتبارات ثلاث، الاعتبار الأول أن حزب العدالة والتنمية التركي ذاته من جذور إسلامية ومعني بحل الصراع العربي الاسرائيلي بشكل، يعتقد هو، أنه يخدم مصالح الأمة الاسلامية والعربية، من جهة ثانية فإن تركيا لديها مصالح اقتصادية وعسكرية متعددة مع إسرائيل وهي معنية لذلك بأن تدخل على إسرائيل من مدخل عملية السلام، من جهة ثالثة الدولة التركية الحديثة لعبت دور دولي، وهي عضو في حلف الناتو كما يعلم الجميع وتحاول أن تكون عضواً في الاتحاد الأوروبي، وهناك تريد أن تقدّم نفسها بوصفها دولة قائدة في المنطقة يمكنها أن تحل أعقد الصراعات. وعليه فإن تطور علاقات حماس مع تركيا، والذي هو اليوم غير متطور، لو تطورت هذه العلاقات ربما تسهم في تفعيل الدور التركي وزيادة أهميته في المنطقة تجاه الصراع العربي الاسرائيلي وتجاه عملية السلام في المنطقة لاعتبارات يعرفها الجميع. نحن نرى أثر حركة حماس اليوم في الساحة الفلسطينية وفي الساحة العربية، تركيا حاولت أن تقوم بدور مهم باتجاه الخلاف الفلسطيني الداخلي بين فتح وحماس، كما حاولت أن تلعب دوراً في تليين موقف حماس سياسياً تجاه إسرائيل وقبلت أن تكون طرفاً ثالثاً، بل إنها قبلت أن تكون وسيطاً بين إسرائيل وبين حماس في موضوع الجندي المأسور في قطاع غزة اليوم.

[نهاية الشريط المسجل]

لونه الشبل: دكتور قالين، أنقل إليك أحد أسئلة الدكتور علي الجرباوي الذي ظهر قبل قليل في جامعة بيرزيت حول، فعلاً قدرة تركيا على لعب دور واضح ومصيري ومركزي فيما يتعلق بالصراع العربي الاسرائيلي، ربما، هل تتوقع تركيا أن تنجح فيما فشلت به دول كبرى في حل القضية الفلسطينية، مثلاً؟

إبراهيم قالين: لايمكن لتركيا أن تفعل ذلك لوحدها لكنها تحشد الموارد التي لديها مع دول عربية والاتحاد الأوروبي والأمريكي أيضاً لإيجاد مرحلة جديدة في عملية السلام في الشرق الأوسط. المشاكل الرئيسية التي شلّت عملية السلام حتى الآن، كل هذه الأمور التي تحدث في فلسطين وعلى الأراضي الفلسطينية، لكن على المستوى الدبلوماسي هذا الإغلاق لكافة اللاعبين الآخرين على مستوى المفاوضات، برأيي، كان مشكلة رئيسية. تركيا تحاول أن تحصل على دعم آخر وحشد وتعبئة الموارد الأخرى مثل العلاقات الصناعية والاقتصادية لتبدأ عمليةً جديدة في المفاوضات. من هذا الجانب ماتحاول تركيا القيام به هام لكنها لوحدها ستحتاج إلى دعم الدول العربية وستحتاج إلى حشد الموارد التي توجد لديها في أوروبا وحقيقة أن لتركيا علاقة جيدة مع إسرائيل هامة جداً في هذه العملية، فيمكن لتركيا استخدام هذا الضغط لإقناع إسرائيل أن حلاً دائماً للمسألة الفلسطينية سيكون أيضاً من مصلحتهم.

لونه الشبل: دكتور غانم، وماذا يفعل العرب الآن، يتفرجون على تركيا، على الدور التركي؟ تركيا تعمل في لبنان اقتصادياً وسياسياً، تعمل الآن في العراق فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي، كل ذلك والعرب ماذا يفعلون؟

إبراهيم البيومي غانم: ليست لديهم مبادرات ذات فاعلية أو ذات تأثير على مسار الصراع العربي الاسرائيلي من ناحية، ومن ناحية أخرى، بالنظر إلى الدور التركي المتنامي، نجد أن المبادرات وأن الخطوات المتقدمة إلى الأمام تأتي باستمرار من جانب تركيا دون أن تُقابل بخطوات مماثلة أو على نفس المستوى من الجانب العربي. يكفي مثلاً أن تركيا عندما عرضت، بمبادرة في، أظن، 2003، أن تكون عضواً مراقباً أو لها وجود أو تمثيل في الجامعة العربية وتحضير نفسها في المنطقة بشكل رسمي من خلال المؤسسات الإقليمية الموجودة مثل الجامعة العربية، ووجِهت برد سلبي جداً لم يكن متوقعاً من جانب الأطراف العربية، وخاصة أن تركيا لديها قدرات تأثير كبيرة جداً في القضايا العربية وخاصة القضية، قضية العراق، القضية الفلسطينية، قضية لبنان، أو الوضع في لبنان، أما العرب فهم الكاسبون الوحيدون إذا مدّوا أيديهم إلى تركيا لأنهم لايستطيعون أن يلحقوا ضرر بالمصالح التركية، ولا يستطيعون أن يقدموا مصالح كبيرة لتركيا في المقابل، حقيقة الأمر، إذا نظرنا إلى الجانب الاقتصادي مثلاً..

لونه الشبل (مقاطعةً): لكن في النهاية تركيا أيضاً تريد مصالحها، كيف لنا أن نفهم هذا التقاطع الآن بين مصالح تريكا..

إبراهيم البيومي غانم(مقاطعاً): أكيد.. طبعاً..

لونه الشبل (متابعةً): .. ومصالح إسرائيل، ومصالح أمريكا، ومصالح الشرق الأوسط؟

"
كل دولة تتحرك في السياسة الدولية من منطلق حفظ مصالحها القومية، وتركيا دولة من الدول المركزية في المنطقة
"
   إبراهيم البيومي غانم

إبراهيم البيومي غانم: بالطبع، كل دولة تتحرك في السياسة الدولية من منطلق حفظ مصالحها القومية، وتركيا دولة من الدول المركزية في المنطقة، بطبيعة الحال، وتسعى إلى المحافظة على هذه المصالح وفي مقدمتها المصالح السياسية، المصالح الاقتصادية، والمحافظة على علاقات الاستقرار والتعاون في المنطقة المحيطة بها. إذا نظرنا إلى الجانب الاقتصادي على سبيل المثال، نجد أن هناك تمدد اقتصادي تركي في العالم العربي لايقابله نشاط أو تمدد اقتصادي عربي داخل تركيا، يعني هناك عجز في الميزان التجاري العربي التركي لصالح تركيا بنسب كبيرة جداً، وإذا نظرت على جانب العلاقات الاسرائيلية التركية سنجد أن حجم المبادلات التجارية بين إسرائيل وتركيا حوالي 2 مليار دولار سنوياً وهذا حجم كبير جداً لايصل في العالم العربي إلى مليار و200 مليون..

لونه الشبل(مقاطعةً): إذاً، كي نبقى، دكتور غانم، لو سمحت لي، كي نبقى عند هذه النقطة. الآن إذاً الميزان يرجح لكفّة تركيا فيما يتعلق بالاقتصاد أو بالسياسة. وأختم معك دكتور قالين، في دقيقة لو سمحت. كل ماتقوم به تركيا الآن وتحديداً في الشرق الأوسط بالطبع لها مصالحها فيه، لكن أيضاً ألا يوجّه رسالة واضحة للغرب بأنني هنا، أي تركيا، وأنا دولة مهمة وورقة في مصلحتها لتضغط في النهاية، ربما للانضمام للاتحاد الأوروبي أو لمصالحها هي في النهاية؟

إبراهيم قالين: لقد أصبح هذا أمراً ضرورياً لدول مثل تركيا في المنطقة، ففي حقبة مابعد الحرب الباردة وخاصة في هذه المنطقة بين الشرق الأوسط وأوروبا هناك قوى إقليمية، ونوع من القوى الكبرى التي تصيغ السياسات في الشرق الأوسط، وهذه حقيقة على الولايات المتحدة أن تتقبلها، اللاعبين الإقليميين مثل تركيا وسوريا وآخرين يجب أن يتم التشاور معهم ويكونوا جزءاً من عملية السلام، إن كان أي شيء سيخرج من هذه المؤتمرات. لقد استثمرت تركيا سياسياً كثيراً في هذا لإيجاد حل لمشكلة الشرق الأوسط، فتركيا تتابع الأمر عن كثب، وأي شيء يحدث هناك له تأثير على الشعب التركي وكيف يرون الاتحاد الأوروبي وإسرائيل والولايات المتحدة. وتركيا تريد أن تحقق سلاماً مع الجميع، هذه معادلة شبه مستحيلة ولكن تركيا تحاول أن تجلب الجميع إلى جانب السلام.

لونه الشبل: الدكتور ابراهيم قالين رئيس مركز الأبحاث السياسية والاقتصادية، كنت معنا من أنقرة، شكراً لك، وبالطبع الشكر موصول للدكتور ابراهيم البيومي غانم أستاذ العلوم السياسية بالمركز القومي للبحوث في مصر والمُتابع للشأن التركي، شكراً جزيلاً لكما. إذاً، نهاية هذه الحلقة من ماوراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم. كما العادة، بإمكانكم المساهمة في اختيار مواضيع الحلقات القادمة بإرسالها على عنواننا الالكترونيindepth@aljaseera.net غداً إن شاء الله قراءة جديدة فيما وراء خبر جديد. الحلقة انتهت، أستودعكم الله.