- دلالات التصريحات الأميركية والإيرانية
- دور إسرائيل والدول الأوروبية

- موقف الصين وروسيا وألمانيا

- انعكاس التقرير على الملف والتفسيرات المختلفة


ليلى الشيخلي: حياكم الله. لهجة متشددة من الرئيس الأمريكي جورج بوش تجاه ملف إيران النووي دفعت الكونغرس الأمريكي لإطلاق تحذيرات من حرب تُشن على إيران، لكن الرئيس الإيراني يقول إن الولايات المتحدة أعجز من أن تشن هذه الحرب الآن. هذا الجدل وما صاحبه من تطورات بشأن ملف إيران النووي سيكون موضوع حلقتنا الليلة والتي نطرح فيها تساؤلين. ماهي دلالات التصعيد الذي حملته التصريحات الأمريكية والإيرانية الجديدة بشأن ملف إيران النووي؟ وماهو الاتجاه الذي يمكن أن يتخذه الصراع في أعقاب التفسيرات المتناقضة لتقرير البرادعي؟... تحذيرات صريحة أطلقها الديموقراطيون في الكونغرس الأمريكي ضد حرب، قالوا أن إدارة الرئيس جورج بوش تدق طبولها ضد إيران، لكن أمريكا ليست في وضع يمكّنها من شن حرب على طهران، وذلك حسب تصريحات كررها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في اليومين الأخيرين. لغةٌ تؤكد، في الحد الأدنى، أن الكثير من التعقيدات لا زالت تكتنف الملف النووي الإيراني.

[تقرير مسجل]

إيمان رمضان: تحصيل حاصل. على هذا النحو ينظر الغرب إلى تقرير محمد البرادعي عن الملف النووي الإيراني، فذلك التقدم الجوهري في الموقف الإيراني، الذي أشاد به مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تقريره، لم يكن لافتاً لأوروبا وواشنطن. وكأن الإدراك الغربي لنص التقرير وقف عند عدم اتضاح الرؤية كاملة لدى الوكالة الدولية حول مقدار تقدم البرنامج النووي الإيراني، ومستنداً إلى عبارة للبرادعي يصف فيها التعاون الإيراني بأنه غير ديناميكي. توحّد موقف واشنطن وحليفتيها لندن وباريس، داعياً إلى تشديد الضغط على طهران لتوضيح الجزء المتبقي في صورة لم يكمل التقرير تفاصيلها بعد، وتتعلق بضرورة تطبيق إيران للبروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر الانتشار النووي إضافة إلى وقف تخصيب اليورانيوم. امتناع الصين عن النسج على منوال الحلفاء الثلاثة بامتناعها عن حضور اجتماع، كان مقرراً بعد يومين، للدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، إضافة إلى ألمانيا، وإن لم يؤثر على آلية التعاطي الأوروبي مع الملف الإيراني النووي فإنه أحدث قلقاً في الأوساط الدولية. قلقٌ دفع الإدارة الأمريكية إلى تحذير الصين من تحميلها المسؤولية كاملة في حال شُنّت حرب على إيران، بينما تتجه العلاقات الصينية الإيرانية نحو تقارب أساسه تعاون اقتصادي. تهديدات بوش بالحرب لم تحرك لها إيران ساكناً، بل يرى رئيسها أن أمريكا اليوم غير قادرة على تنظيم ضربة عسكرية ضد إيران، إذ ليس لديها الآن، من وجهة نظره، أرضية اقتصادية أو سياسية أو عسكرية لتحقيق هذا الهدف. غير أن وقع تلك التهديدات كان مختلفاً بالنسبة للديموقراطيين في الكونغرس، فقد انهالت منه الاتهامات على الرئيس الأمريكي بجرّ البلاد إلى حرب جديدة، حربٌ وصفها أحد النواب بأنها ستكون كارثية على أمريكا والمنطقة وعلى القوات الأمريكية في العراق. وقد دفعت مخاوف الديموقراطيين من حرب ثالثة مجلس الكونغرس إلى دراسة اثني عشر مشروعاً قانونياً للحيلولة دون تبني إدارة بوش قراراً بشن عمل عسكري ضد إيران. وبينما يُدرس الملف الإيراني في الكونغرس أغلِق في إيران، ولايزال الملف ذاته مفتوحاً على طاولة مفاوضات أوروبية أمريكية تتقاطع بين أوراقه مصالح دولية.

[نهاية التقرير المسجل]

دلالات التصريحات الأميركية والإيرانية

ليلى الشيخلي: معنا في هذه الحلقة من بيروت الدكتور حبيب فياض وهو أكاديمي لبناني متابع للشأن الإيراني، ومن واشنطن معنا الدكتور عمرو حمزاوي من معهد كارنيغي للسلام العالمي. لنبدأ معك دكتور حمزاوي، يعني التحذير الذي أطلقه الديموقراطيون من أن إدارة بوش تشن أو تدق طبول الحرب على إيران، إلى أي حد هو تخوّف حقيقي أم مجرد ورقة يلعبونها ويستخدمونها في معركتهم ضد الجمهوريين؟

"
الحزب الديمقراطي منقسم فالاتجاه الأول، يقترب من قراءة إدارة بوش لكيفية التعامل مع الملف النووي الإيراني، والثاني متخوف من أن يؤثر العمل العسكري ضد إيران على المصالح الأميركية في منطقة الخليج والشرق الأوسط
"
        عمرو حمزاوي

عمرو حمزاوي: الحزب الديموقراطي منقسم، فيما يتعلق بقراءة الحزب لإيران وكيفية التعامل مع الملف النووي الإيراني، هناك اتجاهان واضحان داخل الحزب، الاتجاه الأول يقترب للغاية من مقاربة إدارة بوش ومن قراءة إدارة بوش لكيفية التعامل مع الملف النووي الإيراني، وهذه القراءة قائمة على خطوتين رئيسيتين، الخطوة الأولى، الاستمرار في مسار تصعيد العقوبات الدولية ثم العقوبات الانفرادية من الولايات المتحدة الأمريكية ضد إيران، عدد من المؤسسات الإيرانية، كما شاهدنا في الحرس الثوري، أو أشخاص بعينهم، الاستمرار في مسار العقوبات الدولية والفردية من جانب الولايات المتحدة الأمريكية ثم الإبقاء على خيار العمل العسكري، باعتباره أحد الخيارات الاستراتيجية المتاحة لصنع قرار في الولايات المتحدة الأمريكية على خلفية الخوف من دور إيران الإقليمي، وعلى خلفية الاهتمام بأمن إسرائيل، وعلى خلفية محاولة تأمين المصالح الأمريكية في منطقة الخليج، وخاصة المرتبط منها بالنفط. هذه القراءة موجودة داخل الحزب الديموقراطي وتتماهى مع قراءة الإدارة الجمهورية، مع إدارة الرئيس بوش. هناك قراءة ثانية تم التعبير عنها بالفعل في التصريحات الأخيرة وهي قراءة تتخوف من أن تقدم الإدارة الجمهورية على شن عمل عسكري ضد إيران في ربيع العام القادم، تتخوف من تداعيات هذا الأمر على المصالح الأمريكية في منطقة الخليج والشرق الأوسط ككل، وعلى القوات الأمريكية الموجودة في العراق، ومن تداعيات مثل هذا العمل العسكري على الولايات المتحدة الأمريكية داخلياً، سواء إقتصادياً، أو فيما يتعلق بمساحة الرضا الشعبي، وهي مساحة شديدة التأرجح فيما يتعلق بالرضا الشعبي عن إدارة بوش وسياساته. فالحزب الديموقراطي منقسم. هذه التصريحات بالتالي يمكن.. التصريحات الأخيرة من الكونغرس يمكن قراءتها على مستويين، هي ورقة يتم الدفع بها لمحاولة اكتساب مساحة من الرضا الشعبي الأكبر عن موقف الأغلبية الديموقراطية في الكونغرس، في لحظة تبدو درجة التأييد الشعبي لهذه الأغلبية الديموقراطية في الولايات المتحدة متراجعة، بحكم الفشل في تغيير السياسة الأمريكية تجاه العراق. ومن جهة أخرى هي تعبير عن مخاوف استراتيجية لدى هذا الجناح من الحزب الديموقراطي، وما يميز هذا الجناح هو أنه جناح معتدل وأنه بعيد إلى حد ما عن أجندة اللوبي الإسرائيلي وفكرة أمن إسرائيل أولاً، وإنه يقترب أكثر من الرؤى العربية المعتدلة داخل المنطقة والتي لا تريد حرب ولا تريد تصعيد عسكري.

ليلى الشيخلي: ربما الرئيس أحمدي نجاد يقترب من القراءة الثانية التي تحدثت عنها دكتور عمرو. دكتور حبيب فياض، واضح أن الرئيس أحمدي نجاد يستهين بالتصعيد الذي يتحدث عنه بوش لأسباب عديدة، كما سماها أسباب سياسية، اقتصادية، عسكرية، وفي المقابل هناك أصوات داخل إيران، أصوات قوية أيضاً، تجد أنه ليس من الحكمة الاستهانة بها. على ماذا يستند، أو إلى ماذا يستند أحمدي نجاد، ما هي الأوراق التي يستند إليها من وجهة نظرك؟

حبيب فياض: بشكل عام الداخل الإيراني يشهد قلقاً كبيراً من كثرة الكلام المتداول هذه الأيام حول احتمال قيام الولايات المتحدة بتوجيه ضربة إلى الجمهورية الإيرانية. على هذا الأساس المطلوب من المسؤولين الرسميين في إيران أن يبادروا إلى طمأنة الرأي العام الداخلي، حتى لا تُسجل هذه المسألة، يعني مسألة التهديدات الأمريكية، في خانة الحرب النفسية التي من الممكن أن تكسبها الولايات المتحدة الأمريكية. بشكل عام يجب أن نؤكد على نقطة أن المسؤولين الإيرانيين يتعاملون مع الحرب القادمة أو المحتملة أو المرتقبة من قِبل واشنطن ضد طهران على أساس أنها أمر واقع، ولكن في التصريحات الإعلامية والديبلوماسية يتعاملون معها من باب الاستخفاف حتى لايُسجل نقطة إمتياز لصالح الولايات المتحدة، وتقديم الولايات المتحدة أمام الرأي العام العالمي بصورة العاجز والضعيف لأن إيران جاهزة وحاضرة ولديها الكثير من نقاط القوة للمواجهة.

دور إسرائيل والدول الأوروبية

ليلى الشيخلي: طيب وسط كل هذا دكتور حمزاوي، ماهو دور إسرائيل؟ يعني إلى أي حد هي قادرة وتؤثر فعلاً على التصعيد الذي يعتمده الرئيس بوش؟

عمرو حمزاوي: هناك أربع مجموعات رئيسية تقوم بصناعة القرار الأمريكي، أو تسهم بصناعة القرار الأمريكي حول كيفية إدارة الملف الإيراني. هناك مجموعة يمكن أن نسميها مجموعة الواقعيين، من أمثال تشيني وأتباع تشيني، ومجموعة المحافظين الجدد، هذه مجموعة وحيدة تريد الدفع باتجاه العمل العسكري، هناك مجموعة ثانية ممثلة في وزارة الخارجية ووزيرة الخارجية رايس، خاصة في الآونة الأخيرة هي مجموعة من المعتدلين أقرب للقراءة الثانية، كما أشرت لها في البداية، ويرون أهمية الاستمرار في مسار العقوبات والآليات الدبلوماسية، هناك اللوبي الإسرائيلي وهو المكون الثالث، وهذا اللوبي يدفع باتجاه القيام بعمل عسكري يعيد الإمكانات العسكرية، وليس فقط المشروع النووي الإيراني، يعيد الإمكانات العسكرية الإيرانية والدور الإقليمي الإيراني لمستويات السبعينات أو الثمانينات في اللحظة التي لم تكن فيها إيران تهدد أمن إسرائيل كما تراه هذه المجموعة، وهناك المكون الرابع والأخير وهو المتعلق ببيروقراطية وزارة الدفاع، وزارة الدفاع الأمريكية، وهي تبدو منقسمة، عدد من القياديين يفضل العمل العسكري، البعض الآخر يخشى من تداعياته. فالمكون الإسرائيلي هام للغاية ورئيسي، وكان هناك قرار لافت خلال الأسبوع الماضي، للأسف لم نلتفت له بصورة كافية في العالم العربي، وهو أن إدارة بوش قررت أن تصبح القضية، أو يصبح الملف الإيراني أحد الموضوعات الرئيسية في اللقاءات الاستراتيجية المستمرة بين الطرف الأمريكي والإسرائيلي ورفع مقام الطرف الإسرائيلي إلى مثابة الشريك الاستراتيجي فيما يتعلق بكيفية التعامل مع الملف الإيراني. هذا القرار اتُخذ الأسبوع الماضي وهو مؤشر هام على أهمية اللوبي الإسرائيلي وعلى أهمية إسرائيل كدولة في صناعة القرار داخل الولايات المتحدة حول إيران. هي أحد المكونات الرئيسية بكل تأكيد.

ليلى الشيخلي: دكتور فياض كيف يُنظر داخل إيران لهذا الدور؟ يعني إذا كان شريك استراتيجي فهذا موضوع خطير، وخصوصاً أن إسرائيل لها سابق في تصرف منفرد، يعني كلنا نعرف ماحدث في العراق والمُفاعل النووي. فكيف يُنظر في إيران إلى هذا الموقف؟

"
إسرائيل فقدت الامتياز على مستوى الردع التقليدي من خلال حرب تموز، وتخشى من أن تفقد امتياز الردع النووي إذا استطاعت إيران خلال السنوات المقبلة أن تمتلك قنبلة نووية أو أسلحة نووية
"
         حبيب فياض

حبيب فياض: يعتبرون أنه على فرض، يعني من باب الفرض أو الجدل، إذا قررت إيران وقف التخصيب من أجل تلافي أي ضربة أو تلافي التصعيد المحتمل ستكون إسرائيل منزعجة لأن الهدف الأساسي والمركزي لدى الجانب الإسرائيلي هو القيام بضرب إيران بمعزل عن مسألة الملف النووي أو وقف التخصيب أو الاستمرار بالتخصيب. القراءة الإيرانية للموقف الإسرائيلي في مرحلة الحالية تقوم على التالي، أن إسرائيل عبارة.. يعني تختلف عن باقي دول العالم بأنها بدلاً من أن تكون دولة لديها جيش هي جيش لديه دولة. قوة إسرائيل العسكرية التي هي محورية في قيام دولة إسرائيل تتمحور حول نقطتين أساسيتين، النقطة الأولى هي قوة الردع التقليدي، النقطة الثانية هي قوة الردع النووي. إسرائيل فقدت الامتياز على مستوى الردع التقليدي من خلال حرب تموز، وتخشى إسرائيل من أن تفقد امتياز الردع النووي إذا استطاعت إيران خلال السنوات المقبلة أن تمتلك قنبلة نووية أو أسلحة نووية باعتبار أن القراءة الإسرائيلية الأمريكية للنشاط النووي الإيراني تقول بأن إيران سوف تصل في مرحلة من المراحل لامتلاك مثل هذا السلاح. من هنا، هناك بعض المراقبين داخل الساحة الإيرانية يعتقدون حتى لو أن إدارة بوش عزفت أو امتنعت عن توجيه ضربة عسكرية لإيران فإن الموقف الإسرائيلي في نهاية المطاف سوف يقوم على أساس أن تبادر إسرائيل إلى ضرب إيران من أجل استدراج الولايات المتحدة إلى جانبها في حرب شاملة ضد طهران.

ليلى الشيخلي: هذا بالتحديد يصب في المسارات المحتملة لملف إيران النووي وهذا ما سوف نناقشه بعد وقفة قصيرة أرجو أن تبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

موقف الصين وروسيا وألمانيا

ليلى الشيخلي: أهلاً بكم من جديد. حلقتنا تناقش تطورات الملف النووي الإيراني بعد تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية. عمرو حمزاوي بعد التقرير صدرت من واشنطن تحذيرات للصين بالتحديد من مغبة عدم فرض عقوبات على إيران، أو عرقلة هكذا عقوبات، لماذا التحذير للصين بالتحديد؟

عمرو حمزاوي:  لأن الموقف الصيني يبدو في هذه اللحظة، على خلاف الموقف الروسي، وهو شديد الغموض، يبدو الموقف الصيني فيما يتعلق برفض قرار جديد من مجلس الأمن يصعّد العقوبات المفروضة فعلاً على إيران، العقوبات الاقتصادية والتجارية والمالية المفروضة على إيران وعلى المصالح الإيرانية ككل. الموقف الصيني كان الأبرز في رفض الذهاب إلى مجلس الأمن، واستخدام التقرير باعتباره له دلالة إيجابية على حسن تعامل الطرف الإيراني مع الملف النووي ككل ومع الوكالة الدولية. ولكن الولايات المتحدة الأمريكية لا تخشى فقط من الموقف الصيني ولكن تخشى أيضاً من موقف أحد الأطراف الأوروبية الفاعلة في الترويكا الأوروبية وهو الموقف الألماني، على خلاف الموقف البريطاني والفرنسي، وهذان الموقفان يتماها في واقع الأمر عن الموقف الأمريكي بصورة كبيرة ويفضلا الذهاب إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار جديد، الموقف الألماني _ولألمانيا دور هام هنا_ يبدو أكثر حذراً ويريد الانتظار ويريد أن تُعطى إيران مساحة أكبر من الوقت للاستمرار في التعامل الإيجابي، وبالطبع لألمانيا هنا مصالح خاصة هي مصالح اقتصادية وتجارية بالأساس مع الطرف الإيراني. فالقراءة الأمريكية تركز على سلبية الدور الصيني، وبالتالي التحذيرات التي وجهها بوش.. وهناك علامة إيجابية هي الموقف الفرنسي الذي اقترب كثيراً من الموقف الأمريكي ومعه البريطاني وألمانيا التي تتحرك في مسار مغاير ولكنه ليس ببعيد بصورة كبيرة. الهام هنا، ليلى، أن نركز على السقف الزمني، إدارة بوش يبدو أنها ستقترب من اتخاذ قرار حول إدارة الملف الإيراني حتى قبل رحيلها من البيت الأبيض مع ربيع 2008، سواء كان القرار الذي سيُتخذ بأنه قرار بشن عمل عسكري أو بالاستمرار في مسار فرض العقوبات واستخدام الآليات الدبلوماسية والعقوبات الفردية من جانب الولايات المتحدة، فنحن مقبلون على اللحظة الحرجة، أو لحظة صناعة القرار، وهنا أهمية النظر للأوزان النسبية للمجموعات، التي أشرت لها، لدور العامل الدولي ككل، ومواقف الحلفاء، وموقف الأطراف الأخرى غير الحليفة أي الصين وروسيا.

ليلى الشيخلي: تحدثت عن السقف الزمني، دكتور حبيب فياض، إذا كان الزمن عامل مهم جداً فإن الصين ربما لعبت هذه اللعبة، هي ساهمت في فشل الاجتماع السداسي الذي كان مقرر أن يتم في بروكسل عندما امتنعت عن الحضور. كيف يُفسر هذا؟

حبيب فياض: يعني بطبيعة الحال الصين وروسيا بشكل عام لا يريدان تقديم امتيازات للولايات المتحدة الأمريكية من دون أن يكون هناك مقابل وأثمان تُدفع لهما. بات من الواضح أن الموقفين الروسي والصيني إزاء إيران ليس موقفاً مبدئياً، ولكن هناك شبكة مصالح معقدة تربط كل من موسكو وبكين بطهران. على هذا الأساس، وقوف الصين حالياً إلى جانب طهران في مسألة الامتناع عن فرض المزيد من العقوبات، أنا أعتقد، أن له عمق اقتصادي وهذه نقطة تختلف فيها الصين عن روسيا، لأنه إذا عرفنا بأن 15 بالمائة من استهلاك الصين اليومي للنفط هو من الجمهورية الإسلامية، هو من إيران، ندرك عندئذ أن المصالح الصينية سوف تكون متضررة جداً فيما لو ذهبت إلى فرض المزيد من العقوبات على إيران، مع العلم أنه ربما تكون القراءة الصينية والروسية للموقف الإيراني على أساس أنه مهما تكن العقوبات التي من الممكن أن تُفرض قاسية، هناك قرار حاسم وثابت لدى الإيرانيين بأن التراجع عن حقوقهم النووية مسألة ليست واردة في الحسبان حالياً.

ليلى الشيخلي: بدليل أن روسيا ماضية، دكتور حمزاوي في طريقها، وبالأمس فقط سلّمت شحنة من اليورانيوم لمفاعل بوشهر، يعني على العموم هو ضمن الاستثناءات، ولكن ذكرت موقف ألمانيا بالتحديد وموقف فرنسا الذي لا يُعد مفاجأة بالنظر للتقارب الأخير بين ساركوزي وبوش، الواضح جداً. يعني هل هذا ما سيقوي موقف بوش، يعني هذه المؤازرة الفرنسية، إلى أي مدى يمكن أن تدفع بوش؟ وهل هو قادر فعلاً أن ينفذ مايريده؟

عمرو حمزاوي:  أعتقد أن تغير الموقف الفرنسي، وهو تغير نوعي هام كما تمت الإشارة، تغير الموقف الفرنسي مع ثبات الموقف البريطاني المؤيد للإدارة الأمريكية يدفعا الرئيس بوش في اتجاه محاولة استصدار قرار جديد من مجلس الأمن بتصعيد العقوبات ضد إيران، تصعيد العقوبات الدولية. الموقف الصيني، الموقف الروسي بجانب الموقف الألماني هي عوامل سلبية تقصم من رصيد إدارة بوش الاستراتيجي في الاستصدار الناجح لهذا القرار، ولكنها لن تدفع الإدارة بعيداً عن المحاولة على الأقل. الهام، وهنا المستوى الآخر لإدارة الملف الإيراني، هي إمكانية العمل العسكري، وهنا الاعتبار الحاسم هو الاعتبار الداخلي، الأوزان النسبية للمجموعات التي تشارك في هذه اللحظة، اليوم، في صناعة القرار الأمريكي حول إيران، وعلاقة الأوزان النسبية لهذه المجموعات، تشيني والمحافظين الجدد، مجموعة إسرائيل، مجموعة الواقعيين في وزارة الخارجية، وبيروقراطية وزارة الدفاع، علاقة الأوزان النسبية لهذه المجموعات بتحولات السياسة الدولية وتحولات الإقليم في الشرق الأوسط. من الواضح أن مسألة الأمن النسبي، الذي تروج له إدارة بوش فيما يتعلق بتطور أحوال العراق، يرفع من أسهم أولئك الذين يريدون القيام بعمل عسكري ضد إيران، من الواضح أيضاً أن اقتراب الموقف الفرنسي من الموقف الأمريكي يرفع أيضاً من أسهم أولئك الذين لا يستبعدون العمل العسكري. فالصورة شديدة التعقد لأن لها مستويات كثيرة، ولكن الهام، مرة أخرى، نحن أمام فترة زمنية قصيرة، مع ربيع عام 2008 ستتخذ هذه الإدارة قرارها الاستراتيجي بكيفية إدارة الملف الإيراني، إن بدون عمل عسكري أو بعمل عسكري، وستبدأ الإرهاصات للعمل العسكري أو لغياب العمل العسكري في الوضوح تدريجياً في أعقاب ربيع 2008.

ليلى الشيخلي: يعني العمل العسكري بالتحديد هو الذي يُشكك فيه أحمدي نجاد تماماً ويقول أن القوة الأمريكية العسكرية مهترئة، كما وصفها. كيف استُقبل هذا في واشنطن؟

عمرو حمزاوي: أعتقد القراءة الأمريكية لتصريحات أحمدي نجاد هي قراءة شديدة السلبية، هناك سخرية لدى إدارة بوش من تصريحات أحمدي نجاد، وهناك امتعاض عام لدى الرأي العام الأمريكي ولدى الحزب الديموقراطي أيضاً من تصريحات الرجل، وبالتالي لا يُنظر لها بعين الجد. الهام أن هناك نقاش أمريكي فعلي حول تداعيات العمل العسكري، وهنا مدرستان، هناك مدرسة تقول أن الطرف الإيراني.. يمكن أن تُدمر قوة الردع وقدرة الردع الإيرانية سريعاً، بحيث ان تداعيات العمل العسكري على المصالح الأمريكية، وعلى أمن الحلفاء في الخليج، وعلى المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط ككل، سيكون ضعيف ومحدود. وهناك مدرسة أخرى تقول أن التداعيات ستكون خطيرة لأن قوة الردع الإيرانية، حتى وإن كانت تتعلق بقدرة إيران على الرد في مواقع بعينها كالعراق أو لبنان أوغيرهما، أن قدرات الرد والردع الإيرانية كبيرة، وأن التداعيات على المصالح الأمريكية خطيرة للغاية، وبالتالي من الأفضل الابتعاد عن العمل العسكري في هذه اللحظة.

انعكاس التقرير على الملف والتفسيرات المختلفة

ليلى الشيخلي: أريد أن أسأل سؤال أخير ربما لضيفي، أبدأ معك دكتور حبيب، كيف سينعكس تقرير وكالةالطاقة الذرية على سير الملف النووي الإيراني؟

حبيب فياض: سوف يتم التعامل مع هذا التقرير من قِبل الأطراف الدولية المعنية بالأزمة النووية الإيرانية تبعاً للخلفيات السياسية التي تحملها هذه الأطراف، وتبعاً لرؤية كل طرف من هذه الأطراف إلى طبيعة علاقاته مع طهران. الذين يريدون الذهاب نحو التصعيد ضد إيران ونحو المزيد من العقوبات الاقتصادية التي تُفرض من خلال مجلس الأمن وربما الذين يطالبون أيضاً بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران سوف ينظرون إلى الاستثناء الوارد في التقرير، والذي يقول بأن إيران لم تتعامل مع الوكالة الدولية بشكل كافٍ وكامل، أما الذين يريدون التهدئة ويريدون لهذا الملف أن ينتهي نهاية سلمية بعيداً عن التصعيد، بالتأكيد سوف يؤكدون أو سوف يركزون على الشق الأول، والذي هو الأصل في التقرير، والذي يقول بأن إيران تعاونت وكان هناك تقدم كبير على مستوى التعاون الإيراني مع الوكالة الدولية. ولكن أريد أن أختم بمسألة، لأقول بأنه عندما يُصرّح المسؤولون الإيرانيون بأن هذا التقرير كان إيجابياً، هذا مؤشر على أن إيران من الناحية القانونية تقوم بدراسات قانونية طبقاً للمقررات الدولية وتحديداً مقررات الوكالة الدولية، بأنه إذا أرادت الولايات المتحدة أن تنطلق من خلال مجلس الأمن نحو المزيد من العقوبات ضد طهران، فإن الخلفية التي ستستند إليها واشنطن، بالحد الأدنى، لن تكون خلفية قانونية وعلى الأرجح أنها سوف تنطلق من معطيات سياسية واستراتيجية.

ليلى الشيخلي: مما يجعلني أعيد أيضاً السؤال على عمرو حمزاوي، إذاً كيف فعلاً يُتوقع أن يكون سير الملف النووي الإيراني على ضوء هذا التقرير الأخير الذي صدر عن وكالة الطاقة الذرية؟

عمرو حمزاوي:  إدارة بوش ستحاول التركيز مع فرنسا وبريطانيا على الجوانب السلبية في التقرير لدفع مجلس الأمن نحو استصدار قرار جديد بتصعيد العقوبات المفروضة على إيران، الطرف الصيني والطرف الروسي، وربما كان موقف ألمانيا هنا أقرب إلى الطرفين، على الأقل بصورة إلى حد ما رمادية، سترى هذه الأطراف الثلاثة تحاول الامتناع عن استصدار قرار سريع من مجلس الأمن بفرض عقوبات. الأمر الثاني الهام، إننا سنشاهد بالتأكيد خلال الفترة القادمة حملة دولية من الولايات المتحدة الأمريكية ومن إسرائيل تحديداً للانتقاص من مصداقية الوكالة الدولية، ومن مصداقية البرادعي تحديداً، واتهام الرجل واتهام الوكالة الدولية بأنهما أصبحا في خانة المصالح الإيرانية وليس في خانة المجتمع الدولي. الأمر الثالث، كل هذا في سياق تهديدات مستمرة من جانب إدارة بوش بإمكانية شن عمل عسكري، مع خطاب مزدوج يتحدث عن الدبلوماسية التي ربما أنتجت المرغوب، وهو منع إيران من امتلاك التكنولوجيا النووية، وكأن ذلك ليس حق لهذه الدولة، وكأنه الملف النووي الوحيد في الشرق الأوسط وملف إسرائيل منسي، الخطاب المزدوج سيستمر، الدبلوماسية ربما أتت ثمارها وإن لم تؤت ثمارها سيتم الذهاب إلى العمل العسكري. هذا الخطاب المزدوج سيستمر.

ليلى الشيخلي: شكراً جزيلاً لك دكتور عمرو حمزاوي الباحث في معهد كارنيغي للسلام العالمي، وشكراً جزيلاً للدكتور حبيب فياض أكاديمي لبناني متابع للشأن الإيراني. وشكراً لكم مشاهدينا الكرام على متابعة هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم، بإمكانكم كالمعتاد المساهمة في اختيار مواضيع الحلقات القادمة بإرسالها على عنواننا الالكتروني: indepth@aljazeera.net غداً بإذن الله قراءة جديدة فيما وراء خبر جديد. في أمان الله.