- الأسباب والدلالات
- مستقبل العراق في ظل تعدد المليشيات




جمانة نمور: أهلاً بكم. نحاول في هذه الحلقة التعرف على ماوراء الاتّهام الذي وجّهه نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي إلى رئيس وزرائه نور المالكي باستيعاب 18 ألف من عناصر الميليشيات الشيعية في الوزارات الأمنية العراقية. نطرح في الحلقة تساؤلين رئيسين، ماهي الدلالات التي يحملها إطلاق اتهامات من هذا النوع في المستويات العليا لهرم السلطة العراقية؟ وأي مستقبل ينتظر العراق في ظل تعدد المجموعات المسلحة المنتشرة على أراضيه حالياً؟...18 ألف عنصر من المليشيات الشيعية المسلّحة استوعبتها حكومة رئيس الوزراء العراقي نور المالكي في الوزارات الأمنية العراقية. هذا الاتهام لم يأت من جهة معارضِة وإنما أطلقه، في حديث للجزيرة، نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي في خطوة لها، فيما يبدو، مابعدها لجهة الكشف عن وضع الثقة بين مكونات الحكومة العراقية.

[شريط مسجل]

طارق الهاشمي: ..اليوم، الحكومة بدمج هذا العدد الكبير من الميليشيات في القوات المسلحة هي تخرج عما اتُفق عليه أولاً، والمسألة الثانية، الجبهة تطالب، جبهة التوافق تطالب بتطهير القوات المسلحة من الميليشيات التي دخلت في غفلة من الزمن إلى صفوف القوات المسلحة لأن هذه الميليشيات اليوم، حقيقةً، أثّرت إلى حد كبير أو أساءت إلى مهنية القوات المسلحة..

[نهاية الشريط المسجل]

جمانة نمور: الحكومة العراقية، بحسب ماقاله الهاشمي، لم تنف استيعاب هذه القوات بل إنها دافعت عن هذه الخطوة باعتبارها رداً على تشكيل ميليشيات من العشائر السنية في الفترة الأخيرة.

[شريط مسجل]

طارق الهاشمي: القرار كان مفاجئاً. الجماعة يقولون أن هذه الـ 18، هم مايعادل الذين جاؤوا من خلال الصحوة. الذين جاؤوا من خلال الصحوة هم ليسوا ميليشيات، وليسوا تابعين إلى حزب ولا إلى جبهة التوافق، حقيقة الأمر، هم ناس عاديين تبرّعوا أن ينشطوا في الملف الأمني، يخضعون إلى ضوابط الدولة، ولاءهم للوطن. فهذه المسألة حقيقةً مفارقة جديدة غريبة، لازال الجدل بيننا وبين الحكومة قائم حتى هذه اللحظة وسوف نتابعها كما ينبغي..

[نهاية الشريط المسجل]

الأسباب والدلالات

جمانة نمور: ومعنا في هذه الحلقة من لندن، الدكتور غسان العطية مدير المعهد العراقي للتنمية والديموقراطية، ومن عمّان حيدر المُلا الناطق باسم الجبهة العراقية للحوار الوطني. أهلاً بكما. دكتور غسان كيف تابعت الموضوع؟

غسان العطية: شكراً..

جمانة نمور: أهلاً

"
الحكومة العراقية تعتبر تسليح أبناء المناطق الشرقية ومناطق العرب السنة بمثابة قنابل موقوتة ستنفجر بالمستقبل
"
غسان العطية
غسان العطية: مانشاهد اليوم هو انعكاس لفشل تحقيق المصالحة الوطنية التي هي كانت الأقدر على إعادة بناء جيش وطني ولاءه للدولة وليس للأحزاب. رغم المؤشرات الثمانية عشرة التي وضعتها الإدارة الأمريكية للحكومة العراقية، وأقرّت الإدارة الأمريكية بفشل الحكومة العراقية بتحقيقها، لابل وتخلّت عنها باعتبار أن أحد مهامها المصالحة الوطنية، صعوبة تحقيق ذلك، واتجهت الإدارة الأمريكية إلى مصالحة من الأرض إلى أعلى بدل من القمة إلى الأسفل. من هنا تعاونت مع أبناء المناطق المتمردة على القوات الأمريكية، وخاصة في الأنبار وديالا وغير ذلك، من أجل أن تخلق قوة محلية، في الحقيقة، لمقاومة القاعدة. ما أن تحقق ذلك، وهذا بمبادرة ذاتية وليس بتخطيط حكومي على الإطلاق. وبالتالي الخارطة السياسية بدأت تتحول في المنطقة لصالح مقاومة عراقية، من ناحية لاعلاقة لها بالقاعدة مما شد أزرها، ومن ناحية أخرى، ظهور قوى محلية في المناطق الشرقية ومناطق العرب السُنة التي لها مطاليب ومستعدة أن تدخل العملية السياسية بدون قتال. هذا الذي حصل يبدو أنه أربك الموقف الحكومي. فالموقف الحكومي معتمد على أحزاب تنتمي إلى طائفة ثانية ترى بأي عودة لمكانة أبناء هذه المناطق تهديداً لها، واعتبرت تسليح هذه المناطق بمثابة قنابل موقوتة تنفجر بالمستقبل. من هنا بدل أن تمنع هذا الشيء، وليس بمقدورها أن تمنع هذه الصحوات، لجأت إلى الضغط وإيجاد البدائل، فمثلاً في الأنبار لم تُسلّم منطقة الأنبار مساعدات ومؤونة وغير ذلك لمدة الست أشهر الماضية، وكأنها منطقة خارج العراق. وهؤلاء الذين تعاونوا ضد القاعدة يجدون أنفسهم في حالة صعبة جداً، أنهم بمعزل عن الحكومة العراقية، الحكومة لاتساعدهم بل تعاملهم معاملة الشك، وبالمقابل وجدوا أنفسهم مع القاعدة بعلاقة سيئة. من هنا الحكومة بدل أن توسّع الجيش بدأت تخرُط وتدمج بالجيش الميليشيات الشيعية باعتبارها ستكون موازية للقوات التي تأتي عن طريق الصحوة. هذه عملية في الواقع تكريس. .

جمانة نمور (مقاطعةً): لنرى رأي الدكتور حيدر، السيد حيدر المُلا هل فعلاً هذا مايجري؟ هناك مخاوف لدى فئات معينة، لدى رئيس الوزراء العراقي نفسه، دفعته إلى محاولة موازنة هذا التسليح للسنّة ولمجالس الصحوة عبر ضم 18 ألف عنصر بحسب ماقاله الهاشمي؟

حيدر المُلا: في الحقيقة حتى نجيب على التساؤلات الجوهرية أو الرئيسية التي طُرحت في بداية هذا البرنامج، وحتى تتوضّح الحقيقة لكل مايُطرح بخصوص هذا الملف الخطير، وقضية تسليح العشائر وقضية الميليشيات التي هي من الملفات المعقدة جداً على الساحة العراقية، هناك بعض الأمور تحتاج أن نوضحها. اليوم تذهب المسألة إلى أكثر من قضية الاتهام عندما يخرج وزير الداخلية العراقي ويتحدث عن اختراق الميليشيات للوزارة وللأجهزة الأمنية ويتحدث عن 190 ألف قطعة سلاح لايعرف أين ذهبت، ثم يخرج لنا اليوم لواء كبير في وزارة الداخلية العراقية يتحدث عن 4 آلاف منتسب من منتسبي وزارة الداخلية في محافظة البصرة، يعملون لدى جهات سياسية ولايعملون ضمن بوتقة الوزارة، ضمن حضن النظام في هذه المحافظة. بكل تأكيد نحن في الجبهة العراقية للحوار الوطني تبنّينا قضية احتواء الميليشيات وإنهاء هذا الملف، وحلّها، واحتوائها في المؤسسات المدنية والمؤسسات العسكرية، ولكن وفق ضوابط معينة. أولاً  ألاّ يتم هذا الاحتواء على أساس التنظيم وإنما يتم التعامل على الأساس الفردي مع هذه الميليشيات، بعد أن تمر بمرحلة فلترة من خلال بوابة القضاء العراقي، لمحاسبة المسيء، والمتَّهم بجرائم بحق الشعب العراقي من هذه الميليشيات وهي كثيرة. لحدّ الآن لم نجد أن مجلس القضاء أو القضاء العراقي قد تفاعل مع هذا الملف وأنه تم محاسبة من أساء إلى الشعب العراقي من هؤلاء الميليشيات. عملية ضمهم هذا بالنتيجة إلى المؤسسة العسكرية أو المؤسسة الأمنية، هذا معناه أنه لحد هذه اللحظة لم تستطع العملية السياسية في العراق أن تؤسس لمفهوم مؤسسات الدولة، لا على الصعيد المدني ولا على الصعيد العسكري. وبالنتيجة ذهبنا لملء الفراغ من خلال الصحوات ومن خلال الميليشيات بعد حل المؤسسة العسكرية. أنا أتفق مع ما تكلم به الأستاذ العطية، في أن كل هذه الأمور تصبّ في بوابة الفشل في مشروع المصالحة الوطنية، الذي يجب أن يبدأ من خلال تصحيح الأخطاء الرئيسية التي ارتُكبت منذ تاريخ احتلال العراق ولحد هذه اللحظة، والتي تأتي في مقدمتها حلّ المؤسسة الأمنية والعسكرية وحلّ الجيش العراقي. مازلنا نبحث عن عمليات ترقيع، وعمليات ملء فراغ بآليات ومكوّنات بالنتيجة لاتُحمد عقباها. لن يكون مستقبل العراق، ولا أي دولة أخرى تبحث عن مفهوم الدولة العصرية، ضمن بناء ميليشيات، سواء هذه الميليشيات التي جاءت مع الأحزاب السياسية من خارج العراق، أو التي الآن نحاول أن نكوّنها. لأنه بدون حصر السلاح بيد الدولة وبدون بناء مؤسسات عسكرية مهنية، ستكون هذه المكونات، التي الآن تُدعم من قبل الحكومة، قنابل موقوتة قد تُثير حساسيات وقد تُثير مشاكل مستقبلية عندما تتشظّى، قد تكون في صعيد العشيرة الواحدة، وعلى صعيد المنطقة الواحدة، على الرغم من أنها الآن قد ساهمت بحل جزئي لأننا لم نستطع أن نملأ الفراغ بالمؤسسة العسكرية المهنية.

جمانة نمور: قنابل موقوتة، هذا التعبير إذاً دكتور غسان، الذي استخدمه السيد حيدر، برأيك هل فعلاً الآن هذا التفاؤل بتحسّن الوضع الأمني، وأن هناك مرحلة جديدة في العراق، والأمن سيستتب، هل هذا فقط مجرد مرحلة راهنة بانتظار تفجّر قنابل من هذا النوع؟

غسان العطية: الهدوء النسبي الذي نشاهده اليوم مردّه بالدرجة الأولى إلى ماحصل من الصحوات والتي لم تُكافأ على هذا الجهد الذي قدمته. الآن المَخرَج، الذي يشعر به الجميع أن التمثيل في الحكومة والمشاركة في الحكومة أصبح مختلاً، فكثير من المحافظات، ليس فقط الأنبار والمحافظات السنية، مع الأسف هذا التعبير.. ولكن حتى في الجنوب، فهناك في الجنوب مجالس المحافظات ورؤساؤها غالباً هم ينتمون إلى حزب واحد والأحزاب الأخرى بعيدة، ولهذا السبب تجد أن المواطنين في المحافظات الجنوبية يشعرون أن الطريق الوحيد لتغيير هذا الأمر هو العودة إلى السلاح. من هنا ما نشهده اليوم هو ترقّب شعبي، إن كان في المناطق الغربية أو في الجنوب، بأن هذا الوضع يجب ألاّ يستمر، وبذلك الباب مفتوح. سبق للإدارة الأمريكية أن طالبت الحكومة العراقية بإحدى المؤشرات على الأقل إجراء انتخابات لمجالس المحافظات. الآن الباب مفتوح لإجراء مثل هذه الانتخابات، إذا أجريت انتخابات تحت إشراف دولي ونظام انتخابي جديد، ممكن للأنبار أن تفرز من يمثّل الأنبار، وممكن الديوانية تفرز من يمثّل الديوانية. ليس بالطريقة السابقة، عملية خطف الناخب باسم شعارات طائفية أو دينية، وإلا الآن الشيء الجديد والذي لم يُتطرق إليه، أن هناك كذلك صحوة سياسية بين المواطنين العراقيين، جنوباً وشمالاً ووسطاً. وهو القرف من القادة السياسيين وفشلهم في تأمين الأمان للمواطنين. هذا يخلّي أجواء جديدة، كذلك لايمكن وصولها وسماع رأيها إلا من خلال انتخابات جديدة. وأخيراً هناك تطوّر نوعي في المقاومة العراقية، فظهور المجلس السياسي للمقاومة العراقية هو قفزة نوعية. فهذا المجلس أعلن عن نفسه في بيان صدر في سبتمبر الماضي، قال بشكل واضح أنه ليس مع موضوع القاعدة، وفي كل خطابه لم يذكر كلمة شيعي سني، ولأول مرة تسمعين نبض عاقل سياسي جديد يحاول أن يترجم المقاومة ونشاطها ببرنامج سياسي. إشراك هذه الجهة بالعملية السياسية لايتم عن طريق التصدّق أو إعطائهم نائب أو نائبين، وإنما يتم من خلال إعادة قانون النظام الانتخابي ومن خلال إجراء انتخابات عاجلة أو مبكرة، وحتى لو بعد سنة أو أكثر لابأس. هنا نخلص من الاحتقان، الكرة الآن هي في ملعب الحكومة. والإدارة الأمريكية في حيرة من أمرها، أن تطالب الحكومة بإجراءات، والحكومة تشعر أن الإدارة الأمريكية ضعيفة في الضغط عليها. لأن لابديل عبر اللعبة البرلمانية عن السيد رئيس الوزراء الحالي، لابديل عنه، بموافقة الائتلاف والأكراد يعيّن الرئيس القادم. فالمشكلة كيف تعامل الإدارة الأمريكية هذه الإشكالات؟ من هنا أعتقد أن الضغط الشعبي يزداد، ليس فقط من أبناء الصحوة وإنما من أبناء الجنوب وكذلك من المقاومة العراقية التي خرجت عن وصاية القاعدة وغيرها.

جمانة نمور: ولكن يبقى في ظل كل هذه الأجواء، هناك ميليشيات مسلحة موجودة على أراضي العراق، كيف سيؤثر ذلك على مستقبل ذلك البلد؟ نتابع المسألة بعد وقفة قصيرة فكونوا معنا.

[فاصل إعلاني]

مستقبل العراق في ظل تعدد المليشيات



جمانة نمور: أهلاً بكم من جديد. تفاعلات الوضع الأمني المتقلّب منذ الغزو الأمريكي للعراق أفرزت عدداً من الميليشيات أضيفت إلى ميليشيات أخرى كانت موجودة أصلاً في بلاد الرافدين، وهو مايثير جملة تساؤلات حول مايمكن أن يترتب في المستقبل على وجود قوات من هذا النوع خارج سيطرة الدولة.

[تقرير مسجل]

إيمان رمضان: حقاً كان تراجع أعداد الضحايا من المدنيين، حسب إحصاء الداخلية العراقية، نتاجاً ملموساً لخطة أمريكية عراقية لم تجعل من الأطواق الأمنية الوسيلة الوحيدة لتطبيقها. ولكن في سبيل تهدئة الأوضاع في العراق راهن الأمريكيون على أكثر من حصان في آن واحد. والهدف المعلن كان التصدي للقاعدة، وميليشيات أخرى ساهمت في عرقلة المشروع الأمريكي في العراق. وفي إطار السعي لتحقيق هذا الهدف، وتصدياً له في ذات الوقت، شهد العراق انتشاراً سرطانياً للجماعات المسلحة، أضيفت إلى ميليشيات كانت موجودة قبل الغزو الأمريكي، على رأسها فيلق بدر التابع للمجلس الإسلامي العراقي، بزعامة عبد العزيز الحكيم، وقوات البشمركة الكردية. تأسس فيلق بدر في إيران أوائل الثمانينات على يد محمد باقر الحكيم، وفاقت أعداد عناصره العشرة آلاف جندي، تدربوا جميعاً على يد ضباط سابقين في الجيش العراقي. أما قوات البشمركة فهي قوات كردية غير نظامية، تأسست بهدف حماية مناطق الحكم الذاتي الكردي في عهد الرئيس المخلوع صدام حسين. وبعد الغزو الأمريكي للعراق انبثقت ميليشيا جيش المهدي كأول تنظيم مسلّح. وبحجة حماية المقدسات الدينية والحفاظ على حياة علماء الشيعة، بعد سقوط نظام صدام حسين تأسس جيش المهدي عام 2003، وإن تغيرت أهدافه واستراتيجياته بتغير الظرف الداخلي. وبعد أن أثبتت سياسة دمج الميليشيات في المؤسسة الأمنية العراقية فشلها في تهدئة الأوضاع في العراق، راهن الأمريكيون على القبائل، فتشكّلت جماعات مسلحة من مختلف العشائر والمناطق، أطلِق عليها صحوة العراق. هدفها تحقيق اكتفاء ذاتي أمني يضمن حماية مدن العراق من هجمات تنظيم القاعدة وعملياتٍ أخرى تُشنّ على أسسٍ طائفية. وأثبتت تجربة الأنبار نجاحاً، وتراجعت أعداد القتلى فيها، وبدا الرئيس الأمريكي مزهواً بالنتائج، وهو ماعكَسَه اختيار الأنبار وجهة لزيارة العراق. غير أن حصر أهداف الميليشيات، الجديدة والقديمة، في حماية المدن والمقدسات وتحقيق الاكتفاء الذاتي الأمني، قد يُعتبر نصف الحقيقة. فتطور الأحداث السياسية والأمنية في العراق تشي، أو هكذا يبدو، بأن تلك الجماعات المسلّحة باتت سلاحاً تملكه الأحزاب السياسية المختلفة في العراق، تشهره في وجه الأمريكيين تارة، وفي وجه بعضها البعض تارةً أخرى.

[نهاية التقرير المسجل]

جمانة نمور: سيد حيدر، هل ما يشهده العراق من هذه الناحية، موضوع الميليشيات المسلحة، هل يمكن تسميته باستقطاب أمني بانتظار ماسيكون؟

حيدر المُلا: في الحقيقة خلينا نكون شفافين في تشخيص هذا الواقع، يعني هذا التقرير يوضّح حقيقة المشروع الأمريكي، وهنيئاً لهذا المشروع الأمريكي أن يأتي لدولة مثل العراق، ولمؤسسة عسكرية مثل الجيش العراقي، حتى يحلّها، حتى تحل هذه المكونات من الميليشيات، ونعتبر هذه هي المؤسسة الأمنية العسكرية. هل هو هذا دالة لنجاح المشروع الأمريكي؟ يعني مع الأسف، فلننطلق من هذه النقطة، اليوم، حقيقةٌ يجب أن لاتغيب عن عين كل عراقي، فعلاً هنالك تداعيات لاحتلال العراق، أدت أن يحلّوا المؤسسة العراقية بكل مكوّناتها، إن كانت مدنية أو عسكرية، حتى نحل مسميات جديدة، حتى نصل إلى هدف تقسيم العراق، لاسمح الله. يجب أن تكون هذه الحقيقة واضحة لكل العراقيين. اليوم عندما نؤسس. .

جمانة نمور (مقاطعةً): هل مانراه مقدمة للتقسيم برأيك؟

"
المليشيات والصحوات حققت نتائج إيجابية كونها جاءت كردة فعل للفراغ الأمني، لكن لا يمكن بناء مفهوم دولة عصرية في ظل هذه التنظيمات
"
حيدر الملا
حيدر المُلا: هذه ليست مفاهيم دولة. عندما تتشكل هذه الجهات العسكرية، تحت كل المسميات التي ذُكرت في هذا التقرير، هل هذا هو مفهوم عصري لبناء دولة مدنية عصرية؟ عندما. . يؤسفني عندما توجّه مثل هذه الاتهامات، حتى من قِبل فخامة نائب رئيس الجمهورية، وهو يمثّل كتلة شاركت في الانتخابات وكانت تمثل ثالث كتلة، ومازالت، في مجلس النواب العراقي، ويقول اليوم بعد سنتين من عمر العملية السياسية اكتشفنا كذا وكذا. ماذا حققت هذه العملية السياسية للشارع العراقي؟ حققت سوء في مجال الخدمات، ومؤسسة عسكرية بدأنا نبنيها على أساس الكانتونات العشائرية والكانتونات السياسية، وأصبح كل حزب يتباهى بعدد الألوية العسكرية، أو ما يُسمى بالميليشيات العسكرية التابعة له. هل هذا هو مفهوم العراق الجديد؟ وهل هذا مفهوم المشروع الأمريكي الذي يريد أن يروّجه للمنطقة برمتها؟ يجب أن تتوضح هذه الحقيقة. ونقول، فعلاً هنالك إرادة كبيرة اتجهت نحو زعزعة هيبة العراق، لاسمح الله، وإن شاء الله ستبقى هذه الهيبة، ونحو إنهاء مفهوم مؤسسات الدولة العراقية بكل المسميات، سواء كانت المدنية أو العسكرية كما أسلفت، لأننا نحن مازلنا لانؤسس لمشروع حقيقي لبناء دولة. هذه الميليشيات وهذه الصحوات، على رغم أنها حققت نتائج إيجابية كونها جاءت كردة فعل للفراغ الأمني الذي تحقق على الساحة نتيجة حل المؤسسة العسكرية، ولكن لايمكن بناء مفهوم دولة عصرية في ظل هذه الميليشيات، أو هذه الصحوات، أو تسليح العشائر، لأنه بالنتيجة، كما أسلفنا، ستتحول إلى قنابل موقوتة ويصير إلى اقتتال طائفي. الحل هو بإعادة تصحيح الأخطاء الكبيرة التي ارتُكبت، وبناء جيش ومؤسسة أمنية مبنية على المهنية، بالاستعانة بالكفاءات العراقية المهنية، بعد أن يأخذ القضاء دوره في أي تهمة موجهة لأي رتبة عسكرية سابقة. بدون هذا الجيش المهني لن تبقى الساحة الداخلية العراقية محمية، ولن تبقى الحدود الخارجية محمية. وأعتقد تجربة الأربع سنوات الماضية هي أكبر دالّة إلى ما نذهب إليه، عندما أنهينا المفهوم المهني من مؤسسات الدولة سواء، المدنية أو العسكرية، ولذلك لاحظنا الفساد المالي استشرى في المؤسسة المدنية، ولاحظنا تغلغل الميليشيات، التي الآن هي أكبر متهمة بكل الجرائم وبكل الدماء الزكية التي سالت على الساحة العراقية، مستشرية في المؤسسة العسكرية.

جمانة نمور: الحلول التي يطرحها السيد حيدر، دكتور غسان، من الواضح أنها بحاجة إلى ثقة، هل هذه الثقة موجودة أو ممكنة بين الأطراف العراقية، وهل نحن فعلاً أمام واقع الكانتونات عبر هذه الميليشيات والصحوات؟

غسان العطية: فعلاً، مايجري اليوم، بالنسبة للولايات المتحدة هو تخفيف الضغط عنها وتخفيف ضحاياها، ونجحت بذلك عن طريق كسب المناطق المختلفة وإيجاد صحوات، ليس فقط في الرمادي، وإنما في ديالا والآن في الكوت، كلها من أجل ألاّ تتعرض القوات الأمريكية إلى ضرب. لكنها بعملها هذا هي تفتت العراق، تخلق كيانات عسكرية هناك وهناك. من هنا الحكومة تنظر لأي تشكيل أنه تشكيل ممكن أن يصبح ضدها، وبالمقابل الكيانات الجديدة لاتثق بالحكومة، بل الحكومة عادَتْها وتضغط عليها. من هنا أقول أن المَخرَج من هذه الأزمة ليس بحلول جزئية، كالصحوات أو غير ذلك، وإنما بإقرار مبدأ أنه لابد من العودة إلى المواطن العراقي. المواطن العراقي اليوم أكثر وعياً وصحوة من الماضي، وذلك عن طريق إقرار مبدأ العودة للناخب بإجراء انتخابات مبكرة، وتغيير قانون الانتخاب بما يسمح للمواطن أن يعرف من ينتخب. وهذا يرافقه شيء أساسي جداً، إشراف دولي وأمم متحدة والعالم بأجمعه، وعندئذ ممكن تُقدم صفقة واضحة للمعارضة المسلحة، أن تشارك بالانتخابات ويكون هذا هو الثمن، مشاركتها، بنزاهة، ممكن أن تدخل العملية السياسية، وما ينجم عن ذلك، سينجم شيء جديد. .

جمانة نمور (مقاطعةً):وهل تتوقع أن تُردم؟ المشاركة؟

غسان العطية: المشكلة، لأ، سيدتي المشكلة ليس الآن المعارضة المسلحة، المشكلة الحكومة. الحكومة غير مستعدة، أو لن تقبل بإجراء انتخابات مبكرة، الحكومة ترفض أن تعدّل القانون الانتخابي، الذي هو لصالح الحيتان السياسية، الحكومة ترفض التوقف عن تحويل مؤسسات الدولة إلى مؤسسات حزبية، فالجيش، في الوقت الذي السيد رئيس الوزراء يقول، لانريد جيش حزبي، وإذا به يدفع بالعناصر الحزبية أكثر فأكثر، والجيش غير قادر أن يكون جيش كل العراقيين، ماذا عن كردستان فهناك جيش مستقل تماماً؟ من هنا، لإعادة هذه التركيبة، الطرف الوحيد القادر على الضغط على الحكومة هو دول الجوار، بإمكانها أن يكون لها موقف، والأمم المتحدة يكون لها موقف، هو أن يكون أن هذا الهدوء النسبي ممكن يزداد، لكن المَخرَج من العنف والاقتتال الطائفي هو الموافقة على إجراء انتخابات، حتى ولو بعد سنة، لأنه في النهاية ستجري بعد سنتين. خوفي أنها بعد سنتين تجري بنفس الأسس الماضية، وعندئذ أنا واثق سيكون الانفجار كبير جداً، حتى الصحوة في الرمادي ستجد أنها ضحّت بقواعدها بأمل أن تكون شريك حقيقي وهي ليست بشريك حقيقي. هذه الحلول، حقيقة، المواطن العادي في بغداد وفي الجنوب وفي الشمال، يدرك أهميتها. ولكن من يمكّنه من أن يجعل من بوابة الانتخابات المبكّرة الطريق لحل المأزق الوطني العراق. هل الولايات المتحدة قادرة، وهي ضعيفة؟ هل دول الجوار متفقين؟ هذا هو المدخل، كيف نصل له؟ هو السؤال الصعب.

جمانة نمور: شكراً لك، الدكتور غسان العطية مدير المعهد العراقي للتنمية والديموقراطية، من لندن. ومن عمّان، نشكر السيد حيدر المُلا الناطق باسم الجبهة العراقية للحوار الوطني. وبالطبع نشكركم مشاهدينا على متابعة حلقة اليوم من ماوراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم، بإمكانكم المساهمة باختيار مواضيع الحلقات المقبلة بإرسالها على عنواننا الالكتروني indepth@aljazeera.net

غداً إن شاء الله قراءة جديدة فيما وراء خبر جديد. إلى اللقاء.