- أسباب التباين في تحديد الأهلّة
- إمكانية اعتماد العلم لمنع التباين

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلاً وسهلاً بكم وكل عام وأنتم بخير. نتوقف في حلقة اليوم عند التباين في تحديد موعد عيد الأضحى المبارك في بلدان العالم الإسلامي، وهو تباين يطال مناسبات دينية أخرى لاسيما عيد الفطر وشهر رمضان من كل عام. نطرح في هذه الحلقة تساؤلين، لماذا تتباين مواعيد المناسبات الدينية في بلدان العالم الإسلامي لاسيما الأعياد ورمضان؟ وما الذي يمنع اعتماد وسائل علمية في تحديد مطلع أهلة الشهور الهجرية لمنع هذا التباين.... عيدكم مبارك وعيدكم سعيد أنتم أيضاً، معذرة عيدنا ليس اليوم إنه غداً أما أخواننا الآخرون فعيدهم بعد الغد. هذا الحوار المفترض ليس بين مسلم وآخر من ديانة أخرى، إنه حوار يمكن أي يقع بين أي مسلمين في أهم المناسبات الدينية التي يُفترض أن تكون مواقيتها واحدة عند الجميع. لكن الأمر خلاف ذلك، فكلما أطل رمضان أو عيد الفطر أو عيد الأضحى افترق المسلمون أياماً شتى، فيما يستمر السؤال إلى متى هذا الإختلاف، الذي يقول الجميع أنه ماكان ينبغي له أن يقع؟

[تقرير مسجل]

نبيل الريحاني: نفس المشهد تقريباً في أرجاء العالم الإسلامي، المسلمون يقدمون بين يدي الله فدية في عيد هو واحد من أعظم أعيادهم. مناسبة يجمع علماء الأمة على أنها تذكير سنوي متجدد لأمة التوحيد بأنها أمة واحدة، أمة يجمعها رب واحد وكتاب واحد وقبلة واحدة، والمفترض أعياد واحدة، لكن الأمر، للمفارقة، ليس كذلك، صار العيد أعياداً متعددة، مما جعل المسلمين في حيرة من أمرهم وهم يرون كل بلد ينفرد بعيده المختلف في توقيته عن عيد البلد الآخر. هاكم واحداً من الحالات المماثلة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد يشارك المسلمين أضحاهم اليوم، في حين تحتفل البلاد التي يرأسها بالعيد في يوم لاحق. تمحور الخلاف حول المعتمد في تحديد أوائل الشهور القمرية، هل هي الرؤية أم الحساب الفلكي، دعا مؤتمر جدة عام 1998 إلى توحيد رؤية الهلال بين جميع الدول الإسلامية غير أن الجدل استمر في كيفية ذلك، انقسم الموقف بين مناصرين للحساب، أغلبهم من علماء الفلك، وبين باقين على الفهم الحرفي لرؤية الهلال وأغلبهم من الفقهاء. من هنا، من أرض الكنانة، انطلقت فكرة إرسال قمر صناعي إسلامي يتولى رصد حركة الأشهر القمرية، ومن أجل تجسيدها بعثت لجنة عليا مختلطة من علماء الدين وعلماء الفلك. دعمت دار الإفتاء المصرية المشروع وأكدت أنه من السليم تماماً احترام الوسائل العلمية والوثوق بها في تحديد الأعياد الإسلامية، لم يأت المشروع أكله، خاصة مع استمرار ما يمكن وصفه إلى حد ما بفوضى الأعياد، والتي دعت 22 عالم فلك لإصدار بيان يخطئون فيه بعض المواقيت التي أعلن عنها، وذلك على ضوء حسابات فلكية، يقول هؤلاء العلماء، أنه لا مجال للشك في صحتها. الجديد في هذا السياق ميلٌ متزايد من قبل بعض علماء الدين نحو اعتماد مفهوم واسع للرؤية يشمل معنى العلم وليس الإبصار فقط، من بين هؤلاء مفتي الديار المصري الدكتور علي جمعة والمرجع محمد حسين فضل الله، اللذان التقيا عند هذا المخرج الذي من المفترض ألا تتضارب فيه متطلبات الشرع مع حقائق الدين، مصالحةٌ ينتظر عامة المسلمين ثمارها بفارغ الصبر.

[انتهاء التقرير المسجل]

أسباب التباين في تحديد الأهلّة

خديجة بن قنة: ومعنا في هذه الحلقة في الأستديو الدكتور علي محي الدين القره داغي الأستاذ بجامعة قطر وخبير الفقه والإقتصاد الإسلامي، ومعنا أيضاً من بروكسل الدكتور محمد محمود الهواري رئيس اللجنة العلمية الإسلامية الألمانية للأهلّة، أهلاً بكما ضيفين على هذه الحلقة. أبدأ معك دكتور قره داغي أنت معيّد اليوم.

علي محي الدين القره داغي: إن شاء الله.

خديجة بن قنة: مبروك العيد.

علي محي الدين القره داغي: الله يبارك فيكم.

خديجة بن قنة: نعم، ونقول لأخواننا المسلمين الذين يحتفلون بالعيد غداً كل عام وأنتم بخير وللذين يحتفلون بعد الغد كل عام وأنتم بخير، لكن السؤال فعلاً محير، المسألة محيرة، لماذا هذا الإختلاف؟

علي محي الدين القره داغي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه. أولاً أنتهز هذه الفرصة لأقدم تهنئتي إلى جميع المسلمين، كنت أود أقول في العالم الإسلامي، ولكن على أقل تقدير للمسلمين الذين عيدوا معنا في هذا اليوم. وفعلاً أنا أحس بألم شديد كلما يحين وقت الأعياد أو وقت بداية الشهور القمرية حيث يختلف المسلمون، وتتمثل فيهم أو يتمثل فيهم التخلف والتفرق حتى في هذه المشاعر. وأنا أستطيع، بحكم معرفتي الشرعية ودارساتي الشرعية، أن أقول إن ما يحدث اليوم في عالمنا الإسلامي من هذا التفرق الغريب والتباين العجيب حتى في بلد واحد بالنسبة لأميركا وأوروبا حيث يكون هناك أربعة أعياد أو ثلاثة أعياد، هذا العام الحمد لله ثلاثة أيام، في إحدى المرات كان هناك أربعة أيام.. أربعة أعياد يعني يوم أول وثاني.. أربعة أيام كانت داخل أميركا وداخل أوروبا، أمام هذا التباين أنا أقول أن هذا التباين مخالف للمنقول والمعقول ومقاصد الشريعة وفقه التيسير والقواعد الكلية والبروتوكولات السياسية.

خديجة بن قنة: كيف ذلك؟

علي محي الدين القره داغي: أولاً مخالف للمنقول لأن الله سبحانه وتعالى قال: {..فمن شهد منكم الشهر فليصمه..}[البقرة/185]، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته"، وبإجماع العلماء لا يشترط أن يرى الجميع شهر رمضان وإنما إذا رآه شخصاً أو شخصان فيجب على بقية العالم الإسلامي، حتى من الناحية المذهبية. الغريب باكستان دولة على المذهب الحنفي، الراجح في المذهب الحنفي أنه يجب عليهم، ليس عندهم ما يسمى تباين في المطالع إنما هو توحيد المطالع بحيث إذا رؤي في البلد يجب على بقية البلاد الإسلامية، خاصة البلاد المغربية يجب أن تعتمد على هذه أو البلاد الشرقية أن تعتمد على هذه البلاد. فإذاً أنا مستغرب هما خالفوا حتى المذهب الحنفي أما أنني أقول، مخالف لمقاصد الشريعة، فمقاصد الشريعة هي تقوم، حقيقةً، على تيسير على الأمة وتيسير كذلك.. وأن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما سهل المسألة كان يريد أن يخفف على الأمة بأنها أمة الأمية وأن الله سبحانه وتعالى أكرمنا بالعلم حتى نتعلم، وليس حتى إذا كان هناك بلد لا يصل إليه لم يكن هناك مواصلات فهذا كان هنا التيسير. أما أنني أقول، مخالف للمعقول، فإنه يجب علينا نحن أمة أول آية اقرأ، أمة علم، فالعلم اليوم هو علم الحساب ليس مثل علوم الحساب السابقة كان عبارة عن نوع من التنجيم، علم الحساب اليوم علم بكل ما تعني الكلمة مثلما شهدنا. فيجب علينا، وليس هناك أي تعارض وأنا حاضرت حقيقة مجامع الفقهيه التي ناقشت هذه المسألة، ليس هناك أي تعارض بين الحساب وبين المنقول، ممكن نعتمد على الحساب في النفي، ونعتمد على الحديث النبوي الشريف في الرؤية في الإثبات، فليس هناك أي إشكال في المسألة..

خديجة بن قنة (معارضةً): لا تعارض بين الشرع والعلم في هذه المسألة؟

علي محي الدين القره داغي (متابعاً): لا أبداً مستحيل أن يكون هناك تعارض. أما أنه مخالف للمبادئ الكلية، سيدنا هارون حينما بنوا اسرائيل اختلفوا ولم يتدخل في المسألة، قال لماذا، قال إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. يعني سكت عن مسألة كانت تتعلق بصنم بعبادة صنم، سكت سيدنا هارون عن هذه المسألة خوفاً من انشقاق الأمة..

خديجة بن قنة (مقاطعةً): خوفاً من التفرقة.

علي محي الدين القره داغي: من التفرقة.

خديجة بن قنة: لنسأل الدكتور الهواري، إذاً برأيك الموعد الأصح هو غداً؟

محمد محمود الهواري: أولاً السلام عليكم ورحمة الله.

خديجة بن قنة: وعليكم السلام.

"
الشهر القمري يتم تحديده بثلاثة كواكب هي القمر والأرض والشمس، وحينما يكون القمر في موضع متوسط ما بين الأرض وما بين الشمس في خط طول سماوي واحد نسمي هذه الحالة باسم حالة الاقتران، وتعني هذه اللحظة بأننا نودع الشهر المنصرم ونستقبل الشهر الجديد
"
"
  محمد محمود الهواري

محمد محمود الهواري:
أشكركم على هذه الدعوة المباركة لمناقشة هذه القضية المهمة. والجواب على سؤالك يا أخت خديجة، ليس غداً فقط وإنما الحقيقة، هذه الرؤية، باعتبارها أنها رؤية مكانية، فلابد من تحديد بعض القواعد في هذا الموضوع. أنتم تعلمون على أن الأشهر التي ذكرت في السنة النبوية وفي القرآن الكريم هي الأشهر القمرية، والشهر القمري تحديده يرتبط بثلاثة كواكب هي عبارة عن القمر والأرض والشمس، وباعتبار أن القمر هو عبارة عن تابع للأرض فهو يدور حولها دورة كاملة في كل الشهر، وحينما يكون القمر في موضع متوسط ما بين الأرض وما بين الشمس في خط طول سماوي واحد نسمي هذه الحالة باسم حالة الإقتران أو حالة الإجتماع أو حالة الاستسران، هذه اللحظة هي لحظة كونية، وتعني هذه اللحظة بأننا نودع الشهر المنصرم ونستقبل الشهر الجديد، وهذه اللحظة يمكن أن تقع في أي وقت من أوقات الـ 24 ساعة، يعني قد تكون صباحاً، ظهراً، ليلاً، إلى آخره، والعلماء مختلفون فيما يتعلق بلحظة الإقتران، هل هي اليوم الذي يقع فيها هو متمم للشهر الماضي أم هو يقع في الشهر المستقبلي الجديد. الحقيقة هذا يبني على مصطلحات لا بد أن نعرفها، المصطلح الأول هو أن اليوم في التقويم الإسلامي يبدأ من بعد غروب الشمس، بينما التقويم الغريغوري يعتبر اليوم يبدأ من بعد منتصف الليل الساعة 12 ليلاً، فإذاً حينما نحن نحترم رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم ونطيعه طاعة كاملة، "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" المقصود بهذه الرؤية أن تكون بعد غروب الشمس، معنى هذا أنه يجب، هناك شروط يجب أن تتحقق، الشرط الأول يجب أن يكون الإقتران قد حصل، الشيء الثاني يجب أن تغرب الشمس، ثالثاً يجب أن يغرب القمر بعد غروب الشمس، وأن يكون هناك مسافة زمنية بعد هذا الغروب...

خديجة بن قنة (مقاطعةً): وهل توفرت هذه الشروط دكتور، دكتور هواري، توفرت هذه الشروط لإقرار اليوم عيداً؟

محمد محمود الهواري: أبداً لم تتوفر لأن القمر كانت له مشكلتان بالنسبة لشهر ذي الحجة، المشكلة الأولى أنه في مكة المكرمة غرب القمر قبل غروب الشمس بحوالي 25 دقيقة، معنى ذلك أن القمر غير موجود، وهذا القمر الذي غرب أو الهلال الذي غرب هو هلال ذي القعدة وليس هلال ذي الحجة، أما هلال ذي الحجة فيولد في الساعة 8.40 دقيقة بعد المغرب، يعني في الساعة تقريباً 20.40 دقيقة بحسب توقيت مكة المكرمة، يعني بعد غروب الشمس بحوالي ثلاث ساعات. فالذين قالوا بأنهم رأوا الهلال، الحقيقة أن هذا الهلال غير موجود، والعلماء جميعاً يقولون بأن شرط الشهادة هي أن تكون بالمشهود الموجود والمقبول وجوده حساً وعقلاً، فهذا الهلال لم يكن موجوداً على الإطلاق أصلاً، لا هلال ذي القعدة الذي انصرم ولا الهلال الجديد لم يكن قد ولد، فماذا رأوا؟ هؤلاء الذين نقول عنهم شهود عذول، يمكن أن يحصل عندهم الغلط، ويمكن أن يحصل عندهم الوهم، ويمكن أن يحصل عندهم الكذب. التاريخ يدلنا على قصة مشهورة عندنا في التاريخ هي قصة إياس بن معاوية، القاضي المشهور، حينما وقف مع مجموعة من العدول، منهم أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، والجمع كانوا يترأون الهلال، والجميع يقول لا نرى الهلال بينما أنس بن مالك يقول رأيت الهلال، فالقاضي اياس تفطن لهذه الحادثة ووجد أن أنس بن مالك رضي الله عنه قد تقدمت به السن وأن حاجبه قد نزلت منه شعرة على عينه، فرفع له هذه الشعرة من الحاجب وقال له أرني الهلال، قال لا أراه. وأنس بن مالك هو، إذا كنا نتحدث عن العدول، فهو سيد العدول.

خديجة بن قنة: نعم.

محمد محمود الهواري: إذاً القضية هنا، الحقيقة، لا بد من المزاوجة ما بين الرؤية التي أنارنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن التأكد بأن هذه الشهادة صحيحة، ولا يمكن في عصرنا الحاضر أن نتأكد من هذا إلا بحساب الفجر..

خديجة بن قنة (مقاطعةً): وهذا يحيلنا إلى التساؤل، لماذا؟ مالذي يمنع اعتماد وسائل علمية في تحديد مطلع أهلّة الشهور الهجرية؟ وهذا بعد وقفة قصيرة، فلا تذهبوا بعيداً.



[فاصل إعلاني]

إمكانية اعتماد العلم لمنع التباين

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد، دكتور قره داغي الفرق ربما بين الاختلاف على عيد الفطر وعيد الأضحى، أن الأضحى يترتب عليه فرضٌ آخر هو الحج، والحج عرفة كما قال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، يعني الذين حجوا اليوم وكل المسلمين الذين احتفلوا اليوم بعيد الأضحى هل كانوا على خطأ؟

علي محي الدين القره داغي: أنا أعتقد أن هناك فرق بين المسألتين، بين مسألة الإثبات والاعتماد على علم الفلك، وهذا سوف نتحدث عنه في هذه المسألة، وبين ما إذا ثبتت الرؤية الشرعية بأي طريقة من الطرق، وهي الشهادة وما أشبه ذلك، فإذا ثبتت الرؤية الشرعية بشهادة شهود عدول فإن حج هؤلاء صحيح، بل إنه هذا قرار المجمع الفقهي العالمي الدولي، بأنه إذا ثبتت الرؤية بالشهادة أو بأي طريق مشروع فإنه يجب على بقية العالم الإسلامي، إن كان في مسألة الصوم أن يصوموا، وإن كان في مسألة العيد أن يتعايدوا، وخاصة بالنسبة لعيد الأضحى، المفروض العالم كله يعتمد على الحج لأن كل العالم الإسلامي له نفوذ وممثلون في مكة المكرمة وهم يحجون بحج المملكة العربية السعودية. حتى الآن عندنا رئيس الدولة بعض رؤساء الدول موجودون الآن وهم يحجون ويتوقفون في عرفة أمس واليوم تعيدوا معنا وشعوبهم تخالفهم..

خديجة بن قنة (مقاطعةً): نذكر على سبيل المثال الرئيس الإيراني يحتفل بالعيد وإيران تحتفل غداً...

علي محي الدين القره داغي (متابعاً): الرئيس الإيراني هو الآن اليوم كذا، وبلدهم ليس غداً وإنما بعد غد..

خديجة بن قنة (مقاطعةً): بعد غد إن شاء الله.

علي محي الدين القره داغي (متابعاً): فهذا حقيقة مسألة غريبة، فلذلك أنا، مع احترامي الشديد، يعني أنا مع الاعتماد على علم الفلك، لكن أيضاً لا يجوز لنا.. لأن هذه الشريعة مبنية على التيسير، فمسألة أنه نعتمد على الحساب، نعتمد على الشهود هذه قضايا ظنية، والشريعة الإسلامية سمحت لنا بأن نعتمد على مثل هذه الأمور وبالتالي فحج الناس صحيح وعرفتهم صحيحة، وإن شاء الله وليس هناك أي غبار، لكن ما هو المطلوب، أنا أعتقد، هذا يحتاج إلى قرار سياسي وليس قرار شرعي. نحن حقيقة، ربما في التقرير ذكر، أنا حضرت هذا المجلس الذي حضره أكثر من 150 عالم من علماء الأمة في الأردن، ناقشنا هذه المسألة، مسألة الإثبات، غالبية العلماء التقرير.. قال غالبية علماء الفلك وأنا أقول غالبية علماء الشريعة ما عدا مجموعة من العلماء، الحقيقة، المملكة العربية السعودية، مع احترامي الشديد، كانوا يميلون إلى أن يعتمد على الحساب الفلكي بالنسبة للنفي، أي بحيث لا نعتمد على شهادة أي شاهد إذا كان علم الفلك يقول أنه لا يمكن أن يرى الهلال بعد غروب الشمس بفترة مناسبة، فهذا ما يسمى للنفي، ثم بعد ذلك للإثبات نعتمد على قول النبي صلى الله عليه وسلم، صوموا لرؤيته، وبالتالي جمعنا بين العلم وهذا هو الشريعة الإسلامية، جمعنا بين العلم وهو الإعتماد في النفي، وفي نفس الوقت اعتمدنا على قول الرسول صلى الله عليه وسلم والآيات الكريمة، بأننا أيضاً نرى، وإذا رآه شخص واحد أو شخصان فإنه يجب على العالم الإسلامي. اليوم حقيقة ليس قضية أنا في اعتقادي في هذه الليلة لسنا بصدد مناقشة أنه نعتمد على علم الحساب ولا رؤيتنا صحيحة ولا غير صحيحة، من الناحية الشرعية إذا ثبت بشاهدين، حتى مهما كانوا، فإن حجنا صحيح وإن صيامنا صحيح، والمفروض على العالم الإسلامي أن يتبع هذا بناءً على قرار مجمع الفقه الإسلامي الذي يمثل كل منظمة المؤتمر الإسلامي.

خديجة بن قنة: طيب، دكتور الهواري، هل تؤيد أنت هذا الكلام؟

محمد محمود الهواري: فيه خلاف الحقيقة أخت خديجة، لأن هناك في المذاهب اختلاف في هذه القضية. بعض المذاهب يقول أن لكل بلد رؤيته، وهذا معتمد أيضاً على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ما أخذت به المجامع الفقهية كمجمع الرابطة.. مجمع الفقه في الرابطة، وهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية وكثير من العلماء، بينما المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي أخذ بقول المذهب الحنفي باعتبار أن يعتبر أن العالم الإسلامي وحدة كاملة فإذا ثبتت الرؤيا في بلد ما وجب على بقية البلدان الإسلامية أن تتبعها. أنا لست هنا الحقيقة في صدد مناقشة هذه المشكلة وهذه المشكلة، وإنما أنا عندي الرأي، بأن القضية المتعلقة بقضية الشهادة أصبح الآن بإمكاننا أن نقول بأننا نقبل هذه الشهادة أو نردها، لا شك أن إثبات هذا الشهر بالشهادة الشرعية أنا موافق معه، لكن حينما يمكن لهذه الشهادة أن يعتريها الخطأ ويعتريها الكذب ويعتريها الوهم فلابد إذاً من أن نتحقق، وليس هناك من سبيل إلا بالعلم، والعلم..

خديجة بن قنة (مقاطعةً): لماذا لا تعتمد، على ذكر العلم، لماذا لا تعتمد مثلاً فكرة إطلاق قمر أو إرسال قمر صناعي إسلامي. هذه الفكرة طرحت أكثر من مرة ولكنها لم ترى طريقها إلى النور، إضافةً إلى ذلك هناك أناس يطالبون اليوم بإيجاد هيئة إسلامية تشرف أو تتكفل بتحديد مواعيد المناسبات الدينية مثل منظمة المؤتمر الإسلامي.

محمد محمود الهواري: نعم، هذا كلام صحيح وأنا كنت في شهر شوال الماضي في مجلس المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، ونوقش جزء من هذه القضية، وكان معنا مفتي مصر السابق الأستاذ نصر واصل فريد، وذكر لي بأنهم قطعوا شوطاً كبيراً في هذا الموضوع، ولكن يبدو مع الأسف أن هذا المشروع متوقف على رصد ميزانية مناسبة له وليست كبيرة. لكنني أقول بأن الحسابات الفلكية التي بين أيدينا، الحقيقة، إذا اقتنع بها علماؤنا الأجلاء بأنها ليست حسابات التنجيم الذي كان يظن بأنها في الماضي، والتي يكتب عنها في كتبنا الفقهية الماضية بأنها حسابات المنجمين، هذه مختلفة، الآن الفلك أصبح علم دقيق وله امكانياته الدقيقة وبواسطته استطعنا أن نصل إلى القمر وإلى الزهرة وغيرها، والحسابات لا يمكن أن تخطئ بواحد على مائة ألف من الثانية، فإذا قلنا بأن الشمس تغرب في الساعة الفلانية أو القمر يغرب في الساعة الفلانية فيمكن للناس جميعاً أن يروا هذا الأمر ويتأكدوا منه، فعلماؤنا إذا اقتنعوا بهذا فحينئذ يمكن أن يعتبروا هذا سند من الأمور التي يقبلوا فيها الشهادة أو يرفضوا فيها الشهادة..

علي محي الدين القره داغي (مقاطعاً): لأ.. العلماء مقتنعون لكن يحتاج إلى قرار سياسي.

محمد محمود الهواري (متابعاً) لا شك..

خديجة بن قنة (مقاطعةً): يقول الدكتور القره داغي إن العلماء..

علي محي الدين القره داغي (مقاطعاً): معظم العلماء..

خديجة بن قنة (متابعةً): نعم، معظم العلماء مقتنعون بهذه الفكرة ولكنها تحتاج إلى قرار سياسي. على ذكر قرار سياسي، كنت تتحدث قبل قليل، دكتور قره داغي، عن الخلافات السياسية، هل الإختلافات السياسية الموجودة بين الدول الإسلامية لها علاقة بهذا الإختلاف في تحديد مواعيد المناسبات الدينية، رمضان، عيد الفطر، وعيد الأضحى؟

"
الاختلافات في مواعيد الأعياد الإسلامية جزء من تخلفنا السياسي وجزء من تفرقنا وتمزقنا
"
      علي محي الدين

علي محي الدين القره داغي: مع الأسف الشديد رغم أننا نسمع من بعض السياسيين أنه لا تدخل للسياسة في الدين ولا للدين في السياسة ولكن، مع الأسف الشديد، في هذه المسألة إذا كانت الدولة علاقتها جيدة، فلنفرض مع المملكة العربية السعودية، فإنها تتعيد معها في الغالب، وإذا كانت علاقتها ليست جيدة في الغالب، فإنها لا تتعايد معها، وهذا حقيقة عمل غير مقبول. نحن تحدثنا، حقيقة الدكتور الهواري تكلم عن موضوع الحنفية، ليس مذهب الحنفية فقط هذا رأي موجود داخل المذهب الحنبلي بالمناسبة وداخل المذهب الشافعي وكذلك وجهٌ في المذهب المالكي، كل المذاهب الأربعة لهم وجه وقول بوحدة البلاد الإسلامية أوالعالم الإسلامي أو وحدة المطالع، وهذا ما صدر عنه قرار من مجمع الفقه الإسلامي الدولي الذي أنا أتشرف بأني خبير معهم تقريباً منذ بدايته، وناقشنا أيضاً حتى في مجمع الرابطة في هذه المسألة. وأنا قلت يعني، مع الأسف الشديد، ما أراده الشرع أن يكون تيسيراً أصبح اليوم تعسيراً، وأنا أعتقد أن هذه الإختلافات أيضاً جزء أنا في اعتقادي من تخلفنا السياسي، جزء من تفرقنا وتمزقنا. الآن الأمة الإسلامية، منظمة المؤتمر الإسلامي، مثلما أنت تفضلت، لو اجتمعت وقررت بأن، كدول، كقرار سياسي، أننا نأخذ ونعتمد، حتى من الناحية الشرعية، دائماً حكم الحاكم يرفع الخلاف، فإذا اعتمدت الدول الإسلامية أنها تتبنى المذهب الحنفي وأنا أقول مش مذهب الحنفي، مذهب الحنبلي فيه رواية، مذهب الشافعي فيه قول، مذهب المالكي فيه وجه، يعني كل المذاهب لهم وجوه، وأنا عندي بحث في هذه المسألة، لو اعتمدت الدول أصدرت قراراً شرعاً يرفع هذا الخلاف، وتصبح الدول كلها تعتمده، ثم بعد ذلك تبحث عن وسيلة. وكما قلت، أنا.. معظم العلماء، شيخنا القرضاوي، والشيخ زرقة، وكبار العلماء مقتنعون بأنه يجب علينا أن نعتمد على علم الحساب في مسألة النفي، وكذلك ثم بعد ذلك.. ليس هناك أي تعارض بين المسألتين فالقرار، أنا في اعتقادي، أنا أحمّل بصراحة هنا، أحمّل السياسيين هذه المسؤولية، يعني الحكام في العالم الإسلامي هم يتحملون هذه المسؤولية وهم يعطون صورة سيئة جداً لعباداتنا، لشعائرنا، قبلتنا واحدة ونحن نختلف في الأعياد!

خديجة بن قنة: ورغم ذلك نقول لكل مشاهدينا، كل عام وأنتم بخير لمن احتفلوا اليوم، كل عام وأنتم بخير لم يحتفلون غداً، وكل عام وأنتم بخير لمن يحتفلون بعد الغد الجمعة. ونشكر في نهاية هذه الحلقة ضيفينا، كان معي بالأستديو الدكتور على محي الدين القره داغي الأستاذ بجامعة قطر وخبير الفقه والإقتصاد الإسلامي، وكان معنا أيضاً من بروكسل الدكتور محمد محمود الهواري رئيس اللجنة العلمية الإسلامية الألمانية للأهلّة، شكراً لكما. وبهذا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم، بإمكانكم المساهمة في اختيار مواضيع الحلقات القادمة بإرسالها على عنواننا الإلكتروني 

Indepth@aljazeera.net 

غداً بحول الله قراءة جديدة في ما وراء خبر جديد، أطيب المنى وإلى اللقاء.