- أسباب تفاقم أزمة الغذاء والبعد السياسي لها
- انعكاسات الأزمة على الأمن القومي

ليلى الشيخلي
محمود النجداوي
إبراهيم سيف
ليلى الشيخلي: حياكم الله وكل عام وأنتم بخير. نتوقف في حلقة اليوم عند تفاقم أزمة الجوع عبر العالم في ضوء أحدث تقارير منظمة الأغذية والزراعة العالمية التي أشارت إلى أن أعداد جياع العالم بلغت هذا العام مليار شخص إلا قليلا. في حلقتنا محوران، ما الذي أوصل أزمة الجوع إلى هذا الحد ولماذا يقف العالم عاجزا عن احتوائها؟ هل تتحول هذه الأزمة المستفحلة من تحد للبشرية إلى خطر داهم يهدد أمنها وسلمها؟... أزمة الجياع في العالم تسير في اتجاه واحد لا تتراجع وإن تراجعت أسعار المواد الغذائية وهي تزداد استفحالا برغم التقدم التقني وزيادة معدلات الإنتاج الغذائي، واليوم تقول منظمة الفاو في آخر تقاريرها إن العالم الذي حدد عام 2015 هدفا لخفض نسبة الجياع فيه إلى النصف يبدو أبعد ما يكون عن تحقيق هذا الوعد.

[تقرير مسجل]

إيمان رمضان: من روما وقبل 12 عاما تعهد قادة العالم بوضع إرادتهم السياسية في خدمة تحقيق الأمن الغذائي وخفض عدد الجوعى إلى النصف بحلول عام 2015، تعهد ظل يتجدد حتى اليوم وتضمنه بيان الألفية الصادر عن الأمم المتحدة بتوقيع 160 من قادة العالم، مؤتمرات وبيانات وتعهدات ماذا تحقق منها حتى الآن؟ الأرقام الواردة عن منظمة الأغذية والزراعة تشير إلى أن الهدف الأساس استئصال الجوع لا يزال بعيد المنال، فوفقا لآخر التقارير الصادرة عن الفاو ارتفع عدد الجوعى ليصل إلى 963 مليون شخص بزيادة قدرها أربعون مليون شخص عن عام 2007، هذا الارتفاع يقابله في ذات الوقت ارتفاع في أسعار السلع الغذائية الأساسية، والعالم يضاعف من حجم الكارثة تلك العلاقة العكسية التي تحكم أسعار الغذاء وكميات الإنتاج لاسيما إنتاج الحبوب الذي انخفض بمقدار 10% عن العام الماضي. أين تتركز بؤر الجوع في عالمنا؟ وكيف تترجم الحقائق الواردة في التقارير الأممية؟ الدراسات تشير إلى أن قارة آسيا كان لها النصيب الأكبر من عدد الجوعى إذ يفوق هناك 583 مليونا، أما قارة أفريقا وخاصة مناطق جنوب الصحراء يعاني فيها واحد من كل ثلاثة أشخاص من الجوع. الجوع لعنة من صنع البشر صنعها الإنسان من نزاعات مسلحة وسوء تصريف للموارد فقد أنفق العالم ما يزيد على ترليون دولار على الأسلحة وتجاوز مقدار الهدر في الغذاء في البلد الواحد مائة مليار دولار بينما بلغ الاستهلاك الفائض المسبب للبدانة نحو عشرين مليار دولار، أرقام لافتة بل مرعبة إلا أنها في حد ذاتها تعكس وبوضوح حجم الكارثة الإنسانية التي تجتاح العالم دون استثناء والتي فاقمتها الأزمة المالية الأميركية. منظمة الأغذية والزراعة ترى أن الحل يكمن في إعادة إطلاق القطاع الزراعي الذي كبلته عوامل عدة أهمها تصنيع الوقود الحيوي من مواد غذائية أساسية كالذرة، وفي ذلك يحتاج العالم بحسب المنظمة لثلاثين مليار دولار وهو ما لا يساوي 10% من مليارات تم ضخها في الأسواق المالية الأميركية والأوروبية لإنقاذ عدد من المؤسسات المالية الكبرى. إننا في عالم يمتلك ثروات وفيرة وقادرة على إنتاج ما يكفي من الأغذية لإطعام الجميع فإن المدى الذي وصل إليه الجوع ليس مجرد إساءة أخلاقية ولكنه مظهر من مظاهر العجز الجماعي للمجتمع الدولي، عبارة صدق عليها قادة العالم في بيان الألفية.

[نهاية التقرير المسجل]

أسباب تفاقم أزمة الغذاء والبعد السياسي لها

ليلى الشيخلي: ومعنا في هذه الحلقة من عمان الدكتور محمود النجداوي الأمين العام المساعد لوزارة الزراعة الأردنية والذي شارك في مؤتمر الفاو الذي أعد هذا التقرير، من بيروت معنا الدكتور إبراهيم سيف الخبير الاقتصادي في معهد كارنيغي للسلام العالمي. أبدأ معك دكتور محمود النجداوي، رغم كل التحذيرات رغم كل نواقيس الخطر التي دقت في أكثر من مؤتمر يأتي هذا العدد لماذا؟ وكيف؟

محمود النجداوي: ستي بداية كل عام وأنتم بخير.

ليلى الشيخلي: وأنت بألف خير، ولعل من المفارقة أننا نناقش في العيد هذا الموضوع وربما يكون يعني صفعة لنا جميعا. تفضل.

محمود النجداوي: يا ستي الكلام اللي انحكى في التقرير هو كلام بالفعل دقيق ومرعب للأسف، الحقيقة المؤتمر الأخير اللي عقدته منظمة الفاو في روما بين 3و 5 حزيران كان بهدف تقييم الخطط والبرامج التي سبق وضعها وبالتالي الإطلالة على الواقع الحالي واستشراف آفاق المستقبل. المؤتمر تعرض لثلاثة محاور تؤثر تأثيرا أساسيا في عملية الغذاء وفي عملية توفير الغذاء وفي عملية التنمية الزراعية بشكل عام، أولا التغير المناخي ونحن نعيش بالفعل حالة من التغير المناخي غير المسبوق لدرجة أن هطول الأمطار وسنوات الجفاف أصبحت تتعاقب يعني من كل ست سبع سنوات يأتي سنة خير والباقي سنوات جفاف، هذا يؤثر تأثير مباشر على الزراعة المطرية الزراعة التي تعتمد على الأمطار، والزراعة المطرية على مستوى العالم تشكل تقريبا 70% من الأراضي...

ليلى الشيخلي (مقاطعة): سامحني دكتور حتى لا أقطع تسلسل أفكارك ولكن سأطلب منك أن تختصر قليلا حتى نبقي سياقا سريعا بعض الشيء حتى نغطي أكبر قدر ممكن من المعلومات.

محمود النجداوي: ماشي، فالتغير المناخي هو عامل أساسي، موضوع الطاقة وموضوع أسعار الأغذية، التغير المناخي أصبح واقعا ملموسا، موضوع الطاقة يعني انعقد المؤتمر حقيقة في ظل إرهاصات وظل يعني مطرقة الارتفاع غير المسبوق في أسعار البترول، يعني كانت في هديك الأيام بحدود 130 دولار لحسن الحظ أن بين قوسين أنها انخفضت الآن، لكن كان المؤتمر تحت هاجس هذا الارتفاع غير المسبوق الذي سيؤدي إلى ارتفاع أيضا غير مسبوق أو أدى بالفعل إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار المواد الغذائية، وعلى سبيل المثال يعني كنا نتكلم عن القمح ارتفعت أسعاره بثلاثة أضعاف، عن الذرة ارتفعت أسعارها أيضا بثلاثة أضعاف فبالتالي أصبحت هذه المواد ليست في متناول الناس الذين هم بحاجة إليها..

ليلى الشيخلي (مقاطعة): والعامل الثالث؟

محمود النجداوي: وهذا طبعا.. العامل الثالث هو تحول بعض الدول بسبب ارتفاع أسعار البترول إلى استخراج البترول الحيوي، وبالتالي هذه مصادر زراعية ومنتجات زراعية كانت بدل أن تحول إلى الإنتاج الغذائي تم تحويلها إلى استخراج الطاقة الحيوية، وبالتالي أصبحت تشكل نقصا في الإمدادات الغذائية على مستوى العالم.

ليلى الشيخلي: جميل طيب هذه الثلاثة أسباب من وجهة نظرك دكتور، أريد أن أسألك دكتور إبراهيم سيف يعني هناك أيضا نقطة تطرق إليها التقرير عن الصورة النمطية الموجودة لدينا عن أن شخصا يلتصق ظهره ببطنه هذا شخص يعاني من سوء التغذية، بينما أن هناك فعلا الحالات الحقيقية هي حالات غير مرئية، أرجو أن تشرح لنا هذا.

إبراهيم سيف: دعيني أوضح أن رقم 963 مليون فقراء العالم الذين يعانون من ضائقة الفقر، هناك حوالي خمسين مليون أيضا ورد ذكرهم في هذا التقرير يشير إلى أنهم أيضا بالكاد يحصلون على ما يكفي لكي يبقوا على قيد الحياة، يعني وهذه أيضا فئة تضاف ليس فقط إلى الفئة أو الصورة النمطية التي نراها للفقراء والجياع بقدر ما هي أيضا تعكس أن هناك أيضا حوالي خمسين مليون مهددون في دول مختلفة في العالم وبودي أيضا التطرق إلى التوزيع الجغرافي أيضا لهؤلاء الفقراء حول العالم إذ أنه إضافة إلى ما جاء في التقرير من.. هناك إنتاج ووفرة في الإنتاج العالمي يجب أن نكون واضحين، المشكلة ليست حقيقة في تحول الإنتاج من وإلى بقدر ما هناك سوء في هذا التوزيع، الهدر الذي تم إيراده في التقرير لو أعيد توزيعه لهؤلاء الفقراء حول العالم فلن يكون هناك مشكلة في الحصول على الغذاء حول العالم ولكن سوء التوزيع هو يساهم بدرجة كبيرة في عملية مفاقمة موضوع الأزمة أو الأغذية العالمية وهذا ما يجب أيضا إعادة النظر فيه في السياسات العالمية وليس فقط التركيز على الأسباب التقليدية لعدم إنتاجية القطاع الزراعي وسوء إنتاج القطاع الزراعي إذ لم نصل بعد إلى أن هناك أزمة في المعروض العالمي من السلع الغذائية، هناك أزمة في الحصول على ما هو متوفر بسبب عمليا إما أسباب سياسية إما بسبب مناطق صراع بالمناسبة العراق ورد العراق وأفغانستان كمناطق صراع ورد زيادة كبيرة في عدد من يعانون من الجوع في هذه الدول من حوالي 28 إلى حوالي من.. ربما يفوتني الرقم الآن ولكن هناك زيادة كبيرة في الرقم وصلت لأربعين مليون في أفغانستان والعراق ممن يعانون من عمليا ضائقة الفقر بسبب أنها مناطق صراع، إذاً السبب ليس متعلقا فقط بطبيعة إنتاج القطاع الزراعي بل متعلق أيضا بالأسباب السياسية التي دفعت وأدت إلى أن تتفاقم هذه الأزمة وتصل إلى هذا الحد.

ليلى الشيخلي: يعني أمين عام منظمة الفاو يذهب أبعد من ذلك دكتور محمود النجداوي، يقول إن الإرادة السياسية هي المشكلة يعني ليست المشكلة في وفرة الغذاء ليست المشكلة في التكنولوجيا أو الوعي بكيفية محاربة الفقر، المشكلة في عدم توفر الإرادة السياسية. ما الذي نحتاجه حتى تتوفر هذه الإرادة؟ ما الذي.. هل سنبقى هكذا نتفرج على العالم وهؤلاء الأطفال بهذا العدد يموتون كل يوم؟

هناك تغير مناخي أدى إلى شح في الأمطار وإذا استمرت هذه الحالة فإن 75% من سكان أفريقيا سيكونون معرضين للجوع، وسيخرج 75 مليون هكتار من الأراضي الزراعية من الإنتاج الزراعي
محمود النجداوي:
طبعا ستي هناك تشخيص للحالة وهناك وسائل للعلاج، تشخيص الحالة يعني نتفق جميعا بأن هناك تغيرا مناخيا أدى إلى شح في الأمطار وإذا استمرت هذه الحالة -يعني هذا الحكي يجب أن يكون معروفا- إذا استمرت هذه الحالة في عام 2025، 75% من سكان أفريقيا سيكونون معرضين للجوع، 75 مليون هكتار من الأراضي الزراعية ستخرج من الإنتاج الزراعي إذا استمرت هذه الحالة وإن شاء الله ما تستمر، 50% من مجموع الأراضي الصالحة في أميركا اللاتينية ستخرج بسبب التملح وبسبب...

ليلى الشيخلي (مقاطعة): بس سامحني دكتور سأستوقفك هنا، يعني أجد صعوبة في أن أقتنع بهذا الموضوع يعني سامحني ربما يشاركني في هذا بعض من يشاهدني الآن، يعني عندما نقرأ في دراسة أجراها الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد جوزيف استيغنوتس يقول إن الحرب في العراق تكلف 720 مليون دولار في اليوم أي خمسمائة ألف في الدقيقة، وتقرير الفاو يقول إن.. وتقرير الأمم المتحدة وعدة تقارير في العالم تقول إن ما تحتاج مشكلة الفقر في العالم هي ثلاثين مليار دولار لا أكثر، في ضوء هذه الأرقام كيف نتحدث عن مشاكل مياه وتصحر؟ تحب أن تعلق دكتور إبراهيم سيف، تفضل.

إبراهيم سيف: أنا أود أن أقول إن الإنتاج الزراعي في الدول الغنية.. في الدول الغنية زاد بنسبة 10% خلال السنوات الأخيرة في حين أن لم ينم أو لم يرتفع هذا الإنتاج في الدول النامية، القضية ليست فقط متعلقة بقضية التغيير المناخي والتصحر وما إلى ذلك بقدر ما أيضا تتعلق بأن القطاع الزراعي لا يحظى على أولوية حتى في الأجندة العالمية، طالما أن المشكلة هي مشكلة عالم ثالث ودول نامية فهذه المشكلة لن تحظى بالأولوية ولن تلقى الاهتمام، المشكلة ليست في توفير ثلاثين مليار ممكن أن تعيد تنشيط القطاع الزراعي بل أن المشكلة تكمن في أن في فترة من الفترات كان هناك وفرة في المعروض وفي الإنتاج الزراعي العالمي خلال السبعينات والثمانينات، فترة استمدد فيها القطاع الزراعي في الولايات المتحدة وفي أوروبا وفي أيضا اليابان إلى حد ما بحيث أن أصبح هذا الموضوع يغري الدول بعدم الإنتاج والتوجه للإنتاج في القطاع الزراعي بحيث أن دولا زراعية من الطراز الأول مثل المغرب ومثل مصر وإلى حد ما مثل سوريا باتت هذه الدول تعتمد على المستورد الرخيص بدل من التوجه للإنتاج تحت حجج عملية ومسوغات اقتصادية الآن ثبت عدم جدواها مع حلول الأزمة...

ليلى الشيخلي (مقاطعة): وخصوصا أن الحكومات ربما سامحني دكتور يعني تدفع للمستورد أكثر بكثير ما هي مستعدة لكي تدفعه للمزارع البسيط وأبلغ مثال على ذلك ما يحدث في مصر بالتحديد مثلا كمثال.

إبراهيم سيف: هو حقيقة أحيانا يعني عمليا قضية أو نظريات الاعتماد والاعتماد المتبادل هي المؤرخ لها في الاقتصاد السياسي، أن عمليا أنت عندما تفقد الحافز للإنتاج وعندما هذا القطاع الزراعي المكثف للأيدي العاملة الذي كان يساعد على الحد من الهجرة الداخلية، القطاع الذي يمكن أن يشكل أو بوتقة للعمل الجماعي كلها عمليا اضمحل وتراجع القطاع الزراعي بشكل كبير بجزء رئيسي منه، طبعا أنا أتفق أن هناك طبعا العوامل المناخية والطبيعية مهمة ولكن أيضا السياسات الزراعية التي اتبعت في العديد من الدول النامية ساهمت إلى درجة كبيرة بأن يفقد  هذا القطاع الزراعي أهميته، بحيث أن لننظر إلى مساهمة القطاع الزراعي الآن في الناتج المحلي الإجمالي سواء في الدول العربية أو في الدول الأفريقية، تراجع من القطاع الأول خلال عقد الستينات والسبعينات إلى الآن قطاع لا تتجاوز حصته ومساهمته 10% من النواتج المحلية في هذه الدول التي الآن تعاني من هذه الضائقة الزراعية.

ليلى الشيخلي: وخصوصا أن لدينا نماذج ناجحة مثلما حدث في الصين وفييتنام. على العموم هناك أسئلة كثيرة نود أن نطرحها بعد وقفة قصيرة أرجو أن تبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

انعكاسات الأزمة على الأمن القومي

ليلى الشيخلي: أهلا من جديد، حلقتنا تناقش تفاقم أزمة الجوع في العالم في ضوء أحدث تقارير منظمة الفاو. دكتور محمود النجداوي القضية في النهاية كما تقول الأمم المتحدة ليست قضية تحد إنساني بقدر ما هي قضية ومسألة أمن قومي، كيف؟

محمود النجداوي: ستي أولا أنا أتفق تماما مع كل الكلام اللي حكاه الأخ إبراهيم قبل الاستراحة، قطاع الزراعة تعرض إلى تهميش، لمّا الآن رئيس منظمة الفاو بحكي عن الإرادة السياسية نحكي الآن عن إعادة الاعتبار لقطاع الزراعة كقطاع مسؤول عن تأمين الأمن الغذائي للبشر، هذا القطاع هو الوحيد الذي.. القطاع المتجدد الذي يخلق فرص عمل الذي يساعد الناس على الانتفاع بالمصادر الطبيعية ولا يستطيع أي قطاع آخر أن يحل محله وبالتالي إعادة الاعتبار لقطاع الزراعة والتي أصر عليها المؤتمر والتي أصرت عليها كل المؤتمرات الآن هي الهدف الذي يدعو إلى إعادة الاعتبار لقطاع الزراعة وهذا ليس ترفا لأن قطاع الزراعة هُمش في الماضي بسبب سياسات مختلفة، هذا التهميش يجب أن ينتهي لأن أثبتت الأحداث بأن قطاع الزراعة وقطاع الزراعة فقط هو الذي قادر أن يؤمن الغذاء للناس وأن يؤمن العمل للناس وأن يؤمن العيش الكريم للناس.

ليلى الشيخلي: قضية الأمن القومي ما أدري تحب تعلق عليها دكتور، دكتور سيف بتحب؟ قضية الأمن القومي كيف؟ يعني بشكل سريع ربما أترك المجال للدكتور إبراهيم سيف، تفضل.

القطاع الزراعي هو قطاع مكثف للأيدي العاملة، ويضمن توفير الحد الأدنى من الغذاء والحد الأدنى من الاستقلالية حتى في القرار السياسي
إبراهيم سيف:
الأمن القومي طبعا إحنا القطاع الزراعي هو قطاع أولا مكثف للأيدي العاملة، هو قطاع يضمن توفير الحد الأدنى من الغذاء هو قطاع يضمن الحد الأدنى من الاستقلالية حتى في القرار السياسي، لننظر إلى  طبيعة المساعدات التي تلقتها العديد من الدول النامية من الدول الغنية خلال العقدين الماضيين أو الثلاثة عقود الماضية، كلها كانت تتمثل بالحصول على القمح والشعير والذرة ومواد أساسية لا غنى لهذه الدول عنها وكانت تأتي تحت برامج مساعدات غير مالية بمعنى هذه مساعدات عينية كانت تقدم لهذه الدول بحيث أن أولا عندما تراجع القطاع الزراعي وتراجعت أهمية هذا القطاع، لا يمكن لنا أن نتخيل أن دولة مثل الولايات المتحدة ستقدم القمح أو دولة أو أوروبا أو دولة إلى دولة أفريقية أو دولة عربية ولا يرتبط ذلك بأجندة سياسية. الآن قضية الأمن الغذائي هي بالدرجة الأولى هي كانت نظرية قائمة على توفير الحد الأدنى اللازم لضمان استقلال هذه الدول في حالات النزاعات في حالات الحروب وفي غيرها من الحالات الطارئة التي قد تطرأ إما بسبب حرب أو إما بسبب ظروف طبيعية وما إلى ذلك. الآن ما جرى خلال العقود الماضية حقيقة أن زادت الاعتمادية، الآن زادت الاعتمادية وكانت لها مبررات اقتصادية إن إذا كان هناك إنتاج في دول وفرة قادرة على إنتاج هذه السلع بأسعار أقل فهذا يعني أن لا ضرورة لهذه الدول أن تتجه إلى هذا القطاع وأن تتجه إلى قطاعات أخرى قد تنتج فيها بشكل أفضل، ولكن ما حصل أن تمت هجرة القطاع الزراعي ولم تصبح هذه الدول مثلا دولا صناعية من الطراز الأول بحيث أن أيضا تمتلك ميزة تنافسية أو ميزة خاصة بها تستطيع أن تفاوض أو تقايض بها الدول الأخرى، فما جرى أن هو حقيقة وهي مقايضة للأمن الغذائي وللأمن القومي كما تفضلت وسميته مقابل...

ليلى الشيخلي (مقاطعة): نعم ولكن تحويلها إلى قضية أمن قومي دكتور محمود يعني في النهاية هل هذا ما هو ربما سيكون البلسم ربما؟ لأن.. أو الدواء؟ لأن العالم في قضية التحدي الإنساني يبدو أنه استسلم بطريقة أو بأخرى، بينما عندما تتعلق بالأمن القومي وتحول يعني عندما نتحدث عن سنة عام ونصف الأخيرة الماضية 34 دولة كان فيها مظاهرة واحتجاج بسبب مشاكل لها علاقة بالغذاء، وقتها هل ستتحرك هذه الدول لأن القضية تتحول الآن إلى تفريخ إرهاب وتمرد وهذا هو ما يبدو أنه المحرك الأساسي للدول الكبرى؟

محمود النجداوي: يا ستي أنا تحديدا يعني أردت الإشارة إلى هذه النقطة، الجوع يؤدي إلى اليأس واليأس يؤدي إلى الإحباط و الإحباط يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، يؤثر على الأمن الاجتماعي يؤثر على الأمن السياسي يؤثر على الأمن الاقتصادي يؤثر على الأمن بجميع أشكاله فبالتالي مكافحة الجوع مكافحة الفقر مكافحة البطالة هي المطلوب، يعني نتكلم عن إرادة سياسية الإرادة السياسية يجب أن تأخذ هذه العوامل بعين الاعتبار وإذا لم نؤمن الغذاء للناس إذا لم نؤمن الاكتفاء الذاتي للناس إذا لم نؤمن الحياة الكريمة للناس ونتوقع كل ما يمكن توقعه من توترات على المستوى الوطني توترات على المستوى الإقليمي وتوترات على المستوى العالمي لأن أساس كل هذه المشاكل هو الجوع، الجوع كافر.

ليلى الشيخلي: أهداف الألفية الإنمائية دكتور إبراهيم سيف التي تتحدث عن خفض معدل الفقر بـ 50% في عام 2015، نحن الآن 2008 تقريبا 2009 ماذا بقي حتى نحقق هذا الهدف؟ أين نحن من تحقيق هذا الهدف؟

إبراهيم سيف: لا، لا، نحن أبعد ما نكون عن تحقيق أهداف الألفية، أهداف الألفية لا تتعلق فقط أخت ليلى فقط في قضية الغذاء ولكنها تتعلق بالصحة والتعليم وغيرها من مؤشرات التنمية البشرية التي عادة تعتمدها سواء البنك الدولي أو مؤسسات التنمية الدولية. إذاً إحنا أساسا طالما أن عدد الفقراء يزيد في العالم، وبالمناسبة 65% من أعداد من 963 مليون التي ورد في التقرير هم يتمركزون في سبع دول من ضمنها الهند وباكستان وإندونيسيا لا يوجد بين هذه الدول دولة عربية، ولكن إذا أنت عمليا تفشل في مجال الغذاء اللي هو المجال الأساسي واللي هو يعتبر الخطوة الأولى نحو تحقيق الأمن الإنساني والتنمية الإنسانية إذاً من الصعب أن نتحدث عن التعليم وعن الصحة وعن الوصول إلى البنى التحتية قادرة على تأهيل بنى مجتمعية وبالتالي قادرة على تحقيق شيء منتج في هذه الفترة، فأنا أعتقد أن الآن سيعاد النظر سواء في الحد المقرر لأهداف الألفية. وأيضا أود أن أعود لسؤال قضية التفاعل الجماهيري أو الشعبي مع قضية الغذاء، إحنا وهنا إشارة حتى للدول العربية أن معظم، معظم التظاهرات التي تشهدها أو شهدتها الدول العربية كانت مرتبطة بالدرجة الأولى عمليا هي عرفت بمظاهرات الخبز أو مظاهرات القمح أو غيره، كلها كانت مرتبطة بإلغاء برامج الدعم التي كانت تقدم للسلع الغذائية وبناء عليها كان هناك رد فعل جمعي من المجتمعات لأن عمليا كان هناك هامش كبير للتسامح في قضية الحرية السياسية ولكن في قضية الأمن الغذائي و..كانت فورا تستنفر وتستفز رد فعل شعبي عفوي يخرج إلى الشوارع، وهذا شاهدنا من الجزائر إلى تونس إلى اليمن إلى مصر إلى الأردن إلى غيرهم من الدول. أيضا إحنا عنا في إذا سمحت لي فقط بشكل سريع أن هناك دولا عربية باتت أيضا قريبة جدا من الالتحاق بهذا الخط، اليمن تعاني من مشكلة حقيقية في قضية الأمن الغذائي وفي قضية عمليا ما توفر وأيضا إلى حد ما مصر.

ليلى الشيخلي: على العموم للأسف مضطرة أن أختم هذا البرنامج فقط ربما بمعلومة قد تترك أثرا في أسماعكم مشاهدينا الكرام، بالنسبة لإنفاق الأمم المتحدة للبيئة والمنظمة المسؤولة عن حماية البيئة العالمية على مدى السنوات العشر الأخيرة، بلغ 450 مليون دولار أي ما يعادل أقل من خُمس أو خمس ساعات من الإنفاق العسكري العالمي، هذه معلومة يعني أعتقد أنها تستحق أن نتوقف عندها. أشكر جزيلا ضيفي الكريمين الدكتور إبراهيم سيف الخبير الاقتصادي بمعهد كارنيغي للسلام، وأشكر الدكتور محمود النجداوي الأمين العام المساعد لوزارة الزراعة الأردنية، شكرا لكم مشاهدينا الكرام على متابعة هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر. في أمان الله.