-  أهداف الدعوة الأوروبية وجدواها في مواجهة الأزمة

- مستقبل الرأسمالية وإمكانيات تعديلها

 

جمانة نمور
جواد العناني
 كمال حمدان
جمانة نمور: أهلا بكم. نتوقف في حلقة اليوم عند الدعوة الأوروبية لعقد قمة دولية بأسرع ما يمكن تضطلع بمهمة وضع أسس رأسمالية سليمة لا يسيطر عليها المضاربون بحسب تعبير الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. نطرح في الحلقة تساؤلين رئيسيين، ما الذي عناه الأوروبيون بدعوتهم لإقامة نظام اقتصادي ينقذ الرأسمالية من أزمتها المتفاقمة؟ وأي تعديلات يمكن أن تحل ازمة النظام العالمي الحالي من دون أن تفقده هويته الرأسمالية؟... من أوروبا معقل الرأسمالية وقلعتها التاريخية جاءت الدعوة لوقفة عالمية تكبح جماح النظام الرأسمالي الذي كاد يورد العالم موارد الهلاك ولا يزال في غمار انطلاقته المنتشية بحسم معركته مع النظام الشيوعي. الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي كان واضحا في إدانة ما سماها رأسمالية المضاربات.

[شريط مسجل]

نيكولا ساركوزي/ الرئيس الفرنسي: لقد حرصنا على الالتزام عالميا كرؤساء دول وحكومات بدعم المؤسسات البنكية والمالية في مواجهة الأزمة، كل حكومة ستتدخل بالطريقة والإمكانيات الخاصة بها ولكن بالتنسيق مع باقي الدول الأوروبية، وفي حالة دعم بنك يواجه مصاعب تلتزم كل دولة حاضرة في هذا الاجتماع بأن يعاقب المسؤولون عن فشل مؤسساتهم وبأن يتحمل المساهمون جزءا من تكلفة التدخل.

جان- كلود جنكر/ رئيس وزراء لوكسمبورغ: على المتعاملين في القطاع المصرفي وفي الأسواق أن يدركوا بعد اليوم أن السيولة ستكون مضمونة بهدف ضمان الثقة لكن الأمور لن تكون على ما كانت عليه سابقا.

[نهاية الشريط المسجل]

أهداف الدعوة الأوروبية وجدواها في مواجهة الأزمة

جمانة نمور: نواقيس الخطر من أزمة النظام المالي الحالية دقت في أكثر من جهة من أركان الدنيا الأربعة فقد قال وزير المالية الألماني بيرشتاينبرويك إن الولايات المتحدة ستفقد مكانتها قوة اقتصادية عظمى وإن النظام الاقتصادي العالمي سيصبح نظاما متعدد الأقطاب. أما الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف فيتفق مع الوزير الألماني في أن زمان هيمنة القوة الاقتصادية الواحدة والعملة الواحدة قد ولى إلى غير رجعة في إشارة إلى الولايات المتحدة. آلان غرينسبان الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي الأميركي أقر بالخطر الذي تواجهه أسواق المال بسبب انعدام الثقة في المؤسسات العالمية وذكر بأن بلاده تواجه أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخها مطالبا بالسعي لاستعادة ثقة المستثمرين وإلا أصبحت أزمة عام 1929 بالقياس للأزمة الحالية مجرد نزهة عابرة. ومعنا في هذه الحلقة من عمان الدكتور جواد العناني النائب السابق لرئيس الوزراء الأردني للشؤون الاقتصادية، ومن بيروت الدكتور كمال حمدان مدير مؤسسة البحوث والاستشارات الاقتصادية. ولكن قبل أن نبدأ النقاش دعونا نتوقف مع لمحة عن الرأسمالية المالية التي عرفت منذ نهايات القرن التاسع عشر لكنها شهدت تطورا كبيرا مع نهاية الحرب العالمية الثانية: الرأسمالية المالية هي نظير الرأسمالية الصناعية القائمة على الإنتاج، إنتاج السلع. ارتبطت الرأسمالية المالية بأسواق المال وغدا وول ستريت رمزها حيث عالم الأسهم والسندات والأوراق المالية. منذ خمسينيات القرن العشرين غدت الرأسمالية المالية النمط المسيطر على الرأسمالية في الدول المتقدمة. يعد عالم الاقتصاد الأميركي هيمان منسكي أحد رواد الرأسمالية المالية وهو من ربط الأزمات الاقتصادية بتراكم الدين. احتلت الرأسمالية المالية حيزا كبيرا من فكر ماركس الاقتصادي وهي في نظره الدائرة التي تنتج الأغنياء والفقراء. يعتبر خبراء كثر الرأسمالية المالية مسؤولة عن جل الأزمات الاقتصادية ويربطونها بما يعرف بالطفرات والفقاعات. إذاً نرحب من جديد بضيوفنا الكرام. دكتور جواد، حاولنا في هذه اللمحة عن الرأسمالية المالية ربما التفريق ما بين الرأسمالية بمعناها العام وما بين هذه الرأسمالية المالية التي رأت القمة الأوروبية المصغرة ضرورة إعادة تشكيلها. كيف يمكن إعادة تشكيل هذه الرأسمالية المالية وماذا يعني ذلك؟

الأوروبيون سعوا لكي يخلقوا عملة دولية جديدة غير الدولار في 1944, والآن يعودون ليقولوا بأن هيمنة الدولار يجب أن تنتهي في العالم ولا بد في هذه الحالة من أن نعود إلى نظام تعدد العملات وهذا يصب في صالح الدول الأوروبية وفي صالح دفع اليورو إلى الأمام
جواد العناني:
أولا أحب أن أذكر ست جمانة بأننا بعد الحرب العالمية الثانية وبعد فترة الكساد التي شهدها العالم في الثلاثينيات من القرن الماضي وضع نظام اقتصادي عالمي جديد كان فيه دور أكبر للسياسة المالية وكان هنالك أيضا اهتمام بضرورة التركيز على البنى التحتية وعلى عملية الإنتاج، وهذه تطلبت تدخلا أكثر من الحكومات وذلك بسبب الاختناقات التي كانت موجودة في نظام السوق أو النظام الاقتصادي الحر الذي تمثله الرأسمالية. الآن نحن بعد 54 عاما من اتفاقية بريتنوودز التي أنشئ بموجبها كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وكذلك بعد 54 عاما من الاعتراف للدولار بأنه العملة الدولية الجديدة التي حلت مكان الإسترليني ومكان الذهب تبين لنا بأن هذا النظام فيه خلل كبير ولا يستطيع أن يفي بحاجات العالم. ومن هنا فإنني أرى بأن الأوروبيين الذين سعوا لكي يخلقوا عملة دولية جديدة لا تكون الدولار في 1944 وفشلوا أمام العناد الأميركي الآن يعودون ليقولوا بأن هيمنة الدولار يجب أن تنتهي في العالم ولا بد في هذه الحالة من أن نعود إلى نظام تعدد العملات وهذا في صالح الدول الأوروبية وفي صالح دفع اليورو إلى الأمام. لذلك نحن أمام نموذج جديد..

جمانة نمور: دكتور كمال حمدان، ما هي الاحتمالات بأن يكون عليه شكل هذا النموذج الجديد؟ وإذا كان الأوربيون يعني بدأنا نلحظ خلافات فيما بينهم والدليل بأن أعضاء كثر أوروبيين لم يكونوا في هذه القمة المصغرة، هي مثلا دعت بريطانيا وبريطانيا لا تستخدم اليورو في حين استبعدت ربما إسبانيا لسبب أو آخر، كيف نفهم ذلك؟

كمال حمدان: في الواقع هناك أربع دول من أصل 27 دولة أوروبية شاركت ولكن الدول المشاركة في قمة باريس لها الثقل الأساسي في أوروبا. وعودة إلى المشكلة الأساسية التي طرحتيها في المقدمة، أعتقد أن الخطأ الكبير الذي حصل هو أن رأس المال المالي الذي بانت سيطرته منذ عقود طويلة كان لغاية بداية السبعينات مترافقا مع دور أساسي للدولة بموجب تأثر معظم السياسات آنذاك بالمدرسة الكينيزية التي كانت تؤكد على دور الدولة وبالتالي كان هناك ضوابط أمام إمكان فلتان رأس المال المالي الذي هو الابن المدلل للنظام أما بعد السبعينات وبعد مجيء التاتشيرية وانتشار كل الأفكار حول ضرورة التحرير الاقتصادي والتصحيح الهيكلي والتمهيد لكل ما سيؤدي لاحقا في ظل هذا النفق من العولمة يؤدي إلى نوع من دكتاتورية السوق والدعوة إلى تراجع دور الدولة، أصبح هذا الابن المدلل المتمثل في الرأسمال المالي أصبح كالسرطان الذي تصعب السيطرة عليه. يعني يكفي أن أقول لك، وهذا هو جوهر الأزمة راهنا وهي ليست بجديدة ولكن الآن فرقعت حصل انفجار الفقاعة، جوهر الأزمة هو هذا الخلل الكبير والمتعاظم وغير الخاضع للسيطرة بين الاقتصاد الحقيقي من جهة يعني الاقتصاد الذي ينتج السلع والخدمات وبين الاقتصاد المالي الذي هو متوج تحت بنديرة رأس المال المالي، يعني أعطيك مثالا، على كل مائة دولار يجري تداوله يوميا هناك حوالي 98 دولار مرتبطين بالدورة الخاصة برأس المال المالي ودولاران مرتبطان بالقطاع الاقتصادي الحقيقي يعني بإنتاج السلع والخدمات. هذه الفقاعة ما كان ممكن..

جمانة نمور (مقاطعة): على ذكر هذا القطاع، دكتور جواد على ذكر هذا القطاع ثمة حديث عن جولة ثانية الآن فيما يتعلق بالأزمة الاقتصادية وهذه الجولة ستطال حينئذ ما يعرف بالاقتصاد الحقيقي أو الإنتاجي كما شرحه لنا الدكتور كمال، وكلها تقديرات بترليونات الدولارات. هل نحن فعلا على أبواب جولة ثانية من أزمة من هذا النوع؟

جواد العناني: في الواقع نحن على أبواب أزمة مستمرة لم تنته، ولن يستطيع العلاج الأميركي وحده أن يحل المشكلة على الأقل على المستوى العالمي ولذلك فإنني أرى أن الأوربيين سوف يعودون أيضا إلى تقديم جولة ثانية. ولكن هذه البعثرة في الجهود لن تؤدي إلى إصلاح النظام الاقتصادي العالمي لأن هنالك خللا أصبح في بنية البنية الإنتاجية للاقتصاد العالمي وكذلك ظهر بأن الحكومات صارت في كثير من الدول وبخاصة في العالم النامي عاجزة عن تقديم وإيصال السلع والبنى التحتية والخدمات الأساسية إلى مواطنيها وهذا شكل أيضا حالة من الفوضى الجديدة في العالم وحالة التنافر التي نراها في الوقت الحاضر. لذلك فإن الدعوة إلى عقد مؤتمر قمة دولية ربما هو إيذان وتأشير بأننا يجب أن نعيد النظر في الحلول وأن الاستمرار في الحلول الفردية المتفرقة لن يخلق ما يسمى بالـ synergy أو بالطاقة الكافية التي يمكن أن تواجه العالم ولذلك يجب أن ننتقل من حالة الكلفة الحالية التي تخصص بلايين الدولارات أو مئات البلايين من الدولارات في كل حالة لتخرج بأنصاف حلول أو بثلاثة أرباع حلول إلى حالة نستطيع فيها أن نضع تصورا شاملا نعالج فيه هذه الأزمة الدولية.

جمانة نمور: دكتور كمال، هناك آراء عديدة تتفق فيما بينها أحيانا وتتضارب في أحيان أخرى فيما يتعلق بالمنظرين والمفكرين في عالم الاقتصاد، فكيف نتوقع بقادة عالم حتى لو عقدوا قمة عالمية أن يتفقوا على حلول لهذه الأزمة وعلى أسس جديدة لرأسمالية مالية؟

كمال حمدان: في اعتقادي المسألة لن تختصر في قمم أو في اجتماعات أو في تصويت هذا المجلس النيابي أو ذاك على هذه الخطة أو تلك، كل هذا ضروري وهو بداية معالجة ولكن العلاج الحقيقي سوف يتدرج عبر سنوات وسوف يخضع لصراعات مريرة داخل كل بلد وفي ما بين البلدان، يعني أنا في تقديري..

جمانة نمور (مقاطعة): وماذا يحل بالاقتصاد في خلال كل تلك الفترة؟ مثلا الآن هناك موضوع.. الأوروبيون أنفسهم بعضهم ينادي بأن تدعم الدولة تلك المؤسسات المصرفية والبعض الآخر يقول لا دعونا نترك هذا القطاع الخاص يتحمل مسؤولية ما جناه.

كمال حمدان: صحيح يعني هذا بالضبط ما قصدته أن المعركة أو العلاج سوف يتم على دفعات وجرعات ووسط مواجهات اجتماعية وسياسية كبيرة. أعطي مثلا، يعني هناك فرق أن توجه الدعم للمؤسسة المالية التي تعثرت بفعل ارتدادات هذا الانهيار أو ذاك وبين أن تمنحي الدعم لمن لم يتوان عن ارتكاب الموحشات المالية منذ عقود وحصل على أرباح غير مشروعة بأشكال شتى. المواطن والناخب..

جمانة نمور (مقاطعة): على كل يعني ميركل وساركوزي يريدون معاقبة هؤلاء يعني إذا ساعدوا الأولين. على كل سوف نتساءل..

كمال حمدان (مقاطعا): يعني بس لأكفي فكرتي..

جمانة نمور: تفضل.

كمال حمدان: يعني هناك المودع هناك المستثمر الذي اقترض من البنك هناك مؤسسات مالية دعمت أو أقرضت مؤسسات مالية أخرى هناك المساهم هناك المدير الذي يدير ويقتطع لنفسه بحصة كبيرة من الأرباح وهناك قبل كل هؤلاء المكلف، كل هؤلاء مصالحهم بالدق، أي إجراء له synergy أو له ارتدادات على مصالح كل من هذه الفئات وبحسب كل مؤسسة، المؤسسات التي عانت من ارتدادات ينبغي دعمها ينبغي مدها بالسيولة كي تعيد تصويب أمورها ولكن المؤسسات التي توسعت وأفرطت في إعطاء قروض لا تتوفر شروط الملاءة للذين استفادوا منها ووجدت نفسها في حالة عجز كامل أو إفلاس، هذه المؤسسات لا يمكن أن توفر لها الدعم لأن مثل هذا الدعم سوف يدفع عن طريق الضريبة أي عن طريق المكلف، هذه المسائل لم تحسم هناك توجهات عامة، القمة الأوروبية حاولت أن تفصل بين المتعثر الموضوعي والمتعثر المرتكب وهذا توجه إيجابي ولكن المشكلة الكبيرة أن معظم شعوب البلدان المعنية بهذه الأزمة تعيش فوق مستوى الإمكانات التي تسمح بها الظروف الاقتصادية في بلدانها، معظم هذه الشعوب باعت مستقبلها عبر القروض من المصارف والمؤسسات المالية، باعت مستقبلها على أجيال لصالح الحاضر. والآن طبعا يعني أنا أميز..

جمانة نمور (مقاطعة): يعني عفوا دعنا دكتور نود أن نتوقف مع فاصل الآن بعده نتساءل إلى أي مدى يمكن تعديل النظام الرأسمالي مع المحافظة على هويته؟ كونوا معنا بعد هذه الوقفة.



[فاصل إعلاني]

مستقبل الرأسمالية وإمكانيات تعديلها

جمانة نمور: أهلا بكم من جديد. وحلقتنا تناقش الدعوة الأوروبية لوضع أسس رأسمالية جديدة فيما يتعلق بالنظام الرأسمالي المالي. دكتور جواد العناني، بن ماسنتاير كتب في التايمز مقالا قال فيه بأن وول ستريت تغير إلى الأبد، العالم تغير. السؤال الذي يطرح نفسه، تغير إلى ماذا؟

جواد العناني: هذا سؤال ممتاز والحقيقة أن هذا السؤال سوف يبقى يقلق كثيرا من الاقتصاديين في العالم. أحب أن أنوه هنا إلى حقيقة بسيطة وهي أننا منذ نهاية القرن الماضي وعلماء الاقتصاد ينبهون إلى أن بعض الفرضيات الأساسية في النظرية الرأسمالية بحاجة إلى إعادة نظر كلية، فمثلا هنالك قضية المعلوماتية وتساوي المعلومات أو تماثلها بين البائع والمشتري، تبين أن هذا غير صحيح وأن السوق ليس تنافسيا إلى القدر الذي يقولونه لأن البائع يتمتع بقوة كبيرة على المشتري. النقطة الثانية التي أثيرت هي قضية الطاقة واستهلاك الطاقة والخلل البيئي الكبير الذي يجري في العالم وما إلى ذلك من ارتفاع درجات الحرارة وغيرها، هل كانت النظرية الرأسمالية مسببة في هذا الخلل الكبير؟ وأخيرا وليس آخرا أننا نستعمل ألفاظا مشابهة التي نستخدمها في الحديث عن الطاقة فنقول مثلا الغازات السامة المنبعثة، الآن نتكلم عن الأرصدة السامة الموجودة داخل المؤسسات المصرفية. لذلك تبين أن الخلل أولا في القطاع المصرفي والمالي وتبين هناك خلل أيضا في القطاع الإنتاجي الناجم عن المبالغة في الاستهلاك وهنالك أيضا التباين الكبير في عصر المعلومة بين المعلومة التي يتمتع بها المشتري والمعلومة التي يتمتع بها البائع. هذه الثلاثة تهز أسس أو الفرضيات الأساسية التي تقوم عليها فكرة الرأسمالية، لذلك فإن العالم بدأ يتساءل..

 

جمانة نمور (مقاطعة): إذاً هذا السؤال، يعني هناك من يقول هي نهاية الرأسمالية كما نعرفها، البعض يقول كلا ليست نهايتها والدليل بأن الرأسمالية استطاعت أن تتخطى أزمات عديدة وأن تعيد إنتاج نفسها أكثر من مرة في التاريخ. فالسؤال المطروح دكتور كمال الآن هل ستتتمكن هذه الرأسمالية العالمية المعولمة من إعادة إنتاج نفسها مرة جديدة أم أن هذا التدخل للدولة الآن فيما يتعلق بهذا النظام سوف يؤدي بالنهاية إلى شكل من أشكال تأميم الشركات؟ مثلا جون بلاندر أيضا في الأيكونوميست قال بأن علميات تأميم الشركات الأميركية عادت بهذا النظام إلى صلب الاشتراكية.

كمال حمدان: يعني أعتقد هناك مبالغات في هذه المسألة، ما هو في صدد الانتهاء الآن هو حقبة من الرأسمالية بالتأكيد، هذه الحقبة التي بدأت مع مطلع السبعينات من التاتشيرية إلى اقتصاد جانب العرض ship lay side economy إلى تحرير المبادلات إلى تحرير تجارة الخدمات إلى نظام عالمي للاستثمارات إلى معايير لكل حركة رأس المال المالي والاستثماري والتجاري، هذه الحقبة المتزامنة مع تقليص دور الدولة أعتقد هذه الحقبة انتهت، نحن الآن في مرحلة انتقالية نحو حقبة جديدة، لا أقول إن الرأسمالية سقطت، لا تزال هناك احتياطات كبرى لدى النظام الرأسمالي العالمي بحسب ما شهدناه خلال الثلاثمائة سنة الماضية يعني ثلاث أربع مرات تغيرت منظومة علاقة الدولة والسوق من أيامphysiocrat  إلى آدم سميث والكلاسيكيين إلى الكينيزيين ثم إلى هذا النسق من العولمة الراهن. والآن نشهد مرحلة جديدة أتوقع فيها أن تستمر لفترة هذه المرحلة الانتقالية يعاد فيها صياغة توازن جديد بين الدولة والسوق، يعني كأننا نعيد إلى تجديد الحقبة التي تلت الحرب العالمية خصوصا تلت أزمة 1929 مع الكينيزية. ماذا يحصل الآن؟ يوميا انهيار عشرات المؤسسات واندماج عشرات بل مئات المؤسسات، عم تنشأ تكتلات أكبر فأكبر وفي المقابل الدولة عم تسترد من عم يتساقط ويتهاوى للحد من الأزمة وتعيده عبر شكل من أشكال التأميم إلى النطاق العام، يا لسخرية القدر! في ذروة الترويج للنقل من العام إلى الخاص، الخصخصة، يتولى قلب النظام الرأسمالي أشكالا من التأميم لم نشهدها منذ عصور، إذاً نحن..

جمانة نمور (مقاطعة): إذاً نوع من التأميم للغرب الرأسمالي في حين أنه أيضا نسمع مفاهيم جديدة مثل الرأسمالية الشيوعية، ما يقوم به أيضا الشرق..

كمال حمدان (مقاطعا): لا، لا، أنا عندي تفسير آخر..

جمانة نمور (متابعة): على كل قبل أن.. يعني تحدثت عن..

كمال حمدان (مقاطعا): ست جمانة عندي بس تفسير آخر بس دقيقة اعطني..

جمانة نمور: بثوان دكتور.

التمركز الكبير الذي يحصل عبر الاندماجات ومقابله دور أكبر فأكبر للدولة خصوصا على صعيد الرقابة  سوف ينشأ عنه نوع جديد من الرأسمالية والدولة الاحتكارية التي تحدث عنها ماركس ووجدت قبل خمسين سنة وفي الحقبة الكينيزية
كمال حمدان: بثوان. يعني إذاً هذا التمركز الكبير اللي عم يحصل عبر الاندماجات ومقابله دور أكبر فأكبر للدولة خصوصا على صعيد الرقابة والتملك سوف ينشأ نوع جديد من رأسمالية الدولة الاحتكارية الذي قال بها ماركس والتي انوجدت قبل خمسين سنة وخلال الحقبة الكينيزية هناك اتجاه لإعادة تجديد هذا التوازن، الدولة والسوق عبر تكتلات أكبر فأكبر من قبل الدولة ومن قبل السوق.

جمانة نمور: لنر رأي الدكتور جواد في هذه النقطة، هل فعلا يعني يمكن أن يصل الموضوع إلى هذا الحد؟ أم أن يعني التوازن الجديد الذي أشار إليه الدكتور كمال ما بين الدولة والسوق هناك أيضا تغيير في موازين القوى أشار إليها جون غراي أيضا في الغارديان وهو من أهم مفكري الاقتصاد في عصرنا الحالي، جون غراي قال نحن أمام انتقال جيوسياسي تاريخي يتم فيه تغيير موازين القوى في العالم بصورة لا يمكن إرجاعها إلى ما كانت عليه، ولكنه أيضا يرفض الربط ما بين انهيارات في أميركا وانهيار الرأسمالية يقول الرأسمالية لن تنهار.

جواد العناني: أعتقد بأنه من المبكر جدا أن نتحدث عن انهيار الرأسمالية، هذا كلام مبكر جدا لأوانه وأعتقد أنا أن القضية الأساسية الكبرى هي أن أدوار وأهمية اللاعبين الأساسيين في العملية الرأسمالية وفي الدول الرأسمالية قد بدأت تتغير، يعني التصريحات التي أشرتم إليها من قبل رئيس الجمهورية الروسي وكذلك من قبل بعض المختصين في العالم هي صحيح تصف الغاية، أعتقد بأن هنالك بداية في تراجع الدور الأميركي وبروز قوى اقتصادية أخرى جديدة على العالم واحدة في أوروبا والثالثة كما يقول لنا روبرت مانديل الفائز بجائزة نوبل سنة 1999 ستكون في المحيط الباسيفيكي، ولذلك سنرى ربما تعدد الأقطاب، نظام تعدد الأقطاب في العالم. الدول التي كانت أصلا تتبنى النظم الاشتراكية الصرفة بدأت تتخلى عنها تدريجيا لأننا لاحظنا أيضا بأننا ما ورثنا هذا الوضع إلا بعدما أكدت لنا أن النظم التي كانت تتحكم فيها الدولة بالمقدرات الاقتصادية قد فشلت أيضا ولم توصلنا إلى حالة من الإنتاج الكافي، لذلك نحن نبحث الآن عن حل وسط، قضية تطاوح بندول الساعة ما بين جهة أخرى ثم انتقاله إلى الجهة المضادة كلية أعتقد بأننا يجب أن نسعى إلى أن نجد حلا متوازنا يوازي بين دور الدولة أو بين السياسة المالية وبين السياسة النقدية التي تعتمد على التحركات أو المتغيرات في سوق المال مثل حجم النقود وأسعار الفائدة وغيرها.

جمانة نمور: شكرا لك دكتور جواد العناني من عمان، ومن بيروت نشكر الدكتور كمال حمدان، ونشكركم مشاهدينا على متابعة حلقتنا لهذا اليوم من ما وراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم، نشكر لكم متابعتكم وإلى اللقاء.