- أسباب ودلالات التقارب الباكستاني الصيني
- مصالح الأطراف والانعكاسات على التوازن الإقليمي

جمانة نمور
جاويد مالك
عمرو حمزاوي
جمانة نمور: أهلا بكم. نتوقف في هذه الحلقة عند المساعدة النووية والمالية التي تعهدت الصين بتقديمها لباكستان من خلال اتفاقيات وقعت بينهما الأسبوع الماضي في خضم عجز مالي تواجهه إسلام آباد وبعد أيام قليلة من توقيع الهند اتفاقا نوويا مع الولايات المتحدة. نطرح في الحلقة سؤالين رئيسين، ما هي دلالات توقيع مثل هذه الاتفاقيات الحيوية بين الجانبين الصيني والباكستاني في هذا التوقيت؟ وكيف يمكن أن ينعكس هذا التعاون بين بيجين وإسلام آباد على نسق التحالفات في جنوب وشرق آسيا؟... الرئيس الباكستاني آصف زرداري سيزور الصين كل ثلاثة أشهر، هكذا أعلن وزير الخارجية الباكستاني أثناء تأكيده ما وصفه بالتعزيز الكبير في العلاقات مع الصين التي زارها زرداري الأسبوع الماضي. الزيارة شهدت إلى جانب ثمرات أخرى تعهدا صينيا بمد يد العون لسد عجز الموازنة الذي يخشى أن يتحول إلى أزمة مالية في باكستان خلال الأسابيع المقبلة، كما شهدت الزيارة أيضا موافقة الصين على بناء محطتي طاقة نووية في باكستان، هديتان قد تكون بيجين أرادت الإشارة من خلالهما إلى ما يعنيه التحالف معها في مقابل ما يعنيه التحالف مع منافستها واشنطن.

[تقرير مسجل]

إيمان رمضان: إنها صداقة أعلى من الهملايا وأعمق من المحيطات، هكذا قيم يوما الرئيس الباكستاني السابق برفيز مشرف العلاقات الصينية الباكستانية. انطلاقا من مرحلة تقارب في حقبة الستينيات تبلورت العلاقة بين البلدين لتصل اليوم إلى تحالف إستراتيجي متعدد الأهداف رفع قيمته كون باكستان تمثل اليوم نقطة التقاء في سباق وجود في الجنوب الآسيوي تتنافس فيه الصين والولايات المتحدة، ولعل الجغرافيا قد ساهمت قبل السياسة في رسم هذا المصير لباكستان التي تعد بالنسبة للصين بوابة العبور إلى منطقة القوقاز الغنية بالنفط وهي في الوقت ذاته همزة الوصل إلى أسواق غرب آسيا. ولما كانت الطاقة وتعطش دائم لدور سياسي منافس للدور الأميركي في المنطقة محددا رئيسيا في العلاقات الخارجية الصينية فقد انتهجت الصين دبلوماسية اقتصادية خاصة تجاه باكستان القريبة جغرافيا من نفط القوقاز ربطت البلدين برباط اقتصادي تفوق قيمته الملياري دولار، وقد انعكست متانة هذه العلاقة الاقتصادية في اتفاقية وقعها الطرفان مؤخرا تؤسس بموجبها الصين محطة نووية لباكستان إضافة إلى محطة أخرى شرعت في بنائها سابقا، هذا إلى جانب مساعدات مالية تنعش الاقتصاد الباكستاني في وقت تبدو فيه الصين في مأمن من أزمة اقتصادية عصفت بالولايات المتحدة، كما لا يمكن تجاهل حقيقة أن الصين بالنسبة لباكستان تعد المورد الأكبر للسلاح. إذاً هي علاقة إستراتيجية ضمن سياسة تحالفات تنتهجها الصين مؤخرا للرد على تحالفات مضادة تحرص الولايات المتحدة على إنشائها في آسيا ليس مع الهند فحسب بل مع باكستان أيضا وإن لم يحظ الأخير بزخم التحالف الهندي الأميركي، فالصين تسعى من خلال التحالف مع باكستان إلى خلق توازن إستراتيجي يضبط كفتي ميزان القوة في آسيا أو على الأقل يضعف النفوذ الهندي المنافس هناك من جهة والنفوذ الهندي الأميركي المشترك من جهة أخرى. أولوية صينية حددها تدرج في العلاقات الأميركية الهندية من شراكة إلى تحالف إستراتيجي يمنح الهند التي تشترك مع الصين بأطول حدود جغرافية في العالم امتيازات نووية خاصة لم يوفرها لباكستان تحالف مع الولايات المتحدة ضد ما يسمى الإرهاب، ذلك إلى جانب صعود اقتصادي سريع للهند سوف يجعلها في العقود الأربعة القادمة ثالث أكبر اقتصاد في العالم. طاقة، أمن، سلاح واقتصاد محددات ترى الصين فيها محفزا كافيا لتطويق الوجود الأميركي في جنوب آسيا ووقوفها عائقا في وجه تمدد هندي يخيفها باتجاه شرق القارة الآسيوية.



[نهاية التقرير المسجل]

أسباب ودلالات التقارب الباكستاني الصيني

جمانة نمور: ومعنا في هذه الحلقة من دبي جاويد مالك السفير بوزارة الخارجية الباكستانية، ومن بيروت الدكتور عمرو حمزاوي الباحث بمعهد كارنيغي للسلام العالمي، أهلا بكما. السيد السفير كيف نفهم هذا التوجه الباكستاني المتسارع نحو الصين؟

جاويد مالك: أنا لا أستطيع القول إن هذا اتجاه جديد فإن العلاقة بين باكستان والصين عمرها أكثر من 57 عاما، في الحقيقة إن العلاقة التي تتمتع بها باكستان مع الصين تسمى صداقة اختبرها الزمن وحتى تسمى صداقة هي أعلى من قمم الهملايا، لذلك هذا ليس بالتغيير الجديد في العلاقة مع الصين، لطالما كانت قوية جدا وبالتأكيد إن باكستان بلد حليف للولايات المتحدة غير عضو في الناتو وبالتالي هذا ليس بالتغيير أو علاقة جديدة بل هو إعادة تعريف للعلاقات وهذه كانت ممارسة معروفة لدى كل رؤساء الحكومات والدول هو أنه عندما تأتي حكومة جديدة للحكم في باكستان فغالبا ما تكون أول زيارة لهم تكون أولا للحج في مكة ثم بعد ذلك زيارة للصين أو لأميركا، هذا شيء اعتيادي في العلاقات الثنائية. ما هو مهم في جميع الأحوال هنا هو أن هذه العلاقة قد تعززت أكثر عن طريق الحكومة الديمقراطية وأن زيارة الرئيس زرداري اعتبرت على أنها زيارة تاريخية وكبيرة وقد جرى فيها التوقيع على أكثر من 14 اتفاقية بين البلدين تتراوح بين التعاون الاقتصادي والتجارة وإلى جميع أنواع التعاون والشراكة الإستراتيجية الموجودة بين باكستان والصين. ولكن ما يركز عليه الضوء حاليا هو جانب الاتفاقية الخاصة بمحطات الكهرباء النووية الاثنتين وهي تتعلق لمواجهة أزمة الطاقة الموجودة في باكستان فباكستان بحاجة إلى المزيد من الطاقة لمواجهة احتياجاتها نتيجة ازدياد عدد السكان وزيادة الإنتاج المطلوب لتغذية هؤلاء السكان، إذاً من الطبيعي أن احتياجات باكستان يجب مواجهتها وتلبيتها، طبعا هذا يمثل صعوبة لنا في مجال الطاقة وبالتالي نحن بحاجة لمثل هذه الاتفاقات للطاقة النووية السلمية لتلبية احتياجاتنا في مجال الطاقة، كما أن هناك الاتفاقية أخرى وبالتالي تستطيع أن تعدد أكثر من ساعة عن الصداقة بين البلدين..

جمانة نمور (مقاطعة): مع الأسف ليس لدينا ساعة حتى. إذاً هناك الحاجة إلى الطاقة هناك أيضا موضوع الأزمة المالية والمساعدات الاقتصادية التي وعدت الصين بها باكستان. إذاً دكتور عمرو حمزاوي، في المقابل الولايات المتحدة تكاد تحصر علاقتها بباكستان في موضوع الوظيفة الأمنية أو ما أصبح يتعارف عليه بالشرطي هناك، إذاً هل هي نتيجة طبيعية عودة الصين إلى هذا التحالف الإستراتيجي التقليدي.. عودة باكستان إلى التحالف الإستراتيجي التقليدي مع الصين؟

باكستان عملت دائما على أن تقوي علاقتها بالولايات المتحدة الأميركية في سياق المنافسة مع الهند والبحث عن توازن إستراتيجي
عمرو حمزاوي:
العلاقة الخاصة بين الصين وباكستان لم تنقطع حتى في اللحظات التي كانت فيها العلاقة الباكستانية الأميركية أقوى فيما يتعلق بالرابطة الإستراتيجية مما هو عليه الحال الآن، باكستان عملت دائما على أن تقوي علاقتها بالولايات المتحدة الأميركية في سياق المنافسة مع الهند والبحث عن توازن إستراتيجي هناك وأيضا تقوي علاقتها بالصين وروابطها الاقتصادية والإستراتيجية والتجارية والعسكرية بالصين أملا في موازنة قوة الهند الطاغية وأملا أيضا خاصة في لحظات تعثر العلاقات الباكستانية الأميركية في أن يكون هناك حليف آخر لباكستان بجانب الولايات المتحدة الأميركية. الهام وأعتقد هنا مغزى هذه الزيارة ومغزى الاتفاقات التي تم التوقيع علهيا أن هناك مصلحة صينية واضحة في استغلال تعثر أو تأزم العلاقات الأميركية الباكستانية في توسيع وتقوية الروابط الإستراتيجية بين الصين وباكستان، العرض الصيني السخي بتقديم مساعدات مالية لباكستان يأتي في لحظة لا تملك الولايات المتحدة الأميركية بها أن تقدم مساعدة مماثلة لباكستان سواء للتعثر المالي داخل الولايات المتحدة الميركية أو لأن إجراءات الموافقة على مثل هذه المعونة أو المساعدة من الجانب الأميركي تمر بمحطات ديمقراطية كثيرة، موافقة الكونغرس، الرأي العام الأميركي وهذه أمور بتغيب في الحالة الصينية. الأمر الآخر، هناك مصلحة صينية واضحة في تقوية الرابطة الإستراتيجية مع باكستان في سياق المنافسة الصينية الهندية وهي منافسة ليست منافسة اقتصادية فقط ولكنها منافسة جيوإستراتيجية والهند في لحظة روابطها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة تزداد، الاتفاق الأخير اتفاق له مغزى كبير وهو لا يقتصر على الطاقة النووية فقط هو اتفاق إستراتيجي شامل بيضع الهند في مصاف الحليف الإستراتيجي للولايات المتحدة شأنها في ذلك شأن إسرائيل، الدول الأعضاء في منظومة حلف الناتو والآن بتنضم إليهم الهند، فهناك مصلحة صينية في استغلال هذه اللحظة لتقوية الروابط مع باكستان. باكستان بتستفيد من جهة أخرى في جملة واحدة بأنها في اللحظة التي تخشى فيها من توتر العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية وأن تكون الولايات المتحدة أكثر تركيزا إستراتيجيا على العلاقة مع الهند، في هذه اللحظة التي تخشى بها باكستان من سوء العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية أو احتمالية أن تسوء بلتجأ إلى الصين وترى فيها حليفا إستراتيجيا رئيسيا في ذات المنطقة.

جمانة نمور: تحدثنا قبل قليل عن أنه لم يكن هناك طلاق، العلاقة مع الصين كانت أساسية واستمرت رغم التحالف ما بعد أحداث 11 سبتمبر مع الولايات المتحدة الأميركية، لكن دكتور عمرو، في مقابل ذلك احتمال الطلاق مع الولايات المتحدة الأميركية هل هو وارد؟

عمرو حمزاوي: ليس بوارد لأن المصلحة الأميركية خلال السنوات القادمة ستستدعي بكل تأكيد الحفاظ على علاقة قوية ولكن كما أشرت جمانة بالفعل هي علاقة تم اختزالها في المكون الأمني وبالتالي هو أمر له مغزى أن الولايات المتحدة الأميركية عندما تنظر إلى باكستان، حلفاء الولايات المتحدة داخل المنظومة الباكستانية هم في المقام الأول المؤسسة العسكرية ثم النخبة السياسية الحاكمة الآن في باكستان، الولايات المتحدة اختزلت العلاقة في مكونها الأمني وهذا أمر لا يرقى إلى مستوى التوقعات والمطالب الباكستانية، باكستان بتبحث عن دور إقليمي تريد أن تهيئ لها العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة مساحات للحركة إقليميا ومساحة من الاستقرار داخل باكستان، إن لم يتوفر هذا بتلجأ باكستان إلى تنويع منظومة وخرائط تحالفاتها الإقليمية، ذهب الرئيس الباكستاني منذ أيام قليلة إلى إيران في زيارة لافتة، بيذهب اليوم إلى الصين وبيوقع أيضا على اتفاقيات ذات شأن، هو تنويع لخريطة التحالفات ولكن ليس باستبدال للعلاقة الباكستانية الأميركية.

جمانة نمور: على كل خريطة التحالفات هي ما سوف نحاول التركيز عليه ونحاول أن نسبر أغوار الانعكاسات المحتملة للتعاون الباكستاني الصيني على تلك التوازنات الإستراتيجية في المنطقة، كونوا معنا بعد هذه الوقفة.



[فاصل إعلاني]

مصالح الأطراف والانعكاسات على التوازن الإقليمي

جمانة نمور: أهلا بكم من جديد في حلقتنا التي تناقش الاتفاقيات النووية والاقتصادية بين الصين وباكستان وانعكاساتها الإستراتيجية على المنطقة. السيد السفير جاويد مالك، دكتور عمرو حمزاوي قبل قليل قرأ هذه الاتفاقات الاتجاه الباكستاني ربطه بالتفاهم الإستراتيجي الباكستاني مع إيران وقال إنه مؤشر لتغيير في خريطة التحالفات في المنطقة، ما رأيك؟

باكستان وعلاقتها مع الصين ومع أميركا ومع الهند مستقلة ولا علاقة لها بهذه الدول الثلاث
جاويد مالك:
أنا كنت أحاول القول إني سمعت ما قاله ضيفكم الآخر صديقي. هو أن باكستان وعلاقتها مع الصين ومع أميركا ومع الهند مستقلة ولا علاقة لها بهذه الدول الثلاثة، أود أن أذكركم في هذه اللحظة التي نتحدث فيها والوقت الذي أنهى فيه الرئيس الباكستاني زيارته للصين علينا أن نتذكر أن مستشار الأمن القومي موجود حاليا في الهند لحل جميع النزاعات القائمة مع الهند وبالتالي نحن نريد علاقات جيدة مع جميع دول المنطقة وإن مستشار الأمن القومي الباكستاني يجري مفاوضات مع نظرائه الهنود لحل كل النزاعات والخلافات بين البلدين. أما فيما يتعلق بالولايات المتحدة لا أعتقد أن هناك أي توتر في العلاقات بين الولايات المتحدة وباكستان، السيد فاوتشر حاليا يقوم بزيارة لباكستان ويجري لقاءات والولايات المتحدة وقعت اتفاقية لتقديم غواصات لباكستان وبالتالي علاقاتنا في المنطقة ليست محصورة مع دول المنطقة فحسب بل مع أميركا وإيران والهند والصين كل هذه العلاقات كل منها فيها حيويتها وأبعادها الخاصة بها وفي هذه الأبعاد تحافظ باكستان على سياستها الخارجية، الشيء الوحيد الثابت هو المصلحة الوطنية وكل ما عدا ذلك يدور حول المصلحة الوطنية. وأميل إلى عدم الاتفاق مع ضيفكم..

جمانة نمور (مقاطعة): عفوا السيد السفير، أين هي المصلحة الوطنية الباكستانية الآن؟ أشرت إلى زيارة باوتشر، يعني كان واضحا بأن زيارته غلب عليها الطابع الأمني فقط في باكستان، حتى لقاءاته عقدها مع مسؤولين أمنيين، في المقابل السفير الباكستاني في الصين تحدث عن أن الصين طمأنت باكستان على أنها ستساعدها على الخروج من الأزمة الاقتصادية، هناك تقارير تحدثت عن أن زرداري طلب أكثر من ثلاثة مليارات دولار من الصين أثناء زيارته إليها. إذاً من خلال هذا الوضع أيهما أهم بالنسبة إلى (الصين)؟ وكيف يمكن أن نتخيل المستقبل القريب؟

جاويد مالك: إن كل من الجانب الأمني والاقتصادي مهمان بنفس القدر، عندما نتحدث عن المخاوف الاقتصادية هناك مجموعة أصدقاء باكستان ظهرت في الولايات المتحدة على هامش اجتماعات الجمعية العامة في الأمم المتحدة وفي هذه المجموعة تلعب الولايات المتحدة دورا مهما فقد استضافت مع بريطانيا وباكستان والصين هذه المجموعة وبالتالي فعلاقات باكستان والولايات المتحدة جيدة كما كانت. والمخاوف الاقتصادية نعم كما قلت هناك مخاوف وقلق فيما يتعلق بموافقة الكونغرس على المساعدات لباكستان لكن حكومة باكستان أوضحت لمجموعة أصدقاء باكستان تسعى للحصول على دعم من كل الدول المهتمة بباكستان. أما في الجانب الأمني نعم الأمن يسير جنبا إلى جنب مع جميع القضايا المالية وغيرها ولكن لا ينبغي النظر إلى الأمن بحالة منعزلة فالدول والعلاقات تعيش على عدة مسارات وجميع المسارات تمضي قدما لذلك أختلف معكم عندما تقولون إن هناك توترا، ليس هناك توتر، علاقاتنا جيدة وإن باكستان لديها بعد دولي في سياستها الخارجية وإقليمي لسياستها الخارجية ويجب عدم الخلط بينهما.

جمانة نمور: دكتور عمرو، أيام الحرب الباردة الهند حينها كانت نجحت في أن تمسك العصا من الوسط فيما يتعلق بعلاقتها مع الاتحاد السوفياتي في ذلك الوقت من جهة ومع الولايات المتحدة من جهة أخرى. هل ستنجح (الصين) في إمساك هذه العصا من الوسط الآن بالنسبة لعلاقتها مع الصين والولايات المتحدة رغم تنافسهما على النفوذ في المنطقة؟

عمرو حمزاوي: أنا أريد أن أذكر بداية بأن هناك تاريخ من التوتر في العلاقة الأميركية الباكستانية وعلى السيد المتحدث من الإمارات أن لا يتجاهله، هناك سلسلة من الانتقادات المتتالية وجهتها إدارة بوش للنظام السابق لنظام الرئيس مشرف وهناك سلسلة من الانتقادات المتتالية حتى اليوم التي يوجهها الكونغرس الأميركي إلى مجمل ما يحدث داخل باكستان، وهناك في واقع الأمر مشروطية فرضت على المعونة التي تقدمها الولايات المتحدة الأميركية لباكستان ربطت ذلك بسلسلة من الشروط تتعلق بالملف الأمني وملفات أخرى. أنا أريد أن أقول إنه من الطبيعي في هذه اللحظة وبها توتر في العلاقة الأميركية الباكستانية أن تسعى باكستان إلى تنويع خريطة تحالفاتها الإقليمية. هل ستنجح في أن تمسك العصا من المنتصف؟ نعم، لأن باكستان لها أهمية كبرى في هذه اللحظة سواء نظرنا إلى الموقع الجيوإستراتيجي لباكستان وقربها ومتاخمتها للهند، علاقتها الخاصة بالصين، دورها الرئيسي في أفغانستان، هذه منطقة من المناطق الرئيسية غير المستقرة في العالم بحكم توترات الحالة الأفغانية وأيضا بحكم الملفات الإيرانية المختلفة، باكستان لها دور هام ومن المصلحة الأميركية والصينية كل منهما يريد أن يقوي علاقته بباكستان ومن الطبيعي أن تعمل باكستان على الاستفادة القصوى من هذا التكالب عليها من جانب القوى الأخرى. الأمر الآخر وأنت أشرت إلى مسألة كيف يمكن فهم ما يحدث الآن في هذه اللحظة، هناك نسق عالمي يتبلور أمامنا وعلينا أيضا أن نفكر به، هذا النسق بيقوم على محاولة للوثوب من جانب القوى الكبرى كروسيا، كالصين، بل الاتحاد الأوروبي على مساحات نفوذ أميركية استعصت على هذه الدول في السابق أن تتدخل بإدارتها أو أن تلعب بها أدوارا هامة، هناك الآن لحظة بتحاول بها هذه الدول أن تلعب أدوارا متزايدة سواء كنا نتحدث عن مساحات إقليمية مختلفة، روسيا في جوارها المباشر، روسيا في آسيا الوسطى، أو الصين في جوارها المباشر في منطقة جنوب شرق آسيا ولكن أيضا للاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بالمرتكزات المالية للنظام الاقتصادي العالمي يعني هناك معارضة أوروبية تبلورت..

جمانة نمور (مقاطعة): إذاً يعني هي محاولة لشق الطريق نحو التعددية القطبية التي برزت الآن كأحد حقائق ما بعد أميركا كما يعبر عن ذلك المفكر الأميركي الآسيوي الأصل فريد زكريا؟

عمرو حمزاوي: هي ترجمة مباشرة للحظة التعددية القادمة، هي الإرهاصات الأولى للحظة التعددية القادمة ومثل هذه اللحظات بتشهد سيولة كبيرة في منظومة العلاقات الدولية سواء كنا نتحدث عن إقليم بعينه أو نتحدث عن المنظومة العالمية للعلاقات الدولية، لحظة السيولة هذه ستستمر معنا لفترة ومن الطبيعي أن تلجأ قوى كبرى كالصين وروسيا إلى أن تستفيد من هذه اللحظة ومن تعثر الولايات المتحدة الأميركية.

جمانة نمور: إذاً يعني سيد جاويد، بعد التداعيات الداخلية التي انعكست على الرئيس برفيز مشرف وعلى الوضع الداخلي في باكستان نتيجة العلاقات مع الولايات المتحدة كما يرى بعض المحللين، وبعد الانهيار في النظام المالي وما تشهده الولايات المتحدة من أزمة مالية، هل فعلا هذه العوامل لعبت دورا أساسا في التوجهات الباكستانية أو ما أسميته أنت بإعادة تعريف العلاقات؟

جاويد مالك: بالتأكيد إن أي خطوات تتخذها الحكومة لا بد أن تأخذ بنظر الاعتبار السيناريو والوضع العالمي في القطاع المالي وكذلك في المخاوف الأخرى التي لدى باكستان، وكما قلت الشيء الوحيد الذي يبقى ثابتا هو المصالح الوطنية لباكستان وكل شيء آخر يدور حول ذلك. ولكن أود القول إن العلاقة مع الصين ليس فيها أي شيء جديد ليس فيها أي إعادة تعريف وكما قال المترجم ذلك إن هذه العلاقة علاقة قوية جدا وطويلة تعود إلى 57 عاما. إن إحدى الخلافات التي أريد أن أوضحها في طريقة رؤية الناس لهذه العلاقة هي أن بعض الناس الباكستانيين يخشون إن العلاقات مع أميركا مهمة جدا ولكن ربما ينظر أحيانا إلى أن أميركا تؤثر على السياسة الداخلية الباكستانية في حين مع الصين العلاقة دائما كانت بين الحكومتين بصرف النظر إذا كانت هناك ديمقراطية أم لا أو كانت ديكتاتورية في باكستان، الدولتان تعملان سوية دائما. ما هو مهم هو البعد الاقتصادي في العلاقات فبينما هناك مخاوف أمنية وهناك مجالات أخرى فإن واحدا من أهم الأشياء التي لا ينبغي أن ننساها هي التأثيرات الاقتصادية فالصين والهند سوقان كبيران جدا وبالتالي فإن تعاون باكستان مع الصين لتطوير تجارتها ووضع أبنائها وأبناء شعبها وبالتالي رغم أننا نؤكد أهمية الجانب الأمني ينبغي أن لا ننسى الجوانب الاقتصادية..

جمانة نمور (مقاطعة): هذا بالنسبة إلى باكستان، الصين في المقابل علام ستحصل؟ مثلا هل ستكون باكستان بوابتها للحصول على النفط القوقازي مثلا؟

جاويد مالك: لا أفهم بالضبط لماذا تشعرون بأنه إذا أرادت الصين أن تكون لديها علاقات جيدة مع باكستان فلا بد أن هناك بعض الدوافع الداخلية؟ ليس هناك أي دوافع داخلية، نعم هناك تعاون هناك موضوع خط الغاز وهناك نفط القوقاز وهناك أيضا قضايا أخرى هناك عدة مسارات مختلفة في مساراتنا، كما أن الصين وباكستان تعملان على توسيع نشاطاتهما وهذا طبعا يهم وأيضا مفيد شيئا ليس فقط للصين وباكستان بل للمنطقة برمتها.

جمانة نمور: كلمة أخيرة دكتور عمرو، باختصار.

عمرو حمزاوي: أعتقد أن السؤال مشروع حول المصلحة الصينية وأنا أقول إن النسق الأهم لفهم المصلحة الصينية هو أن نفكر في تغيرات المنظومة العالمية ورغبة الصين في توسيع مساحات نفوذها، هناك مصلحة صينية أيضا مباشرة في علاقات اقتصادي وتجارية وتبادل تكنولوجي مع باكستان كل هذا بيرفع من أسهم الصين في منطقة الجوار المباشر وبيجعلها طرفا مرغوبا به من جانب الدول الأخرى الخارجة أو البعيدة نسبيا عن المنظومة الأميركية.

جمانة نمور: من بيروت شكرا لك الدكتور عمرو حمزاوي الباحث في معهد كارنيغي للسلام العالمي، ومن دبي نشكر السيد جاويد مالك السفير بوزارة الخارجية الباكستانية. وبالتأكيد نشكركم على متابعة هذه الحلقة من ما وراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم. تعليقاتكم واقتراحاتكم ننتظرها على موقعنا الإلكتروني indepth@aljazeera.net

أما غدا إن شاء الله فقراءة جديدة في ما وراء خبر جديد، إلى اللقاء.