- اجتماع الأحزاب الشيوعية في أثينا
- أسباب التراجع وإمكانيات الحِراك

- الانتشار الاجتماعي وشروط العودة الجيدة


علي الظفيري: في حلقة اليوم، وضع الأحزاب الشيوعية في العالم العربي ومستقبلها السياسي، على ضوء اجتماعٍ للأحزاب الشيوعية في أثينا. نطرح في الحلقة تساؤلاً رئيسياً، لماذا تراجَع دور الأحزاب الشيوعية في العالم العربي؟ وهل تملك القدرة على إعادة تجديد فكرها؟... عقد 14 حزباً شيوعياً من الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط اجتماعاً في العاصمة اليونانية أثينا، لمناقشة الوضع في العراق ولبنان والأراضي الفلسطينية. ونقلت صحيفة الحزب الشيوعي اليوناني عن أمينته العامة أليكا باباريغا، أن الاجتماع تقرّر بسبب المنافسة المتزايدة بين الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، مضيفةً أن ما يُسمى دمقرطة الشرق الأوسط التي تجري بالقوة وبأشكالٍ أخرى من التدخل تحت ستار حماية المنطقة، تهدف إلى تسهيل دخول الشركات متعددة الجنسيات إليها. ومعي في هذه الحلقة من عمّان الدكتور منير حمارنة الأمين العام للحزب الشيوعي الأردني، ومن القاهرة الدكتور وحيد عبد المجيد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. مرحباً بكما، وقبل أن نبدأ النقاش نعرض في التقرير التالي حال الأحزاب الشيوعية العربية، وهي مسألةٌ تتردّد في الأروقة السياسية العربية. هذه الأحزاب تمرّ بمنعرجاتٍ مهمة اعتادت الأسرة الشيوعية الفعل فيها بأكثر من مجرّد إصدار البيانات وها هي اليوم تشهد تراجعاً دراماتيكياً تجسّد في فقدانها العمق الجماهيري الذي كثيراً ما تباهت به الأحزاب الشيوعية في سنوات مجدها.

[تقرير مسجّل]

نبيل الريحاني: تراجعوا يوم سقط الاتحاد السوفياتي، هذا ما يقوله كثيرون عن الوضع الذي آلت إليه الأحزاب الشيوعية العربية. أفل نجمهم وولّى زمنٌ كانوا فيه سادة الساحتين السياسية والاجتماعية، يقودون فيهما نضال العمال والفلاحين من أجل واقعٍ أفضل. صورةٌ سلبيةٌ تؤكّدها صناديق الاقتراع التي سجّلت للشيوعيين حركةً يتعذّر وصفها بالتقدّم نحو الأمام، ذلك الشعار الذي كثيراً ما رفعته الحركات الثورية اليسارية. في الأسباب قراءاتٌ وقراءات يُشير كثيرٌ منها إلى حالة اليُتم التي أصابت تلك الأحزاب، منذ أن قضى الاتحاد السوفياتي نحبه وهو في عزّ المعركة مع الإمبريالية. ما عادت الساحة الحمراء قبلة الشيوعيين العرب، الذين قِيل في تبعيّتهم في موسكو، أنه إذا أمطرت فوق الكرملين فتح هؤلاء مطرياتهم في العواصم العربية. هذا إضافةً إلى فشلهم في التجذّر داخل بيئاتٍ عربيةٍ محافظة اختزلت البديل الشيوعي في مسألة الإلحاد. تراجع البريق الأيديولوجي لتتقدّم أطروحاتٌ يعتبرها الماركسيون عائقاً بين البشرية وبلوغ الفردوس الشيوعي حيث لا دولة ولا ظلم ولا تطاحن اجتماعي. ومع الواقع الجديد برزت مراجعاتٌ، بعضها في النظرية وبعضها الآخر في التطبيق، ذهبت فيها الاختلافات بالشيوعيين طرائق شتّى بين أرثوذكسيٍّ وتجديدي. تعدّدت الأسماء وتبدّل بعضها، غير أن الحال بقيت على حالها، فالشيوعيون العرب شأن أغلب رفاقهم في أصقاع العالم، باتوا يكافحون من أجل البقاء، بقاءٌ يراه البعض ضرورةً لإعادة التوازن والزّخم لجدلٍ فكريٍّ سياسيٍّ عربي، واكب الشيوعيون كثيراً من تحوّلاته وصنعوا البعض منها، وها هم اليوم يجتمعون بغيرهم بحثاً عن بدايةٍ جديدة. فهل تكون الخطوة حشرجة موتٍ أم هو مخاض ميلادٍ جديد؟

[نهاية التقرير المسجّل]

اجتماع الأحزاب الشيوعية في أثينا

علي الظفيري: إذاً سقوط اللون الأحمر وتراجع الأحزاب الشيوعية، دور الأحزاب الشيوعية بشكلٍ عام في العالم، وكذلك على وجه الخصوص في الساحة العربية. أرحّب بضيفيّ الدكتور منير والدكتور أيضاً وحيد من القاهرة. دكتور حمارنة في عمّان، نتساءل ما الذي دعا الآن إلى عقد هذا الاجتماع بين الأحزاب الشيوعية؟ وفي أثينا، اليونان تحديداً؟

"
الأحزاب الشيوعية العربية تعقد اجتماعاتها بهدف تبادل وجهات النظر حول القضايا التي تجري في المنطقة، خاصة أن المنطقة تتركز حولها الأنظار بسبب أهميتها إستراتيجياً وأهميتها في قضايا الطاقة
"
منير حمارنة

منير حمارنة: شكراً على السؤال. الحقيقة هذا ليس الاجتماع الأول، وليس الاجتماع الأول في اليونان وفي غيرها، يعني عُقد عدّة اجتماعات للأحزاب الشيوعية العربية والأحزاب الشيوعية في المنطقة وفي شرق البحر الأبيض المتوسط في أكثر من محل وخلال عدّة السنوات الأخيرة. سبب عقد هذا الاجتماع وغيره من الاجتماعات هو لتبادل وجهات النظر حول القضايا التي تجري في المنطقة، لأنه يوجد في المنطقة قضايا ساخنة كثيرة متعددة. المنطقة إحدى أهم المناطق في العالم الآن التي تتركّز حولها الأنظار لأسباب كثيرة، ومن بين هذه الأسباب، بجانب القضايا السياسية الملتهبة، أهمية المنطقة استراتيجياً وأهميتها في قضايا الطاقة، وأهميتها على برامج الدول الإمبريالية في السياسة الدولية. لذلك هذه هي الأسباب الرئيسية التي دعت وتدعو وستدعو إلى عقد هذا الاجتماع وغيره من الاجتماعات.

علي الظفيري: لكن ليس من جديد في اللغة التي طُرحت في الاجتماع، التي تُطرح في هذا الاجتماع، وكذلك القضايا التي تدعو إلى مثل هذه الاجتماعات. هل نتوقّع عملاً حقيقياً؟ أم كما ذكرت هو فقط في إطار تبادل وجهات النظر الذي لا يتجاوز حدود مكان عقد الاجتماع؟

منير حمارنة: الحقيقة هذا الموضوع الذي تتفضّل حضرتك تسأل عليه، موضوع أنت لست الأول الذي تسأل عنه ولن يكون الأخير. حركة التحرر العربي مرّت في حالة تراجع، انتكاس منذ 1967 إلى الآن، مرّت في حالات هبوط وصعود وإلى آخره، ثم جاءت مرحلة غياب الاتحاد السوفياتي وتبدّل ميزان القوى في العالم، والعديد من حركات التحرر ومن الأحزاب السياسية، ليس الشيوعية فقط وغير الشيوعية، حتى في بلداننا العربية هناك قوى كانت معادية للاتحاد السوفياتي، مناوئة له، شعرت بأن مكانها تخلخل في غياب الاتحاد السوفياتي. لذلك بدأت الرأسمالية العالمية، تحت حكم شعارات العولمة الرأسمالية، تبحث في كيف تثبّت القطبية الأحادية الأمريكية واتّخذت خطوات كبيرة جداً بعد غياب الاتحاد السوفياتي، وكانت تعتقد أن المناخ أصبح مؤاتٍ لها، ولذلك خاضت أمريكا حروب، ما بدّي أسمّيها حروب ولكن صراعات حادّة مع أقرب حلفائها لتثبيت دورها وقطبيتها الأحادية، وقاد المحافظون الجدد في داخل الإدارة الأمريكية عدّة سياسات منها العدوان على العراق واحتلاله، منها العدوان على أكثر من مكان، وإلى آخره. وبالتالي في ظل مثل هذه السياسات أصبح هناك حِراك سياسي كبير. هل صحيح أن المناخ الآن أصبح لمصلحة القطبية الأحادية الأمريكية أم لا؟ في العالم كله الآن فيه حِراك ضد السياسة الأمريكية، ومن جملة هذا الحِراك، حِراك القوى التقدّمية واليسارية والشيوعية في مختلف أنحاء العالم، بأنه ما اعتُقد أنه انتكاس وأن الماركسية والفكر التقدّمي انتهى وإلى الأبد، هذه ليست حقيقة وبالتالي فيه هناك نهوض ضد هذا. هذا النهوض يمسّ قوى في بلادنا وفي كل بلدان العالم.

أسباب التراجع وإمكانيات الحِراك

علي الظفيري: نعم دكتور. دكتور وحيد في القاهرة، في ظل هذا الصراع الكبير وفي ظل هذا الحِراك العالمي تجاه أحادية القطبية وتجاه سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية والرأسمالية بشكلٍ عام، وفي ظل أيضاً سقوط الاتحاد السوفياتي الراعي الرسمي والأكبر لهذه الأحزاب الشيوعية والتوجّهات الشيوعية في العالم. هل يمكن أن يُعوّل على أي حِراك الآن لهذه الأحزاب الشيوعية، خاصةً في المنطقة العربية، في منطقة الشرق الأوسط بشكلٍ عام؟ أم أنه مجرّد محاولة للإبقاء على إرثٍ ما؟

"
أزمة الأحزاب الشيوعية واليسارية عموماً في العالم العربي وفي عديد من مناطق العالم ليست متعلقة بالتحولات العالمية وإنما تعود إلى ما يُسمى الظرف الذاتي
"
وحيد عبد المجيد

وحيد عبد المجيد: لأ، هو في الحقيقة أزمة الأحزاب الشيوعية واليسارية عموماً في العالم العربي وفي عديد من مناطق العالم ليست متعلقة بالتحولات العالمية ولا بطبيعة النظام العالمي الراهن في المقام الأول، وإنما هي راجعة إلى ما يُسمى الظرف الذاتي. الظرف الذاتي لهذه الأحزاب والقوى منذ ما قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، يعني هذه الأحزاب كانت تعاني من أزمات كبيرة اعتباراً من ستّينات وسبعينات القرن الماضي، أي فترةٍ ليست قصيرة من انهيار الاتحاد السوفياتي، بعد أن كانت قد صعدت وملأت المسرح السياسي والاجتماعي في أربعينات وخمسينات القرن نفسه، تعرّضت... في تلك المرحلة كان المؤثّر العالمي كان مهماً، لكن أيضاً كانت مشكلة هذه الأحزاب هي في الجمود الفكري من ناحية وفي التشتّت التنظيمي من ناحيةٍ أخرى، وما زالت هاتان المشكلتان هما العائق الرئيسي أمام استعادة هذه الأحزاب دورها ومكانها، بالرغم من أن الواقع الاجتماعي العربي يساعد على ذلك. يعني هناك ظرف موضوعي مواتي تماماً لإعادة إحياء هذه الأحزاب، لأن مستوى الظلم الاجتماعي في بلادنا العربية في هذه المرحلة هو في الحقيقة غير مسبوق على الإطلاق، بما في ذلك في المرحلة التي صعدت فيها هذه الأحزاب وكان لها شأن في أربعينات وخمسينات القرن الماضي. لكن هذه الأحزاب واليسار عموماً، اليسار العربي عموماً، عاجز عن استثمار هذا الظرف الموضوعي، لأنه كلما ازداد الظلم الاجتماعي ازدادات الحاجة موضوعياً إلى اليسار، لكن الظرف الذاتي لليسار لا يساعده على ذلك. لم يحدث أي تجديد يُذكر في الأفكار وفي النظريات وفي البرامج، حدث تجديد فقط في الأسماء في بعض هذه الأحزاب وفي بعض الشعارات، لكن الأفكار الأساسية والقدرة على التنظير بما يتواءم مع التطور الذي يحدث في المجتمعات وفي العالم أيضاً ضعيفة للغاية، هناك أيضاً تشتّت تنظيمي غير معقول، في مصر الآن عشرات التجمعات والمجموعات والمنظمات الصغيرة التي لا يتجاوز عدد... والمنابر أيضاً التي لا تعمل بشكل تنظيمي، التي لا يتجاوز عدد المنضمين إلى بعضها 20 أو 30 شخصاً، هذا التشتّت يقترن بنوع من الصراع فيما بينها، صراع وهمي في معظمه، في الوقت الذي لم يقدّم أيٌّ من هذه المجموعات شيئاً جديداً يُذكر فيما يتعلّق بالأفكار على مستوى المجتمع. هناك مشكلات جديدة تحتاج إلى معالجة، هناك تغيّر في الواقع الاجتماعي، على سبيل المثال الطبقة العاملة الصناعية التي كانت هي الأساس الاجتماعي الرئيسي للأحزاب الشيوعية واليسارية، هذه الطبقة العاملة الصناعية تقلّصت كثيراً لمصلحة فئات عمّالية جديدة تعمل في الخدمات، تعلم أن الاقتصاد العالمي كله تغيّر واقتصاديات بلادنا العربية أيضاً تغيّرت، وما يُسمى بالاقتصاد الجديد القائم على الخدمات وعلى التكنولوجيا الجديدة يطغى الآن على الاقتصاد القديم الذي أنتج الطبقة العاملة، البروليتاريا التي ارتبطت بها الأحزاب الشيوعية واليسارية. لم يحدث تنظير يُذكر في هذا المجال، كيفية التعامل مع هذه الفئات الاجتماعية الجديدة وهي فئات لها سمات اجتماعية وطبقيّة مختلفة، جزئياً على الأقل، عن الطبقة العاملة الصناعية، لم يحدث تطوّر في هذا المجال. أيضاً فيما يتعلّق بالوضع العالمي، هناك اعتقاد لدى معظم الأحزاب الشيوعية واليسارية في أن العولمة ما هي إلا إمبريالية في شكلٍ جديد، وهذا غير صحيح في الحقيقة لأنه لم يحدث تنظير جدّي ومتكامل وكافي لظاهرة العولمة لإدراك الفروق بينها وبين الإمبريالية أو التطور الذي حدث فيما كان يُسمى بالإمبريالية في هذه المرحلة. فهناك في الحقيقة مشكلة ذاتية كبيرة جداً بالرغم من أن الواقع الموضوعي، في اعتقادي، يساعد على إعادة إحياء هذه الأحزاب لو أنها استطاعت أن تمتلك القدرة على التنظير وطرح أفكار جديدة.

علي الظفيري: شكراً لك دكتور، يعني طرحت عدة نقاط مهمة. دكتور منير حمارنة في عمّان. اللافت مما ذكره الدكتور وحيد أولاً أن تراجع الأحزاب الشيوعية لم يكن الآن ولم يكن بعد سقوط الشيوعية العالمية، إنما كان في فترة سابقة، وأرجعه لظرف ذاتي في هذه الأحزاب، لسببين ذكرهما الدكتور وحيد، أولاً الجمود الفكري،ثانياً التشتّت التنظيمي. إذا كان ذلك في عهد كانت الأرضية خصبة جداً لعمل وانتشار وشرعية هذه الأحزاب، فما بالك اليوم والناس ابتعدت كثيراً ربما عن كثير من الشعارات التي تطرحها الأحزاب الشيوعية؟

منير حمارنة: شكراً. أنا أعتقد أن الدكتور وحيد تطرّق إلى مجموعة من القضايا الهامة، هامة جداً بعضها حقيقي وحيوي وبعضها الآخر خاضع للبحث والنقاش، إلى آخره. نعم الأحزاب الشيوعية مرّت في فترة، حتى في الستّينات، فترة تشتّت وانقسام، حتى جزء من هذا الانقسام جاء بسبب الانقسام في الحركة الشيوعية العالمية التي كانت في الحكم، هذا انعكس عليها بشكل أو بآخر. ورغم كل التراجعات التي جرت في ذلك الوقت، هذه التراجعات على أهميتها لم تكن السبب الحقيقي في تدهور قوى حركة التحرر الوطني ومن ضمنها الشيوعيين في بلداننا، كانت أحد العوامل ولكنها ليست السبب الحقيقي. نعم، الآن نحن نعيش في تبدّلات عميقة، في البنية المجتمعية، في البُنية الطبقيّة، هناك تبدّلات واسعة جداً، ثم هناك ظرف موضوعي يساعد الأحزاب الشيوعية واليسارية والقوى التقدّمية الأخرى على أن تستعيد مكانتها في المجتمعات وتعمل، بسبب الظلم الكبير، الظلم، مثلما تفضل الدكتور وحيد، غير المسبوق. هذه الأمور تحتاج إلى جهود كبيرة جداً، من بين هذه الجهود وفي مقدّمتها، توحيد هذه القوى، إن لم يكن توحيداً تنظيمياً، على الأقل في حدود تنسيق شامل في إطار برنامج محدّد لمواجهة القضايا الاجتماعية والمجتمعية الكبيرة، والتي تخص الآن بالدرجة الأولى القضايا المعيشية للناس. البلاد العربية كلها بلا استثناء تعاني من أزمة غلاء فاحش ومن نهب، وفيه تطوّر ملفت للنظر أن هناك في الوقت الذي نسبة الفقر والبطالة تزداد، هناك نسبة الثراء تزداد، فيه سوء كبير في توزيع الدخل بحيث أن الفروق الطبقية والاجتماعية أصبحت واحدة من أهم الظواهر في مجتمعاتنا. هذا ظرف موضوعي يساعد الأحزاب الشيوعية والتقدّمية واليسارية والقومية أن تقوم بدور ضروري في مثل هذه الحالة. طبعاً هذا لن يأتي من....

علي الظفيري: تسمح لي دكتور..

منير حمارنة: أرجوك.. لن يأتي من مكان آخر. على الأحزاب الشيوعية أن تبذل جهد، إذا كانت تريد أن تلعب هذا الدور عليها أن تبذل جهد حقيقي في عدّة اتجاهات. أولاً في عملية توحيد هذه القوى، وإذا ما فشلت في قضايا التوحيد، في قضايا التنسيق، ثانياً أن تضع الدراسات الحقيقية لأوضاع المجتمع...

علي الظفيري: دكتور منير إذا سمحت لي، أنا مضطر فقط أتوقف مع فاصل، وهذا هو النقطة التي سأبدأ أو أستأنف النقاش معك فيها. كلاكما اتّفق أن الظرف مواتي لعودة هذه الأحزاب، التدهور الكبير في حال الأمة بشكلٍ عام. ولكن هل لدى الأحزاب الشيوعية قدرة على إعادة أو التجديد الكبير والجذري في فكرها حتى تستثمر مثل هذا الظرف المواتي لعودتها بشكل كبير؟ فاصل قصير نستأنف بعده النقاش مع ضيفينا. ابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

الانتشار الاجتماعي وشروط العودة الجيدة

علي الظفيري: أهلاً بكم من جديد. نناقش اليوم وضع الأحزاب الشيوعية في العالم العربي مع الدكتور منير حمارنة والدكتور وحيد عبد المجيد من القاهرة. دكتور وحيد، وسأترك المجال بعد قليل للدكتور منير ليفصّل في قضية كيف يمكن عودة هذه الأحزاب بشكل كبير. إذا كنت، يا دكتور وحيد، تقول من ناحية أن الأوضاع متدهورة والظرف مواتي ربما لعمل حقيقي فيه، شرط أن تقوم هذه الأحزاب بعملية تجديد كبيرة. لكن من ناحية أخرى الرأسمالية العالمية تطغى بشكل كبير على كل تفاصيل الحياة، ليس في المنطقة بل في العالم بشكلٍ عام. الأمر الآخر، أن هناك قوى إسلامية حقيقية تتمدد بشكل كبير جداً في العالم العربي، وهناك حالة مناهضة، حالة رفض لكثير من المصطلحات التي طرحتها الأحزاب الشيوعية تاريخياً. وبالتالي هذا يعقّد من مهمة عودتها ويعقّد من مهمة انتشارها في الشارع العربي وفي الشرائح الاجتماعية العربية.

وحيد عبد المجيد: مسألة الانتشار في الواقع الاجتماعي هي مسألة رؤية أولاً لهذه الأحزاب والتيارات اليسارية، رؤية للشرائح والفئات الاجتماعية التي يمكن أن تنتشر خلالها. بالطبع تأثير الرأسمالية العالمية في هذه المرحلة كبير، لكنه تأثيرٌ في اتجاهين لأن هيمنة هذه الرأسمالية العالمية على العالم وبصفة خاصة على منطقتنا العربية هو أحد الأسباب التي أنتجت الفجوة الاجتماعية، الهوّة الاجتماعية والطبقيّة الواسعة التي يزداد في ظلها الفقر بمعدّلاتٍ غير مسبوقة، ويزداد عدد من يعيشون تحت خط الفقر وتزداد الفئات المهددة بالفقر يوماً بعد يوم، الأمر الذي يوجد مساحة واسعة للغاية تستطيع أن تتحرك فيها هذه الأحزاب والتيارات جنباً إلى جنب الأحزاب والقوى الأخرى بما فيها الأحزاب والقوى الإسلامية. لأنه ليست لدينا مشكلة تنافس بين هذه الأحزاب والقوى المعارضة في مجملها على الفضاء الاجتماعي، الفضاء الاجتماعي ما زال أوسع من أن تملأه هذه الأحزاب والقوى كلها، من أقصى اليسار اليساري إلى أقصى اليمين اليميني، بما في ذلك الأحزاب والقوى الإسلامية. قوى المعارضة العربية عاجزة حتى الآن عن أن تنتشر في هذا الفضاء الاجتماعي الواسع وبالتالي فهي ليست لديها مشكلة أن بعضها يزاحم البعض الآخر. مشكلة أنه.. بالعكس هي في حاجة إلى أن تتساند لكي تستطيع أن تملأ هذا أو أن تملأ مساحات معقولة من هذا الفضاء الاجتماعي الذي ما زال بعيداً عن هذه الأحزاب والقوى وما زال لا يجد من يتبنّى مشاكله وهمومه. وهنا ربما هذا يثير مشكلة أخرى تعاني منها معظم الأحزاب والتيارات الشيوعية واليسارية، وليس كلها في الحقيقة، هو مشكلة علاقتها مع الأحزاب والقوى الإسلامية. جزء من التغيير الذي حدث في البيئة السياسية والاجتماعية العربية هو الصعود الكبير للإسلاميين، لم يعد الأمر كما كان عليه منذ عقدين وثلاثة عقود.

علي الظفيري: تسمح لي دكتور.

وحيد عبد المجيد: وهذا يطرح على اليسار مهمة إعادة النظر في مواقفها التقليدية تجاه الإسلاميين، وبناء مواقف جديدة للاقتراب من هذه القوى المهمة في الواقع العربي.

علي الظفيري: ما الشروط، يا دكتور منير في عمّان، التي يمكن أن تحقّق عودة جيدة وتعيد الأحزاب الشيوعية إلى الواجهة السياسية الاجتماعية اليوم في عالمنا العربي؟

منير حمارنة: أنا أعتقد أنا بدأت أتحدث عن بعض الأمور. الشرط الرئيسي هو أن يتم هناك تجميع لهذه القوى، توحيد، وإن لم يكن توحيد تنسيق فيما بينها. الشرط الآخر أن تتم هناك.. أن تتم هذه الوحدة أو هذا التنسيق بالاستناد إلى برامج لها علاقة بمصالح مختلف الفئات والطبقات المهمّشة والمستضعفة في مجتمعنا، ومثلما تفضّل الدكتور وحيد، هي كثيرة وواسعة لم تشهد المجتمعات العربية مثل هذا التهميش بمثل هذا الاتساع والذي يزداد يوماً بعد يوم. القضية الأخرى بجانب ذلك، الشيوعيون لوحدهم والإسلاميون لوحدهم كذلك، رغم قوتهم واللي لها أسبابها الحقيقية منذ أحداث الثمانينات إلى الآن، غير قادرين أن يتولّوا وأن يحلّوا مشاكل مجتمعاتنا، هذا يتطلّب تنسيق بين مختلف القوى التي تؤمن بأن هناك ظلماً حقيقياً ينتاب كل الفئات وكل القوى، ظلم اجتماعي، ظلم معيشي، إلى آخره. ولدينا قضية مهمة في البلاد العربية هي الدفاع عن الحريات الديموقراطية، نحن لا يمكننا أن نعود ونعمل بشكل واسع إلا في أجواء الحريات، في أجواء الديموقراطية، هذه الديموقراطية محاصَرة في أكثر من بلد بألف وسيلة ووسيلة. على جميع القوى أن تتكاتف دفاعاً عن الديموقراطية، دفاعاً عن حقها في التعبير، عن حقها في العمل، بشرط أن لا يكون النضال من أجل الديموقراطية هو القضية الوحيدة، بل يجب أن يرتبط ذلك بالنضال من أجل مصالح الجماهير المختلفة، في العمل، في العيش، في الكرامة، في الحريات العامة، في الحق في التنظيم، إلى آخره. هذه وسائل وأمور هي الوحيدة الكفيلة بعودة الحياة لمختلف الأحزاب وتقوية الأحزاب. هناك يبقى شيء ذاتي، إذا لم تكن الأحزاب الشيوعية وغيرها من الأحزاب اليسارية قادرة على أن تلعب هذا الدور، لن تقوم لها قائمة لا في البلاد العربية ولا في غير البلاد العربية. وإذا كانت قادرة على ذلك، أنا أعتقد أن الظرف موضوعي، مؤاتي، والتطور المقبل يسمح لها بذلك. وأنا أعتقد أن الإمبريالية العالمية بخططها، سواءاً في ظل العولمة أو بدون العولمة، أدخلت نفسها في قضايا صعبة معقّدة ليس المجال لبحثها هنا، ولكنها أدخلت نفسها في تناقضات في داخل البلدان الرأسمالية نفسها، ومع العالم الآخر، وبالتالي هناك فرص حقيقية للعمل.

علي الظفيري: دكتور منير حمارنة الأمين العام للحزب الشيوعي الأردني من عمّان، الدكتور وحيد عبد المجيد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، شكراً لكما. حاولنا بشكل سريع قراءة واقع هذه الأحزاب الشيوعية. يحتاج النقاش في هذا الموضوع الجدلي والمعقّد والمركّب، ربما ساعات طويلة. أشكر لكم طيب المتابعة. بهذا تنتهي حلقة برنامج ما وراء الخبر لهذا اليوم، بإشراف نزار ضو النعيم. ودائماً بإمكانكم المساهمة معنا في اختيار مواضيع الحلقات، بإرسالها عبر العنوان الإلكتروني indepth@aljazeera.net غداً إن شاء الله قراءة جديدة في ما وارء خبرٍ جديد. شكراً لكم وإلى اللقاء.