- أبعاد الخلاف الروسي البريطاني
- أثر الأزمة على العلاقات الروسية الأوروبية

جمانة نمور: أهلاً بكم. نتوقف في حلقة اليوم عند التوتر المتزايد بين بريطانيا وروسيا على خلفية قرار موسكو إغلاق المكاتب الإقليمية للمجلس الثقافي البريطاني في روسيا، واعتبار لندن ذلك أمراً غير مقبول. نطرح في الحلقة نطرح تساؤلين رئيسين، هل دخلت اللغة والثقافة دائرة المواجهة بين بريطانيا وروسيا؟ وهل وصلت العلاقة بينهما إلى طريق مسدود؟ وكيف يمكن أن ينعكس التوتر القائم بين الجانبين على علاقات موسكو مع بقية دول الاتحاد الأوروبي؟ انتقدت لندن قرار روسيا إغلاق المكاتب المحلية للمجلس الثقافي البريطاني في روسيا بدءاً من مطلع هذا الشهر واعتبرته قراراً غير مقبول، من جانبها قالت الخارجية الروسية إن إغلاق الفروع الإقليمية للمركز الثقافي البريطاني يأتي رداً على قيام السلطات البريطانية بطرد أربعة دبلوماسيين روس الصيف الماضي، على خلفية رفض موسكو تسليم لندن أندريه لوغافوي الذي تتهمه السلطات البريطانية بقتل ضابط استخبارات روسي معارض هرب من روسيا وأقام في المملكة المتحدة التي منحته حقّ اللجوء السياسي. وفي مؤتمر صحفي عقده مع نظيره المصري في موسكو، قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إنه لم يستغرب مطالبة لندن للحكومة الروسية بتعديل الدستور الذي يمنع تسليم أي مواطن روسي إلى أيّ سلطات خارج روسيا. وعلّق لافروف على تصريحات لنظيره البريطاني حول قرار إغلاق مكاتب المجلس الثقافي البريطاني قائلاً إن لندن تحاول إقحام القانون الدولي في هذه القضية واتهمها بخرق القوانين الدولية والروسية. ومعنا في هذه الحلقة من موسكو المحلل السياسي الروسي الدكتور ليونيد سيوكيانين، ومن لندن الكاتب الصحفي البريطاني المتخصص في الشؤون الروسية ريتشارد بيستون. وقبل أن نبدأ النقاش نتابع هذا التقرير الذي يتناول العلاقات الروسية البريطانية، وكيف تطورت إلى ما صارت إليه بعد مقتل عميل المخابرات الروسية السابق في لندن ألكسندر ليدفينينكو قبل أكثر من عام.

[تقرير مسجل]

ناصر البدري: عاصفة في فنجان أم أزمة حقيقة تعصف هذه الأيام بالعلاقات الثنائية البريطانية الروسية؟ تلك العلاقة التي شهدت انتعاشاً قوياً تَكلّل بالزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى لندن قبل بضعة أعوام تبدو الآن وكأنها في مهب الريح، فمنذ اتهام لندن عميلاً سابقاً للمخابرات الروسية أندريه لوغافوي بقتل عميل آخر بنفس الجهاز وهو ألكسند لدفينينكو في لندن زادت حدّت التوتر في العلاقات بين البلدين.

مشارك: بالنسبة لنا قضية لدفينينكو هي قضية مهمة لنا، لأنه كان هناك قتل لمواطن بريطاني على أراضي بريطانية، وهذا الاغتيال عرّض عدد كبير من المواطنين البريطانيين إلى الخطر، يعني لا يمكن أن ننسى هذه القضية.

ناصر البدري: والتهديد الروسي الاخير بإغلاق المكاتب الإقليمية للمجلس البريطاني على اعتبار أنها تنشط بشكل غير قانوني، يأتي بعد طرد بريطانيا دبلوماسيين روس اعتبرتهم لندن أشخاص غير مرغوب فيهم، لترد روسيا بخطوات مماثلة، غير أن التوتر بين البلدين حسب بعض المحللين أعمق من ذلك بكثير.

مشارك: العلاقات البريطانية الروسية الآن في أسوأ حالاتها منذ عشرين عاماً، وقد بدأت في اختلافات بوجهات النظر حول بعض المواضيع كالعراق، ووجود مجرمين على الأراضي البريطانية مُنحوا حقّ اللجوء السياسي هناك، تراكم لبعض القضايا خاصة قضية ليدفينينكو التي ساهمت بشكل كبير في تدهور هذه العلاقة.

ناصر البدري: ولعلّ إيواء بريطانيا لأشخاص مثل الزعيم الشيشاني أحمد زاكاييف والمنشقّ الروسي بوريس بيريزوفسكي قد يكون من أبرز نقاط الخلاف بين البلدين، رغم ذلك فإن مراقبين آخرين يشيرون إلى أن هذه الأزمة لم توقف المبادلات التجارية والاستثمارات البريطانية في روسيا، كما لم توقف أيضاً الاستثمارات الروسية في بريطانية. وإذا كانت بعض المحللين السياسيين يؤكدون على أن الأزمة في العلاقات الروسية البريطانية تنم عن رغبة روسيا في فرض نفسها على الصعيد الدولي مرة أخرى، إلاّ أن آخرين يشيرون إلى أن جذور هذ الأزمة أعمق من ذلك بكثير. نصر بدري الجزيرة، لندن.

[نهاية التقرير المسجل]

أبعاد الخلاف الروسي البريطاني

جمانة نمور: عودة إلى ضيوفنا، من موسكو المحلل السياسي الروسي الدكتور ليونيد سيوكيانين، ومن لندن الكاتب والصحفي البريطاني المتخصص في الشؤون الروسية ريتشارد بيستون نرحب بكما. ولو بدأنا معك دكتور سيوكيانين، ما وراء هذا القرار الروسي ولماذا إغلاق هذه الفروع؟

"
قرار إغلاق المكاتب الإقليمية للمجلس الثقافي البريطاني في روسيا يدل على وجود صراع بين بريطانيا وروسيا وليس هناك ما يدل على تخفيف شدة هذا الخلاف في المستقبل القريب
"
ليونيد شيوكانين
ليونيد شيوكيانين: طبعاً لا شك أن هذا القرار إذا دلّ على شيء فيدل على أن صراعاً ونزاعاً وخلافاً بين بريطانيا وروسية لا يزال قائماً وليس هناك الاحتمال الواقعي لتخفيف شدة هذا الخلاف في المستقبل القريب للأسف الشديد، وروسيا باتخاذ هذا القرار الخاص بإغلاق المكاتب الإقليمية للمركز البريطاني في روسيا، بصورة رسمية يرد على الخطوات المماثلة، مماثلة في مضمونها وليس في شكلها، المُتخذة من قِبل الطرف البريطاني الأمر الذي تمثّل قبل شيء بطرد الدبلوماسيين الروسيين، والقضية لا تزال خلافية، والعلاقات الروسية البريطانية لا تزال تعاني الأزمة. الأمر الذي تمثّل في مثل هذا القرار المُتخذ من قبل السلطات الروسية بشأن إغلاق مكاتب المركز البريطاني، والقضية لا تكمن في النشاطات التي يقوم بها هذا المركز، ولكن قبل شيء هذا الأمر يعكس خلافاً قائماً في العلاقات السياسية بين بريطانيا وروسيا الاتحادية في الوقت الحاضر.

جمانة نمور: إذاً سيد ريتشارد، بناء على ما قاله السيد ليونيد، لماذا تلوم بريطانيا روسيا على ردِّ فعلٍ وليس على فعل؟ وبرأيهم الفعل بدأت به بريطانيا.

ريتشارد بيستون: أنتم محقون في القول ولكن علينا أن نعود إلى مقتل ألكسندر ليدفينينكو، كما ذكر تقريركم قبل نحو عام من الآن، والذي كان الحادث الذي أثار هذا الخلاف وأساء إلى العلاقة بين البلدين وأوصلها إلى درجة من التوتر الشديد منذ انتهاء الحرب الباردة، فبريطانيا تطالب بتسليم الشخص الذي تراه مسؤولاً، وروسيا ترفض ذلك، ومنذ الحادث حتى الآن تمّ انتخاب الشخص ليكون عضواً في البرلمان، لهذا السبب قضية هذه الجريمة ما زال ملفها مفتوحاً وربما كنا نأمل أن نرى في العام 2008 تحسُّن في العلاقات، ولكن ما نراه الآن هو إغلاق لهذه المكاتب في سان بطرسبرغ ومن مناطق أخرى، وأيضاً كان هناك معرض فني روسي كبير من المُفترض أن يُفتتح في لندن في آواخر هذا الشهر، ولكن يبدو أن العلاقات الثقافية تتأثر بسبب الأزمة.

جمانة نمور: ولكن طالما ردّدت روسيا بأن دستورها يمنعها من تسليم أي مواطن لديها، يعني بريطانيا هل هي فعلاً مستعدة أن تصل علاقاتها مع روسيا إلى طريق مسدود من أجل أن تتسلم لوغافوي؟

ريتشارد بيستون: هذا هو سبب انتهاء الأزمة إلى طريق مسدود، فالشعور هنا.. السائد هنا بأنه لا يمكن أن يتركوا جريمة الاغتيال هذه بدون رد، فقد تمّ إحضار مادة سميّة قاتلة شديدة الخطورة، تمّ تحويلها إلى سلاح وهي مادة البولونيوم وهي مادة إشعاعية مشعّة نادرة جداً وانتشرت في مناطق كبيرة في لندن، واضطررنا إلى إغلاق فنادق ومناطقها، وكان هذا حادث خطير. أصابع الاتهام تشير إلى شخص أو شخصين على وجه التحديد، وربما إلى الدولة الروسية بأنها مسؤولة، فالشعور هنا أنه لا يمكن أن يُسمح لشيء بهذه الضخامة أن يمر من دون عقاب، ولكن من جانب آخر البلدان كانا حريصين على عدم إلحاق الأذى بعلاقاتهما، خاصة في الناحية التجارية، والتي تشهد نمواً بنسبة عشرين في المائة سنوياً وكذلك على الجانب السياسي، فلم نر هذا الخلاف ينتشر ليعمَّ قضايا مثل كوسوفو أو إيران أو مجالات أخرى فيها اهتمامات مشتركة بين روسيا وبريطانيا للتوصل إلى حل توافقي، قد تثور الأزمة أكثر وتشمل هذه الجوانب، لا ندري حتى الآن.

جمانة نمور: على كل قبل أن نناقش تلك الجوانب دعونا نعود إلى أندريه لوغافوي وهو الرجل الذي لعب دوراً كبيراً في تردِّي العلاقات البريطانية الروسية، كما قال السيد ريتشارد، الموضوع الأساسي هو تسليم لوغافوي، ذلك لأنه المتهم الأول من قِبل لندن في اغتيال ألكسندر ليدفينينكو، عميل المخابرات الروسي السابق. لوغافوي تحدث عن ملابسات اتهامه في لقاء مع مراسلنا في موسكو سيُبث لاحقاً، وهذا جزء مما ورد في اللقاء.

[شريط مسجل]

مشارك: سفير بريطانيا لدى روسيا برينتن يقول إنه لا يفهم كيف تمّ انتخابي عضواً في البرلمان، السفير الذي من المفترض أن يعمل كل ما في وسعه لتحسين العلاقات بين البلدين يقوم بكل شيء من أجل توتير هذه العلاقات، هو يشكك بوصولي إلى البرلمان، ولكن الناس صوّتوا لي وللحزب الذي أنتمي إليه. فعلاً سألني صحفي بريطاني عن نصيحتي للسلطات البريطانية بعد أن اعتبر أن وصولي إلى البرلمان وحصولي على الحصانة بصقةٌ في وجه هذه السلطات، فأجبته، أنصحها بأن تمسح وجهها، هذا كل ما أستطيع قوله، فليتكلم من أراد وليهذي كما أراد. أهم معيار لحصانتي هو غياب أي أدلة لديهم على التورط في مقتل ليدفينينكو. عندما يقول السفير البريطاني أنه لا يفهم كيف تمّ انتخابي، فإني أقول له، أنا أيضاً لا أفهم كيف يعيّن رجل كهذا سفيراً، رجلٌ غير مفهوم وغير كفء، يقوم بكل ما في وسعه لكي تزداد العلاقات بين روسيا وبريطانية سوءاً.

[نهاية الشريط المسجل]

جمانة نمور: سيد ريتشارد، رد فعل سريع منك على ما قاله السيد لوغافوي.

ريتشارد بيستون: إن جزء مما قاله هو الصواب والحقيقة فهو الآن عضو برلمان، عضو دوما، انتُخب ديموقراطياً، إذا كان يتمتع بحصانة فالأمر كذلك، فهذا يعني أن الأمور انتهت إلى أزمة. لكن هناك أدلة توحي بأنه حمل مادة البولونيوم في قطار، وهناك أدلة أخرى على تورطه، إذاً من هذا المنظور هو المتهم رقم واحد. لكن اعتقادي شخصياً أن هذه الأزمة تتطلب تغيّراً في العقليات وفي الذهنيات على أعلى المستويات، وربما نصل إلى ذلك عندما يتنحى بوتين عن منصبه، ويحل محلّه شخص هو أكثر اعتدالاً، ربما عند ذاك تكون هناك نافذة فرصة مفتوحة لحل، لكن حتى ذلك الحين الوضع يبدو متأزماً.

جمانة نمور: لنرى رأي الدكتور ليونيد في هذا الموضوع، يعني هل فعلاً الحصانة التي أعطيت للوغافوي أوصلت الأزمة بين بريطانيا وموسكو إلى طريق مسدود؟ وهل فعلاً لا نافذة إلاّ إذا ما تنحى الرئيس بوتين كما يقول السيد ريتشارد؟

ليونيد شيوكيانين: أنا لا أعتقد أن الحصانة الدبلوماسية أو البرلمانية التي يتمتّع بها حالياً لوغافوي، يعتبر أمراً الذي ربما يمنع تسليمه للطرف البريطاني، فسابقاً سبق للمسؤولين الروس أن صرّحوا أكثر من مرة بأن القوانين الروسية، التشريعات النافذة، تمنع ذلك، تمنع تسليم المواطنين الروس للبلدان أخرى، وهذا الأمر لا يقتصر تقريباً على التشريعات الروسية، هنالك الكثير من الدول التي تمنع تسليم مواطنيها للدول الأخرى، أما بالنسبة للحصانة الدبلوماسية التي كانت نتيجة لانتخابه عضواً للبرلمان الروسي، فطبعاً هذا لا يزيد شيئاً جذرياً أو مبدئياً على طبيعة القضية، وطبعاً لوغافوي الشخص الذي طبعاً يعتبر حالياً رمزاً لهذه الأزمة في العلاقات بين بريطانية وروسيا، وعلى فكرة، هو طبعاً انتُخب عضواً في البرلمان نتيجة لمعرفة اسمه من قِبل المجتمع الروسي بعد هذه الفضيحة، بعد بداية هذه الأزمة في العلاقات بين الدولتين، ولكن الأمر كان واضحاً سابقاً أن روسيا لن تسلم لوغافوي لبريطانيا اعتباراً للتقاليد الدبلوماسية ورجوعاً إلى التشريعات الروسية وأخذاً بعين الاعتبار كثير من الاعتبارات الأخرى.

جمانة نمور: إذاً على كلٍ القضية عمرها أكثر من عام ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا أُثيرت الآن؟ موضوع إغلاق الفروع، هل هي مؤشر فعلاً على ماهو أبعد من ذلك؟ نتابع النقاش بعد وقفة قصيرة فكونوا معنا.

[فاصل إعلاني]

أثر الأزمة على العلاقات الروسية الأوروبية

جمانة نمور: أهلاً بكم من جديد، دكتور ليونيد سوكيانين، السفير البريطاني في موسكو كان قال بأن التوتر بين موسكو ولندن حول المجلس الثقافي البريطاني من شأنه أن يعقّد المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا حول اتفاق اقتصادي مهم. هل فعلاً هذه المشاحنات، إن صحّ التعبير، ما بين بريطاينا وموسكو يمكن أن تشكّل مقدمة إلى تراجع، إن لم نقل تردي، في العلاقات بين موسكو وأوروبا عموماً.

ليونيد شيوكيانين: طبعاً لا شك أن كل من الطرفين يحاول الاستفادة من هذه الأزمة لصالحه، فطبعاً البريطاني باعتباره عضواً في المجتمع الأوروبي، يحاول أن يستعمل هذه الأزمة كحجّة للضغط على روسيا، وإشارة إلى إمكانية الإساءة إلى العلاقات بين روسيا والمجتمع الأوروبي. ومن طرف آخر، روسيا كذلك تشير إلى أن الخطوات البريطانية هي التي أثارت هذه الأزمة. وأنا لا أعتقد أن هذه الأزمة ستستمر فترة طويلة، من حيث أن هناك المصالح المشتركة بين روسيا وبين بريطانيا خاصة، وبين المجتمع الأوروبي بصورة عامة. هنالك المصالح الاستراتيجة والاقتصادية قبل كل شيء آخر، وآجلاً أم عاجلاً ستسود هذه المصالح المشتركة الاقتصادية على هذه الأزمة، ولكن في الوقت الحاضر ربما لم يَحن الوقت لإزالة هذه الشبهات ونقص الثقة في العلاقات بين الدوليتن، ولكن لا شك أن المصالح المشتركة قياساً على هذه الأزمة الأولوية بالنسبة لروسيا وبالنسبة للمجتمع الأوروبي ونتمنى أن يبذل كل من الطرفين مزيد من الجهود لتجاوز هذه الأزمة في هذا العام.

جمانة نمور: سيد ريتشارد، هل فعلاً المصالح المشتركة هي من سيرسم سياسة المرحلة المقبلة ما بين موسكو والغرب عموماً، يعني كنت قبل قليل قلت بأن هناك مراهنة ربما على تنحّي الرئيس بوتين، حتى لو ترك الرئيس بوتين في مارس رئاسة روسيا بحسب الدستور الروسي لكن الكل يتوقع بأنه سبقى فاعلاً وسيبقى هو من يرسم خط السياسية الروسية بشكل عام، ليس فقط في المرحلة المقبلة بل على مدى سنوات طويلة إلى الأمام،كيف ترى هذه المرحلة؟

"
تم ارتكاب جريمة خطيرة بمقتل ضابط الاستخبارات الروسي المعارض، لكن القضايا الأكبر بين روسيا وبريطانيا قد تساعد على تخفيف الأزمة مثل التبادل التجاري
"
ريتشارد بيستون
ريتشارد بيستون: أعتقد أنكم محقون في ذلك، ربما الأجواء قد تحسّس، لكن هنا على الأقل بدأت قضية قانونية وليس بإمكان أيّ زعيم أن يتجاوز ذلك، فقد تمّ ارتكاب جريمة خطيرة والاسكوتلنديارد تتولى التحقق، وهيئة الإدّعاء العام للتاج البريطاني وجّهت اتهاماً رسمياً، مع ذلك ربما من الأسهل أن نتجاوز أي زيادة في حدة التوتر، كالذي شاهدناه على المستوى الثقافي. وأنا أتفق مع ضيفكم من موسكو عندما قال من الأهمية بمكان أن ننظر إلى القضايا المهمة، ألا وهي التبادل التجاري والمصالح التجارية التي يجب أن لا يُلحق بها الضرر، ولا نشرك فيها الجانب الأوروبي.

جمانة نمور(مقاطعةً): عفواً، لكن قبل قليل أنت ذكرت بأن الموضوع ربما وصل إلى طريق مسدود، وأنها أزمة، وأن لا نافذة الآن. الآن تقول المصالح الاقتصادية والتبادل التجاري هو الذي سيسيطر، وسيتم تجاوز الأزمة. لم نفهم كيف، يعني كيف هذه النقلة؟ برأيك كيف يمكن تجاوز هذه الأزمة ليس فقط.. كي لا تتطور إلى أزمة مع الغرب بشكل عام؟

ريتشارد بيستون: أعتقد أن القضية برمّتها تعتمد على نغمة الكلام وأسلوب الكلام، فحتى الآن لم يكن هناك التقاء على مستوى عالي بين بوتين وجوردان براون، أو ربما يمكن أن نتوقع لقاء بين جوردان براون مع خليفة بوتين. الروس لديهم شرح أو تفسير أسهل، فهم يقولون الآن إن المتهم الرئيسي عضو برلمان ومن الصعب لأيّ أن يسلّم عضواً في برلمانه ليحاكم لجريمة مثل هذه في بلد آخر. ربما هذا جعل من القضية ربما أقل قدرة على الاستمرار فيها بنفس النغمة. ربما نرى مجالات تعاون أخرى بين روسيا وبريطانيا والتي فيها أسس تفاهم مشترك مثل كوسوفو وإيران وغيرها، ولكن كل هذا، كله سيعتمد على روسيا. نحن في الغرب لسنا متأكدين من اتجاه روسيا، نرى في روسيا تزايداً في شعور الخوف، رهاب الأجانب، التعصّب والتعنّت، وربما هذه أو حادثة الاغتيال ستكون مقدمة لحوادث أخرى، ولا أحد مستيقن من وجهة موسكو الحقيقية، ولكننا نتوقع أنه إذا ما تنحّى بوتين عن منصبه، ربما سيكون هناك تحسن، لكن هذا ليس في حكم المؤكد، ونحن لسنا متأكدين ماذا سيفعل بوتين إذا ما أراد أن يصبح رئيساً للوزراء، ماهي صلاحياته، وماذا سيفعل من وراء الكواليس حول قضايا العلاقات الخارجية. هذه الأيام رئيس الوزراء لا صلاحيات كثيرة لديه، ولكن ربما بتغيّر الموقف سيكون الأمر مختلفاً، في هذه الحالة سيزداد احتمال تحقيق تقدم، وتحقيق التقدم لن يكون بمثل هذه الإشكالية.

جمانة نمور: إذاً سيد ليونيد ما هي وجهة موسكو المقبلة؟ حسب ما تساءل السيد ريتشارد، وهل هي فعلاً نحو مزيد من تعزيز دور دولي أكبر لموسكو؟ أم هناك أهداف أخرى أيضاً نحن لا نعرفها؟

ليونيد سوكيانين: طبعاً لا شك أن روسيا حالياً وضعها بين الدول الكبرى ومنظومة الثمانية طبعاً دورها ثابت، ولكن هناك بعض المشاكل أو بعض العراقيل التي تمنع من تعزيز هذا الدور على المستوى العام وعلى مستوى العلاقات الثنائية مع بعض الدول، بما في ذلك طبعاً بريطانيا، إضافة إلى المرحلة التي تمر بها سياسياً حالياً روسيا، الانتخابات البرلمانية السابقة والانتخابات الرئاسية القادمة، إضافة إلى نفس القضية التي تواجه الولايات المتحدة الأميركية في نهاية هذا العام. ولكن أنا آمل أن هنالك يعني الوضع الحالي يستلزم تدخلاً مباشراً من قِبل السلطة العليا في روسيا وفي بريطانيا، ونتوقع بذل الجهود الثنائية من قِبل الرئيس الروسي وكذلك ربما رئيس الحكومة البريطاني لتجاوز هذه الأزمة، هنالك بعض المشاكل القانونية، هنالك دوراً لكلٍ من المحكمة، والكثير من القضايا..

جمانة نمور(مقاطعةً): هل هي القانون؟ أم النقاط الخلافية؟ باختصار شديد بثوانٍ دكتور، يعني موضوع شواطئ البحر الأسود، موضوع استقلال كوسوفو، موضوع الملف الإيران، النفط، الدور الروسي. هل هذه هي العوامل المحدِدة؟ بثوانٍ.

ليونيد شيوكيانين: طبعاً لاشك أن هذه القضايا موجودة، ولكن كل هذه القضايا الخلافية قابلة للنقاش وإيجاد الصيغة المُتفق عليها بما يستجيب للمصالح الاستراتيجية والسياسية لكل من الأطراف ذات المصالح المتضاربة والمتباينة. بعض القضايا من الصعب جداً تجاوزها ولكن هناك النقاط الأخرى القابلة للنقاش حولها وإيجاد المخرج لها، سواء كانت الملف الإيراني، هنالك تقدماً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، أو يعني قضية كوسوفو التي لا تزال معلّقة. وطبعاً القضايا كثيرة ولكن بدون المشاركة المشتركة من قِبل المجتمع الأوروبي والروسي من المستحيل إيجاد المخرج لهذه الأزمة، الأمر الذي سيجعل روسيا والمجتمع الأوروبي لتقارب المواقف وتبادل الآراء وإيجاد الصيغة التي ستسمح من تجاوز هذه الأزمات لتعبئة الجهود المشتركة أمام القضايا العالمية المشتركة أيضا.

جمانة نمور: شكراً لك الدكتور ليونيد سوكيانين من موسكو، وشكراً للسيد ريتشارد بيستون من لندن. وشكراً لكم على متابعة حلقتنا بإشراف نزار ضو النعيم، إلى اللقاء.