- دور حبش في مسيرة التيارين القومي واليساري
- أسباب تراجع الخطين في العمل الفلسطيني

محمد كريشان: أهلا بكم نتوقف في هذه الحلقة عند دور المدرستين اليسارية والقومية في الواقع الفلسطيني وذلك غداة رحيل الدكتور جورج حبش أحد القادة التاريخيين لهاتين المدرستين في مسيرة النضال الفلسطيني. ونطرح في الحلقة تساؤلين، ما هو الدور الذي لعبه جورج حبش في دفع التيارين القومي واليساري في فلسطين والبلاد العربية؟ وما هي الأسباب التي أدت إلى تراجع تأثير اليساريين والقوميين العرب في الواقع الفلسطيني الراهن؟. مساء السبت وفي أحد مستشفيات العاصمة الأردنية عمان توفي الدكتور جورج حبش أحد أهم الرموز وأبرز الآباء التاريخيين للمقاومة الفلسطينية، عاش حبش الذي لقب بالحكيم 82 عاما كان خلال أغلب فتراتها الرجل الموجود دوما في عين عاصفة الأحداث.

[تقرير مسجل]

ماجد عبد الهادي: قبل ولادة إسرائيل بأكثر من عشرين عاما ولد جورج حبش في مدينة اللد لأسرة فلسطينية مسيحية، ولم يكن لمسار حياته أن يتحول ربما عن هدف احتراف مهنة الطب لولا إنشاء الدويلة اليهودية عام 48 على أرض وطنه فلسطين، كان إذ ذاك يواصل دراسته في جامعة بيروت الأميركية فغادرها ليشارك في مقاومة العصابات الصهيونية، ثم عاد أدراجه إلى لبنان عقب هزيمة الجيوش العربية ليبدأ بتأسيس حركة القوميين العرب التي ضمت من أسماء زملائه في تلك الأيام بعض من عرفوا في زمن لاحق بوصفهم رموزا للمعارضة القومية واليسارية على امتداد خارطة الوطن العربي. ويسجل التاريخ لحركة القوميين العرب أنها بادرت باللجوء إلى الكفاح المسلح ضد إسرائيل في وقت مبكر من عقد الستينات، لكنها لم تتبن هذا النهج بصورة معلنة إلا بعد هزيمة حزيران/ يونيو عام 67 عندما اتحدت أجنحتها المسلحة مع منظمات فلسطينية أخرى لتشكل الجبهة الشعبة لتحرير فلسطين بزعامة حبش، وكرد فعل على ما اعتبر في تلك الآونة هزيمة للفكر القومي العربي ممثلا بنهج الرئيس المصري جمال عبد الناصر. شهدت الجبهة منذ تأسيسها خلافات عاصفة حول أولوية الوطني والقومي في النضال لتحرير فلسطين، كما حول تحول دعوات التحول يسارا لتبني الفكر الماركسي اللينيني وهو ما أدى عمليا إلى مسلسل انقسامات بدأ بخروج أحمد جبريل بعد شهور قليلة من الوحدة مع حبش ليؤسس الجبهة الشعبية للقيادة العامة ثم تبعه انشقاق نايف حواتمة على رأس مجموعة حملت اسم الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، غير أن ذلك كله لم يحل دون أن تواصل الجبهة الشعبية تبوؤ الموقع الثاني من حيث الأهمية داخل الصف الفلسطيني بعد حركة فتح، كما لم يحل دون أن يكرس الحكيم زعامته كثاني أهم القادة المؤسسين للثورة الفلسطينية بعد ياسر عرفات. والمعروف أن الجبهة الشعبية ابتكرت خلال عقد السبعينات وسائل جديدة في محاربة إسرائيل أهمها ما سمي العمليات العسكرية الخارجية التي كان يشرف عليها وديع حداد، بينما برز حبش نفسه كقطب معارضة ظل يقف بالمرصاد لجنوح عرفات نحو التسوية السلمية مع إسرائيل، وبعد تحول التسوية إلى أمر واقع خلال عقد التسعينات وما رافقها من صعود للمقاومة الإسلامية بزعامة الشيخ أحمد ياسين، اختار الرجل الذي كان قد قارب الثمانين من عمره ونجا من محاولات اغتيال واختطاف إسرائيلية عديدة فضلا عن معاناته من شلل نصفي، اختار أن يتنحى ليفسح مجال القيادة أمام جيل آخر ويسجل بذلك ما اعتبر مأثرة غير مسبوقة في تاريخ الزعامة الفسطينية.

[نهاية التقرير المسجل]

دور حبش في مسيرة التيارين القومي واليساري

محمد كريشان: ومعنا في هذه الحلقة من رام الله عبد الرحمن ملوح عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ونائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهنا في الأستوديو الكاتب والمفكر الفلسطيني الدكتور عزمي بشارة، أهلا بضيفينا. نبدأ من رام الله والسيد ملوح، عندما نتحدث عن الحكيم ما هي أبرز المحطات التي لا بد أن تقرن باسمه في مسيرة النضال الفلسطيني المعاصر؟

عبد الرحمن ملوح: مساء الخير لك أخي محمد وللدكتور عزمي العزيز الصديق، وفي هذه المناسبة أعزي شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية وأحرار العالم بفقدان رجل كبير زعيم وقائد عمل طوال حياته ما يقرب.. من حياته الناضجة أكثر من ستين عاما من أجل فلسطين ومن أجل قضايا الأمة العربية جمعاء ومن أجل قضايا أحرار العالم. عندما نتحدث عن جورج حبش نتحدث عن الآتي أولا عن هموم الوحدة العربية ووحدة الأمة العربية وصونها وتحررها واستقلالها وصونها لمقدراتها، وفي قلب هذا الأمر نتحدث عن فلسطين وحرية فلسطين واستقلال فلسطين، والأمر الآخر نتحدث عن جرأة وقدرة هذا الإنسان على التحول من موقع قيادي إلى موقع فكري آخر، وجوج حبش كان أبو القومية العربية ومن زعماء القومية العربية وأسس لهذا الأمر حركة القوميين العرب وعينه دائما كانت على فلسطين، ثم في عام 1967 أسس الجبهة الشعبية وتبنى الفكر الماركسي وشكل بذلك نقلة نوعية بين القادة في جرأته على اتخاذ القرار وفي قدرته على بناء مؤسسة سياسية لا زالت عاملة وستبقى عاملة في الساحة الفلسطينية، والأمر الآخر كان صونه المستمر ودفاعه المستمر عن الوحدة الوطنية الفلسطينية وضد المساس بالدم الفلسطيني وضد المساس بالكيان الوطني الموحد للشعب الفلسطيني، الأمر الآخر الذي يجب الإشارة له هو ما أقدم عليه جورج حبش في لحظة معينة من الزمن ليطالب رفاقه بالتنحي عن مسؤولياته السياسية والتنظيمية وبهذا ضرب مثلا للقادة وقادة الأحزاب والأمناء العامين وللقادة جميعا بأنه يمكن للإنسان أن يتخلى عن مواقعه القيادية وهو في أوج عطائه وفي أوج التفاف تنظيمه حوله، وفي أوج التفاف جماهيره حوله، فجورج حبش يعني مدرسة كبيرة يعني من الصعب إيفائها حقها في عجالة في هذا الوقت ولكن أنا أذكر هذه القضايا وفي صلبها قضية فلسطين، شعب فلسطين، حق اللاجئين بالعودة، حق الشعب الفسطيني في تقرير مصيره، حقه في بناء دولته المستقلة، والتضحيات التي يمكن أن يقدمها على هذا الطريق وفي مقدمتها مقاومة الاحتلال.

محمد كريشان: هذه المدرسة دكتور عزمي الحقيقة زاوجت بطريقة ربما مميزة بين توجه قومي عربي ومسحة يسارية، أين إسهام جورج حبش في هذا التمشي؟

"
جورج حبش لم يكن يساريا عندما درس بالجامعة الأميركية كان قوميا عربيا، المدرسة التي تتلمذ عليها القومية العربية مدرسة قسطنطين زريق وهي مدرسة جمعت بين القومية العربية والفكر الديمقراطي
"
عزمي بشارة:
يعني من الصعب الحديث عن العزيز الشهيد المرحوم الكبير جورج حبش لأنه في محبة خاصة لهذا العملاق وعلاقة أيضا تجمعنا. وأنا بالمناسبة أيضا أريد أن أعزي الصديق العزيز ملوح وكل الشرفاء من أبناء شعبنا والأمة العربية بوفاة هذا الرجل الكبير. يعني صعب أن أقيم الآن الحقيقة والآن أريد أن أقول لك ما يلي، أولا هذا الجمع بين اليسار والقومية هو جديد، جورج حبش لم يكن يساريا عندما درس بالجامعة الأميركية، جورج حبش كان قوميا عربيا، المدرسة التي تتلمذ عليها القومية العربية مدرسة قسطنطين زريق في الجامعة الأميركية هي مدرسة جمعت بين القومية العربية وفكر، إلى حد بعيد أعتبره اليوم بدون تردد فكر ديمقراطي، وأيضا ساطع الحصري، هذا التوجه العمومي العلمي العقلاني للقومية العربية هو الذي جذبه عندما أقام هو ومجموعة من الفلسطينيين وغير الفلسطينيين.. أنا قرأت مؤخرا كتاب أحمد الخطيب، مذكراته من الكويت عن تلك الفترة، ولكن في عدد غير محدود من الكتب هان الهندي وآخرين وفي مقابلات مطولة مع جوج حبش عن تلك الفترة..

محمد كريشان (مقاطعا): بين قوسين هناك كتاب نزل للأسواق قبل ثلاثة أيام فقط لجورج مالبرينو الصحفي الفرنسي ألفه بعد سنة من الحوارات معه.

عزمي بشارة: تلك الفترة فترة زاخرة بالأحداث بعد النكبة، نحن نتحدث عن Intelligentsia عربية في مركزها لا شك أبناء المدينة الفلسطينية المشردين، أنيس صايغ يكتب عن طبرية، شفيق الحوت يكتب عن يافا، جورج حبش من اللد، وديع حداد قريبه عمليا، كل التوجه في تلك الفترة إلى.. نظرة إلى الوحدة العربية والأمة العربية كنقيض للأنظمة القائمة، الفكر القومي العربي، طبعا عبد الناصر لم يكن موجود هنا، قبل عبد الناصر، التوجه القومي العربي الشعور بأن الحاجة هي لرابطة قومية عربية للرد على واقع التشتت والتشظي والانفصال، الاستعمار الذي أوجد الكيان الصهيوني على هذه الأرض. النكبة، حبهم لفلسطين دفعهم إلى القومية العربية وباعتقادي هذا الجيل لم يفصل إطلاقا، الفصل جاء فيما بعد وهم قاوموه، يعني إذا كان جورج حبش يمثل شيء.. محور في الحركة الوطنية الفلسطينية هو عارض دائما هذا الإسفين، فلسطينيين- عرب، إنه هوية وطنية فلسطينية على حساب هوية عربية ورآهم متجانستين متماسكتين، ولكن..

محمد كريشان (مقاطعا): ولم يكن يرى تناقض لا بين عروبته ولا بين انتمائه للحضارة الإسلامية، بين مسيحيته وبين ماركسيته..

عزمي بشارة: بالعكس، هذا أصلا مسيحيته مش موضوع للنقاش، تعرف أنا اليوم كنت أقول كمال ناصر عندما استشهد، مدفون في مقبرة الشهداء كمال ناصر في بيروت، هلق هذا عصر جديد أن جورج حبش في عمان وإنه في تميزات من هذا النوع، هذا موضوع ليس موضوع بالنسبة لجورج حبش. هذا الجيل لم يفهم بهذه المواضيع الطائفية إطلاقا، هذا الموضوع بالنسبة لهم، هم أبناء الأمة العربية أبناء القومية العربية أبناء الحضارة الإسلامية وطنيون فلسطينيون، التعرف على اليسار بعد النكسة 67 بهذه القوة باعتقادي فيه عمق بمعنى بحث عن عمق اجتماعي ناقص أدى إلى الهزيمة ولكن أيضا في زلات كبرى لأنها أودت أو بعثت إلى التحالف مع السوفيات ومع المعسكر الاشتراكي وهو كان بتعرف المعسكر الاشتراكي في البداية على الأقل اعتبروه القوميين العرب من المسؤولين عن إقامة إسرائيل مع كل التيار الشيوعي، ولذلك هم كانوا أبعد ما يكونوا عن التيار الشيوعي لأنهم كانوا قوميين عرب واشتبكوا مع الشيوعيين في فترات، خاصة في فلسطين لأنهم وافقوا على قرار التقسيم والقوميين العرب كانوا ضد قرار التقسيم، تعرُّف من منطلق حركات التحرر الوطني في العالم الثالث، تأثُّر بحركات التحرر الوطني في الستينات والسبعينات أجواء الهزيمة، حتى عبد الناصر بدأ ينظر أكثر للعمق الاجتماعي ولكن كان في زلات باعتقادي، وبرأيي من نقاشاتي وحواراتي معه بدؤوا يرون ذلك.

محمد كريشان: نعم. سيد ملوح في رام الله، صحيح أن الدكتور جورج حبش ترك مسؤولياته من سنوات ولكن هل تعتقد أنه ما زال يحافظ على كل هذه الرمزية وهذه الدلالة التي كان يتحدث عنها عزمي بشارة رغم ابتعاده عن العمل السياسي المباشر؟

"
جورج حبش حرص أن يزاوج باستمرار بين قوميته العربية وفلسطينيته بمنظار تقدمي ديمقراطي
"
عبد الرحمن ملوح:
نعم، أخي محمد وأنا أقول إن من شاهد اليوم والأمس شوارع رام الله والمخيمات وكل المواقع من شاهد اليوم بيوت العزاء يجد أن جورج حبش رغم غيابه ما يقرب من كذا سنة أكثر من عقد من الزمان تقريبا عن الصورة المباشرة إلا أن جورج حبش موجود في وجدان كل الفلسطينيين وكل التقدميين وكل الأحرار، حتى أن.. يعني كنت الآن في عزاء أحد.. الأخ أبو مازن يقول لي إنه أنا يعني هذا الجيل من الشباب الذي يعني يتذكر جورج حبش يعني ملفت للنظر أنه يحمل هذه الذكرى عن جورج حبش في شوارع رام الله وفي شوارع غزة وفي كل الأماكن. أنا أحب أن أضيف نقطة للحديث الذي تفضل فيه الصديق العزيز عزمي بشارة، أنا أقول إن جورج حبش حرص أن يزاوج باستمرار بين فلسطينيته وعربيته، بين قوميته العربية وفلسطينيته بمنظار تقدمي وبمنظار ديمقراطي ولذلك الجبهة الشعبية بقيادة جورج حبش وبتوجيهات جورج حبش وبالأفكار التي زرعها جورج حبش كانت دائما هي الأكثر حرصا على الامتداد والعلاقة الفلسطينية العربية باستمرار من منظار تقدمي ومن منظار ديمقراطي.

محمد كريشان: على كل الراحل جورج حبش وهذه الرمزية التي جمعت بين الانتماء القومي العربي والانتماء الديمقراطي والتقدمي ربما البعض يعتبر أن هذا التوجه تراجع الآن في ساحة العمل السياسي الفلسطيني، هذا ما سنتوقف عنده بعد هذا الفاصل. نرجو أن تبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

محمد كريشان: أهلا بكم من جديد. قبل أن نتطرق إلى موضوع تراجع الخطين القومي واليساري في مسيرة النضال الفلسطيني، نتوقف أولا عند أهم محطات مسيرة هذين التيارين.

[تقرير مسجل]

إيمان رمضان: رحل الأب الروحي لليسار الفلسطيني مخلفا وراءه تساؤلات معلقة دون إجابات عن حاضر ومستقبل هذا التيار المتراجع وسط تمزق داخلي يكاد يذهب بإرث النضال الفلسطيني. ولد اليسار الفلسطيني المسلح من رحم نكسة 67 منبثقا من صفوف حركة القوميين العرب بعد أن أثبت نهار الخامس من يونيو من ذلك العام فشل القومية العربية، ليس في إيجاد حل للقضية الفلسطينية فحسب بل في خلق عالم عربي قادر على التحديات الدولية. عاش التيار اليساري ازدهارا حتى منتصف السبعينيات من القرن الماضي وتقلص تدريجيا ليصل إلى درجة الانحسار بعد انهيار الشيوعية في العالم وأفول نجم الاتحاد السوفيتي، وفقدت الحركة اليسارية في فلسطين داعما قوميا فكريا ولوجستيا شأنها في ذلك شأن كافة الحركات اليسارية في العالم لتملأ التيارات الإسلامية داخل فلسطين وخارجها تدريجيا الفراغ السياسي الذي أحدثه تراجع اليساريين والقوميين، وقد كان وصول حركة حماس إلى قمة الهرم السياسي مؤشرا على حجم المسافة التي تفصل بين اليسار وبين الشارع الفلسطيني، ودلل على ذلك ما حملته نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة التي لم يحصد فيها اليسار سوى خمسة مقاعد. ومتمسكا بموقفه الرافض للمشاركة في عملية سياسية فلسطينية تحت مظلة اتفاق أوسلو رفض اليسار الفلسطيني المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية إحدى ثمار اتفاق مكة ليفتح الباب أما انتقادات تحمله جل المسؤولية عن وضع داخلي بائس أفرزه انشقاق الصف الفلسطيني الواصل بين الضفة الغربية وغزة.



[نهاية التقرير المسجل]

أسباب تراجع الخطين في العمل الفلسطيني

محمد كريشان: دكتور عزمي الآن في هذه المرحلة نرى قطبين فقط في العمل الفلسطيني، فتح بالبرغماتية التي اشتهرت بها، والإسلاميين بانتمائهم المعروف. هل غاب بالكامل التيار العروبي واليساري في العمل الفلسطيني؟

عزمي بشارة: لا شوف، أنا باعتقادي.. التيار اليساري موضوع آخر لأن اليسار شقين، اليسار الأحزاب الشيوعية، مش كل الأحزاب الشيوعية، العربية.. جزء منها، في الحالة الفلسطينية تحديدا كان في صراع شديد بينهم وبين الوطنيين والقوميين ثم حصل التصالح، لكن الأخوان في التيار القومي الذين ألفوا من رحم حركة القوميين العرب، الجبهة الشعبية مثلما تألفت جبهات أخرى في اليمن تألفت أيضا جبهة من رحم القوميين العرب، اللي ألفوا الجبهات على أساس الصراع، الكفاح المسلح في إطار حركة وطنية فلسطينية تنحو منحى يساريا مثل حركات التحرر الأخرى التي نجحت في العالم، تركوا تراثا عظيما لا شك في ذلك إن كان في الكفاح المسلح وإن في مصطلحاتهم. باعتقادي حتى التيارات الإسلامية والتيارات.. تستخدم الكثير من هذه المصطلحات دون أن تدري، وهنالك أسلمة للكثير من المصطلحات الوطنية واليسارية دون أن يدرون الحقيقة أو يدرون، ولا بأس لما الناس تأخذ من بعضها هذا نسميه تثاقف وهذا أمر جيد، لكن الأمر الثاني هو أن التيار القومي العربي عندما استغنى عن أداة تنظيمية أنا باعتقادي أخطأ خطأ كبيرا لأن التيار القومي العربي - هذا رأيي الخاص على كل حال قد يناقشني آخرون- كتيار على مستوى الهوية وعلى مستوى التضامن العربي هو تيار الأغلبية على الساحة العربية والفراغ الذي تركه بعد 1967 عدم قدرته على إقامة أحزاب وتنظيمات ذات برامج وطنية تركت فراغا كبيرا، في السبعينات حصل نهوض قصير المدى للتيار اليساري وانتهى بسرعة، نهوض بالسبعينات إذا كنت تذكر، أكيد كنت في الجامعة في تلك الفترة وتذكر أن الماركسية فجأة انتشرت وكذا، ثم جاء.. والنقد اليساري على القومية العربية وجزء منه نقد ذاتي لقوميين عرب أصبحوا يساريين، ثم بدأت التيارات الإسلامية بالانتشار بالتوقيت إذا أردت في غضون فترة الثورة الخمينية في إيران، بهذه الفترة بدأ الانتشار الكبير ولامس أيضا الحالة الفلسطينية مع أنه كان في حركة إخوان مسلمين قائمة، دخولها باعتقادي بشكل مسلح للعمل سنتين قبل الانتفاضة الأولى وتنظمت على شكل حركة حماس. الآن التيار القومي مشكلته أنه لم يتنظم كتيار سياسي، هو تيار، مزاجاً تيار الأغلبية، الفلسطينيين عرب وعروبيين إن كانوا إسلاميين وإن كانوا يساريين وإن كانوا وطنيين، ولكن الذهاب بهذا المنحى كتيار يساري في ضمن الأطر بدل أن يكون تيار قومي عربي ذو بعد يساري وذو بعد وطني ولكن بالمجمل هو تيار قومي عربي، أنا باعتقادي هذا ليس ناقص فقط على الساحة الفلسطينية، هو تيار الأغلبية وناقص أن ينظم نفسه على كل الساحات العربية وهذا من ضمن دعوتنا الآن. على كل هذه الحوارات كنت دائما أخوضها مع المرحوم في كل لقاء في الماضي وهذا نقاش مستمر لا أريد الآن.. يعني من الصعب الحديث عنه بموضوعية الآن.

محمد كريشان: نعم، سيد ملوح، هل إذا ما سلمنا أن هناك فعلا تراجع للتيار العروبي والتيار اليساري بمفهومه العام على الأقل، هل هذا يعود إلى أن التيار أو التيارين بالأساس كانوا تيارات رفض؟ حتى نذكر أن أبو سعيد خالد الحسن المرحوم وعضو اللجنة المركزية لفتح كان يسمي هؤلاء "الرافضون أبدا"، هل هذا يعود إلى أنهم كانوا دائما على خط دفاعي ولم يكونوا مبادرين في التحرك السياسي الفلسطيني؟

عبد الرحمن ملوح: أنا أعتقد أن التراجع حصل لدور التيار وليس للتيار نفسه، يعني بمعنى القوى الاجتماعية والقوى الفكرية وإلى آخره موجودة، وكما أشار الدكتور عزمي، بمعنى هذا التيار موجود،بكل تلاوينه موجود، يمكن هناك عوامل موضوعية وعوامل ذاتية تخص هذا التيار في كل قطر أو في مدى قدرته على التنسيق فيما بينه في الأقطار المختلفة، أما موضوع الرفض أنا لا أعتقد أن موضوع الرفض هو الأساس في ما حصل لهذا التيار، أنا أعتقد أن الأساس لما حصل لهذا التيار، وأنا أقول لدور هذا التيار ولتجميع قوى هذا التيار وهي قوى موجودة ولا زالت موجودة ولا زالت قوى أصيلة وتحمل أهداف وهموم وقضايا شعوبها لا زالت قائمة في هذا، المطلوب أن ترى هذه القوى كيف تجمع قواها، ترى هذه القوى ما هي برنامجها الذي عليها طرحه لمجتمعاتها حتى تقوم في دورها في هذا الجانب. وأنا في ظل الواقع الفلسطيني والعربي لا أرى أنه يجب أن يحصل هناك تناقض كبير فيما بين التيار الإسلامي أو اليساري أو القومي باتجاه المهمة أو القضية الأساسية، يعني عندما نتحدث عن دولة فلسطينية عن تحرير فلسطين عن عودة لاجئين أجد أن الخطاب السياسي لمجل هذه القوى يعني متقارب أو متوافق من بعضه، إذاً يعني هناك عدم قدرة على توحيد هذا الجهد وراء الخطاب السياسي الموحد، والتيار اليساري أو التيار اليساري القومي أو التيار القومي كمان توحيد خطابه السياسي، يعني جهده حول خطابه السياسي المشترك فلسطينيا أو عربيا.

محمد كريشان: ولكن دكتور عزمي، يعني إلى جانب ما تفضل بذكره الآن السيد ملوح، هل هناك أيضا مشكلة أن ربما الوضع العربي والدولي لم يعد يتحمل المؤدلجين خاصة عندما تدخل القضية الفلسطينية في تفاصيل عبور مواطنين وطروحات.

عزمي بشارة: هو أصلا يا محمد أصلا التيار القومي العربي يجب أن يكف عن اعتبار القومية أيديولوجيا أصلا، يعني هي القومية العربية هي هوية وانتماء تصلح إطارا لتأسيس الأمة، والأمة في النهاية يجب أن تؤسس على أساس المواطنة بعد الاستقلال، ولكن هذا هو الجامع الحضاري الثقافي وإلا بعد ذلك ننقسم إلى طوائف وعشائر، ولذلك هو التيار الوحيد المؤهل أن يرشّد إلى حد ما الحالة الدينية، بمعنى أنه ما في تناقض بين هوياتنا المختلفة وأنه يجب أن ننقسم إلى تيارات سياسية ومصالح في إطار الهوية العربية، الأيديولوجية القومية إذا أكثرت من هذا الكلام يصبح كلام فاشي، القومية لا يجب أن تكون أيديولوجيا، السؤال كقومي يجب أن يتبنى أيديولوجيا فيها عدالة اجتماعية فيها ديمقراطية فيها ليبرالية وأن يطرح برنامجا لشعبه يعني ما بيكفي تحكي شعارات، اليوم القومي العربي مطلوب منه أولا أن القومية العربية يجب أن يكون معطى مش أيديولوجية إنما ألف باء هذا مفروغ منه يرفض النقاش، ما هي قوة تركيا؟ دولة قومية، قوة إيران؟ دولة قومية، إحنا فقط اللي ما عناش دول قومية، هذا اللي مش طبيعي، مش اللي طبيعي هو أن نكون قوميين، الطبيعي أن نكون قوميين، الغير طبيعي حالتنا المتشرذمة هي، لأن فرنسا قومية وبريطانبا قومية وإيران قومية وتركيا، إلا العرب ممنوع يكونوا، ويسألوا هذا السؤال، ولكن ما هي أيديولوجيتك هو سؤال، أنت ليبرالي ديمقراطي؟ أم أنت اجتماعيا مع العدالة الاجتماعية أم مع الخصخصة المطلقة؟ هذه الأيديولوجيات وهنا أنا باعتقادي في عمل كثير يفعل إضافة إلى مسألة حسم الوفاق المائة بالمائة يجب أن يكون في إطار الحضارة الإسلامية، إنه لا يوجد صراع ويجب أن لا يكون صراع بين البعدين..

محمد كريشان (مقاطعا): ولكن عفوا دكتور في نهاية البرنامج باختصار يعني عندما يكون التوجه هو الذي تتحدث عنه وهو مزاج عام، كيف نفسر حصول هذه التيارات على أعداد قليلة جدا من الأصوات في الانتخابات؟

عزمي بشارة: غير منظمة حزبيا، غير منظمة مجتمعيا، لا تطرح برامج على مستوى المجتمع المحلي، تكتفي بالأيديولوجيات الكبرى والشعارات وبحكي الـ Nostalgia، والحديث عن الماضي وأيضا وقعت أزمة، إذا الأزمة وقعت مع الماضي وكل برنامجك حنين للماضي، إذا كانت الأزمة هي فقط مسألة انهيار التيار عندما أدار دول في 67 وغيره، وبرنامجك هو Nostalgia لتلك الفترة، مع إيجابيات هذا الحكي، إذا لا يمكن أن يحقق نجاحات، هنالك عمل كثير جدا يجب أن يقام به في هذه المرحلة دون أن.. ولم يولد من الحاضر دون أن يتنكر لماضيه هو تيار.. أحد التيارات القليلة ذات الماضي الحقيقي في المنطقة.

محمد كريشان: نعم، شكرا لك دكتور عزمي بشارة، شكرا أيضا لضيفنا من رام الله السيد عبد الرحيم ملوح وبهذا نكون قد وصلنا إلى نهاية هذا الحلقة من برنامج ما وراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم. كالعادة نذكركم بإمكانية إرسال بعض المقترحات لحلقات مقبلة على هذا العنوانindepth@aljazeera.net غدا بإذن الله قراءة جديدة في ما وراء خبر جديد.