- أسباب التراجع وصلته بتراجع الاقتصاد الأميركي
-
أبعاد الأزمة وسبل حلها

ليلى الشيخلي:
حياكم الله. نتوقف في هذه الحلقة عند التراجع الحاد في أسواق المال العربية والعالمية نتيجة ازدياد المخاوف من احتمالات انزلاق الاقتصاد الأميركي أكبر اقتصادات العالم في دوامة من الركود ستكون لها، إن حدثت، تداعياتها الخطيرة على الاقتصاد العالمي. ونطرح في الحلقة تساؤلين، ما هي أسباب التراجع الحالي في أسواق المال الدولية، وإلى أي حد يعكس خللا في بنية الاقتصاد العالمي؟ وكيف يمكن الخروج من الوضع الحالي، وهل هناك إمكانية لتجنب الوقوع في مثل هذه الأزمات مستقبلا؟.... تراجع كبير شهدته البورصات العالمية صاحبه هبوط حاد في أسعار النفط والذهب، حالة يقول الاقتصاديون إنها تعكس مخاوف حقيقية من احتمال انزلاق قاطرة اقتصاد العالم، الاقتصاد الأميركي في حالة ركود، كان لمجرد التخوف منها آثار كارثية على المتعاملين في أسواق الأسهم.

[تقرير مسجل]

يوسف الشروف: من الولايات المتحدة انطلقت شرارة الانهيارات فاستحالت نارا تلتهم أسواق الأسهم العالمية تؤججها هواجس من أن قاطرة الاقتصاد العالمي داخلة في كساد سيطوق بالضرورة بقية الاقتصادات العالمية. هنا في وول ستريت هبط المؤشر نحو 4%، وفي أوروبا منيت البورصات بخسائر لم تعرفها منذ هجمات سبتمبر، وفي ثاني أيام الأزمة هبطت بورصة لندن أكثر من 2.5%، كما هبط مؤشر كاك الفرنسي بنفس النسبة وإن عوضا بعضا من هذه الخسائر. أما مؤشر داكس الألماني فقد تراجع 5.5%، في آسيا ذهبت تداعيات الأزمة بنحو 6% من أسهم مؤشر نيكاي، كما ذهبت بـ 9% من أسهم هونغ كونغ وبددت 7% من الأسهم الصينية، وكانت الهند الأسوأ إذ فقدت 12% من قيمة أسهمها. الأسواق العربية التي أبدت مناعة نسبية لم تستطع الصمود يوم أمس واليوم فقادت البورصة السعودية موجة النزول وخسرت 10%، كما هبطت أسهم دبي أكثر من 6%، وفي أبو ظبي فقد المؤشر نحو 7%، وفي قطر خسرت البورصة نحو 8% من قيمتها، فيما فقدت بورصة مسقط أكثر من 8%، وفي مصر فقدت بورصتا القاهرة والاسكندرية قرابة 5% من قيمة الأسهم.

[نهاية التقرير المسجل]

أسباب التراجع وصلته بتراجع الاقتصاد الأميركي

ليلى الشيخلي: معنا في هذه الحلقة من الخرطوم الدكتور عبد الرحيم حمدي الخبير المالي ووزير المالية السوداني الأسبق، معنا من لندن الخبير المالي والاقتصادي الدكتور حسن الخليل، أهلا بكما. دكتور عبد الرحيم نبدأ معك، يعني أصوات كثيرة اليوم ارتفعت تحذر من كارثة في الأسواق العالمية، السؤال هو يعني.. كيف وصلت الأمور إلى هذه المرحلة ولماذا الآن؟

"
بدأت تظهر آثار الخلل في سوق العقارات الأميركي لأن بعض البنوك بدءا ببنك نورث ذا روك في لندن عجزت عن السيولة  مقابل السيولة الناتجة من عدم قدرة عملاء هذا السوق عن سداد التزاماتهم
"
      عبد الرحيم حمدي
عبد الرحيم حمدي: الأمور طبعا بدأت في الولايات المتحدة كما ذكر صاحب التقرير الأولي منذ فترة منذ حوالي نوفمبر بدأت تظهر آثار الخلل في سوق العقارات الأميركي لأن بعض البنوك بدءا ببنك نورث ذا روك في لندن عجزت عن السيولة، عن مقابل السيولة الناتجة من عدم قدرة عملاء هذا السوق عن سداد التزاماتهم، وتوالت بعد ذلك في كل أنحاء العالم ظهور مشكلة الرهن العقاري الأميركي، لأن سوق العقار الأميركي سوق كبير، وكان هذا مؤشر كبير لاحتمالات الركود، ولكن الآن حقيقة، الأمر لم يعد هو إذا كانت الولايات المتحدة ستدخل في مرحلة ركود أم لا، الآن مرحلة الركود قد تأكدت بصورة واضحة جدا في قرار البنك المركزي الأميركي الفيديرال ريزيرف بتخفيض العملة، تخفيض سعر التكلفة..

ليلى الشيخلي: الفائدة.

عبد الرحيم حمدي: الفائدة بـ 75%، ثلاثة أربعاء. وهذا أكبر تخفيض في التاريخ الحديث، وأؤكد بصورة واضحة جدا.

ليلى الشيخلي: يعني منذ أربع وعشرين سنة، كما.. طيب يعني دكتور حسن الخليل إذا عطس الاقتصاد الأميركي فإن الاقتصاد العالمي كله يتأثر وتنتقل إليه العدوى، هل هذا أمر طبيعي، أم أن هناك فعلا خلل في بنية الاقتصاد العالمي يجب أن تراجع؟

حسن الخليل: هو يعني للجواب على هذه النقطة يجب وصف الاقتصاد الأميركي بأنه هو المستهلك الأكبر في الاقتصاديات العالمية، لذلك تتأثر الاقتصاديات الأخرى في حال تأثر بركود الاقتصاد الأميركي، نتيجة أن الاقتصاد الأميركي هو ما يسمى بالإنجليزية consumer market صحيح أن عنده إنتاج صناعي محلي ولكن المستهلك الأكبر في العالم هي الولايات المتحدة، والصين تعتبر أن الولايات المتحدة الزبون الأول لديها، فأي ركود اقتصادي وانخفاض في معدل القدرة الشرائية للمستهلك الأميركي سيؤثر بالتالي على نمو الاقتصاد الصيني، النمو الاقتصادي الصيني لا يعتمد فقط على الإنتاج المحلي والاستهلاك المحلي، النمو الإقتصادي الصيني والهندي بشكل خاص ودول شرق آسيا تعتمد على التصدير من الدرجة الأولى، أما إقتصاديات أوروبا والولايات المتحدة خاصة فهي أسواق استهلاكية استيرادية بشكل عام، فتأثر الولايات المتحدة نتيجة انخفاض القدرة الشرائية لدى المستهلك الأميركي، وذلك كما ذكر زميلي الأستاذ حمدي، هو نتيجة الإقراض غير المسؤول الذي تم وأدى إلى أزمة sub prim crises اللي هي أزمة الإقراض العقاري، الولايات المتحدة تتمتع بميزة خاصة جدا انتقلت هذه الميزة إلى أسواق أوروبا وإلى الأسواق والاقتصاديات التي تحاول تقليد الاقتصاد الأميركي أو هو الإقراض المسرف الـ Leverage، يعني إذا بتجمعي مقدار ما يقترض المستهلك من سيارة وبراد وأدوات منزلية إلى الرهن العقاري إلى الكريدت كارد، كل هذه الأمور عند حصول أي أزمة يشعر المقترض بأنه هو عليه عبء في حصول ركود، لأن دخله يتأثر فيصبح الضرر مضاعف أي أن دخله ينخفض بسبب التضخم ومن باب آخر هو في حالة لا يستطيع تحمل خدمة الدين الواقع تحته، كل هذه الأمور بسبب ما حصل في الولايات المتحدة والانكماش الذي نشهده اليوم في الولايات المتحدة سيؤثر على الاقتصاد العالمي. إنما أعتقد أن الأسواق العالمية، أسواق البورصات كانت ردة فعل على هذا الموضوع أكبر مما يعكس ما يحصل في الولايات المتحدة من انخفاض في الاقتصاد، وذلك نتيجة..

ليلى الشيخلي(مقاطعة): يعني ربما خوف وفوضى أكثر من أي شيء.

حسن الخليل(متابعا): للعولمة وأسواق التحوط والهجف، وما إلى ذلك..

ليلى الشيخلي(مقاطعة):  نعم، طيب على العموم إذا سمحت لي لنتابع تقرير سريع يظهر ارتباط الاقتصاد العالمي بالاقتصاد الأميركي ثم نتابع الحوار.

[تقرير مسجل]

محمد فادي: مليارات الدولارات تتبخر في ثوان من أسواق المال الدولية والعربية، أنباء عن ركود أو حتى كساد اقتصادي عالمي محتمل، الدولار يترنح، أسعار النفط تسقط من علياء المائة دولار، موجة غلاء جامح، فهل أصاب الاقتصاد العالمي مس من الجنون؟ هناك من يقول إن الاقتصاد الدولي يدفع ثمن ما يوصف بضريبة ارتباطه العضوي بالاقتصاد الأميركي، فإلى أي مدى تصدق هذه المقولة؟ جذور الإجابة عن هذا السؤال تعود إلى نهاية الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها أميركا أكبر قوة اقتصادية في العالم بحجم إنتاج يبلغ أكثر من 13 تريليون دولار وبعملة خضراء تهيمن على أكثر من 60% من الاحتياطيات الدولية وعلى السواد الأعظم من المعاملات التجارية العالمية لتصبح الولايات المتحدة باختصار المحرك الرئيس للاقتصاد العالمي. هذا الوضع الاقتصادي المهيمن تغطيه قوة عسكرية فريدة من نوعها في تاريخ الإمبراطوريات، إضافة إلى مؤسسات مالية دولية تسير في ركاب البيت الأبيض، حسب ما يرى البعض، مثل صندوق النقد والبنك الدوليين. ومع تسارع وتيرة العولمة تسارعت أيضا وتيرة الاقتصاد العالمي من تبعات ما صار يوصف بتصدير الولايات المتحدة لمشكلاتها الاقتصادية للعالم الخارجي، هذا الأمر يفسر كيف تحولت معضلة تهاوي الدولار وأزمة القروض العقارية الأميركية البالغ حجمها، وفق التقديرات، تريليون دولار من أزمة داخلية أميركية إلى أزمة نقدية عالمية تسعى القوى الاقتصادية الكبرى في العالم إلى حلها، فانفجار فقاعة العقارات الأميركية صار ينذر بتقلص الإنفاق الاستهلاكي المحلي الذي يبلغ حجمه أكثر من ستة تريليونات دولار وبالتالي يهدد مع عوامل أخرى، في مقدمتها فاتورة الحرب في العراق وأفغانستان، بركود الاقتصاد الأميركي الذي تحول خلال ولاية الرئيس جورج بوش من عهد الفوائض المالية القياسية إلى عهد العجز المالي التاريخي. ولكن ماذا يعني الركود الاقتصادي أو الكساد؟ ولماذا يخشى الناس الكساد العالمي؟ الركود الاقتصادي في أبسط معانيه يعني تراجع إنتاج المجتمع من السلع والخدمات، وهي ظاهرة قد يؤدي تفاقمها إلى انفجار معدلات البطالة وتفشي الفقر، وقد يتحول الأمر إلى كساد مثل الكساد الكبير الذي شهده العالم في عشرينيات القرن الماضي، عندما انهارت بورصة وول ستريت وأغلقت المصانع وتشرد الملايين في الشوارع. إلا أنه من المستبعد إلى حد كبير تكرار هذا السيناريو الآن على الأقل بفضل نضوج المنظومة الاقتصادية العالمية والتنسيق الاقتصادي الدولي والتوقعات بأن تنتهي دورة هبوط الاقتصاد الأميركي سريعا بعد أن يتحدد حجم أزمة القروض العقارية وبالتالي تتحدد سبل الحد من تداعياتها.

[نهاية التقرير المسجل]

ليلى الشيخلي: دكتور عبد الرحيم، يعني ليس الجميع يقبلون أو يوافقون على هذا الربط بين الاقتصاد الأميركي والاقتصاد العالمي، لنتوقف عند ما قاله المفوض الأوروبي للشؤون الاقتصادية والنقدية اليوم، قال "لا نتحدث عن انكماش عالمي بل انكماش أميركي فقط" كيف تفسر هذا الكلام؟

عبد الرحيم حمدي: هذا الكلام إلى حد كبير صحيح لأن المتغيرات منذ أول أكبر سقوط للبورصات قبل عشر سنوات كبيرة جدا، هي ظهور الاقتصاد الصيني والاقتصاد الهندي من ناحية، ظهور كتلة اليورو اللي هي الكتلة الأوروبية. ثانيا ضعف قوة الدولار بصورة واضحة جدا جدا، ظهور موارد أخرى للطاقة في العالم غير بترول الشرق الأوسط الذي يسيطر عليه إلى حد كبير الولايات المتحدة وذهاب جزء كبير من هذا البترول إلى الصين، ذهاب جزء كبير جدا من المعادن والمواد الخام إلى الاقتصاديات الجديدة في الصين والهند والبرازيل وهكذا، فميزان القوى الاقتصادية في العالم تغير فعلا، ولهذا أنا أوافق أن الاقتصاد الأميركي الآن لم يعد هو المحرك أو القاطرة بنفس الصورة التي كان عليها منذ 10 أو 15 عام. ولهذا أتوقع أن تحدث إجراءات وبدأت فعلا في الولايات المتحدة، ذكرت منها الإجراءات النقدية وهي تخفيض سعر الفائدة وهناك الإجراءات المالية  in fiscal a policyوالآن هناك مطروح على الساحة الأميركية برنامج لإنعاش الاقتصاد الأميركي على الأقل بحوالي ستين مليار، الاقتصاد الأميركي الحقيقة اقتصاد كبير في حد ذاته لكن الاستهلاك الداخلي فيه ليس كما ذكر الأخ هو ستة تريليون، هو 14 تريليون دولار وهذه لعلمك يساوي عشرين ضعف كل الدخل القومي للدول العربية مجتمعة، وهو اقتصاد كبير، لكن أيضا كما ذكرت ظهور اقتصادات أخرى يعدل الآن كفة المعادلة من ناحية عالمية.

ليلى الشيخلي: طيب يعني في النهاية دكتور حسن، إذا لم تكن القاطرة بهذه القوة، إذا كيف تفسر ما حدث اليوم في الأسواق حول العالم؟ أم هي حالة ربما من عدم اليقين مما يجري، يعني الناس لا تعرف هل هو انكماش، ركود، متى سينتهي؟ يعني القضية هل هي قضية عابرة أم ماذا؟ هل هو هذا السبب الأساسي لما شهدناه؟

حسن الخليل: لا الحقيقة يعني هون نحن ما بدنا نفوت ببرنامج مثل برنامجك الكريم ندخل بمواضيع فلسفية، إنما هناك الحقيقة نوع من خلفية فلسفية لما حصل في الثلاثين سنة الماضية، موضوع العولمة وكل من روج للعولمة كان عليه أن يعلم بأن هناك مضاعفات سلبية كما هي المضاعفات الإيجابية. طبعا العولمة ساعدت في نمو الاقتصاديات الناشئة، العولمة ساعدت في ظهور البرازيل كثامن اقتصاد في العالم، العولمة ساعدت في ظهور الصين والهند كدول صناعية كبرى ضخمة، ولكن ظاهرة العولمة أدت إلى.. بالإضافة أن أي ركود اقتصادي أميركي سيؤدي بسبب أن أميركا هي كما ذكرت المستهلك الأول في العالم، كذلك أدت العولمة إلى ترابط النظام المالي بطريقة وبأسلوب لم نشهده منذ ظهور النظام الرأسمالي، ترابط النظام العالمي والنظام المصرفي بهذا الشكل جعل جميع المصارف العالمية مرتبطة بعضها ببعض إذ أن خطوط الائتمان ما بين المصارف بعضها ببعض هي متواصلة من الهند إلى أفريقيا ومن آسيا إلى الشرق الأوسط، فأي  خضة ممكن أن تؤثر على أي قطاع مصرفي في دولة رئيسية إن كان في الدول الكبيرة في الدول الصناعية السبع أو في الأسواق الناشئة، لأن جميع المصارف الرئيسية اليوم (يو بي إس)، وكريدي سويس، وبنك أوف أميركا، كلهم في دبي وتريهم في الهند، (إتش.بي.سي) موجود بكل أنحاء العالم، فأي خضة مالية في أي دولة رئيسية مثل الولايات المتحدة تؤدي إلى زعزعة الوضع المالي وبالتالي الاقتصاد العالمي. الإقراض الغير المسؤول ما يسمى بـ  Leveragingالذي تم بحيث أن شركة امتلاك.. من كل هذه الشركات اللي طلعت بآخر عشرين أو ثلاثين سنة ،private equity ممكن أن يرفعوا رأس مال بحوالي مليار دولار ولكن القطاع المصرفي يؤمن لهم قروض بحوالي 20 مليار دولار أو 15 مليار دولار ويقوموا بعملية تملك الشركات، كل هذه المنظومة المالية..

ليلى الشيخلي(مقاطعة): يعني بمعنى آخر جشع البنوك والأفراد أيضا ممكن أن تكون يعني وراء..

حسن الخليل: لا شك، لا شك في هذا الموضوع، أنا لا أريد التحدث كأني يساري ، لا أنا ابن الرأسمالية، أنا أشجع النظام الرأسمالي والسوق الحر، ولكن غياب الحكومات المسؤولة والتشريعات أدت إلى جشع المصارف، كل مصرف يريد مدراؤه أن يقولوا بأن نحن النمو عندنا 10% و15% و 30%، لا أحد يرضى في العالم بنمو اقتصاد 2% أو3%، إذا انخفض النمو الاقتصادي في الصين من 10% إلى 6% يتحدثون عن ركود في الصين، هذا أدى إلى سوء استعمال الموارد الطبيعة في الكون في العالم، وأدى إلى التلوث وإلى البيئة وأدى إلى جشع في النظام المصرفي، أي خضة أو أي أزمة مصرفية كما حصل في الولايات المتحدة في عملية الرهن العقاري تصبح كأنها كرة ثلج، وهذا ما يجب تداركه، حتى الآن الحكومات، أنا في نظري لا تقوم بعمل مسؤول.

ليلى الشيخلي: وإلى أي حد هناك وعي بهذا؟ هذا هو السؤال وكيف يمكن الخروج من الأزمة الحالية وتحاشي مثيلاتها مستقبلا؟ هذا ما سنطرحه بعد وقفة قصيرة، أرجوا أن تبقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

أبعاد الأزمة وسبل حلها

ليلى الشيخلي: أهلا من جديد. حلقتنا تدرس احتمالات انزلاق الاقتصاد العالمي في دوامة ركود بعد التراجع الحاد في البورصات العالمية. إذاً يعني دكتور عبد الرحيم حمدي من الخرطوم، استوقفني ما قاله غولدن براون رئيس الوزراء البريطاني أمس، يقول: "يتعين على صندوق النقد الدولي إنشاء  نظام للإنذار المبكر لمنع حدوث مثل هذه الأزمات" بصراحة يعني هل هذا كلام واقعي؟

عبد الرحيم حمدي: هذا كلام غير واقعي، حل المشكلة حقيقة هو إعادة النظر في أجزاء أساسية من العملية المالية. أولا الأسواق المالية لا تمثل الاقتصاد الحقيقي، الاقتصاد الحقيقي هو المكون من الصناعة والزراعة والخدمات، حتى الأسواق المالية عندما ظهرت وتفاقم أمرها سميت بالاقتصاد الجديد، الحقيقة يجب أن نعيد النظر في مسألة شفط السيولة وشفط الموارد، سحبها من الاقتصاد إلى التعاملات المالية والمضاربات المالية السريعة والساخنة، ده أمر عاوز معالجة جزرية ودي مسألة مش فلسفية ده أمر واقعي، يعني الآن إذا أردت أن تستثمر في مصنع أو مزرعة فأنت تحتاج أن تصرف المبلغ كله لهذا الاستثمار وتنتظر حتى تأتي النتائج، لكن إذا دخلت في صفحة يعني مالية في أي سوق من الأسواق تدفع مقدم بسيط جدا 5% وتتملك صفقة ضخمة جدا، الذي يمكنك من هذا هو أن البنوك والمؤسسات المالية تسلف بدون أي ضابط للمؤسسات التي تريد أن تضارب في البورصة، هذه نقطة جوهرية يجب مراجعتها وليست مسألة إنذار مبكر، يعني حرمان الأسواق المالية من جزء كبير من السيولة وإعادة تحويلها إلى بناء الاقتصاد الحقيقي the real economy. هذه ليست تعبيراتي هذه تعبيرات كل الاقتصادين. الشيء الثاني..

ليلى الشيخلي(مقاطعة): وتوفير.. تفضل أكمل النقطة الثانية لو سمحت بسرعة بس.

عبد الرحيم حمدي: النقطة الثانية هي منع المتاجرة على الـ margin كما يقال لأنه كما ذكرت بمبلغ بسيط جدا تستطيع أن تتملك صفقة ضخمة جدا. إذا كانت المقاصة، إذا كان الدفع يساوي 100% فسينخفض حجم السيولة المتاحة وستنخفض أو تختفي تماما المضاربات في الأسواق وهذا حادث عندنا في البورصة السودانية، والسبب هو حقيقة مزيج من سياسات البنك المركزي التي تمنع التمويل لشراء الأسهم والسندات ومزيج من القواعد الإسلامية الشرعية التي توجب أن تكون المشتروات أو التقاص على المشتروات بنسبة 100% وليست بهامش بسيط جدا.

ليلى الشيخلي: طيب، وكنت أيضا ذكرت وأسألك دكتور حسن أيضا هذه النقطة التي كان أثارها الدكتور قبل قليل عن إمكانية خلق أقطاب توازي الاقتصاد الأميركي، مثلا في الصين في البرازيل في الهند يعني هل هذا هو الحل الذي يمكن أن ينقذنا من كون يعني إذا عطست  أميركا فالكل سيتأثر؟

"
يجب على الحكومات وضع ضوابط منذ الاقتراض غير المسؤول لأن هذا الاقتراض إذا لم يتوقف فسيؤدي إلى كارثة عالمية قد تطيح بالنظام الرأسمالي برمته
"
            حسن الخليل
حسن الخليل: هذا ممكن تطبيقة أو اعتماد هذه النظرية في حال أننا اعتبرنا أن ظاهرة العولمة غير موجودة، بحيث أنه والله إذا الاقتصاد الأميركي لم يعد زبون كبير لديك تتحولي إلى اقتصاد آخر، ولكن الاقتصاد العالمي كما ذكرت مرتبط بعضه ببعض ومن الصعب عزل ما يجري في منطقة عن منطقة أخرى. كنا نذكر أن اقتصاد الشرق الأوسط هو اقتصاد استهلاكي وبورصات الشرق الأوسط منعزلة وتتمتع بمناعة معينة إذا ما قورنت ولكن ظهر أنه حتى اقتصاديات الشرق الأوسط التي فيها سيولة هائلة والتي تتمتع بنمو اقتصادي جدا مريح وفعلا لأول مرة في تاريخ الشرق الأوسط ممكن القول بأن اقتصاديات المنطقة هي اقتصاديات صحية، إنما ما ذكره زميلي الأستاذ وزير المالية السابق أستاذ حمدي يعني فيها شوي من النظرية لأن صعب تطبيق هذا بالمبدأ بأنه يجب منع الـ margin ومنع الـ margin هذه برهنت أنه صعب تطبيقها إلا في أمور معينة وفي ظرف معين. ما يجب لفت الانتباه إليه وما قاله غولدن براون هو وضع إنذار مبكر يمكن تطويره إلى أكثر من إنذار مبكر، كما وضعت ضوابط للإقراض في المصارف وهربت المصارف من هذه الضوابط عبر خلق ما يسمى بصناديق التحوط وبموضوع تملك الشركات، ليست هناك ضوابط لتملك الشركات ولصناديق التحوط، هذه أحد الأسباب الرئيسية في الانهيارات المالية اليوم حيث أن المستثمرين يصابون بحالة من الهلع ويذهبوا فورا إلى صناديق التحوط ويطلبون استرجاع أموالهم وبالتالي تصبح كرة ثلج بحيث أن عملية البيع لا تتوقف. يجب على الحكومات وضع ضوابط منذ الآن لمنع الاقتراض غير المسؤول لأن هذا الاقتراض غير المسؤول إذا لم يتوقف سيؤدي إلى كارثة عالمية قد يطيح بالنظام الرأسمالي برمته.

ليلى الشيخلي: وهو أيضا السبب وراء كل هذا، ما نشهده اليوم ربما يعني فقط أريد دقائق قليلة جدا أريد أن أسأل دكتور حسن سؤال أخير، يعني هل هذه برأيك أزمة طارئة ستزول بعد ستة أشهر أم أزمة مستفحلة ستزداد سوءا برأيك؟ هذا أكيد هو السؤال الذي يهم أي شخص يتابع هذا البرنامج.

حسن الخليل: نعم، الحقيقة من الصعب الإجابة على الموضوع لسبب بسيط،لم نعرف حتى الآن حجم الأضرار الفعلية في النظام المصرفي العالمي، يعني أزمة مثل مصرف من الدرجة الثانية اللي هو نورث روك أدى البنك المركزي إلى ضخ 55 مليار جنيه إسترليني، ماذا لو أي إشاعة مثل الإشاعات التي سمعنا عنها بأن جهاز أبو ظبي انسحب من عملية إعادة رسملة سيتي غروب، أو ماذا لو كان هناك كما ظهر اليومر إشاعة عن (سوسيتي) أو ما إلى ذلك، البنوك المركزية يمكن أن تقوم بعمل إلى حد ما، إنما ما هو الضرر أو ما تخبئ لنا المصارف خلال الأشهر المقبلة هو الذي سيكون عامل استعادة الثقة أو عدم استعادتها، في حال كان الأضرار ممكن للبنوك المركزية بالتعاون مع المصارف التجارية أن تستوعب صدمة الرهن العقاري والوقف إلى حد معين كما فعلت اليابان في سنة 1994 عند حصول الأزمة المصرفية عندئذ نكون بدأنا الخروج من النفق، ولكن يجب تعلم درس كما لم نتعلم في 1991 في أزمة..

ليلى الشيخلي (مقاطعة): طيب لأسأل نفس السؤال للدكتور عبد الرحيم حمدي كيف تراها يعني، أزمة مستفحلة أم طارئة؟

عبد الرحيم حمدي: أنا أراها أنها ستكون أزمة طويلة الأمد وتجربتي الشخصية من حضور أزمتين مماثلتين في لندن أثناء عملي هناك، أزمة سقوط السوق العقاري أيضا في لندن وسوق البورصة، الأمر استغرق سنوات عدة حتى ترجع الأمور إلى طبيعتها، وأنا شخصيا أتنبأ بأنها ستكون مشكلة طويلة الأمد وتداعياتها ستستمر معنا مدة طويلة.

ليلى الشيخلي: شكرا جزيلا لك الدكتور عبد الرحيم حمدي الخبير المالي ووزير المالية السوداني الأسبق، وشكرا للخبير المالي والاقتصادي الدكتور حسن خليل من لندن، وشكرا لكم أيضا مشاهدينا الكرام على متابعة هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم، في أمان الله.