- عوامل ارتفاع الأسعار ونسب التضخم
- أسباب الغلاء في البلاد العربية

- تداعيات الظاهرة ودور الحكومات في الحل




محمد كريشان: السلام عليكم. نتوقف في هذه الحلقة عند استفحال ظاهرة غلاء الأسعار على مستوى العالم بما في ذلك الأقطار العربية. يغذيها ارتفاع معدلات التضخم لا سيما المواد الاستهلاكية والغذائية. وفي حلقتنا محوران، ما هي العوامل التي تغذّي عالمياً هذه الموجة في ارتفاع الأسعار ونسب التضخم؟ وإلى أي حد تؤثر هذه الظاهرة في السلم الاجتماعي، لا سيما في الدول الفقيرة؟ غلاء الأسعار، هي موجةٌ بدت كوباء يجوب أقطار العالم كافة، يكاد لا يستثني منها أحداً. صحيح أن هذه الموجة سبقتها موجات ثلاث، لكنها فريدة في العوامل التي غذّتها. في الأولين كانت الحربان الكونيّتان وقودها، وفي الثالثة كان انقطاع النفط العربي مبرر اندلاع شررها، هذه العوامل غابت الآن عن مشهد الموجة الحالية لتحضر مكانها عوامل جديدة، لعل أبرزها صراع الفقراء والأغنياء على الحبوب. جوعى يريدونها طعاماً لهم، وأثرياء يريدونها وقوداً لسياراتهم.

[تقرير مسجل]

محمد فاوي: من سوء حظ الفقراء والطبقات المتوسطة في شتى أرجاء العالم على ما يبدو، أن هذه الأيام تشهد واحدة من أسوأ موجات الغلاء في التاريخ الحديث، فقد شهدت أسعار المواد الغذائية، خاصة الحبوب، التي تُعدّ عصب غذاء الفقراء، قفزات قياسية لم تشهدها البشرية خلال القرن المنصرم بأكمله، إلا ثلاث مرات فقط هي إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية، وخلال الصدمة النفطية الأولى في سبعينيات القرن الماضي. فقد ارتفعت أسعار القمح بنسبة 90 في المائة، وصعدت أسعار الذرة بنسبة 20 في المائة، وقفزت أسعار فول الصويا بنسبة 80 في المائة، فلماذا أصاب الجنون أسعار السلع والخدمات؟ عوامل عديدة تقف وراء ذلك، منها الصعود القياسي في أسعار النفط عالمياً والذي أدى بدوره إلى ارتفاع كلفة الإنتاج، كما أعملت الكوارث الطبيعية والتغيرات المناخية معولها في إنتاج العالم من الحاصلات الزراعية، لترتفع معها أسعار الأعلاف واللحوم والألبان والبيض. ومما زاد الأمر تعقيداً زيادة الطلب على المواد الغذائية زيادة هائلة في الصين والهند، بعدما تضخم حجم الطبقة الوسطى في هذين البلدين على نحو أدّى إلى تغيير عاداتها الغذائية التقشفية. أما العامل الأكثر خطورة وراء هذه الظاهرة فيتمثل، حسب كثيرين، في التهام مصانع الوقود الحيوي في الغرب كميات ضخمة من المحاصيل الزراعية، ليتحول الأمر إلى معركة بين فقراء لا يطمعون في أكثر من رغيف خبزٍ وأغنياء يودون تحويل قمح الخبز إلى وقود لسياراتهم الفارهة. ولما كان العالم العربي يستورد أكثر من 90 في المائة من حاجاته من الخارج، فقد كان من الطبيعي أن تنتقل عدوى هذا التضخم العالمي الجامح إلى أسواقه لترتفع الأسعار فيها ارتفاعاً بدا صادماً للأغلبية الكاسحة من المواطنين، لدرجة أشعلت مواجهات واضطرابات في الشارع العربي.

[نهاية التقرير المسجل]

عوامل ارتفاع الأسعار ونسب التضخم

محمد كريشان: ومعنا في هذه الحلقة، من عمّان صالح التايه نائب محافظ البنك المركزي الأردني السابق، ومن القاهرة مجدي صبحي الخبير الاقتصادي بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، أهلاً بضيفينا. نبدأ بالسيد التايه في عمان، هل فعلاً موضوع الحبوب هو الذي يفسر، على الأقل بشكل أساسي، هذا الارتفاع العالمي في الأسعار؟

صالح التايه: ليس موضوع الحبوب وحده، وليس موضوع الطاقة وحدها، هناك عوامل كثيرة جداً تؤثر على ما يُسمى بالتضخم الذي هو ارتفاع الأسعار وانخفاض القوة الشرائية، وتآكل قيمة النقود. هناك أسباب اقتصادية، هناك أسباب سياسية، هناك أسباب ذاتية تتعلق بثقافة المجتمعات نفسها. طبعاً الأسباب الاقتصادية تتلخص في زيادة الطلب على كل السلع بما فيها الحبوب، بما فيها النفط، بما فيها الحديد، زيادة الطلب غير المصحوب بزيادة كافية في الانتاج، إنتاج هذه السلع. سبب آخر، زيادة الإنفاق العام والخاص، سبب آخر نقص الادّخار والاستثمار. وسبب مهم جداً، انخفاض سعر صرف الدولار الناجم عن السيولة الفائضة وإغراق العالم بالسيولة، إغراق العالم بالدولارات، فوائض كثيرة جداً موجودة في العالم خلقت طلب كثير جداً، وخلقت فوائض من الدولار لدى الدول المصدّرة كالصين والهند، الصين وحدها عندها ترليون وأربعمائة مليار دولار فقط لدى الصين، حوالي ربع احتياطيات العالم. إذاً هناك أموال، فيه سيولة فائضة، فيه طلب على السلع. هناك أنماط الاستهلاك السائدة أيضاً في الدول الفقيرة وفي بعض الدول. الفقر، هذا أحد الأسباب. ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج كما ذكرنا..

محمد كريشان (مقاطعاً): عفواً، ربما الفقر يكون أحد أسباب ارتفاع الأسعار، وليس بالضرورة سبب، يعني ربما يتساءل الكثيرون.

صالح التايه: أحد الأسباب طبعاً..

محمد كريشان: ولكن من ضمن هذه السلسلة الطويلة التي عرضتها، سيد تايه، ربما نسأل سيد مجدي صبحي، من بين هذه السلسلة الطويلة من الأسباب، أيّ الأسباب، إذا أردنا أن نكون بسيطين في طرحنا للرأي العام، ما الذي يمكن أن نقول حتى يفهم المواطن العادي، على الأقل الأسباب الجوهرية لظاهرة أصبحت عالمية؟

"
السياسة النقدية في الدول العربية لم تتدخل للجم التضخم برفع سعر الفائدة، وذلك حفاظا على أسعار صرف العملات العربية المستندة إلى الدولار
"
مجدي صبحي
مجدي صبحي: أعتقد أن الأسباب يمكن تلخيصها في جملتين رئيسيتين، الأسباب الأولى هي، كما تفضلتم، الارتفاع الشديد في أسعار السلع، مختلف السلع، عالمياً خلال العامين الماضيين. الجزء الثاني يتعلق بكيفية تعاطي الحكومات مع مشكلة التضخم، سواء من أصول محلية أو التضخم المستورد عبر زيادة أسعار السلع. إذ نجد أنه في الحقيقة السياسة النقدية في الدول العربية لم تكن فعالة بسبب استمرار انخفاض أسعار صرف الدولار أمام العملات الدولية. وبالتالي، حفاظاً على أسعار صرف العملات العربية المستندة إلى الدولار، لم تتدخل السياسة النقدية لمحاولة لجم التضخم برفع سعر الفائدة. الجزء الثاني، أن السياسة المالية في العديد من الدول العربية، لا سيما في الدول العربية غير النفطية، استمرت في طوال الفترة الماضية في الحقيقة في تحقيق عجز كبير في الموازنة العامة للدولة وتضخم في الدين العام المحلي، وهو من الأسباب الجوهرية لإشعال التضخم في أي بلد من البلدان. وبالتالي هناك أسباب عالمية صحيح لا يمكن إنكارها، لكن هناك أيضاً بطء في استجابة السياسة المحلية لكيفية التعامل مع ارتفاع الأسعار.

محمد كريشان: وبالتأكيد المواطن ربما لا يكترث كثيراً بهذه الأسباب التي سردناها وإنما يهمه الواقع الذي يعيشه خاصة بالنسبة للقمة العيش. سنتابع هذه المسألة، غلاء الأسعار، ولكن من زاوية عربية في الواقع العربي، بعد هذا الفاصل نرجو أن تبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

أسباب الغلاء في البلاد العربية

محمد كريشان: أهلاً بكم من جديد، وحلقتنا تتناول ظاهرة غلاء الأسعار في العالم وفي البلاد العربية ربما بشكل خاص. عندما نتحدث عن الغلاء في البلاد العربية نقصد الكل، ولكن لنتابع على الأقل هذا المثال في اليمن.

[تقرير مسجل]

أحمد الشلفي/ صنعاء: المواطن العربي بين فكي كماشة، الاضطرابات السياسية من جهة والاضطرابات الاقتصادية من جهة أخرى. غير أن هذه الأخيرة ما فتئت أن فتكت به فأصبح غير قادر على تحمل أعبائها، والخسائر المادية التي حاقت به، بعد أن بلغ ارتفاع أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية في بعض الدول العربية أكثر من 100 في المائة وفي البعض الآخر تراوحت بين 50 و70 في المائة خلال عام واحد.

مشارك: الطبقة الوسطى تقريباً انتهت تماماً في اليمن، ما عادش حد يسمع بالطبقة الوسطى، انتهت تماماً بسبب الارتفاع في الأسعار. أمس أشتري الحليب بأربعة ألف، اليوم بأربعة ألف وسبعمائة ريال! من الذي يتابع؟ لا وزارة التموين ولا مسؤولين ولا أحد، يعني كل تاجر يتحكم بنفسه.

أحمد الشلفي: انتهى عام 2007 بزيادة سعرية غرق فيها المواطن العربي حتى أذنيه بالديون والأحزان، فخرج غاضباً يطالب حكوماته بالرحيل. ودخل عام 2008 بارتفاع عالمي لأسعار النفط كانت نتائجه سلبية على العالم أجمع، لكنها بالنسبة للمواطن العربي بدت مأساوية، بالنظر إلى النسب المرتفعة في مستويات البطالة والفقر التي تجاوزت في بعض هذه الدول 40 في المائة وأكثر أحياناً، مع تضاؤل نسب النمو والتنمية وازدياد الفساد وتقلص عمليات الإصلاح بحسب تقارير دولية.

مشارك: جرعة بعد جرعة، حتى أثقلت كاهل الشعب. يعني تبصر المواطن، الموظف مثلاً، يزيدون مثلاً براتبه أو شيء، لكن الموظف وغير الموظف على كاهله.

أحمد الشلفي: وأمام هذه التحديات لا تملك حكومات المنطقة، وخاصة تلك التي لا تتمتع باقتصاد قوي ونفط وغاز وفيرين، سوى الحديث عن غلاء عالمي، وحملات رقابة لا تؤتي أكلها في ظل تدني الأجور وازدياد أعداد الفقراء، الفقراء الذين لا يقنعهم سوى أن يُطعَموا من جوع، بعيداً عن هذه التبريرات التي دأبت الحكومات العربية على ترديدها، دون أن تواري سوءات مواطنيها المنشغلين بشواغل العيش عن السياسة وتبادل السلطة، ولسان حالهم يقول، أنا ربّ إبلي وللبيت ربّ يحميه... أحمد الشلفي، الجزيرة، صنعاء.

[نهاية التقرير المسجل]

محمد كريشان: هذا عن اليمن، على سبيل المثال لا الحصر. هناك أيضاً دول أخرى بالطبع، نتابع المغرب مثلاً.

[تقرير مسجل]

إقبال إلهامي/ الرباط: غضبٌ صامت يسود الشارع المغربي جراء موجة الغلاء التي باتت تفتك بجيوب ملايين المغاربة. موجةٌ قد تلقي بظلالها على السِلم الاجتماعي، خصوصاً مع انهيار القدرة الشرائية لغالبية المواطنين المغاربة.

مشارك: المواطن تقاديره ضعيفة والمدخول ضعيف، وما بإمكانه يتحمل هذا الشيء. نطلب من الحكومة المغربية باش تراجع الأوراق التي لها وتشوف شي حل لهذا المشكل.

إقبال إلهامي: انتفاضة الخبز كانت المؤشر الأبرز على عمق الأزمة الاجتماعية، لم تسثنِ آثارها حتى الطبقات التي كانت تعتقد أنها في منأى عن تقلبات الأسعار.

مشارك: الإنسان المتوسط أو الإنسان تحت المتوسط لا يستطيع يقود وحده العائلة وتعيش بشكل ممتاز زي العوائل الأخرى.

إقبال إلهامي: نفّذت جمعية المجتمع المدني مسيرات سار فيها الآلاف. كان رهان القوة بين المتظاهرين والحكومة يتسع كلما قفزت أسعار النفط عالمياً، لكن ارتفاع كلفة استيراد القمح كان له وقعه الأكبر سيما على الطبقات الفقيرة. تراجعت الآمال في ضبط إيقاع الأمن الغذائي، ومعها حسابات الساسة في ظرفية الأزمة. موجة غلاء غير مسبوقة تجتاح المغرب وتطاول كافة المواد الاستهلاكية، ولا يبدو أن ثمَّ وصفة حكومية لوقف ذلك الارتفاع، طالما ظلت أسعار النفط تقفز إلى أرقام قياسية... إقبال إلهامي، الجزيرة، الرباط.

[نهاية التقرير المسجل]

محمد كريشان: سيد صالح التايه في عمّان، في التقرير الأول تابعنا أحد المواطنين اليمنيين يتحدث أنه لم يعد هناك شيء اسمه الطبقة الوسطى، وهذا ينطبق أيضاً على عدد من الدول العربية، هل هذا أول النتائج الخطيرة لغلاء الأسعار في بلادنا العربية؟

صالح التايه: يا أخي ليس تماماً. الطبقة الوسطى ما زالت موجودة، بس نسيت أن تتحدث عن عوامل مهمة جداً، أسباب التضخم أسباب سياسية، عدم الاستقرار، يعني مثل الحرب على الإرهاب، شوف شو خلقت فرص إنفاق، خلقت عدم استقرار، خلقت عدم وجود فرص عمل، وأمثلة كثيرة جداً في كل المنطقة العربية وغيرها. عندك التلوث، سبب سياسي خلينا نقول، وتقلبات المناخ واستخدامات بعض السلع، كما ذُكر..

محمد كريشان (مقاطعاً): عفواً سيد صالح، حتى نكون عمليين، المواطن العربي عندما يتابعك تتحدث عن المناخ وتغير المناخ، سيسأل بالطبع ما علاقة ذلك برفع الأسعار؟ يعني حتى نكون قريبين من المزاج العام، هناك خطر الآن، إذا ما استمر هذا الارتفاع في الأسعار، سنرى على الأقل الطبقة الوسطى، لا نقول تختفي ولكن ستصبح منهكة، خطورة ذلك على الاستقرار الاجتماعي في أكثر من دولة عربية؟

"
يجب ألاّ تحمّل أسعار النفط وحدها ثمن ظاهرة غلاء الأسعار في العالم أجمع
"
صالح التايه

صالح التايه: هذه المرة الأسباب عالمية، جاية من برّه وليس من الداخل في أسباب ارتفاع السلع، يعني كارتفاع أسعار النفط، الحبوب، إلى آخره، القهوة، طبعاً رغم انخفاضها الأخير، آخر يومين، كل السلع ارتفعت عالمياً، وبالتالي لا أتوقع تذمر اجتماعي كبير لأن الارتفاع عالمي، لا دور للدول العربية، لا سيما الفقيرة، في الارتفاع. لكن ما يلفت النظر هو تحميل أسعار النفط وحدها كل هذا الارتفاع، هذه ثقافة غربية اقتصادية، بعد ارتفاع النفط في 1973 هذا ما حدث، يجب أن لا يُحمّل النفط وحده ثمن هذا الارتفاع وبالتالي إنتاج النفط مرتبط بالدول العربية، الفرنسيين كانوا يكون فيه شعارات كثيرة جداً وضعت في الـ Underground في المترو عندهم، وقتها كانوا يقولون ليس لدينا بترول وإنما لدينا أفكار، أنا أترجم. طبعاً فيه أسباب كثيرة جداً لهذا الارتفاع، قلة الإنتاجية في الدول العربي. فيه أسباب تاريخية، فشلنا كدول عربية في التنمية.

محمد كريشان: هو على كل هذه الأسباب العالمية التي ذكرتها، وهنا أسأل السيد مجدي صبحي، أغلب الدول العربية، الحكومات العربية أقصد، تبرر الارتفاع بأنه ظاهرة عالمية، أين العالمي وأين المحلي في تبرير ذلك، خاصة بالنسبة للمواطن العربي حتى يقتنع بأنه، ربما، لا مفر مما يعانيه الآن؟

مجدي صبحي: أنا أعتقد أن هذا في الحقيقة حقٌ يراد به باطل، فالتركيز على أن الأسعار ارتفاعها عالمي معناه أن الحكومات ليست مسؤولة عن أي ارتفاع في الأسعار داخلياً، أنا أعتقد ان هذا تبرير لا يمكن أن يدخل في عقل أي مواطن عربي. علينا أن نذكر إلى جانب الأسباب العالمية أسباب محلية، هناك تشوه شديد في الأسواق، في الوقت الذي يُسمح فيه للقطاع الخاص بالعمل والقول بالخصخصة وغيره، نجد أن هناك احتكار في بعض المجالات، في بعض السلع تزيد الأسعار دونما أي مبرر من ارتفاع في التكلفة. هناك صناعات في بعض البلدان العربية كمصر تحقق أكثر من مائة في المائة أرباح، وهي معدلات غير معروفة عالمياً في أي سلعة من السلع. إلى جانب ذلك هناك أيضاً تباطؤ بل وعجز حكومي عن اتخاذ سياسات مواكبة لما حدث من ارتفاع الأسعار بحيث تحارب هذا التضخم. أشرت من قبل إلى السياسة النقدية وقفت عاجزة، أشرت إلى السياسة المالية واستمرارها في تحقيق عجز في الموازنة العامة للدولة وتضخم في الدين العام المحلي، وبالتالي تكون النتيجة لذلك هي، إما طبع النقود وبالتالي زيادة السيولة دون أن يواكبها زيادة في حجم السلع المتاح، وإما مزاحمة القطاع الخاص في الحصول على قروض لتغطية هذا العجز في الموازنة العامة للدولة، وبالتالي نقص الاستثمار الذي هو مطلوب في هذه الحالة لمكافحة التضخم بزيادة العرض من السلع. وبالتالي هناك أسباب قطعاً محلية، وإذا لم تكن هناك أسباب محلية فعجز الحكومات وحدها عن التعاطي مع هذه المشكلة يعد في الحقيقة إدانة لهذه الحكومات، على الحكومات أن تبرر للمواطنين أنها فعلت كل ما بوسعها من أجل مكافحة التضخم، وبالتالي سيرى المواطنون ذلك حتماً في حياتهم اليومية. أما القول بأن الزيادة هي عالمية وأننا سنقف سلبيين إزاء هذه السياسة العالمية أو هذا السعر العالمي، أنا أعتقد أن هذا لا يحدث في أي بلد من البلدان حتى في البلدان الرأسمالية الصناعية المتقدمة.

تداعيات الظاهرة ودور الحكومات في الحل



محمد كريشان: هناك أيضاً، سيد مجدي صبحي، في نهاية سبعينات القرن الماضي كانت هناك ما يُعرف بثورة الخبز في مصر، أيضاً في بداية الثمانينات حصل نفس الشيء في المغرب وفي تونس، وقبل بضعة أشهر أيضاً انتفاضة خبز جديدة في المغرب، هناك أيضاً شكوى من الغلاء في موريتانيا. إذا كان من قبل مجرد ارتفاع ثمن الخبز أدى إلى خروج آلاف الناس إلى الشارع، ما الذي تتوقعه على الاستقرار الاجتماعي ارتفاع هذا الكم الهائل من أسعار عدد كبير من المواد الغذائية؟

مجدي صبحي: دعني أقول أني في الحقيقة مع السيناريو المتشائم جداً في هذا المجال. كما أشرتم، تآكل الطبقة الوسطى وانهيار أوضاعها الاجتماعية سيعني بلا جدال المزيد من عدم الاستقرار السياسي، هذه الطبقة حافظة للقيم السياسية وتنقل خبرتها للأجيال الأخرى، إذا كانت هذه الطبقة منشغلة عن الانخراط في السياسة وتعاني من أجل توفير قوتها اليومي فمعناها، أعتقد أن البديل الوحيد المتاح هو الفوضى العارمة. في عام، كما أشرتم، في يناير 1977 كان ما حدث هو فوضى عارمة من قِبل الجياع في القاهرة نتيجة لارتفاع أسعار الخبز، أو القول برفع الدعم، الآن ربما نشاهد سيناريو مختلف إلى حد ما في القاهرة، هو المطالبة بزيادة الأجور، المطالبة بمعاملة خاصة في الأجور من قِبل بعض الفئات، وهذه الاحتجاجات أضحت في الأسابيع والأشهر الأخيرة شبه يومية، سننتقل، أعتقد في حالة إذا ما أقدمت الحكومة على رفع الدعم فعلاً عن بعض المواد إلى حالة، أعتقد، من الفوضى العارمة نتيجة لعدم وجود تماسك سياسي اجتماعي مدعوم من الطبقة الوسطى التي انهارت أوضاعها في السنين الأخيرة.

محمد كريشان: سيد صالح التايه، موضوع رفع الدعم، كان في السنوات الماضية هو السبب الوحيد الذي يبرر ارتفاع الأسعار، الآن أصبح سبب عالمي وموضوع رفع الدعم، هل تعتقد بأن الحكومات ربما ستؤجل هذا الرفع للدعم لأن أصلاً هناك واقع دولي جديد يؤدي إلى رفع الأسعار أصلاً دون رفع الدعم؟

صالح التايه: يا أخي سواء رُفع الدعم أم لم يرتفع فالأسعار سترتفع. الدعم يعني الحكومة بتصرف، الحكومة زيها زي القطاع الخاص، كالأفراد، وبالتالي سيؤدي إنفاق الحكومة بواسطة الدعم إلى ارتفاع الأسعار. يعني الإنفاق سواء كان حكومي أو قطاع خاص سيؤدي في النهاية إلى ارتفاع الأسعار، لكن يجب البحث عن حلول حقيقةً، الحكومات حالياً تتجه..

محمد كريشان (مقاطعاً): يعني عفواً أقصد، مثلاً رغيف الخبز، الكثير من الحكومات العربية أو أغلبها تدعم ثمن الرغيف، إذا قلّصت هذا الدعم سيرتفع ثمن الرغيف ولكن هناك سلع أخرى ثمنها مرتفع لأنها عالمياً مرتفعة. إذاً الحكومة لا تملك شيئاً في هذه الحالة.

صالح التايه: بالضبط، هناك الحكومات تحاول أن تخفف من حدة التضخم عن طريق شبكات الأمان الاجتماعي، وضع حدود دنيا للأجور، رفع الرواتب. طبعاً هذه حلول مسكّنة قصيرة الأجل، يجب البحث عن حلول طويلة الأجل، رفع الإنتاجية، رفع سوية وسائل الإنتاج، أصير أنتج، قمح، سكر، رز، إلى آخره. توزيع الثروات توزيع عادل لا أقول متساوي، تشجيع البحث العلمي، إقامة تكتلات اقتصادية فاعلة. العالم كله الآن فيه تكتلات اقتصادية، بلد لوحده لا يستطيع أن يتعايش.. يعني مشكلة التضخم حتى لو تمّت معالجتها هذه المرة ستعود مرة أخرى، هي ظاهرة تاريخية ليست جديدة. تفعيل قوانين منع الاحتكار..

محمد كريشان (مقاطعاً): المشكلة سيد صالح، أن ارتفاع الأسعار ليس فقط في المواد الاستهلاكية والمواد الغذائية، حتى في الأدوية، حتى في الخدمات، حتى في الكهرباء، حتى في الماء. هل يمكن للمواطن، خاصة من ذوي الدخل المحدود، أو المعدمين، أو العاطلين عن العمل أن يتحملوا هذا الواقع المرير الجديد؟

صالح التايه: الحكومات تحاول التخفيف من حدة الارتفاع كما ذكرنا عن طريق شبكة الأمان الاجتماعي، مؤسسات الضمان الاجتماعي. طبعاً هذه حلول كما قلنا مسكّنة، على أهميتها، جيدة وضرورية للحفاظ على الطبقة الوسطى ولدعم الفقراء لكنها ليست حلول طويلة الأجل، إذا لم نعالج الأمور طويلة الأجل سيعود التضخم مرة ومرة أخرى.

محمد كريشان: سيد مجدي صبحي في القاهرة، يعني هل نحن أمام ظاهرة لا رجوع عنها؟ وبالتالي علينا أن نواجهها بما هو متوفر من إمكانيات؟

مجدي صبحي: أعتقد أن فكرة لا رجوع عنها في الاقتصاد فكرة غير سليمة. التضخم عالمياً ارتفع إلى مستويات أعلى مما نشهده حالياً في نهاية السبعينات وأوائل الثمانينات وعاد لينخفض جداً. أيضاً علينا أن نذكر أن معدلات التضخم الراهنة في الدول العربية على الرغم من أنها الأعلى ربما منذ عقدين، إلا أنها في الحقيقة شهدت فترة طويلة من الهدوء. وبالتالي القول بأن لا رجوع عن ارتفاع الأسعار هذا، أولاً، لا أعتقد أنه صحيح، ثانياً، أنه لا يمكن القول بأن كافة الحكومات أصبحت عاجزة أمام ارتفاع الأسعار. هذا أمر غير صحيح عالمياً، كما نشهد محاولات من قِبل البلدان التي ترتفع فيها معدلات التضخم في أوروبا لمحاربة هذا التضخم بكل السبل الممكنة، لا سيما بتدخل سريع من قبل السلطات النقدية لمحاربة التضخم في الأجل القصير، وأيضاً العمل على تشجيع الاستثمار في الأجل الطويل لأجل زيادة العرض من السلع والخدمات. وبالتالي أعتقد أن فكرة أن الحكومات ستبقى عاجزة أمام معدلات التضخم تنفي أهمية وجود اقتصاديين وأهمية علم اقتصاد بالأساس، لأن العلم وجِد في الحقيقة لكي يدرس مشكلات مثل هذه، ويدرس السبل الممكنة لمكافحة هذه المشكلات، وبالتالي أعتقد أن هناك الكثير الذي يمكن عمله والذي لم يتم حتى الآن، ربما واحد في المائة منه في معظم البلدان العربية، لا سيما بالفعل في البلدان العربية الفقيرة نسبياً.

محمد كريشان: سيد صبحي، هل زيادة الرواتب يمكن أن تكون حلاً؟

مجدي صبحي: أعتقد أنها حل مطلوب للمدى القصير جداً، لأنه من المعروف أن هذه الرواتب ربما في الحقيقة إذا لم توازيها زيادة في معدلات الإنتاج في السلع المختلفة ستدفع إلى المزيد من التضخم. بل دعني أقول أن هناك الآن نشهد تغذية ذاتية للتضخم من قبل المواطنين ذاتهم، بمعنى أنه في حالة بقاء أسعار الفائدة منخفضة وبالتالي سعر الفائدة الحقيقي أي سعر الفائدة في البنوك ناقص معدلات التضخم، المعدل الحقيقي للفائدة في الحقيقة هو سالب أو صفر، والتالي يتجه جمهور المدّخرين ليس إلى البنوك ولكن إلى قطاعات تؤمّنهم ضد التضخم مثل القطاع العقاري، على سبيل المثال، يتم مضاربة شديدة الآن في القطاع العقاري في معظم البلدان العربية هروباً من التضخم، وبالتالي هناك تغذية ذاتية لهذا التضخم. رفع الأجور ربما يفعل نفس الشيء وإن كان بمعدلات أقل، لأنه في الحقيقة هناك عدد كبير من المواطنين الذين يشكون الآن من ارتفاع الأسعار، مواطنين فقراء بالفعل ليس لديهم ما يكفي حاجاتهم الأساسية، وهو أمر يختلف عن هؤلاء الذين يذهبون بمدّخراتهم للمضاربة في بعض القطاعات.

محمد كريشان: شكراً جزيلاً لك السيد مجدي صبحي الخبير الاقتصادي في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، شكراً أيضاً لضيفنا من عمان صالح التايه نائب محافظ البنك المركزي الأردني السابق. وبهذا مشاهدينا نكون قد وصلنا إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم. كالعادة نذكركم بإمكانية إرسال بعض المقترحات لحلقات مقبلة وذلك على العنوان indepth@aljazeera.net

غداً بإذن الله قراءة جديدة فيما وراء خبر جديد، في أمان الله.