- الآثار المترتبة على الحكم
- إمكانية تقديم إسرائيل للمحاكمة


خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلا بكم، نحاول في هذه الحلقة التعرف على ما وراء إصدار محكمة العدل الدولية، أعلى هيئة قضائية في الأمم المتحدة، حكما اعتبرت فيه أن مذبحة سربرنيتسا جريمة إبادة جماعية، غير أن المحكمة الدولية برَّأت الجمهورية الصربية من المسؤولية القانونية عن هذه المذبحة بالرغم من أنها اعتبرت أن الدولة الصربية انتهكت القانون الدولي لعدم تحركها لمنع وقوع المجزرة، نطرح في حلقتنا تساؤلين اثنين، ما هي الآثار المترتبة على حكم محكمة العدل الدولية في حق الدولة الصربية فيما يتعلق بمذبحة سربرنيتسا؟ وماذا يعني قبول المحكمة النظر في القضية التي رفعتها جمهورية البوسنة وأي سابقة تسجل ذلك؟

الآثار المترتبة على الحكم

خديجة بن قنة: إذاً في أول سابقة من نوعها في تاريخ الأمم المتحدة أصدرت محكمة العدل الدولية أعلى هيئة قضائية في الأمم المتحدة، أصدرت حكما اعتبرت فيه أن مذبحة سربرنيتسا التي قُتل فيها نحو ثمانية آلاف من مسلمي البوسنة عام 1995، هي جريمة إبادة جماعية ارتكبتها عناصر من جيش صرب البوسنة.

[شريط مسجل]

روزالين هيغينز - رئيسة محكمة العدل الدولية: خلصت المحكمة إلى أن الأفعال التي تم ارتكبها في سربرنيتسا والتي تقع تحت طائلة البندين 2 وباء من معاهدة الأمم المتحدة لمنع جرائم الإبادة الجماعية قد ارتُكبت بالنية المسبقة لتدمير مجموعة مسلمي البوسنة والهرسك وبناءً على ما تقدم فإن هذه الأفعال تعتبر جرائم حرب ارتكبتها عناصر من جيش صرب البوسنة في سربرنيتسا وحولها ابتداءً من الثالث عشر من يوليو عام 1995، لقد ذكرت المحكمة أن جريمة الإبادة الجماعية التي ارتُكبت في سربرنيتسا والتي تم إثباتها فيما تقدم لم تتم في أراضي الطرف المدعى عليه وتستخلص المحكمة من هذا أن الدولة المدعى عليها لا يمكن أن تُدان بهذا الفعل ما لم تكن قد حاكمت الضالعين في جريمة الإبادة الجماعية التي ارتُكبت في سربرنيتسا.

فون فان دين بيسن - عضو هيئة الدفاع عن البوسنة والهرسك: حكم المحكمة ركز أيضا على أن صربيا والجبل الأسود لا تتعاونان مع محكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة وأن المعاهدة المتعلقة بجرائم الإبادة تفرض عليهم التعاون والتسليم الفوري لميلاديتش إلى محكمة لاهاي.

مصطفي أفندي سيرستش - رئيس رابطة علماء البوسنة والهرسك: المحكمة من ثمانية اتهامات ضد صربيا قد حكمت لصالح البوسنة والهرسك في خمس قضايا، لكن نحن غير مبسوطين بالقرار، إن صربيا والمونتنغرو لم ينفذوا الإبادة الجماعية (Genocide) مباشرة.

خديجة بن قنة: ولمناقشة هذا الموضوع معنا في هذه الحلقة من لندن سفير البوسنة الأسبق مأمون نحاس ومن باريس الدكتور محمود رفعت مصبح خبير القانون الدولي في المحكمة الجزائية الدولية ومعنا في الأستوديو الدكتور عبد الحسين شعبان الناشط في المجالات القانونية وحقوق الإنسان وقبل أن نبدأ النقاش في هذا الموضوع نستمع أولا إلى آراء عينة من الشارع البوسني، فلنتابع.

[عينة من آراء الشارع البوسني حول قرار المحكمة]

مواطن بوسني - مشارك أول: أنه عار كبير على المحكمة الدولية، المجتمع الدولي تواطأ مع صربيا، لم نتوقع ذلك أبدا منهم، أعتقد أنه قرار غير عادل على عكس ما كنا نتوقع تماما.

مواطن بوسني- مشارك ثان: تابعت بانتباه قرارات المحكمة من لاهاي، إذا برأتهم المحكمة من التطهير العرقي فإن التاريخ سيذكر دائما أنهم بدؤوا جرائم الإبادة، يجب أن يكون حكم المحكمة عادلا وبعيدا عن السياسة، إنهم سيدفعون ثمن جريمتهم يوما ما لأن هناك إله يحكم هذا العالم.

مواطن بوسني- مشارك ثالث: أعتقد أن هذا القرار غير جاد وخيانة من المجتمع الدولي، فكما خانونا في بداية الحرب عام 1992 وكانوا يعلمون بأن ذلك تطهير عرقي فهم الآن ينكرون ذلك بحق صربيا.

مواطنة بوسنية - مشاركة أولى: قرار محكمة العدل يبين لنا حجم العدالة في أوروبا، من بداية الحرب وحتى نهايتها كانت أوروبا تتجاهل مساعدة البوسنة وقرار المحكمة يؤكد ذلك لأن أوروبا والمحكمة تجاهلا كل الأدلة وكل ما حدث في الحرب أن ذلك يشكل خطرا على مستقبلنا ليس فقط بالنسبة لمسلمي البوسنة، بل للبوسنة بأكملها.

خديجة بن قنة: هذا بالنسبة لآراء الشارع البوسني، نبدأ النقاش مع السفير مأمون نحاس، أستاذ نحاس يعني بعد قرابة اثني عشر عاما من حدوث واحدة من أسوأ المجازر في أوروبا، محكمة العدل الدولية تعتبر ما حدث، تعتبره جريمة إبادة جماعية ولكنها تبرئ صربيا، كيف ترى هذا الحكم؟

مأمون نحاس - سفير البوسنة الأسبق لدى بريطانيا: طبعا بلا شك أنه هذا قرار سياسي ومعروف يعني عدالة أوروبا تجاه البوسنة منذ البداية المجتمع الدولي وأوروبا خاصة خذلت البوسنة في البداية وتركت الصرب يقتلون ما يزيد عن مائتين وخمسين ألف بوسني، مش الموضوع موضوع سربرنيتسا فقط بسبعة.. ثمانية آلاف من الذين أُبيدوا ولكن خذلان المجتمع الدولي في البداية والآن جاءت المحكمة بعد مرور هذا الوقت من الزمن والأدلة كلها واضحة، تأتي بنصف قرارات مبهمة غير واضحة بدل ما أن تقرر وتحكم حكما بيِّنا واضحا صريحا ضد جمهورية صربيا.. صربيا وميلوسوفيتش هم الذين بدؤوا الحرب ضد البوسنة وهذه النتيجة الآن التي أتت فيها المحكمة هي واضحة جدا يعني هي قرار سياسي وليس قرارا عادلا.

خديجة بن قنة: طيب، في باريس دكتور محمود من الناحية القانونية كيف ترى هذه التبرئة لصربيا رغم أنها كما يقول القرار، لم تتدخل لوقف المجزرة وهي تملك الوسائل الكافية لمنع حدوثها وتملك نفوذا أيضا على صرب البوسنة؟

"
الدولة في القانون الدولي هي شخصية اعتبارية تتمتع بالسيادة، والسيادة حصانة لا يمكن اختراقها، وإذا ما تمادينا في تجريم دولة فإننا نحكم على شعب بأسره بعقوبة معينة، لذلك الحتمية القانونية تمنع من أن توجه التهمة لدولة كاملة
"
   محمود رفعت مصبح

محمود رفعت مصبح - خبير القانون الدولي - باريس: نعم، حقيقة أن هذه القضية هي في حد ذاتها سابقة في تاريخ القانون الدولي عامة والقانون الدولي الجنائي خاصة أن تقام قضية تتهم فيها دولة بأنها قد ارتكبت جريمة ممنهجة بناءً على إيديولوجية الشعب وبالتالي فإن.. وأوجه كلامي للسيد السفير الذي تحدث من قبلي وأقول له يا سيدي هناك ما يسمى بالحتميات القانونية، نعم قد يكون هناك الجريمة مرتكبة وقد يكون.. وتوافرت كل عناصر الجريمة من جريمة و(Victim) أو ضحية وجاني ومجني عليه وأداة الجريمة ومسرح الجريمة وكل شيء ولكن الحتمية القانونية تمنعني من أن أطبق حكما تعسفيا من شأنه أن يقلب موازين معينة إذ لا يمكننا بحال من الأحوال في القانون الجنائي الدولي أن نوجه التهمة لدولة كاملة لسببين بسيطين، أولا أن كل دولة في القانون الدولي هي شخصية من شخصيات المجتمع الدولي الاعتبارية وكل شخصية تتمتع بالسيادة والسيادة هي حصانة أو بوتقة لا يمكن اختراقها هذا من الناحية الأولى، من الناحية الثانية إذا ما تمادينا بتجريم دولة بأكملها وليس نظاما وليس أفعالا معينة فإننا بذلك نحكم على شعب بأسره بعقوبة معينة كأن تكون عقوبة السجن مدى الحياة أو عقوبة بدنية إلى آخره وهذا غير متصور في عالم القانون الدولي ولكن مع أن هذا الفرض ينافي العدالة إلا أنه بحال من الأحوال يحقق أيضا يعني موازنة أخرى، إنها في العدالة فإنه يحقق موازنة أخرى، أنا أتكلم من اعتبارات قانونية بحتة أنه يحقق موازنة التواجد الطبيعي لأن هذه الأيديولوجيا قد تتغير يوما، تلك الأيديولوجية العدائية قد تتغير يوما لهذا الشعب وتصبح أيديولوجيا سلمية وتصبح أيديولوجيا تعتذر عما قدمت وتقدم التعويضات إلى آخره ولكن مسألة إبادة، عفوا مسألة معاقبة شعب بأكمله هذا أمر غير متصور في عالم القانون الدولي تحديدا بناءً على فعل ارتكبه قادة هذا الشعب من جيوش أو من وزراء أو من حكام إلى آخره..

خديجة بن قنة: طيب، على ذِكر القانون الدولي يعني كلمة (Genocide) أو إبادة توصف الإبادة الجماعية بأنها أخطر جريمة يعترف بها القانون الدولي لكن إثباتها صعب، لماذا؟

عبد الحسين شعبان – ناشط في المجالات القانونية وحقوق الإنسان: نعم، أولا الجرائم الخاصة بجرائم الإبادة الجماعية (Genocide) وجريمة الجرائم ضد البشرية جرائم التي تهدد السلم والأمن دوليا جرائم الحرب بذاتها وجريمة العدوان تعتبر من الجرائم الجسيمة الخطيرة في القانون الدولي، إثباتها يحتاج إلى سلسلة وطائفة من الإجراءات، تبدأ هذه الإجراءات فيما يتعلق بمحاسبة المرتكبين للتوصل فيما إذا كان قد صدر قرار ما من جهة عليا في الدولة المعنية يدعو إلى جرائم الإبادة الجماعية، يعني التطهير العرقي، يعني القتل الجماعي، يعني العقاب الجماعي إلى آخره، كل هذه تشكل جرائم خطيرة وجسيمة، أريد أن أقول إن هذه السابقة القانونية التي أخذتها على عاتقها محكمة العدل الدولية مهمة ومفيدة للبناء عليها على صعيد أوضاع المستقبل، صحيح أنها لم تحقق العدالة كاملة، حققت نصف عدالة ونصف إجحاف لأنها اعتبرت هذه الجريمة للإبادة الجماعية وفي الوقت نفسه برَّأت حكومة صربيا من مسؤولياتها عن ارتكاب هذه الجريمة، جريمة العدوان الذي تم تعريفه بالعام 1974 تنطبق على هذه الجريمة إضافة إلى اتفاقية جنيف لعام 1949 يمكن الآخذ أيضا بسوابق قانونية محكمتي نورنبرج وطوكيو العسكريتان لمحاكمة مجرمي الحرب النازيين في ألمانيا والعسكريين اليابانيين، كل هذه ما صدر عنهما من أحكام يشكل خلفية قانونية لهذه المحكمة.

خديجة بن قنة: نعم وسنتحدث بعض الفاصل إن كان هذا الحكم يشكل فعلا سابقة يبقى عليها في المستقبل بالنسبة لقضايا ومجازر أخرى، نتابع ذلك بعد وقفة قصيرة فابقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

إمكانية تقديم إسرائيل للمحاكمة

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلا بكم من جديد وقبل أن نواصل النقاش في التقرير التالي نظرة على التكييف القانوني لجريمة الإبادة الجماعية.

[تقرير مسجل]

أمير صديق: وحده ما حدث في سربرنيتسا اعتُبر إبادة جماعية من بين الفظائع التي ارتُكبت في حق مسلمي البوسنة طيلة ثلاث سنوات حصدت مائتي ألف من بينهم ورغم أن المحكمة لامت صربيا لعدم تحركها لوقف جريمة سربرنيتسا مع علمها المسبق بها إلا أنها لم تعتبرها مُدانة في تلك المجزرة، فكيف تكيِّف الجرائم بوصفها إبادة جماعية في القانون الدولي؟ وكيف يحدَّد الضالعون فيها يطلق مصطلح الإبادة الجماعية على الجرائم المرتكبة بنية القضاء كليا أو جزئيا على مجموعة قومية أو عرقية أو دينية وتعتبر الإبادة الجماعية أخطر جريمة يعترف بها القانون الدولي، لكنها كذلك من أصعب الجرائم من حيث إمكانية إثباتها، إذ يشترط خبراء القانون الدولي للإثبات توفر أقوال مكتوبة أو شفهية للمتهم يقر فيها بنيته أو يدعو من خلالها إلى الإبادة الجماعية أو يوافق عليها يتألف مصطلح (Genocide) الذي يستخدم في القانون الدولي للتعبير عن معنى الإبادة الجماعية، يـتألف من جزئيين الأول مشتق من الكلمة اليونانية جينوس وتعني عرق والثانية مشتقة من الكلمة اللاتينية سايديري التي تعني قتل ويسجل تاريخ القانون الدولي أن رافائيل ليمكين وهو يهودي بولندي لجأ إلى الولايات المتحدة وعمل مستشارا في وزارة الحرب الأميركية، هو أول من أطلق هذا المصطلح لوصف جرائم النازيين عام 1944، إلا أن القانون الدولي لم يعترف بجريمة الإبادة الجماعية، إلا بعد ذلك بأربع سنوات وبفضل معاهدة الأمم المتحدة التي حددت جملةً أفعالا بوصفها جرائم إبادة جماعية إذا ارتكبت بهذا في القضاء كليا أو جزئيا على مجموعة قومية أو عرقية أو دينية وهذه الأفعال هي القتل، المساس الخطير بالسلامة الجسدية والنفسية، الإخضاع المتعمد لأفراد مجموعة لظروف معيشية قد تؤدي إلى تدميرهم بشكل كامل أو جزئي، الإجراءات التي تهدف إلى منع ولادات داخل مجموعة بشرية معينة، النقل القصري لأطفال من مجموعة إلى أخرى، إذاً دكتور عبد الحسين شعبان هذه أول مرة تبُتّ فيها هيئة قضائية عليا تابعة للأمم المتحدة في اتهامات إبادة وجهتها دولة لدولة أخرى، هل تشكل هذه سابقة يمكن أن يبنى عليها في المستقبل بالنسبة لدول أخرى مثل إسرائيل مثلا؟

عبد الحسين شعبان: نعم، إسرائيل وما قامت به الولايات المتحدة في العراق وأريد أن أقول إن وظيفة محكمة العدل الدولية هي الفصل في النزاعات بما فيها هذه القضايا، تفسير قواعد القانونية والمعاهدات عند اللجوء إليها، إصدار فتوى استشارية وأصدرت محكمة العدل الدولية فتوى استشارية دمغت إسرائيل بأنها قامت ببناء جدار الفصل العنصري بما تستحقه المسائلة ما قام به شارون..

خديجة بن قنة: وأصدرت محكمة العدل الدولية قرارا بعدم شرعية بناء الجدار العازل.

"
ما قام به شارون في لبنان من ارتكابات وما حصل في صبرا وشاتيلا إذ قُتل في يوم واحد أكثر من ألف مواطن فلسطيني إضافة إلى بعض اللبنانيين، كلها تشكل جريمة من جرائم الحرب وجريمة من جرائم الإبادة الجماعية

"

عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان: نعم، عدم شرعية هذا القرار دمغت فيه إسرائيل، قالت بعدم شرعية بناء هذا الجدار، ما قام به شارون في لبنان من ارتكابات وهناك اتهامات كثيرة خصوصا ما حصل في صبرا وشاتيلا إذ قُتل في يوم واحد أكثر من ألف مواطن فلسطيني، إضافة إلى بعض اللبنانيين، كلها تشكل جريمة من جرائم الحرب وجريمة من جرائم الإبادة الجماعية، لذلك جرت محاولات لملاحقة شارون في بلجيكا من قِبل لجنة عربية دعت لوضع هذه الاتهامات في موضع قانوني وبالتالي مسائلتي، أريد أن أقول إن الولايات المتحدة حاولت أن تتملص من هذه الارتكابات مسبقا في العام 1998، عندما أُبرم ميثاق المحكمة الجنائية الدولية في روما هي وإسرائيل وقَّعتها في اللحظة الأخيرة وعندما دخل ميثاق روما حيز التنفيذ في عام 2002 انسحبت الولايات المتحدة وانسحبت إسرائيل من ميثاق محكمة روما الجنائية الدولية في سابقة دولية خطيرة لحماية جنودها من المساءلات القانونية، من الارتكابات ولكن هذا لا يعفيها من المساءلة القانونية خصوصا وأنها قامت بارتكابات خطيرة وجسيمة في العراق منذ الاحتلال الذي استند على أعذار وحجج واهية ومزعومة مثل وجود أسلحة دمار شامل، مثل علاقة العراق بالإرهاب الدولي وقامت بتدمير الدولة العراقية بحل مؤسساتها العسكرية، بنهب ثرواتها، بنهب متاحفها، بوضع البلاد كلها على كف عفريت وتعاني البلاد منذ ذلك الوقت حتى الآن، أي منذ نحو أربع سنوات من خطر الإرهاب الدولي، من الطائفية السياسية، من التشظي المجتمعي، من أعمال الإبادة التي تقوم بها قوات الاحتلال، ما حصل في الفلوجة وما حصل في النجف وما يحصل يوميا في بغداد وما يحصل في جميع مدن العراق تحمِّل الولايات المتحدة مسؤولية قانونية، على هذا الصعيد هناك دعاوى من عراقيين يريدون أن يقيمون بالتعاون مع القضاء الدولي دعاوى على الولايات المتحدة لمسائلتها عما ارتكبته إزاءهم، إزاء عوائلهم، إزاء مناطقهم، إزاء ثرواتهم وإزاء العراق ككل بما يترتب عليها هذه المسؤولية الجسمية الخطيرة الدولية.

خديجة بن قنة: نعم، إذاً دكتور محمود هل ترى أن هذه السابقة أنت أيضا ستشجع دول أخرى على أن تحذو حذو البوسنة في رفع قضية إلى هيئة قضائية عليا كهذا؟

محمود رفعت مصبح: نعم، حقيقة أن نظام السابقة القضائية هو نظام أنغلوسكسوني أصلا، في المدرسة الأنغلوسكسونية.. المدرسة القضائية الأنغلوسكسونية أو الأنغلوفونية والقانون الدولي يعتمد في ركيزته على هذه المدرسة وبالتالي فإن السابقة القضائية هو نظام معمول به في القانون الدولي وبالفعل يمكن أن يتعقب بعد ذلك كل مَن حاق به إذا من مكان معين أو من جماعة معينة أو من نظام حكم معين، هذا النظام أمام القضاء الدولي لاحقا لأنه كما نعلم أن الآن القضاء الجنائي الدولي لا يزال.. يمكن أن نصفه بأنه لا زال يخطو خطواته الأولى في عالم الوجود، أي القضاء الدائم لأن المحاكم الأدهوك مثل محكمة يوغوسلافيا أو هذه النوعية من المحاكم محاكم مرحلية ولكن المحاكم الدائمة مثل المحكمة الجنائية الدولية لا زالت تخطو وبالفعل أضعف من شوكتها انسحاب الولايات المتحدة الأميركية منها إلى آخره ولكن هناك أمل كبير أنه في العقد أو العقدين القادمين سيكون هناك تثبيت لخطى هذه المحكمة وسيكون لها شوكة قوية وقادرة على يعني معادلة الكفة وهنا سيكون هناك بريق أمل للشعب العراقي الذي استُخدمت ضده بالفعل أسلحة دمار شامل ووجدنا أجسادا مميَّعة في مدينة الفلوجة، سيكون بمقدور الشعب الفلسطيني، سيكون بمقدور شعبنا العربي العراقي الذي استُهدف من سواء قوات احتلال مباشرة مثل أميركا أو بعض القوى الإقليمية مثل التدخلات الإيرانية إلى آخره، سيكون بمقدوره ملاحقة هذه القوى وهذه الجماعات ولكن ليس يعني الاحتلال لا ينسب إليه في العراق لن ينسب إليه الإبادة الجماعية أو (Genocide) بقدر ما يمكن أن يوصف لقوى إقليمية أخرى مثل إيران التي تعمدت استهداف طائفة معينة أو شيء من هذا القبيل ولكن ما يعنينا هنا أنها نعم، سابقة قضائية سيرتب عليها القانون الجنائي الدولي وفقهه وأحكامه القضائية المستقبلية تعويلا كبيرا وهذا من شأنه أن يعطينا بريق أمل بالنسبة لأمورنا نحن في العالم العربي.

خديجة بن قنة: نعم.. نعم يبدو أن الدكتور عبد الحسين شعبان يهز رأسه ويريد أن يرد عليك، لكن قبل ذلك أنتقل إلى السفير مأمون نحاس يعني لمسنا من خلال ردود أفعال الشارع البوسني أن هناك صدمة وخيبة أمل من هذا القرار، رئيسة رابطة نساء ناجيات من المجزرة منيرة سوباسيتش فقدت اثنين وعشرين فردا من عائلتها قالت، أوروبا أثبتت مرة أخرى أنها ضد المسلمين، هل ترى أن هذا الحكم سيتسبب في توتر أكثر بين صربيا والبوسنة؟

مأمون نحاس: والله خلينا.. يعني أنا الأخوان هنا بيتكلموا من ناحية قانونية ومن ناحية قانونية، أين النواحي الإنسانية؟ أين النواحي البشرية؟ يعني أهالي الناس الذين تم إعدامهم وإبادتهم يعني مَن الذي سيقنعهم بعدالة أوروبا، هم مسلمون من أوروبا، كيف يمكن لهم أن يثقوا في أوروبا بأن هذه هي عدالة أوروبا؟ مَن كان يقف وراء صرب البوسنة غير صربيا؟ سؤال بدي أسأل الإخوان هنا اللي بيتكلموا من ناحية قانونية علامَ كان يحاكَم ميلوسوفيتش في لاهاي؟ كان يحاكَم بتهمة الإبادة الجماعية وهو رئيس جمهورية صربيا وهو المخطط والعقل المنفذ وهو صاحب صربيا الكبرى وهو الذي بدأ الحرب ضد سلوفينيا واستكملها حربا ضد كرواتيا وأنهاها في حرب ضد البوسنة، عمل مبرمجا لما جاء للبوسنة كان العمل أمام صرب البوسنة إبادة المسلمين لأنهم يعلمون أن العالم الغربي في أوروبا لا يثق ولا يريد ولا يحب أن يرى مسلمين في وسط أوروبا، هذه الفئة الإسلامية الأوروبية لا مكان لها في أوروبا، الشارع البوسني، نعم محبط ومخيب للآمال، القرار الذي صدر من محكمة العدل العليا ياريت يسمونها غير كلمة العدل العليا لأن ليس هناك عدل، كيف يمكن لمحكمة العدل العليا أن تبرئ صربيا بهذا الأسلوب السخيف بأنه لم يَثبت على صربيا بأنها قد دعمت مخططات إبادة جماعية، مَن الذي كان يسلح صرب البوسنة؟

خديجة بن قنة: وربما إذا أضفنا إلى ذلك..

مأمون نحاس: مَن الذي كان يقف..

خديجة بن قنة: نعم.. نعم أستاذ نحاس لكن ربما إذا أضفنا إلى ذلك دكتور شعبان ما قاله الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان الأمين العام السابق قال إن فشل المنظمة الدولية في منع وقوع هذه المذبحة سيطارَد تاريخنا وتاريخ الأمم المتحدة إلى الأبد؟

عبد الحسين شعبان: هذا صحيح ولذلك هو دعا في الدورة 56 للأمم المتحدة إلى التدخل لأغراض إنسانية، اعتبر قاعدة حقوق الإنسان ذات سمة علوية، أي اعتبرها ذات صفة إلزامية بمعنى من المعاني (كلمة بلغة أجنبية) كما يقال باللاتينية الجوانب الإنسانية التي تحدث عنها سعادة السفير هي مسائل مهمة ولكن لابد من إثباتها قانونا عند الاعتراف بوجود جرائم الإبادة الجماعية، لا بد هناك من منفذ ولا بد هناك من مسؤول وبالتالي لا يمكن لهذه الجريمة إذا ما جرى إثباتها أن تثبت ضد مجهول، أريد أن أقول إن قوات الاحتلال في العراق تتحمل المسؤولية الأساسية عن كل الجرائم المرتكَبة في العراق طبقا لقواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 لهذا فقط يعني أريد أن أضيف أن..

خديجة بن قنة: باختصار شديد أدركنا الوقت.

عبد الحسين شعبان: هذه المسألة هي مسألة في غاية الأهمية هي يعني سير وراء العدالة التي ستتحقق في عقد أو عقدين لاحقين ربما.

خديجة بن قنة: شكرا جزيلا لك الدكتور عبد الحسين شعبان خبير القانون الدولي هنا معنا في الاستديو، أشكر أيضا الأستاذ السفير مأمون نحاس من لندن والدكتور رفعت مصبح من باريس، شكرا لكم وبهذا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم، بإمكانكم المساهمة في اختيار مواضيع الحلقات القادمة بإرسالها على عنوانا الإلكتروني indepth@aljazeera.net، أطيب المُنى وإلى اللقاء.